حميد حسن جعفر : أحلام مستغانمي وتجميع الحواس !

تظل الفنون السردية (قصة قصيرة/ قصة طويلة/ رواية) أقدر من غيرها من الفنون الابداعية الاخرى، سواء التي تعتمد القراءة اساساً كالشعر والمسرحية، ام السمعبصرية، كالفنون التشكيلية والسينما على استيعاب هموم القارئ وتحويلها الى فعل، بعيداً عن الوسيط. ولذلك نرى ان العديد من هذه الاعمال الابداعية، سينما، مسرح، اوبرا، تعتمد النص الروائي في انجاز افعالها.   فالشعر والمسرحية والفنون التشكيلية والاذاعة والتلفزيون والسينما غير قادرة على احتواء القارئ او الرائي او المستمع بعيداً عن الالغناء/ المكان- الفضاء الجغرافي او اجهزة وسيطة. قد توفر للمتلقي مكاناً لممارسة أنشطة كهذه فحاجة هكذا فنون ابداعية لا تتم إلا عبر توفر هكذا مناخ جغرافي (قاعة/ مسرح/ فضاء عرض/ اجهزة القاء) إلا ان الرواية او الفنون السردية لن تحتاج سوى القارئ المتمرس، القادر على خلق حالة من التفاعل. وتفعيل الصلة مع النص الابداعي الذي بين يديه. وبالتالي نشوء وتصاعد حالة الخلق، والتي تأتي كرد فعل لما يستقبله القارئ من بث او ارسال يمثل عمل الكاتب او الروائي. باحثاً عن قارئ غير اعتيادي. قارئ بعيد عن أمية الثقافة. إذ ان الفنون الابداعية لم تعد تقتنع بالقارئ الابيض الذي لم يزل يتجاذب اطراف الحديث مع أميته، كما يقال، ولم تعد الأمية، أمية قراءة وكتابة. بل تعدتها الى وجوب التخلص من سلبيات الأمية. من سلوكيات وافعال تنقل الانسان من مرحلة الى أخرى، من مرحلة لم يكن فيها الانسان سوى مستقبل غير فاعل يكون فيها ضمن الحالة السلبية الى مرحلة تمكنه من ان يتحول الى انسان قادر على التحليل والكشف ومحاذاة الكاتب. مطوراً ادواته وأفكاره وقدراته الاستيعابية، ومداركه التي تمنحه صفة الإنسان/ القارئ الفاعل.

1- تجمع الحواس:

لقد استطاعت احلام مستغانمي ان نضع فوضى حواسها على السطح من دون ان تفرط بوحدة هذه الحواس. محاولة ان تستغلها رغم تشابكها مع بعضها في تصعيد احداث النص، من غير ان تضحي بأية متعة حسية، تلك المتع التي استطاعت ان تمنحها حساً، انسانياً قل نظيره –وسط فتنة الجسد، وغواية اللذة –بعيدأً عن تسطح الجسد، وحيوانية الشهوة. وبعيداً كذلك عن تدجين الجسد وتحويله الى ريبورت/ جثمان- جثة بل منحت الطبيعة البدائية بعداً حضارياً، نازعة عن هذا الكائن وحشيته وهمجيته التي تسلح بها في الفترة البدائية التي عاشها. وليتحول بالتالي الى حضارة صافية منقاة. بل ان القارئ لهذه الفوضى وبجغرافية تحركاتها يحس بأنه الممتلك لهذه الصفات.

(القابض على روح الانسان الاول الخالي من الموبقات والمعاصي/ آدم) الجمالية اذ تتحول القراءة الى وسيلة للوصول الى اعالي الحياة، من غير ان يسلبه النص الذي يقف الى جانب القارئ منذ اول الصفحات حتى نهايتها المفتوحة، مروراً بالبياض الذي تتركه الكاتبة في محاولة منها في ترك القارئ ساهماً في كتابة ما يقرأ. من غير ان يسلبه النص طموحاته، بل نرى احداث العمل السردي هذا يضيف الى هواجس القارئ هواجس أخرى اكثر تطلعاً الى روح وجسد لا يحسان بالخيانة ولا يعترفان بها –ما داما يمارسان الفعل الانساني بعيداً عن الاحساس بالمذنب او التجاوز، او احتلال جغرافية/ جسد الآخرين واستباحتها.

ان الخطوط الحمراء التي كثيراً ما يصنعها/ يصنعها الكتاب، او حتى القراء احياناً. لن تجد لها مجالاً او جغرافية لتضع قدمها عليها، او تؤسس لفعلها ساحة تنطلق منها نحو الآخر.

فالفوضى لن تكون في عمل كهذا سوى مجموعة هائلة من السهوب المسكونة بالجمال وفضاءات محملة بالسحب التي لن تجد أي عوازل امامها من اجل خلق حالة التداخل وتشكيل عالم من الاحاسيس، والحواس البعيدة عن الانسحاب الى الداخل، او ما يسمى بشيء من العصب الذي لا يسمح للآخر بالدنو منه.

فحين تندفع الاحداث –افعالاً وزنزانة- مع شخصياتها الغائبة والحاضرة والمتكلمة اضافة للراوي- تبدو كحالة اجتياح شديدة، ولكن ضمن حالة منظمة قد تنعدم فيها الخسائر مما يفتح امام الكاتب/ الكاتبة. حالات من الفراغ الذي يجب ان يملأ. ألا تحول الى كتل خرسانية، واسلاك شائكة وخطوط مواصلات وثكنات. مما يحول القص الى معتقل او ساحة حرب- او حالة اقصاء. لن يجد القارئ او الكاتب نفسيهما الا وسط حالة سلب يتعذر الخروج منها مع شيء من الابداع، فالواجب على الكاتب المبدع ان يكون قد جهز ادواته لهكذا حالة خارجة على القانون والتوقعات، لاحتواء الاندفاع وصولاً الى حالة من الكشوفات. وهذا ما حدث فعلاً. اذ ان الحواس وفوضوها تحولت الى حالة من الفرز والهضم، والتمثيل، لمعطيات الفن القصصي.

ان الواقع المتمترس خلف سلوكيات العنف والقوة والاغتيالات لابد له من ان ينسحب تاركاً الساحة للأفضل (وليس للاقوى) القادر على التغيير.

هذا الواقع الذي استطاع الكاتب/ الكاتبة ان يدخله كيمياء القص. وليتحول بالتالي رغم الدم، والمقابر الى عالم هو اقرب للحلم. وان لم يكن حلماً. وليصنع من التناقضات حالة من الاتساق التي تشكل فضاء من الفنطازيا الرائعة. والتي تشتبك مع الجميع في حالة من التداخل والتنافذ والتعشيق، تصل حالة الاشتباك بما يحمل كل منهم، ساحبة الجميع ايضاً الى ضفاف النص، واعماقه، وليتحول هذا الجمع الى كتاب قراء او الى قراء ممسكين بعنان عملية ابداعية تؤديها الكاتبة.

2- الواقع فنطازيا:

ان –فوضى الحواس- عمل روائي يتنقل ما بين تعدد الاصوات الـ هو الـ هي والـ انا والـ أنت والـ هم والـ أنتم وكذلك بين أزمنة متشظية دمرت وسط فضاء الفن من اجل الاستفادة من نثاره، او من وحداتها المفككة من اجل تشكيل العالم الجديد- الذي تعمل الكاتبة على إقامته خارج سطوة الآخرين- سواء على المستوى الابداعي السردي السابق ام المستوى الواقف خارج ماكنة الابداع. إنها تتحرك بحرية وحرص، وبانتباه وحذرٍ من غير ان تتنازل عن طموحاتها، وهمومها في الكتابة الابداعية.

إنها (الرواية/ الكاتبة حيث تتداخل بنية النص كعمل ابداعي مع بنية/ فضاء احلام مستغانمي) تتحدث عن الحلم بوعي شديد الوضوح، مانحة النخيل مساحة واسعة، تقارب الواقع ان لم تتجاوزه الى شيء من الميتاواقع- ابعاداً وواقعاً محاذية اياه بواقعية شديدة لا يمكن دراكها الا ضمن فضاء الجمال. بل ان التضحية. تكاد تكون الضفة الملازمة لأبطال هذه الفوضى.

