عبد الكريم العامري : السؤال الاجتماعي في (للدرس فقط) للشاعر “عمر السراي”

الشاعر عمر السراي

كانت (المعرفة) زينة، اما اليوم بتلاحمها مع (التكنولوجيا) قوة، هذا يستدعي طرح السؤال الاجتماعي: إذا كانت ديمومة سؤال الإنسان ما الذي يجب معرفته في الحياة ؟ فإن ذلك يتجه نحو تعيين الطريقة التي تنظم بها ما نعتبره معرفة.أغلب اشتغالات التفكير تقريبا تنحصر في موقفين أساسيين:
الأول ـ لكل من أنواع المعرفة منهج لغرض البحث.
الثاني ـ يعتمد على توحيد المناهج المختلفة ليكون بمقدور الباحث الوصول الى المعرفة.
البحث هنا يفترض الدوران حول مادة التجريب، للوصول الى معرفة، لكشف صورة لواقع أو متخيل، كان مخبوءا من الحواس، واجبه أي النص، إثارة شيء ما تتضمنه طيات هذه المادة النصية.
فإذا كان الباحث شغله هو تحري المعرفة بإثارات مختلفة، للوقوع على الأشياء الموجودة في الخبايا، يتطلب التسلح بأسلوب، عن طريقه يتمكن من الوصول الى قراءة للوقوف على طوايا النص البعيدة والمعتمة.. بينما الشاعر قدم السؤال الاجتماعي للباحث! والسؤال هو المفتتح.
قام باستجواب ذاته، ترك العينة.. بدوامة، كانت سبيلا لإثارة مجتمع النص العراقي، التي دارت فيه الواقعة الاجتماعية المكتوبة بشكل إبداع أدبي شعري، تثير دعوة للمباشرة بالتفسير.
كانت رمزية لغة المستجوبين مثيرة مدهشة للشاعر السراي، الدش الموبايل..سيارة من نوع.. بيت من الصفيح..انها نسيج من مزيج يثير الاستغراب قبل الأسئلة.. ليست للدرس فقط، بل لملاحظة تشكل عادات وتقاليد من نوع ما في هذه الجغرافيا المحلية العراقية المضطربة.
يرى دونالد ماكينون أن مفهوم الإبداع ليس مجرد(هيكل نظري)، إنما هو قاعدة تندرج تحته كثير من الأمور التقويمية. من هنا، فإن المنجز الإبداعي، هو حصيلة الأوضاع والبنى الاجتماعية والثقافية ، ومحصلة دور الفرد وتكوينه الفكري والنفسي، أما العملية الإبداعية، أقرب الى الحوار المتبادل بين الأوضاع الثقافية والاجتماعية السائدة في المجتمع، والصراع الوجداني للفرد المبدع، الذي تمخض عن نص إبداعي فيه أسئلة الشاعر الإنسانية التي نخرت المجتمع، المرسلة بمنهجية أدب واع، الموجهة الى الدارس الاجتماعي الذي يبحث عن المشكلات الأسرية والإجرام والانحرافات السلوكية، والى الطبيب النفسي الذي يبحث في اضطرابات وأمراض الفرد النفسية وعلاجها، والى فئآت أخرى تدعي منهج الإصلاح، بعد 2003.
إذن، يستطيع الشعر استيعاب المتغيرات الاجتماعية، والمتناقضات العلمية، كل ذلك وسط قيم قديمة(ربما الشعر قيمة قديمة)مقابل (الحياة صارت متنوعة في هذه السنوات..الكوخ يتآخى مع الموبايل والستلايت والانترنت.. فبإمكانك أن تهدد باسم العشيرة بواسطة رسالة(أوف لاين) من على حاسوبك..أو أن تنهى على بنت عم لك عبر رسالة sms ).
أجوبة لأسئلة،(الشعراء تحول مبدعهم الى مصور فوتوشعري ليوازي الواقع بخياله الذي يتراجع أمام مايجري).
في مكان آخر(أعرفك..متساويا مع الريح..متفوقا باحتراف الفاجعة..تدلس علي بورم أخرق..دقيقك جوع..أكل ملامح أخيه..تراثك كومة صور..متسكع، تكثر الجيوب لتدس السفارات فيها هويات..أعرفك زورقا مزججا بالأشرعة..فهل تعرفني؟؟). نعم، هكذا هو الفرد والمجتمع العراقي، فلماذا غرابة السؤال؟.
أغلب القصائد من أسمائها تحمل هم الجيل الذي حاول نفيه، (غريب على الخليج/عتيق للبيع/اوبرا مدينة/صور من المحرقة..)أو سمة الجين ـ كما أعتقد ـ لذلك يصرخ الشاعر (الموت ..الموت ..لدارون) 61 .
بمراجعتنا الى سمة التناشز التي أشرها الدكتور علي الوردي على شخصية الفرد العراقي، انقسامه على نفسه الى عالمين: واحد للمثل والمبادئ والقيم الصحيحة مما جاءت به الحضارة الحديثة، وآخر لما درجنا عليه وعشناه في البيت والشارع والسوق والحقل والورشة والمتجر من قيم المفاخرة والمكابرة والغلبة والشطارة والنهب واللجاجة في الباطل ومشايعة الاستبداد والانتصار للظالم القوي.
ان التناشز هذا يعيق بالضرورة حركة تقدمنا ويمنعنا من الانطلاق صوب حضارة العلم والصناعة والديمقراطية وحقوق الإنسان. قيمنا التي درجنا عليها نشأة وجاءت من  ميراثنا في المحلية والعشائرية..
هذا ما لمسناه في منجز الشاعر العراقي المبدع عمر السراي/ للدرس فقط/ بغداد 2011 كمن طهر نفسه من الداخل بإلقاء المشكلة على مختصيها، ليشعر بالاطمئنان والراحة النفسية،  ليترك أثرا أدبيا وفنيا يحكي زمن القبح والرذيلة  حاضرا لا يغيب.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: محمد تركي النصار…. هوية الشعر.

*هو الاكثر صخباً، وجرأة، أيام كانت رسائل الحبيبات تصل الى المقابر، بحثاً عن عاشق حملته …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (9)

 الذات الشاعرة والإنشغال بالزمن كتاباً مفتوحاً   شاكر مجيد سيفو ما يشبه تصدير القراءة.. تثير …

فاروق مصطفى: الدكتورة (سلوى جرجيس) و رحلتها في (الف ليلة و ليلة)

كتاب (الف ليلة و ليلة) المثير في حكاياته الملأى بالغرائب و العجائب الذي يلدها مخيال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *