محمود سعيد : نطّة الضفدع (1)

1

الروائي محمود سعيد

يتسلّل الضّوء من بين المرتفعات، يصبغ الكون بذلك الألق الشّفيف، فتُطلّ معالم المدينة العتيقة الضّاربة في القدم شبحاً من أشباح الماضي، منتصباً في تراكم أبنيّة قديمة تعلو وتهبط لتأخذ تشكيلها النّهائيّ كمثلّث قاعدته دجلة، وقمّته منارة الحدباء المتعبة، ترنو إلى الأرض باعوجاج مخيف يخيّبظنّاً دائماً قديماً لقرون عدّة بسقوط كارثيّ محتمل لم يحدث قطّ.
من مكانه قرب مدينة الورود يراقبنور الدّينالمنظر اليومي السّاحر كلّ فجر، يتنشّق رائحة ملكة اللّيل، والبنفسج، والآس يتضوّع نديّاً من حديقة البيت المجاور، المطلّ على الشّارع، في الوقت الذّي تتسلّل أشعة الشّمس رقيقة، حيّية، متسربلة بلون ذهبيّ فاتح، لتضفي على الكون سلاماً عميقاً مؤذناً ببدء يوم جديد.
يُقرفصنور الدّينوذنّون على رصيف الشّارع مع آخرين، في تجمّع العمال اليوميّين (المسطر) ينتظران من يختارهما. في هذا الفجر كان في دوّامة مع حلم تكرّر بضع ليالٍ، ما إن يضع رأسه على الفراش. حلم يدوّمه، يلفّه بسعادة لا نهائية، لكنّه هذه اللّيلة أصبح أشبه بسلسلة طويلة ما تنتهي حتّى تبدأ من جديد.
أرأى أجمل من دنيا؟ لا. يعود خيالها بين حين وحين. قبل كم سنة رآها؟ أخذ يحسب بأصابع يديه. سبع سنين، كاملة. في مثل هذا الصّيف. إذاً كان في الخامسة عشرة، وكانت أصغر منه بسنتين فقط.
اُنتدب لمساعدة خالته في تصعيد الحنطة المسلوقة إلى السّطح.خالته عاقر.تحبّه كولد حلمت به ولم تلده. يتعاون الجيران على إعداد المؤونة، يسلقون الحنطة، في الحوش. تعجبه طقوس إعداد المؤونة السّنويّة المتوارثة سنة بعد سنة إتقاء سنوات الجفاف. يا لتلك الطّقوس من بهجة!القدرُ كبير، قطره أكثر من متر، يستأجرونه لسلق الحنطة. منذ أن كان في العاشرة ينتدب من دون إخوته لتصعيد “السّليقة” إلىسطح تغسله خالته قبل يوم، تعدّه لتجفيفها.
يلمع جصّ السطحأبيض ناصعاً تحت أشعّة الشّمس في زاويته اليسرى البعيدة فراش خالته وزوجها ملموماً، تغطّيه حصيرة صفراء أفقدتها الشّمس صفاء لونها.
رافقته خالته في أوّل سطل يصعد به. فوجئ بدنيا واقفة أمامه، أشارت خالته إليها: أرم الحنطة أمامها، تعرف كيف تفرش السّليقة. حدّق بابنة الجيران المراهقة. خفق قلبه. أضافت خالته: ” منذ أن كانت في العاشرة تقوم في هذه العملية. شاطرة.”
تتوقف سيّارة (بيك أب)، يترجّل منها رجل أشقر وسيم، في الأربعين، طويل القامة، عينان صفراوان، شعر سبل، وفتى يشبهه في نحو الأربع عشرة، يتفحّصان العمّال، يشتدّ وجيب قلب نور الدّين، ينظر إلى ذنّون.وجه مضطرب مصفرّ، يشدّ على كفّه مشجّعاً: لا تخف، سأبقى معك. تتكرّر الحوادث كلّ يوم مع أصحاب العمل، يختاروننور الدّينلطوله، وما يشعّ في تكوين جسده من قوّة، يهملون ذنّون، لقصره وهزّاله، يشيرالرّجل إلى نور الدّين: أنت.
كما توقّع، يتجاوز الرّجل الأشقر ذنّون، يغوص قلب نور الدّين، ثمّ يتخلّص من توتّره بصعوبة، يجبر نفسه على الابتسام، يحاول أن تبدو كلماته لطيفة قدر الإمكان: حجّي.هذا أخي، أقوى مني، لا يخدعك منظره، إن لم يعمل مثلي أو أحسن مني لا تعطِ كلينا أيّ فلس.
يبتسم الرّجل بملئ فيه: وإذا لم أختره؟
يضحك نور الدّين ضحكة قصيرة: خرجنا معاً، والتّوفيق من الله.
– ونعم بالله، حسناً اصعدا.
– شكراً.
يكبتان فرحة كبرى، يتسلّقان (البيك أب) بخفّة، مع ستّة عمال آخرين، تدور السّيّارة، تتّجه نحو المدينة، يتحرّك الهواء، يأتي بارداً لذيذاً، بينما تضرب أشعة الشّمس الطّالعة هلال منارة جامع الجادر البعيد، يلمع كالفضّة بالرّغم من صدئه. آنئذ بدأت تظهر تجمّعات النّاس في أشدّها أمام محلّات معيّنة على طول الشّارع، في انتظار مجيء سيّارات توزيع الأغذيّة الحكوميّة: مشتقّات الألبان، اللحوم، الأسماك الخ.
يشيح ذنّون بعينيه: أأحلم في يوم ما بالتخلّص من هذه المناظر اللّعينة؟ يستيقظ المرء في الخامسة صباحاً، وينتظر حتّى التّاسعة ليحصل على قطعة لحم أو سمكة، أو أوقيّة لبن! أو قطعة زبد! أيّ ذلّ ونحن بلد نفطيّ، ماذا أفادنا النّفط؟
يضحك نور الدّين:لكنّي وجدت سعادتي بضع مرّات هناك.
حدّق به ذنّون: كيف؟
– كنت التصق خلف أيّ امرأة أراها، فإن ابتعدت أجد غيرها، مرّة أحسست بأن من أمامي استعذبت التصاقي بها.
-أنت ““سرسريّ””. أنانيّ. أنا أخاف من الانضباط العسكري!من الحزب، من الجيش الشّعبي، أكره أفق النّاس الضّيق؟ التّحجر؟ انعدام الحريّة؟ المستقبل المظلم؟كلّها مترابطة كالحلقة.وأنت لا تفكّر إلّا في الجنس؟ أين ثقافتك؟ تقرأ الكتاب بجلسة واحدة! لم تترك كتاباً إلا قرأته!
ثمّ تنفّس بعمق: لا انفكّ أحلم في يوم أتمتّع فيه بحريّتي! آكل ما أشتهي! ألبس ما يعجبني! أقول ما أفكّر فيه من دون خوف، وأنت لا تفكّر إلا في الالتصاق بمؤخرة امرأة مسكينة!
انفجر نور الدّين ضاحكاً: كفى. لا تتمادى. لا تبعني أفكاري. أنا من فكّر في الهرب وأقنعك.
هدأ ذنّون، غيّر لهجته: كم يوماً علينا أن نشتغل في نظرك؟
-شهر آخر فقط، سيكون لدينا ما يكفي للانتقال إلى عالم ثانٍ تتوافر فيه كلّ ما نحلم به، عالم يخلو من منغّصات العيش.
– لكن كيف سينقضي الشّهر؟ الانضباط العسكري وراءنا، يفتّش عنّا في كلّ مكان! إن أُلقيَ القبض علينا، لن نفلت منهم طول العمر.
– لا تخف، لن ينتشروا للبحث عن المتخلّفين إلا بعد العاشرة صباحاً، ونحن الآن في السّادسة، لا يفكّرون في المجيء إلى أمكنة محدّدة كمواقع البناء إلا بوشاية. ولا يعرف أحد أين نعمل. وحين ينتهي عملنا يكونون في وقت الرّاحة، أما في اللّيل فنستطيع أن نمكث عند الأقارب، الأصدقاء، إن هو إلا عمل شهر واحد فقط، حسبت حسابنا ما سنحصل عليه يكفينا ثلاثة أشهر في سوريا ولبنان.
– لن أشعر بالرّاحة إلا إذا وجدت نفسي خارج الحدود.
– أغمض عينك ثمّ افتحها ترى نفسك في الخارج، إطمئن.
2
تصل السّيّارة موقع العمل في شارع نينوى قبل السّادسة صباحاً،ما زالت البنايةفي مرحلة الأساس، بضعة عمّال، خلفة أسمر مربوع، على رأسه طاقيّة بيضاء، بدؤوا بإعداد ألواح خشبيّة ثخينة للسّير فوق خنادق الأساس، أرض واسعة،ربّما ستكون في المستقبلبضعة عشر دكاناً في الطّابق الأرضي، يعلوه ثلاثة طوابق أخرى، أبتسم نور الدّين:أظنّنا سنعمل هنا شهراً كاملاً.
– إن رضوا عنا.
– سيرضون. سنتعب أنفسنا، لا مفرّ من ذلك إما التّعب أو التّعفّن في الجيش، مكره أخاك لا بطل.
– أنتحرُ ولا التحق بالجيش، أنسيت أسعداً؟
– من ينساه، توسّلت به إن ينتسب مثلنا إلى ثانويّة الصّناعة ليتهرّب من التّجنيد، لكنّه أبى، قال وهو مقتنع قناعة تامّة:”سنتان في الجيش، وأكون حرّاً، ملِكاً، أعمل مع أبي بالتّجارة؟
المدلّل. وحيد والدّيه.حين يأتي في الإجازة تدعوهم أمّه، أصدقاء أربعة، نديم، ذنّون، غانم، نور الدّين، يمرحون، يتذوّقون أجمل الأطعمة، ثمّ يغادرون إلى الدّواسة، ليقضوا سهرة خالدّة. كانوا ينتظرون إجازته على أحرّ من الجمر. كريم، غني، صدوق. أخلاق قلّما تتوافر في شخص آخر. ثمّ اختفى فجأة. وَحدته في الشّمال، في عصر يوم ممطر جاؤوا بالصّندوق.طرقوا الباب، حين خرجت أمه رموا الصّندوق أمامها: “اُستشهد المرحوم في كمين نصبه العصاة.” في لحظة جنون فكّكت الصّندوق، لم ترَ سوى حجارة. أصبحت شبه مجنونة.قابلتْ زملاءه.قال أحدهم: اختفى! أين؟ لا أحد يدري، كانت ليلة سقط فيها الثّلج بعلو متر، رابيتنا في أعلى الجبل، كان عليه أن يقوم بدوريّة بعد منتصف اللّيل.اختفى، لم تذق أمّه الطّعام ثلاثة أيّام، ماتت بعد بضعة أشهر. بقي الأب يعاني من آلام المعدة، ثمّ لحق بزوجته في أقلّ من سنتين.
زفرنور الدّين: لولا تفكيري وتخطيطي بالهروب لانتحرتُ أنا أيضاً. بعد أسبوع سنكون في دمشق، ومن هناك إلى أوربا، إلى الحريّة، أريد أن أصرخ.
– على مهلك استر علينا.
-“شدّ حيلك” لا تدعهم يتذمرون منك، إن رأيت صعوبة في شيء، نادني، أساعدك.
طلب الأسطى منهما نقل الإسمنت المخلوط الجاهزّ إلى خنادق أساسات البناية، الخنادق بعرض نحو خمسة وسبعين سنتمتراً،وبمثل نفس العمق، تمتدّ فيها قضبان حديد سميكة، متشابكة على طولها، العربات مليئة بالإسمنت، ثقيلة تتلوّى في يد ذنّون، تكاد تنقلب، لكنه يتغلب على ضعفه. يشتدّ حرّ حزيران، يبدأ العرق بالنّضوح، يبلّل الأجساد، ينزل فوق الجبهة، لا بل يحرق العينين. تلتصق الملابس بالجسد ثمّ تجفّوعليها خطوطملح على شكل موجات متعاقبة. يسخن الحديد، تلتهب الكفّان، تخرج فقاعات مؤلمة في الأصابع وراحة اليدين، لكنّذنّون يتجاهلها، يستمرّ في العمل.
العمل قطار ساحق لا يتوقّف، كذلك الصّراخ، يصرخ الأسطى يستعجلهم بأعلى صوته فيرتجّ الكون.يصرخ مشغّل مكنة خلط الإسمنت يستدعيهم، تصرخ المكنة بآلية، يصرخ المهندس مهتاجاً.قدم أربع مرّات ذلك اليوم وهو يراقب كلّ صغيرة وكبيرة. يصرخ الرّاديو بسماعاته الإضافية، كلّهم يصرخون إلا العمّال. يعملون بصمت، يركضون، يحملون الإسمنت، الحصى، الرّمل، الماء، العربات، يعدّلون الألواح، يصبّون الإسمنت. يمرّ الوقت مُتعباً، لكنّ حومة العمل لا تجعلهما يحسّان بمروره بالرّغم من رتابة العمل. عدم الكلام مع الآخرين والانشغال بالعمل يجعل المخّ يهرب إلى المباهج النّادرة الضّئلة. تبرز دنيا لتبهج الذّكرى، أوّلمرّة رأى دنيا خجلت منه بقوّة. أحسّ بأن دماءها كادت تطفر من وجنتيها، نكّست رأسها خجلة. أبعد نظراته عنها وهو يضطرم. فتنه جمالها، بيضاء كالحليب، خدّاها حمراوان، ربّمابسبب أشعّة الشّمس. مكتنزة قليلاً. شعر قهوائيّ يميل إلى الاحمرار. عينان واسعتان. ابتسامة خلّابة.
آنذاك أيضاً انهمك بالعمل أيضاً صعوداً بال”سليقة”، سطل مليئ حنطةً مسلوقة ساخنة تحرق الكفيّن. هبوطاً بالسّطل فارغاً. أربع عشرة درجة. يرمي ما في السّطل أمامها، يندفع بخار الماء الحار مخلوطاً برائحة الحبّ المسلوق. تمسك دنيا قطعة خشب، نصف متر تقريباً، تفرش الحبّ على السّطح غلافاً رقيقاً، تخترقه أشعة الشّمس. الحرّ شديد. لكّن شيئاً ما حدث عصراً، تجرأ الهواء، عبث بحافات فستانها “الكودري” الرّقيق الأحمر المورّد بالأصفر والأزرق. كشف بعض إهاب ساقين بضّتين. توقّف بعد أن رمى حمولة السّطل أمامها. انتبهت إليه. ابتسمتْ. كانت راكعة تفرش الحنطة. تَجسِّم جسدها المتناسق تحت نظره. يداها تنتقلان مع أكوام الحنطة المسلوقة تفرشها بمهارة، حافة الثّوب تندلع، تكشف أعلى نهديها بزوايا تختلف حسب حركتها. تكهربت دماؤه. كانت قريبة من السّطح، رأسها كتلة شعر كستنائي، وحافات شعرها تصل أعلى الحنطة. لم يرَ وجهها، لكن خصلات الشّعر المتمايلة مع الحركة ألهبته. “أي جمال! تقاطيع حلوة أم نبض حياة!”
– هي. أنت أيها الطّويل تعال. صرخ المهندس الشّاب.
التفت إليه، أراده أن يساعد آخرين في نقل قضبان الحديد إلى الأساسات.هرع راكضاً، انقضت الأيام بحمى الانتظار الصّباحي، بالعمل الجاد، بالعرق، بحرّ حزيران، بالعرق يغطي جسديهما. كيف انقضت؟ لا يدري.
انتهى العمل قبل ساعة من موعده، في الثّانية. ابتسم الكهل الأشقر وهو يسلّم لهما أجرهما: ماذا تنويان أن تعملا في المستقبل؟
فاجأهما السّؤال، ينظر أحدهما في عيني الآخر. ماذا يعني؟ أهو جاسوس؟ أسيكشف أنهما هاربان؟ يبتسم نور الدّين:لم نقرّر بعد.
–  لكن لماذا؟
حدّق فيه نور الدين، لم يجب.
– عملتما بجدّ طيلة الأسبوع، راقبتُكما، لنشرب الشّاي معاً.
تنفّس نور الدّين بارتياح. عرّف الرّجل نفسه: خيري أبو أنيس، صافحاه. أشار خيري إلى مقهى عبر الشّارع: هيّا.
يبتسمنور الدّينوهو يرتشف قليلاً من الشّاي، والرّحلة أمام عينيه بخريطتها ونتيجتها: بعد هذا التّعب أشعر بأن هذا الشّاي أطيب شاي شربته في حياتي.
ينظر إليه الرّجل بجدّ: بالفعل جيّد، أفضلّه على شاي البيت.
قال ذلك، ثم أضاف: أنتما حريّصان، جادّان، سأعرض عليكما عرضاً لن تندما إن قبلتما به.
شمس الظّهيرة اللاهب يذيب الإسفلت. المقهى خالٍ إلا منالثّلاثة وشاب رابع يتمدّد على تخت، تحت مروحة سقفيّة تجلب هواءً ساخناً، يصعب تحمّله، حدّق به نور الدّين. كيف يستطيع أن ينام في هذه الجهنم؟ يأتي صوت ناظم الغزالي من مذياع المقهى هادئاً، لا يعكّر الكلام: “يا خشوف التجي من عانة.” بينما يكاد الشّارع يخلو من المارّة كليّة إلا من مروق سيّارة بين الحين والحين.
فتحنور الدّينوذنّون عينهما، أصاخا.
-بعد شهرين في الأكثر ينتهي الطّابق الأوّل، دكاكين محترمة، إن رغبتما العمل معي سأشارككما، رأس المال مني، والأرباح مناصفة، ليس عليكما سوى العمل؟
يضحك نور الدّين، بينما يذهل ذنّون، يفرك عينيه:والجنديّة؟
-كم عمرك؟
– اثنتان وعشرون.
-وأنت؟
يبتسم ذنّون: الشّيء نفسه، اثنتان وعشرون؟
-في المدرسة؟
-أنهينا ثانويّة الصّناعة.
يقهقه الرّجل بقوّة:ظننتكما أنهيتما الخدمة العسكرية، أيّ قيد مؤلم؟ قلت، هذان عاملان نشيطان، مثقّفان، يستطيع المرء الاعتماد عليهما، لكن مع الأسف.
3
تلوح ناحيّة ربيعة على الحدود السّوريّة العراقيّة في مرمى النّظر، بيوت حديثة، شوارع جيدة، لكنّها مليئة بالأوساخ، يهتف نور الدّين: ظننت البيوت هنا من الطّين، لكنها حديثة.
يؤرّث السّائق الكهل، سيكارة:حديثة بالفعل، بُنيت بعد 14 تموز، أُهملت بعدئذ.
هتف قروّي يجلس قربهما في الحوض الخلفيّبالسّائق أن يسمعهم أغاني جبار ولد سعيد عكّار، لكنّ السّائق أهمل طلبه غير مرّة. بعد قليل سألهما القرويّ: أوّلمرّة تأتون إلى ربيعة؟
– نعم.
– ستربحان إن شاء الله.
ما معنى ستربحان؟ حدّقنور الدّينبذنّون، لكن هذا فتح عينيه، لم يفه بأيّ كلمة، بعد بضع دقائق تتوقّف السّيّارة. ترجّل القرويّ وزوجته وابنه، اتجهوا نحو تليلة إلى يمين الطّريق على بعد نصف كيلومتر تقريباً، في طريق ترابيّ.
بقىنور الدّينوذنّون وحدهما مع السّائق: ماذا تفعلان في ربيعة؟
يصفرّ وجه ذنّون، فيبادرنور الدّينوكلمة القروي (ستربحان) ما زالتتدوّي في أذنيه:على باب الله.
– هذا ما توقعته.
سحب نفساً قوياً من سيكارته: أنا مشعان السّهل، إن أردتما تجنّب الكمارك في الموصل فاسألا عليّ قبل الرّجوع، ماذا تريدان أن تشتريا؟
اضطربا، فكّرنور الدّينمليّاً: الموجود.
ضحك السّائق: كيف الموجود؟ ستجدون مئات البضائع لكنّها كلّها غير مربحة، الأشياء المربحة: غتر (كوفيات) إبراهيم عرب، الزّنابيلي، حمشو، ناشد إخوان بقيّة الأشياء عندنا في العراق أرخص.
-والكمارك؟
– ليس هنا، قبل الموصل، يغضّون النّظر عن القليل، يدعوه يمرّ، لكن الكثير مشكلة. تعالوا إليّ قبل التّوجّه إلى أهلكم.
– وبالنّسبة للسّوريين؟
– دخل لوريات، لا أحد يهتمّ، الفلوس تفتح الأبواب! مئتا ليرة سوريّة كافيّة لغلق أكبر فم. سوريا يعني رشوة. إذا صدف وذهبتم إلى سوريا فلا تتردّدوا من الرّشوة، ليس مثلنا في العراق، سؤال وجواب وسجن وإعدام.
حدّق ذنّون به: ما حمشو،الزّنابيلي، ناشد إخوان.
ضحك السّائق، وهو ينظر إليهما: غشيمان، حمشو كريب ساتان، زنابيلي صابون حلب، ناشد إخوان حلويات.
توقّفت السّيّارة في وسط القرية، قرب بقالة مكدّسة ببضائع عراقيّة وسوريّة، الوقت عصر، مازال الحرّ يعربد في كلّ مكان. قال ذنّون:لنجلس في مقهى، نشربالشّاي، نستفسر عن كيفيّة العبور إلى سوريا.
ابتسم نور الدّين وهو يسير ولا ينظر خلفه، همس: المقاهي تعجّ بالانضباط العسكري، رجال الأمن! أتعرف ما سيحلّ بنا إن قبضوا علينا ونحن نهرب؟
-أيوجد غير السجن؟
-إن كنا محظوظين.ربّماالإعدام.
-ارتجف ذنّون: لا تبالغ.
هزّنور الدّينرأسه: هي الحقيقة. أخفيتها عنك كي لا تضطرب.
تنهّد ذنّون: لا، لن أضطرب. هذا يجعلني أصرّ على الهرب.
حملا حقيبتيهما الصّغيرتين، أحجما عن سؤال أيّ شخص، خوفاً من الوقوع في مصيدة.
– ما العمل إذاً؟
دعنا نسير، نحو الحدود، نستطلع بأنفسنا، ثمّ نقرّر. لدينا أربع ساعات حتّى مغيبالشّمس. جئنا متأخرين.قبل عشرة أيام كان الدّخول إلى سوريّة بالهُويّة الشّخصيّة.
تحذير غانم يرنّ في أذنه:”ستتعفّن هنا، اشرد، لن أبقى يوماً واحداً، لا أنسى كيف قتلوا نديم؟ سأبقى في الخارج حتّى أموت. إن أراد أهلي رؤيتي فليأتوا إلى لبنان.”
سافر إلى لبنان ما إن أنتهى التّحقيق معه. وُجد نديم مذبوحاً، مرميّاً عند حافة الخوصر، قريباً من بيته، سألهما المحقّق كلاً منهما على انفراد: أنت صديقه المقرّب، متى رأيته آخر مرّة؟
كان جوابهما متوافقاً: في نحو الخامسة، ذهبنا إلى شارع حلب، الدّواسة، أكلنا، شربنا، تفارقنا في التّاسعة مساءً في الورود، رجع كلّ منّا إلى بيته.
– من رآكما؟
-البقال أبو عمشة!
– لماذا البقال؟
-اشترينا علكة لتزيل رائحةالشّرب.
ضحك المحقّق. أبيض، في الخامسة والثّلاثين، عينان خضراون، لكنّه عندما يحدّق بهما ويعبس يغدو مخيفاً، تصبح عيناه شعلتي نار.
يعرف الجميع من قتل نديماً. نديم أفضل مخلوق في الدّنيا بعد أسعد، بهجة الصّداقة، أنيق، أسمر، عينان واسعتان عميقتان، أذكى إنسان مشى على سطح الأرض. لا يراجع درسه سوى مرّة واحدة، ونتيجتهأوّلفي أيّ امتحان.درجته في العربيّة 97، أقل بثلاث درجات فقط، لو كانت 100 لأصبح معدله الأعلى في الثّانويّة في تاريخ العراق. السّنة الثّانيّة في كليّة الطّب، غير واحدة من طالبات الكليّة وقعت في غرامه. لكنّه وقع في حبال سهام بنت اللواء طه، عشيرة اللواء تسيطر على شارع بطول ربع كيلومتر في مدينة الورود. بضعة عشر بيتاً، إخوة، أبناؤهم، بناتهم، عشيرة.قريةداخل مدينة. سهام أجمل بناتهم، لا بل ملكة جمال مدينة الورود. شقراء رشيقة يتطاير شعرها الذّهب عندما تقف في الشّرفة. لكنّها عندما تذهب إلى الثّانويّة تربطه على شكل ذيل حصان، يصل إلى منتصف ظهرها، هي التي ابتسمت لنديم أوّلمرّة قبل بضعة أشهر من استشهاد أسعد. كاننور الدّينمعه قرب البقال، ثمّ بدأت المراسلات، ترمي الرّسالة من نافذة بيتها، أو الشّرفة على ضفة الخوصر، ويذهب في اللّيل ليلتقطها، لكنّها لا تكتب له غير كلمة واحدة:”أحبّك” يقهقه بكل صوته: أليست كافية؟ بلى. كافية ونصف. خير من البيان والتبيين. عندما تمرّ من قرب البقالأبي عمشة حيث يقف مع أحد الأصدقاء الثّلاثة، توجّه له نظرة قاتلة.يحرّك نديم شفتيه فقط. يضحك أصدقاؤه: ليست خرساء لتفهم حركة الشّفتين!
– الحبّ يعلّم الإنسان ما لا يعلم.
لم يعرف أحد سوى الثّلاثة بشأن الحبّ. كيف انتشر الخبر إذاً؟حتى أنّ نور الدّين كان يردد دائماً: لا تخدع نفسك ليس هذا بحبّ. عبث أطفال. عرفت العشيرة. ربطوا بين طبيب المستقبل الأسمر، وملكة جمال الورود ؟ قال له غانم عندما كانا ينتظران دورهما للتّحقيق، لا تذكر أيّ شيء عن علاقته بسهام، ستقتلك العشيرة. كم حاولالمحقق أن يزلقهما إلى ذكر سهام! أيعقل أن أيّاً منكم لم يصادق فتاة؟ لماذا الصّداقة؟ إننا نذهب إلى السّحاجي بين فترة وفترة! يعني كلّ أسبوع؟ لا،ربّماثلاثة أشهر، مع تلك الغجريات القذرات؟ لا يعني هذا أنّنا نفعل شيئاً معهن، طالما ذهبنا ولم نفعل أيّ شيء، تفرّج فقط. يبتسم غانم. تتكرّر الإجابات. أنقذنا صدقنا، وإلا كنا نمنا نومة أهل الكهف في السّجن.تعرف السّلطات أنّ العشيرة ذبحته! لم تتّخذ أيّ إجراء. تخاف من العشيرة، عندهم أكثر من عشرة ضباط في الجيش، ومثلهم في المخابرات والأمن، دولة داخل دولة.
عندما ذهب لتوديع غانم ألحّ عليه أن يهرب: لا تتماهل. لا تعرف ما سيجدّ من قوانين، أنجُ بروحك، البارحة ألغوا دخول سوريّة بالهُويّة الشّخصيّة، لا يعرف سواهم ماذا سيفعلون بعدئذ!
قال ذلك وضرب جبهته بكفّه: ألغوا رجولتنا، لم نستطع أن نقول الحقيقة عن أقرب أصدقائنا. كان علينا أن نتّهم العائلة، لكنّنا حميناها بجبننا.
زفر نور الدّين: إن كنت تلوم نفسك مرّة فأنا ألومها مرّتين.
فتح غانم عينيه الوسعتين: أكانت هناك مرّة قبلها؟
– لا. بعدها بشهر تقريباً. كان أحد أفراد الإنضباط العسكريّ يطارد شاباً، وكنت أقف في أعلى الخوصر، ورأيت الشّاب النّحيف يعدو أمامي، نزل إلى الخوصر من جهة الغرب واتجه شرقاً، ثمّ رأيت بعد دقيقتين أحد رجال الإنضباط العسكري يطارده. كان باستطاعتي رميّ العسكريَّ بحجارة تسقطه أرضاً، فأنقذ الفتى، لكنّي خفت. حينما وصل الشّاب الشّارع اندفع راكضاً بكلّ قوّته، لم يرَالسّيّارة قادمة كالبرق. ضربته،انهته لساعته. رأيت كلّ شيء أمامي. لم استطع النّوم لأيام عديدة، أتذكّره إلى الآن، حينما أفكّر فيه أحتقر جبني، غبائي.

4
مع نهاية بيوت القرية، وجدا طفلين في السّادسة أو السّابعة من عمرهما، حافيين، في دشداشتين متسختين، إحداهما مخطّطة بالأزرق، بينما كانت الثّانيّة بيضاء حال لونها إلى ما يشبه التراب، يلعبان الدّعبل (كرات زجاجية)، ابتسمنور الدّين، همس: عثرت على الطّريق.
– كيف.
– تعال.
اقترب منهما، أعطى كلاً منهما خمسين فلساً، سألهما وهما في أوج دهشتهما:أتعرفانكيف يصل المرء إلى سوريا؟
لمعت أعين الطّفلين،في عيني أحدهما حول بسيط، بينما كان شعر الثّاني محلوقاً بالموسى، شدّت يد الأحول على قطعة النّقد، ابتسم:أأنتما معلمان؟
ابتسم نور الدّين: لماذا؟
أشار إلى ذنّون: أنت تشبه المعلم ساجد ثلجي.
– أأنت في المدرسة؟
– نعم، نجحت إلى الصّف الثّاني.
-وأنت؟
-سأذهب إلى المدرسة بعد العطلة.
قال الأوّل: كان من المفروض أن يكون في صفّي، لكنّه خاف من المدير أن يضربه.
-لماذا يضربه؟
– يكسر زجاج شبابيك المدرسة في العطل!
ضحك نور الدّين وذنّون، حدّقا بكاسر الزّجاج:لماذا تكسرها؟
-إن لم أكسرها أنا يكسرها غيري.
انفجرا ضاحكينمرّة أخرى. تناول الطّفلحجارة من الأرض، رفع يده، تهيأ لقذفها:(شُفْ). ستحدث صوتاً كالقنبلة. وصرخ: طشّ. رمى الحجارة.
استمرّنور الدّينوذنّونيضحكانبقوّة:لكنّي سأبطّل الكسر حينما أسجّل في المدرسة.
نظرا إلى الفلوس غير مصدقيْن، تكلّم الأوّلبسرعة: تعالا أدلّكما.
انحنيا إلى الأرض، تناولا الدّعابل الزّجاجية، وضعاها في جيوبهما، ثمّ بدأا بالسّير أمامنور الدّينوذنّون، لكنّ هذين مشيا على مهل، كي لا يجذبا الاهتمام، بعد بضع دقائق توقف الطّفلان فوق مرتفع يفضي إلى الطّريق الدّولي الضّيق. أشّرا نحو تجمّع يضمّ عشرات النّاس على بعد نحو مئتي متر. عمودان على جانبي الطّريق، بارتفاع متر،بينهما شرطيان عراقيان مع سلاحيهما، يدقّقان بأوراق الدّاخلين والخارجين. إلى يسارهما خيمة عسكريّة مع بنايةصغيرة مربّعة بيضاء بابها أزرق مغلق.أناس يدخلون الحدود. آخرون يرجعون. معظمهم يسيرون على الأقدام، لم يمرّ سوى سيّارة صغيرة إنكليزيّة قديمة جداً، اقحل لونها الأسود. بدت وكأنها لاحد سكان قريةربيعة، بينما مرّ أمامهما درّجتان، قال الأحول: تلك هي الحدود.
– شكراً.
قال الثّاني: أدخلا، كغيركما.
ثمّ طفقا يركضان أمامهما نحو الحدود، قال نور الدّين:لا أصدق أنّ الأمر بهذه السّهولة، إذن لهرب نصف المطلوبين للجيش.
-لِم لا! لا يعلمون الطّريقة، لولاك لما علمت أنا.
أشكّ في الأمر:  لنسر ونرَ،ربّمايكون الأمر سهلاً هكذا.
قبل وصولهما الحدود بخمسين متراً تقريباً وجدا الطّفلين راجعين وهما يأكلان الأيس كريم، وبيد كلّ واحد منهما قطعة نستلة، لوحا لهما بأيديهما، هتف محلوق الرّأس: تلك هي اليعربيّة، تل كوجك.
توجّه نحوهما شاب سوريّ، عرض استبدال الدّنانير العراقيّة:أنا أرخص الجميع.
جاء آخرون، أحدهم بدين جداً، يجرّ خطواته جرّاَ، هتف: لا بل أنا.
-أنا لا هما؟
ضحك نور الدّين:كم تدفعوا؟
– ثلاثون، ثلاثون ونصف، واحد وثلاثون.
تسلّما الليرات السّوريّة وهما يبتسمان، تساءل ذنّون: أين ستضع الفلوس؟
– في جيبي بالطّبع.
ابتسم ذنّون: جدتي تقول من يسافر فعليه أن يخبئ بعض الفلوس في جيب سريّ.
ضحك نور الدّين: جدّتك تتكلم عن عادات النّاس قبل مئة سنة.
– لكنها عادة مفيدة.
نظرنور الدّينإليه ساخراً: لا تقل لي أن عندك جيباً سريّاً، ما نحمله ليس ملايين، أقلّ من القليل.
حدّق فيه ذنّون باسماً، ولم يقل شيئاً. توقّفا قرب التّجمع برهة، يلاحظان حركة المتنقلين، بضائع سوريّة متنوّعة، أحذيّة بلاستيكية، أنواع النّعل، نسائيّة ورجالية، ملابس داخليّة نسائيّة مختلفة الجودة، “كريب ساتان”، أطلس متنوع يلمع، حرائر مختلفة، حريّر صناعي، أبريسم أصلي، موصلين، بضعة أنواع من الكوفيات، صابون، “جكليت”أنواع السكريات، الحلوى، فاكهة طريّة، معلّبة، مجفّفة، على شكل مربى، الخ.
الكلّ يشتري ويبيع من دون توقف، لكنّهما لاحظا الدّاخلين إلى سوريا يبرزون للشّرطة العراقيّة جوازات سفر عراقيّة أو سوريّة أو أوراق بيضاء في حجم معيّن، باستثناء الباعة، يدخلون ويخرجون من دون إبراز شيء، أسلاك شائكة، حرس مدججون بالسّلاح، بوابات: ابتسم ذنّون ساخرا: لا أحد ينفذ إلا بسلطان.
زفرنور الدّينبحرقة: هذا ما توقعته.
– ما العمل إذن؟
– دعنا نفكّر.
انسحبا. يجولنور الدّينبنظره في الأفق كلّه، يرى على الطّرف الأيمن من الطّريق شبه تلّة صغيرة، يشير إليها:لنصعد هناك ونتطلع نحو الحدود، شمالاً وجنوباً، فلعلّ وعسى.
الطّريق ملتوٍ، عشب، أشواك، شجيرات مصفرّة، كادت الشّمس تحرقها، أحسّذنّون بالحقيبة رغم صغرها تعيق حركته، لكنّه لم يشتكِ، سمعا صوت أقدام وراءهما، اضطربا، توقّفا عن الصّعود، التفتا مذعورين، رأيا الطّفلين قادمين يبتسمان، قال الأحول: أتريداندخول سوريا قجغ “بالتهريب”؟
– كيف عرفتما؟
– رأيناكما من بُعد تتجهان إلى هنا، علمنا أنكما تريدان سوريا، جئنا نعلّمكما الطّريق.
مدّنور الدّينيده إلى جيبه:هذه عشر ليرات سوريّة، لم يبقَ عندنا فلوس عراقيّة، بدّلناها كلّها.
دُهش أحدهما، بينما هتف الثّاني بفرح:عشر ليرات؟ كثير.
– أنتما تستأهلان.
– سنصرفها غداً.
أخذا الفلوس والفرحة تسيطر عليهما، أشارا إلى ما يشبه الحائط بارتفاع متر ونصف على بعد نصف كيلومتر تقريباً.
– سيرا حتّى تنتهي تلك الدّعامات، حينئذ تريان صخوراً كبيرة في الوادي. البدا هناك خلف الصّخور، حتّى تختفي الدّوريات، ثمّ توجها بسرعة إلى اليسار، بعد خمس دقائق تجدان نفسيكما في سوريا، مع السّلامة.
سال نور الدّين: لكنّها ليست دعامات، بل حائط.
-تبدو هكذا من بعيد.
استدارا إلى الخلف، ركضا نحو ربيعة، وهما يلتفتان باستمرار،يبتسمان، يلوّحان بأيديهما الصّغيرة.
الدّعامات الإسمنتيّة متواصلة، تتلاحق، واحدة بعد الأخرى، حتّى تصبح خطّاً متصلاً أبيض، ينتهي بارتفاعة قرب أكمة خضراء. حينذاك وجدا الصّخور، أشار ذنّون:لنلبد هناك.
تلفّت نور الدّين يميناً وشمالا: لا توجد دوريّة في الشّمال، أو الجنوب، لندخل حالاً.
– لاتعجل، لنتأنَّ بضع دقائق.
جالا بأعينهما، فضاء من الأرض، ينتهي بجدول ماء رقراق، ينبع من العمق في سوريا، غسلا وجهيهما، انتظرا نحو دقيقتين، لم يريا أيّ شرطيّ عراقيّ أو سوريّ:ياللا.
طفقا يركضان نحو الغرب، الصّخور إلى اليمين، أرض منبسطة مليئة بالحصى، تمتدّ نحو خمسين متراً، بضعة أشجار صنوبر، رابيّة متربة، تصفعهما الشّمس في قمّتها.انحدرا. وادٍ صغير شبه دائريّ، مئة متر أخرى في مسلك مطروق بين الحصى، بستان إلى اليمين محاط بسياج، ثمّ طريق نصف معبد إلى اليسار. حدّقا. مدينة على بعد بضع مئات الأمتار فقط. ضحك ذنّون من كلّ قلبه، أشار إلى المدينة، قفز بانتشاء:لا أصدّق أنني في سوريا.
– ولا أنا.
رقص فرحاً، هتف: نحن أحرار.
– لا انضباط عسكريّاً يطاردك، لا جيش شعبياً، لا حزب، لا جواسيس، لا همّ، حريّة، حريّة، حريّة!
ضحكا، عانق أحدهما الآخر:هيّا لنسرع ونسافر إلى تل كوجك قبل حلول الظّلام.
– هذا نصف الطّريق إلى نبيل الأسديّ.
– من نبيل الأسديّ؟
– من سيساعدنا في الحصول على الجوازات، لم اذكر اسمه أمامك احتراساً.
– أنت واثق؟
-ثقتي بك، خالي ذكره لي.
توجها نحو المدينة. فجأة تهبّ ريح نتنة قويّة من اليسار، يلتفتان، تلّتتجمّع فيه قاذورات المدينة كلّها.التفا حوله، شاهدا طريقاً قديماً آخر ضيقاً، تآكل فيه إسفلت حال لونه. لم يبقَ سوى الحصى يتطاير عند وطء كلّ قدم.
– قف!
التفتا إلى الوراء، رأيا شرطيّاً سوريّاً معبس الوجه، على دراجة هوائيّة، يتقدّمنحوهما، همس ذنّون لصاحبه: سوريّ؟
– نعم. سوريّ، عراقيّ، لا تخف.
أوقف الشّرطيّ دراجته على بعد نحو متر. قصير، نحيف، ذو شاربين كثّين، عينان سوداوان تقدحان شرراً، يده على مسدسه: ماذا تفعلان هنا؟
اصفرّ وجه ذنّون، بينما تمالكنور الدّينأعصابه، لكنّ قلبه كان يخفق، ابتسم: أممنوعة زيارة سوريا؟
هتف الشّرطي:لا تتشاطرا بالكلمات! أين جوازاكما؟ يالّلا، بسرعة! هيّا، هيّا.
– جوازاتنا في ربيعة.
– هه، هه لعب أطفال؟ أنتما هنا في سوريا، والجوازات في ربيعة في العراق! هه، هه، على من تضحكان؟
سحب مسدّسه، حدّق بهما وهو في أقصى حالات الغضب،تراجع إلى الخلف قليلاً، رمي الدّراجة على الأرض: لا بد من تسليمكما إلى وزارة الدّاخلية.
ثبتنور الدّينفي مكانه، لحظ ارتباك ذنّون، كلام السّائق يرنّ في أذنيه: (مئتا ليرة سوريّة تفتح الطّريق أمام كلّ شيء، لا تخجلوا من الرّشوة) مدّ يده إلى جيبه. قلبه مازال يدّق، أخرج مئتيّ ليرة، مدها نحو الشّرطي.
– تفضل خيّو .
بقيت إمارات التّجهم على ملامح الشّرطيّ،لم يرجع مسدسه إلى قرابه. تسلّم الفلوس، نظر إليها، وضعها في جيبه. فجأة شعّت عيناه بتسامح فجائيّ، ابتسم:ولو خيّو، لا بأس من تقديم خدمة “لأخوتنا العراقيّة”، في الأقل نحن شعب واحد، أليس كذلك؟
– طبعاً.
انحني، رفع الدّراجة: ولو، لا “تواخذونا” إخوان، واللهِ، واللهِ نحن نحبّكم، لكن خيّو “مجبورين”، السّياسة! الله يلعنها! تصوّر زوجتي أرادت أن تسمي ابنتي بغداد.
ضحك نور الدّين: هل أسميتها؟
– لا، خفنا، أنت تعرف، تقلّبات السّياسة.
– أعرف غير واحدة من البنات عندنا في الموصل اسمها سوريا، لا أحد يعترض.
-خيّو الاختلاف وارد، أصابع اليد مختلفة، شيء أهون من شيء! هكذا الدّنيا، خيّو أين تريدان؟
– تل كوجك.
ابتسم، خرجتالكلمات من فمه رقيقة، حانية:خيّو، أنتما في الطّريق الخاطئ، عليكما إن ترجعا، من هنا ستلتفان حول المدينة، ولن تصلا إلا بعد ساعات، تعالا معي.
استدار، مشى أمامهما، حاذيا تلّ القمامة وهما يسدان مناخيرهما لبضع دقائق. أكمة تظلّلها أشجار كثيفة تكاد تُحْجب ضوء الشّمس، طريق مليء بالصّخور. فجأة لاحت المدينة على بعد أقل من مئتيّ متر.
توقّف الشّرطيّ. الابتسامة تقسم وجهه نصفين: “شفتوا” خيّو.
أشار إلى المدينة: تل كوجك. من أذنكم، راجع لواجبي، إذا بقيتما فيها إلى الغد اسألا عليّ أنا أبو شامة، الكلّ يعرفني، لابد من دعوتكما على الغداء في البيت.
5
يحدّقان بالمدينة، لا يشاهدان إلا القليل من معالمها، الغبار يتصاعد غيوماً تسدّ الأفق، تغطي قرص الشّمس في أقصى الغرب، قطعان الماعز، الأبقار، الأغنام، قادمة من الرّيف، تندفع راكضة نحو المدينة، أصواتها المتداخلة، رنين الأجراس في أعناقها، صراخ الرّعاة ،منبهات السّيّارات، تحذيرات النّاس بعضهم لبعض، همهمة متداخلة تسيطر على الجو، تسود الكون، على بعد نحو مئة متر من المدينة تهبّ رائحة البعرور يابسة، مختلطة بالتراب، تملأ خياشيمهما.
سعل ذنّون: أكاد أختنق، كيف يتحمّل الرّعاة كلّ تلكالرّائحة؟
-اعتادوها.
قال ذلك ثم ابتسم:لا أصدق أنني في سوريا! دفعنا مئتيّ ليرة فقط، مئة ليرة سوريّة ثمن عبور الشّخص الواحد!
قهقه ذنّون بكلّ صوته: أرخص من جواز سفر!
شاركهنور الدّينضحكه: يا بلاش!
– أنا أيضاً لا أصدّق.
ثم لمعت عيناه، واجه نور الدّين: أتعلم أنّنا في قلب الحظ!
– ماذا تعني؟
– لو قلنا لأيّ جنديّ من أصدقائنا الهاربين من الخدمة العسكريّة: أعطنا مئة دينار ونخلّصك من الخدمةأكان يوافق؟
– يعطي ألفاً لا مئة.
– إذن ربح كلّ منا ألف دينار، هذه هي ضربة الحظ الثّانية.
– ما هي.
– رجوع الماشيّة في هذا الوقت!
– لماذا؟
– لنندس مع القطعان قبل أن يلحظنا أحد.
– من يعرفنا هنا؟
– إننا غرباء.في مدينة صغيرة كهذهيراقب الكلّ فيها الكلّ.
المدينة شارع واحد، يعلو جانبه الأيمن نحو نصف متر عن الرّصيف، بينما يقع الجانب الأيسر على مستوى الأرض، مطعم، بنجرجي(مصلح إطارات سيّارات) بقال، فندق، مصور، مدرسة ابتدائيّة للبنات، “كراج” للسيّارات، تجاوزا قلب المدينة، طفق الهواء يهبّ، خفّت حدّة الحرّ، صبيّ في العاشرة، يصرخ:قامشلي، حلب.
آخر: دمشق، دمشق.
ضحك ذنّون:هيا..أسرع، جاء الفرج.
يدخلان ال”كراج”. رجل وسيم في الثّلاثين، قميص أبيض، نصف ردن بخطوط أفقيّة زرقاء وقهوائية، عينان سوداوان باسمتان، يستعرضهما بدون مبالاة، يتكئ على (بيك أب) قديم، يرشف الشّاي بتلذّذ، تجاوزاه نحو حافلات صغيرة تقف في رتل، يوازي رتلاً آخر لسيّارات الأجرة العادية.
– أين تريدان؟
يحكّ ذقنه. في الخمسين، كرش صغير بارز، أسمر، نظاراتان طبيتان سميكتان، سروال متسخ، لحيّة بضعة أيام، شعر قهوائي، نظرات متعبة، سأله نور الدّين:قامشلي؟
يبتسم الرّجل مرغماً: مع الأسف، امتلأت السّيّارة الآن، غادرت.
يشير إلى سيّارة ابتعدت لتوّها، أصبحت على بعد نحو عشرة أمتار فقط.
ثم يضيف: لا تقلق، تلك سيّارة أخرى.
باص خالٍ ذو أربعة عشر راكباً: يأخذ نحو ساعة ليمتلئ، ارجعا بعد أن تقضيا حوائجكما.
– شكراً.
يخرجان من ال”كراج”، تلتقي أعينهما مرّة أخرى الشّاب الوسيم، مازال يرشف الشّاي، لكن في نظراته شيء مثير. يريان الحافلة المليئةالتي توجّهت إلى القامشلي تتوقّف على بعد نحو مئة متر، قرب خيمة يقف أمامها ثلاثة مسلحين.الرّكاب كلّهم خارج السّيّارة. اقتربا منها، وقفا يراقبان بحيث لا يثيران الشّك، فوجئا بنزول عسكريّ رابع من السّيّارة، همس ذنّون: مثلنا تماماً، لا يفتشون النّاس فقط بل السّيّارة أيضاً.
كان العسكريّ يدقق الهُويّات خارج السّيّارة بعناية.
– تأتي الرّياح بما لا تشتهي السّفن.
يضحك ذنّون: ما العمل؟
– حالفنا الحظّ إلى حد الآن، يجب أن نجبره على الاستمرار في ذلك.
ضحك ذنّون: كيف نجبر الحظّ؟
– بالإصرار.
-والآن؟
– نرجع إلى ال”كراج”، ونراقب، وإلا فعلينا أن نسير على الأرجل إلى القامشلي.
– كم سيستغرق ذلك؟
– لا أدري، لكن مادمنا خارج العراق، فكلّ ما يحدث لنا أهون مما يحدثداخله، حتّى لو سرنا على قدمينا أسبوعا كاملاً فهو تسلية.اكفهر وجه ذنّون: هيّا أمرنا لله.
– يسعد مساكم خيّو، تفضلا.
فزّأ، التفتا.الشّاب الوسيم قربهما.انفرجت أسارير نور الدّين، بينما نظر ذنّونإليه باهتمام وشكّ.عينا السّائق ما زالتا تبتسمان. أنهى الشّاي توّاً، ابتعد عن (البيك أب) القديم، قال:تفضلا، أدعوكما على كأس شاي.
تكلّم معهما بثقة، واعتداد بالنّفس، أشار إلى دكّان صغير جداً بمساحة تقلّ عن متر واحد، حيث لا يتّسع إلا لمنقل صغير، برّادي شاي، بضعة عشر كوباً صغيراً، ينهمك في إعداد الشّاي رجل متين، قصير، ذي كوفيّة مرقطة بالأسود.
يبتسم الوسيم، يشير إلى الرّجل:عراقيّ، نصف أهله في العراق ونصف هنا، هرب من العراق سنة 1975، بعد توقيع اتفاقيّة الجزائر.كان يعمل بالتهريب لكنّ ابنه قُتل في مطاردة فتوقّف، يعدّ الشّاي على الطّريقة العراقيّة، لكنّه مع الأسف لا يستخدم الإستكانات، بل هذه الكؤوس فقط.
حرّك كأساً صغيراً بيده.
– أبو عزيز، شايان لأخوتك “العراقيّة”.
يبتسم أبو عزيز، بشرة بيضاء، تقاطيع مكدودة:تفوح رائحة الشّاي المهيّل، يبتعدون والكؤوس بأيديهم، ينظر الرّجل الوسيم نحوهما، وابتسامته تفيض على العالم: خيّوتريدان الذّهاب إلى القامشلي؟
يغمضنور الدّينعينيه على داخله. قلبه يدّق؟ كيف يقرأ النّاس ما في رأسيهما بمثل تلك البساطة! لابد أنّه راقبهما. تمالك أعصابك، لا تقلق، لا يمكن أن تجد مثل هذه الابتسامة اللطيفة عند مدسوس! يضحكنور الدّينضحكة قصيرة: كيف عرفت؟
-الكثير من إخوانا العراقيّة مثلكما يمرّون من هنا، بين مدة وأخرى، نحن نقوم لهم بالواجب.
– ما الواجب؟
– نوصلهم إلى القامشلي عبر طريق أمين وسريّ لا يمرّ بأيّ مركز للمخابرات أو الشّرطة.
– مقابل كم؟
– كلّ ما يحمل من فلوس. قال ذلك بجدّ.
قهقه نور الدّين: وبعدئذ يأكل هواءً؟
هزّ الرّجل الوسيم رأسه، والابتسامة تعمّر تقاطيعه: أمزح خيّو، مئة ليرة للرّأس.
يضحكنور الدّينمرّة أخرى: رأس غنم!
يقهقه الرّجل من كلّ قلبه: حلمك خيّو، العفو، لم أقصد الإهانة، هذه لغتنا.
يهزّنور الدّينرأسه موافقاً: لا بأس خيّو، أمزح، نستعملها نحن أيضاً، موافقين، هيّا.
يشير الرّجل إلى الشّارع:استديرا، توجّها نحو نهاية الشّارع إلى اليمين، انتظراني على بعد بضعة أمتار منه، سأجيئكما، توكلا على الله.
يدخل شيء من الشّك في قلب ذنّون: لماذا ليس من هنا؟
– لمصلحتكما، نحن في “كراج” سيّارات، أقلّكما من دون علم أيّ مسؤول، لا أريد أن يعرفوا أنني رائح إلى القامشلي، سأتظاهر أني رجعت إلى البيت.
يسرع إلى ال”كراج”، يقفز ذنّون فرحاً: لا أصدق عينيّ!
– كما قلت لك بالإصرار نجبر الحظّ على محالفتنا.
– لكني لا أرتاح حتّى أصـل.
– لا تعجل، سنصل. سنحقّق كلّ ما نريد، قرأت في قصص أطفال أن الضّفدع تحدى السّلحفاة في سباق. قال لها سأسبقك لأنّي أنطّ وأنت تزحفين. قالت له: أنت تنطّ ولا تفكّر أين تسقط، أمّا أنا فلا أسير إلا إن رأيت موقع قدمي، وأصل إلى هدفي دائماً. ضحك الضّفدع: حتى أنا، لنتسابق حتى تلك الصّخرة على حافة المستنقع. أتحدّاك إن سبقتني.
وفي لحظات تجاوزها الضّفدع، كان يقفز بسرعة، بينما كانت هي تمشي على مهل، لكنّه في إحدى القفزات وجد نفسه يقع في المستنقع ليتلقفه حالاً ثعبان الماء ويبتلعه.
ابتسم ذنّون: حسنا لنكن سلاحف إذن.
جلس ذنّونقرب السّائق، ونور الدّين في محاذاة شباك “البيك–أب”، سارتالسّيّارة في شوارع القامشلي الفرعيّة.انتهت المدينة في بضع دقائق، سلكت بعد ذلك طريقاً ترابيّاً، من خلال البساتين.
– سنصل مع مغيب الشّمس بعد ساعة ونصف تقريباً، أستبقيان هناك؟
-لا ندري.
-لماذا تركتما الوطن؟
يضحك نور الدّين: الحريّة.
-وهل توجد الحريّة في مكان آخر؟
يفكّرنور الدّينقليلاً: لا ندري، نجرّب مكاناً آخر، عسى ولعلّ!
– بالتّوفيق.
يضيف ذنّون بانفعال: الحقيقة نحن هاربان من الخدمة العسكريّة.
– في كلّ بلد خدمة عسكريّة.
ابتسم ذنّون: صحيح، لكن عندنا نصف العمر، سنتان، ثمّ خدمة احتياط تدوم حسب المزاج، من ثلاثة أشهر حتّى عشر سنوات، هناك من قضى شبابه كلّه في الجيش، تسرّح وهو في الأربعين، في هذه الحالة الموت أفضل.
أكمل نور الدّين: قتل أعزّ صديقين لي عبثاً، الأوّلفي الجيش، والثّاني ذبح كالنّعجة لأنه أحبّ فتاة عن بعد، لم يلمسها، لم يتكلّم معها كلمة واحدة، مجرد رآها تسير في الشّارع، ابتسم أحدهما للآخر فقط.
– فظيع، غير معقول!
– الحقيقة.
– وجواز السّفر؟
– لا يحظى به الإنسان العادي إلّا باليانصيب.
ضحك السّائق: كيف؟
– لا يفوز به إلا من أنهى الخدمة العسكريّة.
– ومتى يكّون الشّاب نفسه؟ متى يتزوّج؟
– لا ندري، أيستطيع أن يسأل أحد ما هذا السّؤال في العراق؟
الطّريق خالٍ هادئ، حفرت السّيّارات مساره بشكل جعله سهلاً. تلال جرداء، بعض الحقول مغطاة بالسّنابل الشّقر محصودة بارتفاع نحو قدم عن الأرض.
-ما رأيكما لو أخذتكما إلى قريب لي صاحب فندق لا يسجّل اسميكما، ولا يطالبكما بهُويّة أو جواز سفر؟
ابتسما، حدّق به نور الدّين غير مصدّق: فضل لا ننساه.
– أحسّ بأنّكما قريبان إليّ.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

تعليق واحد

  1. جلال حميد

    حين خرجت أمه رموا الصّندوق أمامها: “اُستشهد المرحوم في كمين نصبه العصاة.” في لحظة جنون فكّكت الصّندوق، لم ترَ سوى حجارة. أصبحت شبه مجنونة.قابلتْ زملاءه.قال أحدهم: اختفى! أين؟ مثل هذه الأحداث المتخيلة غير المعقولة تضعف النص وتجعل القارئ لا يصدق أحداثه فلم يحدث مطلقاً أن جاءوا بتابوت زمن الحرب وبه حجر بدل الجثة!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.