انها حالة الوصول اليها –الفوضى- بعيداً عن الخوف والقلق، بعيداً عن الالتفات الى الخلف وترك الساحة للقتلة والمزيفين، والباحثين عن اخطاء الآخرين، من أجل خلق العقوبات. تلك الاخطاء التي لم تكن في يوم ما سوى الحقائق الجميلة. والتي هي بدورها وحدها القادرة على منح الحياة. بل ان الموت –تلك الحقيقة القاسية لم تستطع ان تغير من مجال الحياة شيئاً. بل تكاد تدفع بالانسان صوب الايغال بالجمال وصولا الى اقصى حدود الحياة.

اذ ان فعل الاحلام/ احلام لم يتوقف عند حدود الافراد، بل دفعت به نحو الجماعات/ الشعوب. التي استطاعت ان تخلق فناراتها. حالها حال الانسان الاول الذي لم يعرف الخوف بعد، من اخيه الانسان. ورغم هذا وذاك. فإن الفزع الذي يحاول ان يغرسه البعص من القتلة ما هو إلا الطرف الثاني من العملية الحياتية التي يعيشها مجمل البشر.

ان طموح الروائية احلام مستغانمي استطاع ان ينشء عالماً واقعياً مفعماً بالفنطازيات عالماً متخيلا، يلامس الحلم من غير ان يتخلى عنه. وينبثق من الحياة من غير ان يشكل/ يكون جزءاً منها.

انها الفوضى المتماسكة، التي تسترشد عبرها البطلة- بطلة العمل الابداعي، التي لم يستطع القارئ ان يضع اصبعه على اسم لها. او على ملمح يدل عليها. بل انها البطلة/ الرواية التي تشكل معظم النص السردي.

من دون شخصية كهذه يفقد النص حرارته. بل تفقد مجمل المقومات التي يعتمد عليها في الدخول الى فضاء القارئ. انها رواية الشخص المتشعب. والفرد المنتمي الى الجماعة بعيداً عن حاجة لهوية تؤكد ذلك.

انها الرواية التي تشكل افعالها معظم حيوات البطلة/ الشخصية الرئيسة التي من الممكن ان تحتوي الجميع. من غير ان يتمكن جميع افراد النص الروائي ان يمسك بهذه الشخصية، او يوقفها عند حدها كما يقال. بل ان جميع من في النص يتحرك باختياره. ولكن وفق الحركة الموسيقية/ الهارموني التي تترنم بها البطلة. بل ان الكثير مما في النص يدفع بالقارئ او المتتبع الى ان يحيلها الى حالات من التناص الروائي والموسيقي والشعري، مستفيدة –أي الكاتبة- من الحالة المعرفية التي تمتلكها، والتي استطاعت ان تمنح النص الكثير من الحيوية والاندفاع نحو الجهد الانساني، وصولاً الى حالة مما يقال عنها، او تسمى بالرواية داخل الرواية، او ما وراء الرواية.

ان كتابة الكاتبة للقصة، مبتدئة بها عملها السردي، تدفع بها، الى البحث عن ابطال صنعتهم، واشخاص خلقتهم واحداث انشأتها. وتداخلات تقترب لحظة لتبتعد ساعات، من الحياة المعيشة، التي يحياها الابطال. الذين دفعت بهم القاصة الى حياة النص، فأذا بهم يتسربون من خلال الورق والحبر الى أرض الواقع، الى الشارع دافعين المبدعة/ الخالقة الى حالة من التداخل مع ما تنتجه. ومع الواقع/ الخام مما يزيد من شكوك ابطال العمل الروائي ابتداءً بمن نجدهم يتحركون امامنا، وانتهاء بما نسمع ونقرأ عنهم ولم نرهم.

انها شخصيات سمحت الكاتبة لهم بالتحرك والتنقل ما بين الواقع المعيش والواقع المتخيل، من غير ان يخلوا بأصول اللعبة/ العمل الروائي الذي يتحركون فوق أرضيته.

3- قديسون مع الأثم:

ان فوضى الحواس تدفع بالقارئ الى لملمة حواسه، بعيداً عن الخيبة، ووقوفاً الى جانب المبدع واسناد حالة قد تصل الى التداعي. ومن أجل ان لا يحيل الآخرون، الواقفون في المنطقة المظلمة، الحياة الى شيء يشبه المجزرة، وفضاء الجغرافية/ المدينة الى مقبرة يتحتم علينا وجوب زيارة الموتى قبل الاحياء. او تمنحهم بعض وقتنا قبل ان نمنح الأحياء كلمة حب.

ان ابطال احلام مستغانمي ليسوا بالقديسين، وليسوا بسقط المتاع، بل أنهم اناس استلطفوا ان يصنعوا انفسهم وفق تعاسات تقترب من هؤلاء ولا تبتعد عن اولئك. كائنات أخرى. لن يكون ولن يشكل الموت معظلة بالنسبة اليهم. باحثين عما يسبق الموت. ليندفعوا عبره نحو الحياة المليئة بالبياض والجمال. من أجل الوصول الى حالة تحاذي الكمال. ولا تدخل في فضائه لعدم توفره. وليست لعدم توفر المقومات التي تؤهلهم لاحتلال فضاء كهذا.

ورغم اليأس الذي يعتري بعض مفاصل الشخصيات، إلا ان النسيج القصصي لتلك الشخصيات لن يتركها تتخبط باحثة عن مخرج يأتيها من الخارج. خارج الفضاء الذي تحيا وسطه. بل نراها رغم الازمات التي تجد نفسها وسطها تحاول ان تخلق سلمها الذي يصعد بها نحو منافذ قد تكون ضعيفة. ولكنها توصلهم الى الضوء الذي يجد هذا المخلوق او ذاك عارياً وسطه من غير ان يحسَّ بذنبٍ او خسةٍ او بعادٍ ليس لأن الجسد لم يكن الا عورة ولكن لأن هذا الانسان قد تعالى على الاحساس بالدونية. او بوقوفه تحت سلطة ان الانسان قد أتى نتيجة خطأ او فاحشة، وانه يعيش من أجل اقتراف الخطيئة. او انه وجد/ خلق من اجل ان يرتكب المعاصي والآثام. بل ان احساسه الذي يجتاحه هو أنه أُوجد على سطح البسيطة من أجل البقاء لا من أجل سفك الدماء. ومن أجل الاعمار لا من أجل ان يعبث فيها. من أجل ان يعمر الارض وما عليها. من أجل ان لا يفسح مجالاً لعمليات تقتيل او اغتيال او ان يمنح العنف الذي هو –كما يتصور البعض- الحد الفاصل ما بين الحياة والكيانات. وما بين الانسان واخيه الانسان.

4- تفعيل اللامتوقع:

لقد أدخلت الروائية المتابع/ القارئ في حالات متدافعة، احداثً متلاحقة، شخصيات متداخلة، متنافذة، لغة فيها من الجمال ما يدرك القارئ انه يعيش وسط حالة صافية، خالصة، من المفردات الى لغة متخيلة، وليس الواقع المتخيل فحسب.

لقد كانت احلام مستغانمي تنصب الفخاخ، لتضع القارئ وسط حالة من استفزاز والمفاجآت والوقائع المولدة، عبر توظيف رائع لاحداث قد تحدث او قد لا تحدث. او احداث استطاعت الروائية/ الرواية ان تستخلصها او تستنتجها من خلال سير العملية الابداعية، فليست هناك احداث سائبة او شخصيات خاملة، او كائنات لم يعط بها فعل او دور، فالجميع في حالة استنفار، او حالة انذار. هذه الحالة لا تشمل الانسان فقط، بل شملت الأحداث والأفعال، وجماليات القص نفسه/ أي فن القص.

فكل شيء من ابداع الكاتب مهيئ لحالة اخرى او لفعل آخر. فعل ثالث او رابع فليس هناك فعل ميت بل هناك افعال تنتظر الزمن لتطرح نفسها كحالة مؤثرة وليس هناك شخص مهمل، او ابداع انتهى دوره.

شاهد أيضاً

الرواية العربية: أصول واحدة؟
هيلاري كيلباتريك*
ترجمة/ صالح الرزوق

هل للرواية العربية حضور؟. إلى أي مدى يمكن اعتبار الروايات المكتوبة باللغة العربية تنتمي إلى …

نجاة العدواني في روايتها الحديثة “في عشّ السرطان”
ميزات لغوية.. وإلى أي مدى؟
عصام الياسري

صدرت في ربيع عام 2020 الطبعة الاولى لرواية الشاعرة والروائية التونسية نجاة العدواني الموسومة “في …

علي رحماني: المشروع الشعري الجديد… الجدوى والحياة

إن الحديث عن كتابة الشعر بصفتها إنتاجاً أبداعياً روحياً وكصيغة حياتية مطلوبة يستلزم أن نتعامل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *