د. حسين سرمك حسن : جابر خليفة جابر والكتابة السردية الجديدة (7- الأخيرة)

عودة : قشتالة تزوّر كل شيء :
——————————-  
… 2 – تمثال فرديناند زوج إيزابيلا.
3 – تمثال الخيرالدا أعلى كاتدرائية إشبيلية وقصّتها التي حلّت فيها محل أكبر وأضخم مساجد إشبيلية الذي بناه “أبو يوسف يعقوب المنصور” ، وكان المؤذن يصعد بحصانه السلم إلى قمة المئذنة لرفع الأذان للصلاة فقد كان ارتفاعها  97 مترا !! . يُظهر جابر عبر خيمة مدريد الموقف الإنساني المطلوب في الحال الراهن :
(وُلدت الكاتدرائية الأكبر في العالم الكاثوليكي ، كاتدرائية إشبيلية ، أو كاتدرائية سيفيا ، وُلدت من رحم مسجد ، عناق وأمومة ، هكذا نقرؤها نحن في خيمة مدريد ، ولنا أن نهمس بها في أذن المدينة العاصمة ، مدريد .. ثمة مسجد في إسطنبول ، المسجد الأعظم ، أنجبته كنيسة أيضا ، كنيسة أيا صوفيا، بعضنا أنجب بعضا ، وكلنا للسماء – ص 161 ) .
ثم يأتي ختام هذه الحكاية المتشابكة المضنية الموجزة العظيمة .. حكاية “مخيم المواركة” لتحمل ختاما وحلا لمحنة عاشتها الإنسانية طويلا وسوف يُقدّر لها أن تعيش زمنا أطول . لكن الحلول للمحن الإنسانية الفاجعة تأتي من الإبداع عادة لا من السياسيين عليهم لعنة الله . يأتي ختام الحكاية في صورة لوحة “ممتدة” عجيبة غريبة أنجزها رسامو خيمة مدريد الأربعة هي أقرب إلى “شريط” سينمائي تشكيلي إذا جاز التعبير حيث تتلاحق لوحات أكثر من أن تُعد . صار جابر يسرد حكاية مخيم المواركة عبر المشاهد البصرية اللونية الحروفية بدءا من المشهد الذي لم ينسه المواركة وهم يحزمون حقائبهم ليلقوا في جحيم التيه والشتات ؛ مشهد الخيرالدا الجديد الذي سيكون نصب الختام الإنساني في الحكاية الأخيرة حكاية “وردة السلام : مايوركا” الذي هو عنوان الحكاية التشكيلية الخلاصة ؛ حكاية تُلاحق – بهمس حميم – كيف رشت بنات الأندلس بالخضرة أرض كاتدرائية إشبيلية فامتلأت الأرض التي عبر عليها فينيقيون وإيبيريون أوائل وقوط جرمانيون ، بالورود والألوان لثمانية قرون وأكثر على أيادي المسلمين على الرغم من نهمهم وتناقضاتهم السلوكية (الجنسية خصوصا) التي قد تُغتفر مقارنة بالسلوك الوحشي لأعدائهم . لوحات .. لوحات .. لوحات .. تتلاحق لتعرض بصمات المواركة المظلومين على جبين الحياة الأندلسية والإسبانية .. مسجد إشبيلية وبهو البرتقال والمئذنة وصوت المؤذن الذي شق اللوحة وانتشر عبيره الروحي وفعله المسالم في نفوس أعضاء الخيم جميعا .. من كل الألوان والأعراق والأجناس .. الله أكبر منّا جميعا . وهذا هو أعظم الدروس الإنسانية والسردية التي يقدّمها جابر ؛ الدرس التربوي العظيم الذي يهذّب النفوس ويلغي الثارات . فقد يعتقد قارىء أن الكاتب إنما وضع هذه الرواية للتذكير بعذابات أخوته المواركة لتهييج النفوس والبحث عن قصاص من ورثة الطغاة . أبدا . إنها عملية عودة من أجل “التطهير – catharsis ” على الطريقة الأرسطية بتفريغ الغضب المكبوت ، ومواجهة الظالم لخطأه التاريخي المدفون من خلال نقل هذا الإثم من ظلمات اللاوعي إلى إشراقة الوعي التي تكفّل بها السرد . إن الخطوة التربوية الأولى هي أن نكون مستعدين لأن “نخيّم” في مركز المحنة .. نعيشها ونواجه آثامها بكل هدوء وشجاعة . وهذا ما حققته حكاية “مخيم المواركة” فقد جلس الجميع – ضحية وورثة أخطاء ، لا جلادون . وأنبّه على ذلك لكي لا يكون هذا مفتاح لمصافقة بين الضحية والجلاد على طريقة المتشدقين بالتطبيع مع سياسات الكيان الصهيوني ومن شمّروا عن سواعدهم من حكّائين عرب لإنتاج نصوص سردية تدعو إلى التصالح بين كل الهويات في الشرق الأوسط .. هويات الضحايا وجلادهم الأكبر الكيان الصهيوني – . وهذا أيضا ما أدركه وحققه بذكاء وتخطيط حاد جابر خليفة جابر في آخر الحكايات التي لملمت الحكايات كلها ، وهي حكاية حامد بن كناري الذي بقي يتسقط أخبار جدته قمرين في هولندا ليعرف مآلها الآخير هي وخاله عمّار بن كناري . وحين علم أنها رحلت مع خاله من لاهاي إلى البصرة عاد أولا إلى البرتغال ولم تذكر المصادر التاريخية سبب عودته – هل عاد إلى “نقطة البدء – بدء المحنة ؟” – ثم رحل مع سفن الأرمادا البرتغالي إلى خليج البصرة :
( وكان معه على نفس السفينة المؤرخ والرحالة البرتغالي ” بيدرو تخسيرا ” ، وكان يهوديا مكثلكا ، رتّب سفره لتحاشي محاكم التفتيش بعد تصاعد نشاطها في البرتغال أخيرا – ص 167 ) .
ولم يتردد جابر في القول إن حامد الموروكي المسلم وبيدرو تخسيرا اليهودي المكثلك (وهو من  المارانوش طبعا) صارا صديقين ، بل تعمّد صداقته ، فمن خلاله بلغ البصرة .. وقد يبدو هذا غطاء مصلحيا مشروعا . ولكن :
( ثمت نُتف معلومات تشير إلى أن حامدا فارق خاله عمار أشهرا ، وذهب مع بيدرو تخسيرا إلى مدينتي النجف وكربلاء ، وزارا أضرحة أهل البيت عليهم السلام كما أوصاه علي الخير حين وفاته – ص 167 ) .
# لكي يرتاح جابر : ملاحظتان مدهشتان عن البصرة من اليهودي بيدرو تخسيرا :
——————————————————————————
هاتان ملاحظتان خطيرتان عن البصرة من كتاب “تاريخ الخليج العربي والبحر الأحمر في اسفار  بيدرو تخسيرا” ذكرهما الرحالة اليهودي “بيدرو تخسيرا” في يومياته ، وهما مرتبطتان بمضامين وغايات جهد حابر في روايته هذه “مخيم المواركة” :
الملاحظة الأولى :
(ليس في البصرة مباني ذات أهمية ، ولكن فيها عدة حمامات أهلية نظيفة وفي حالة جيدة ومريحة ويستخدمها الرجال حتى منتصف النهار والنساء من الظهر حتى الغروب ويُعاقب من يخالف هذه المواقيت – ص 78 ) (62) .
الملاحظة الثانية :
.. ثم انظر إلى هذه اللمحة العظيمة التي يذكرها تخسيرا والتي تعبّر عن روعة الروح الإسلامية المتسامحة التي يتحلى بها أهل البصرة خصوصا والمسلمون عموما منذ مئات السنين . يقول تخسيرا :
(إستأذنت في الإنصراف [= من الشيخ محمد بن رشيد] وفي طريق عودتي قام ركّاب السفينة بالصلاة بعد أن مررنا قرب مبنى صغير يشبه صومعة وأُخبرتُ بأنه مزار لعيسى بن مريم روح الله وأن المزارع المحيطة به وقف لصيانته ورعايته – ص 78 ) (63) .
مزار لعيسى بن مريم يتبرك به أهل البصرة !! في عام الرحلة الذي كان المسلمون فيه يُعذبون ويُحرقون أحياء في الأندلس ، وتُستباح مساجدهم ولا تُحوّل فيها إلى كنائس وكاتدرائيات حسب ، ولكن تُغتصب فيها نساؤهم .
وقفة : أخي جابر : إنهم نفسهم مدمني إحراق البشر :
—————————————————–
خاطىء بحسن نيّة أو مغرض من يعتقد ان طريقة حرق الأندلسيين المسلمين عموما والعرب خصوصا أحياء قد انتهت مع إسدال الستارة المفتعل على محنة المواركة . إقرأ هاتين الشهادتين من قرن الحضارة والسلام كما يوصف ؛ القرن العشرين ، والمصيبة في نهايته . ولاحظ ما هو أخطر من المشتركات والمتمثل في أن “فرسان” كل جريمة يُكرمون من قبل قياداتهم المرجعية :
1- شهادة أولى ؛ حرق طفل صومالي حيّا :
( ذات يوم تناقلت الفضائيات العالمية صورة جنود من فيالق القبعات الزرقاء يعملون في البعثة الأممّية على (اعادة الأمل) في الصومال, و(اعادة الأمل) هو الأسم الذي اطلقه الأمريكيون على عملية الصومال مثلما سمّوا عملية يوغسلافيا بـ (الوفاء بالعهد) , كشفت الصورة تسجيلا سرّيا: يأخذ الجنديان تباعاً الطفل الصومالي, يمسكانه كلّ من طرف , ثم يديرانه على أتون أوقد لهباً وسعيراً ونزعوا عن الطفل أثوابة, وتضوّع اللهيب برائحة الشواء فاحترقت باحتراق اللحم صورة من صور الثقافة الكونية, فاكتوت اللغة بأزيز مجازات الأمل, ويتمادى مسلسل الرعب الثقافي :يعترف الجنود الأيطاليون ويكشفون تواطؤهم مع جنود بلجيكيين وجنود أمريكيين ويستقيل بعض قيادات الجيش الأيطالي ويعمّ  الشعور بالفاجعة. ثم يأتي التحقيق بتورط جنود كنديين. ثم ينزل خبر كالصاعة :إنّ مجلس الحرب في بلجيكا قد أعلن براءة الجنود البلجيكيين رغم أنهم اعترفوا بصدقية الشريط المسجّل, ثمّ أيّدت المحكمة ذلك. ثم رفع الملف الى الأمين العام للمنتظم الأمّمي عسى ان تنبعث محكمة دولية, وخيمت السحب على ثقافة الأنسان المعاصر وادلهمت صورة الرجل الأبيض حيال الرجل الأسمر, وتطايرت روائح أحماض الكبريت من براكين الكونية الثقافية في مشهد مأساوي خليق بروايات كافكا وأفلام هيشكوك) (64) .
2 – شهادة ثانية ؛ حرق 400 مواطن عراقي أحياء :
في ملجأ العامرية تم (حرق) , وحتى الشواء المتفحم, أكثر من (420) مواطناً عراقياً من بينهم أكثر من (200) طفل وكلهم التجأوا الى الملجأ للأحتماء به من بطش القصف الجوي والصاروخي الأمريكي. في ملجأ العامرية ستشاهد حالات (سوريالية) لايصدقها العقل: – فهناك حالة فريدة في التاريخ لطفل كتبت له شهادة وفاة ولم تكن لدية شهادة ولادة وذلك لأنّ أمّه التي ولدته تواً ركضت به عند اشتداد القصف الى الملجأ قبل ان يجروا له شهادة ولادة واحترق هناك, سترى على الحائط أم وطفلها (مطبوعين) على الجدار بعد تفحمهما وكأن القانون الألهي الأزلي قد تغيّر, يصعد الجسد ويتبخر و تلتصق الروح بالتراب: سترى جسد فتاة مطبوعاً على الجدار وفي بنصرها خاتم الخطوبة.
و إليك هذا الوصف:
(في وقت مبكر من صباح يوم 13/شباط/1991 قامت طائرتان من نوع (ف – 17) بألقاء قنبلتين صممتا خصيصاً لملجأ من نوع ملجأ (العامرية) المدني وها من نوع (جي بي يو /27) المخصّصة لحرق الأهداف الكونكريتية والموجهة بأشعة (ليزر) بعد أيام من الطيران المنخفض وتصوير المنطقة بدقّة متناهية والتعرّف على مواصفات الملجأ وتحديد كيفية أصابته مباشرة من خلال فتحات التهوية لألحاق أكبر أذى فادح به بعد أن تفتت الأجساد الطرية واختلطت بنثار الأسمنت والحديد المصهور.
كانت مقبرة للجميع توسطت الدور السكنية – وليس ثمة دليل على وجود أي هدف عسكري – ومئذنة الجامع التي ظلت تعاند بكبرياء إجتمعت عند أبوابها عدسات مراسلي الصحف ووكالات الأنباء.. سيارات الأسعاف التي تنهب الأرض في محاولة يائسة لأنقاذ ما يمكن أنقاذه. بعد أن تمكن رجال الأطفاء من الصعود الى سطح الملجأ حيث الفتحة التي احدثتها (القنبلة الأولى) والدخان والنيران التي تبنئ عنها لتتسلل عبرها خراطيم المياه في محاولة لأطفاء النيران النتي صارت لهباً ودخاناً أكثر كثافة في حين غدا الماء المنهمر بخاراً عكر السواد. أمّا ما نفذ منه الى الداخل باتجاه الطبقة السفلى فقد جرف معه أعضاء بشرية متفحمة, رؤوس وأطراف لجثث شوهتها الحرائق طفت على بحيرة من ماء أسود.
أرتفع الماء قرابة نصف متر, وبهذه المياه التي مازالت تتدفق من أعلى منسابة جارفة كل ما في طريقها من لعب أطفال وحاجات بيتية واجزاء متناثرة من لحوم بشرية. كان رجال الأنقاذ أشبه بـ (حاطب ليل) ينتظرون في كل لحظة وهم يتحرّون في ماتجرفه المياه الساخنة باتجاههم لينقذوه في جّو مظلم حزين من (ملجأ) لم يعد (ورشة) أمان و(حُلُم) في النجاة. إنّه الآن : بركة من وحل ودم.. هناك بقايا أم محترقة وحلمة ثديها مندسة بين شفتي رضيعها المحترقتين. جسد محترق آخر ضاعت ملامحه في حفلة الشواء البشري, يقفز رجل من بين الذين تجمهروا بقلوب واجفة صارخاً بحرقة:
–    إنه ولدي, وهذه الساعة التي في يده هي ساعتي, أصّر على أخذها منّي ليلة أمس…
برك الدماء على الأرض , وجثث واشلاء جثث أخرى, ورجل يبحث عن أحد عشر فرداً من عائلته, يقلّب بعضها بيد ويمسح دموعه بالأخرى وهو في يأس مطلق…) (ا65) .
بعد المجزرة المحرقة تم تكريم “الفارس” الوحش الجنرال (شوازركوف) الذي اقترفها !
# عودة : الحكي كعلاج نفسي :
——————————-
إن المعايشة السردية يمكن أن تكون علاجا إذا كانت منصفة وجريئة وبلا تحاملات تبرّز ضحية ثانوية على حساب الضحية الأصل المنتهكة والمسحوقة . يمكن أن تكون “العودة” إلى الحكاية المحنة والعيش في أتونها “علاجا” إذا كانت النوايا سليمة وكنا على استعداد للإعتراف بأخطائنا ومواجهتها بجسارة حتى لو مزّقت جانبا من نرجسيتنا . وكان العرض سيكون أروع توازنا لو أن جابرا أظهر ولو جانبا بسيطا من سلوكيات حكام الطوائف “الإسلاميين” السلبية المعروفة في الأندلس والتي ترافق أي عملية فتح في جردة حساب ذاتية اقتحامية ومباركة برغم أنها – هذه السلبيات – لم تبلغ ذرة من ركام آثام القشاتلة الرهيب بحق الأندلسيين من كل الأديان والمذاهب . وحتى دراميا وفنّيا كانت وقائع الرواية ستُثرى بشخصيات “خيانية” عربية . لكن يبدو أن الكاتب وهو يغذّ السير نحو الهدف الأكبر في إنصاف أبناء أمّته في هذا العصر الذي تتناهب وجودهم الذئاب من كل مكان ، لم يشأ أن  يقدّم نصّا يسهم في تشويه صورة الضحية على حساب الحقيقة التاريخية . فبدلا من نصب الخيرالدا المسلّح الذي هدمه الفنّانون المدريديون بسلام وهدوء “بريشاتهم” – ولاحظ “سلمية” المراجعة – قام نصب مايوركا جميلة .. نصب أنوثة عادلة هي – وعبر مسيرة الخليقة – معقد الدفء الأمومي والحب والإلفة والعدالة والسلام ، فـ :
(اطمأنت قلوب الحاضرين لها . رفرفرت حمائم حولها ، وكانت جُملٌ بكل لغات إيبيريا تدور .. كلمات السلام كانوا يرددونها :
السلام لإسبانيا ، وطني الحبيب
السلام على الأندلس
وحلّ السلام ..
شاعت نسائم السلام في المخيم وعمّ التسامح .. وراح الجميع مواركة وإسبان قشتاليون وكتالونيون وبشكنس وأندلسيون ، بعضهم يهنىء بعضا على نجاح المخيّم – ص 169).
.. لم يستثن جابر أحدا .. ولم يتعصب لحل يدمّر إسبانيا الوطن الأم . كل ما أراده هو وطن متوازن عادل سيكون أجمل بالتأكيد ، ولا تنغّص وجدانه التاريخي وتقلق توازن شخصيته القومية النفسي الحاضر عذابات ضمير تفرضها الآثام التاريخية التي تبذل جهاته المرجعية المستحيل لقمعها وتشويهها ومنعها من أن تطفو على سطح الوعي الراهن .
.. ومع هذه التهاني المخلصة لابدّ أن يهنىء الناقد والقارىء الحكّائين الأصلاء : حامد بن قمرين وعمّار إشبيليو الأول وعمّار إشبيليو الثاني .. وحكّائي الخيم كلّهم .. ومن ورائهم كل الحكّائين المخلصين الذين تلجلجت في أعماقهم صراعات التعبير عن هذه المحنة – محنة المواركة – من خلال تهنئة نقدية حارة نوجهها لخلاصة لسانهم السردي وخالقهم  .. الحكّاء المبدع :
“جابر خليفة جابر” ..
لكننا سوف نسأل جابرا عن نقص خطير جدا ، فقد أكمل الحكاية من خلال “ذيلها” المهم المتمثل في حكاية جمع شمل ولقاء الشخصين/ الرمزين ، الوحيدين اللذين بقيا حيّين من “العيّنة” المواركيّة السردية التي تناولها وهما حامد بن كناري وعمّار بن  قمرين واللذين احتضنتهما أرض البصرة الطاهرة . لقد جعل حامدا يتزوج من شقيقة زوجة خاله ، ( وعاشت العائلتان في دار واحدة ، ولم يسمّوا صبيانهم بغير هلال وبدر وحامد وعمّار وعلي وكريم ، وسمّوا بناتهم جيلا بعد جيل قمرين وكناري وفاطمة – ص 168 ) .
هنا “استقر” اللهاث السردي ، فإيقاع حوادث المخيّم سريع جدا من خلال قسمة الحوادث على الوحدات الزمنية السردية ، إستقر في لقاء “الناجيين” حامد وعمار لتنتهي الحكاية بعد أن فتحت جراح تساؤلات لا تنتهي . لكن هل سيترك جابر حكاية صاحب الحكاية الأصلي عمّار إشبيليو الذي طلع على جابر من “الفراغ” الإلكتروني .. من الواقع الإفتراضي كما يسمّونه . في خطوة أولى يدخل وكعادته في نهاية كل حكاية ، صوت عمّار – مراسله – ليفك عقدة الإسم : عمار إشبيليو :
(هل ادركتَ يا صديقي الآن ، لماذا سمّاني أبي بعمار ، عمّار إشبيليو ؟ – ص 168 ) .
لكن من اين ؟ وابن من هذا العمّار الروائي ؟
هنا يوغل جابر في إرباك استقبالنا القرائي ، ويزيد اشتباك لعبة الإيهام اختلاطا ، فعمار لا يعرف لمن ينتسب تحديدا !! :
(أنا لم استطع على الرغم من كل أبحاثي وتدقيقاتي أن أعرف لمن أنتسب تحديدا ، لحامد بن كناري أم لعمّار بن قمرين ؟ الذي كان معروفا بعمار إشبيليو ، لُقب به أثناء وجوده في إشبيلية حيث اعتاد الموريسكيون مناداته به ؟
كما أعترف بأني عجزت عن التحديد الدقيق ، عمّن كان عمّار إشبيليو يروي ، عن أيّ حامد ؟
حامد بن قمرين الذي أخذته محكمة التفتيش في إشبيلية في بلد الوليد أم حامد بن كناري الذي سكن البصرة ؟ – ص 168 ) .
لكن المهم هو درس/ وصيّة أن الإثنين : حامد بن قمرين أو حامد بن كناري كانا مؤلّفين بارعين وكاتبين جيدين . هذه البراعة الحكائية هي التي حفظت وسوف تحفظ ذاكرة المحنة الموريسكية من الضياع . وهي التي نقلت “أمانة” العذاب والموت والخراب إلى الجيل الحالي ممثلا بعمّار إشبيليو الذي ينقلها الآن إلى جابر خليفة جابر في البصرة .
لكن مازالت الحلقة مفتوحة وعلى جابر أن يغلق دائرة الحكاية لتكتمل نهائيا بإقفال دائرة حكايته من خلال وضوح شخصيته ارتباطا بشخصية السارد الأوّل عمّار إشبيليو ، ولتتحدّد “القصديّة” المسبقة من البداية والتي ترتبت على معرفة الأخير بكل شيء عن هويته ومكانه . يغلق جابر الحكاية الأم بحكاية الختام / حكايته التي تجري – وانتبه إلى الدقة في اختيار اسم المكان – في “حدائق الأندلس” بمحاذاة ميناء المعقل في البصرة حيث أخذ أولاده للتنزّه فيها بعد أن أخّره عمار إشبيليو طويلا عن ذلك . كان يشعر بالخفة والإرتياح :
(فقد انتهت الرواية ، رواية “مخيم المواركة” . هكذا سمّاها مؤلفها ، عمار إشبيليو ، فرحي وارتياحي انعكس على لعبي مع الأولاد في حدائق الأندلس . وفجأة رنّ هاتفي بنغمة الإنترنت الخاصة به ، بـ “عمار إشبيليو ، وفتحت رسالته :
“السلام عليكم . صديقي العزيز . أنا الآن أتنزه في حدائق الأندلس ، قريبا من ميناء المعقل . ألهو مع أولادي . أين أنت الآن ؟ – ص 168 ) .
# على عتبة الوداع : عودة إلى الجذر حرر :
——————————————-
وقبل الوداع أعود إلى آخر معنى من معاني الجذر (حرّ أو حرر) ليكون مدخلا يجمع خلاصة الموقف الحكائي لهذه الرواية والفكري والفني للكاتب . فـ (حرً .. حرّر الكتاب حسّنه وأصلحه) .. وقد أحسن جابر كتابة روايته وأصلح من خلالها الكثير من مواطن الخلل السردية والمعرفية والتاريخية .. كانت موضوعته ساخنة حارّة .. من خيار الروايات .. حرّة لا شوائب فيها .. لطمت المتثاقفين المتخاذلين على حرّ وجوههم .. حرّة موقوفة لوجه الله والأمة والإنسانية .. لإنسان تحاصره ظلمة حرّة وعذابات موجعة .. ومن أجل صحوتنا كانت أرضها من حجر سردي حرّي كأنه شوي بالنار .. جعلنا محرورين نتلظى بنار الغيظ على ضيم أبناء أمتنا ومهانتهم .. لقد إنقضّ على هدفه كالصقر الحرّ .. في مهمة حارّة شاقة ..
وحين نتذكر أخيرا أن : حرّر المعنى يعني استخلصه بمهارة .. وأن الحرية هي الخلوص والإنعتاق سنتأكد أن جابرا باستخلاصه الماهر لمعنى المحنة الأندلسية كان أنموذج المحرّر الحرّ لإدراكه أن الكلمة الحرّة تعني الحرّية .
تحيّة لجابر خليفة جابر .

هوامش :
————-
(1) رسائل حميمة – شاكر خصباك –
(2) مخيم المواركة – جابر خليفة جابر – رواية – دار فضاءات – عمان – 2011 .
(3) (4) (5) (6) (7) (9) (33) (34) (35) (36) (57) أخبار سقوط غرناطة – واشنطون إيرفنغ – ترجمة الدكتور هاني يحيى نصري – دار الإنتشار العربي – بيروت – الطبعة الأولى – 2000 .
(8) أبو عبد الله محمد النصري أو أبو عبد الله الصغير يسميه الإسبان “ببدول” تمييزا عن عمه الذي ولي ولاية العهد بين فترة تنحيته : محمد بن سعد “الزٌغلْ”
(10) عشر روايات خالدة – سومرست موم – ترجمة سيد جاد وسعيد عبد المحسن – دار المعارف – القاهرة – 1971 .
(11) (51) (55) البقع الإرجوانية في الرواية الغربية – حسن حميد – منشورات إتحاد الكتاب العرب – دمشق – 1999 .
(12) (28) (29) (31) (54) دون كيخوتة – سرفانتس – ترجمة د. عبد الرحمن بدوي – دار المدى – دمشق – 1998 .
(13) (14) (15) الخروج من التيه – د. عبد العزيز حمودة – سلسلة عالم المعرفة – 2003 .
(16) (17) (22) (25) الأندلسيون المواركة : دراسة في تاريخ الأندلسيين بعد سقوط غرناطة – عادل سعيد بشتاوي – مطابع إنترناشونال برس – القاهرة – 1983 .
(18) المعجم الموسوعي في علم النفس – نوربير سيلامي بمشاركة مئة وثلاثة وثلاثين اختصاصيا – ترجمة وجيه اسعد – الجزء الثاني – وزارة الثقافة – دمشق – 2001 .
(19) التحليل النفسي بين العلم والفلسفة – د. أحمد فائق – مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة – 1967 .
(20) الإزدواجية المُسقطة ؛ محاولة في تحليل شخصية الدكتور علي الوردي – حسين سرمك حسن وسلام الشمّاع – دار الينابيع – دمشق – 2011 .
(21) اللغة الموحدة : تفنيد المبدأ الاعتباطي وتأسيس مبدأ القصدية في علم اللغة العام – عالم سبيط النيلي – دار المحجة البيضاء – بيروت – 2008 .
(23) مذابح وجرائم محاكم التفتيش في الأندلس – محمد قطب –  – د. أسعد حومد – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – ط/2 – 1988 .
(24) (40) محنة العرب في الأندلس – د. أسعد حومد – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – الدبعة الثانية – 1988 .
(26) صالون إيجيتي – حامد بخيت – الشبكة العنكبوتية .
(27) (56) أفكار لأزمنة الحرب والموت – سجموند فرويد – ترجمة سمير كرم – دار الطليعة – بيروت – الطبعة الثالثة – 1986.
(30) (32)  إلتماعات ورؤى : مثابات في الأدب والفكر – شكيب كاظم – دار نايا – دمشق – 2011
(37) رحلة النيلوفر أو آخر الأمويين – وليد حجار – على موقع القصة السورية في الشبكة العنكبوتية .
(38) راجع الملحق رقم (1) .
(39) ملتقى المهندسين العرب – الشبكة العنكبوتية .
(41) كل الإقتباسات المقبلة من رواية ليون الأفريقي – أمين معلوف – ترجمة د. عفيف دمشقية – دار الفارابي – بيروت – الطبعة الأولى – 1997 .
(42) (52) (53) الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان – د. عبد الوهاب المسيري – دار الفكر – دمشق – الطبعة الرابعة – 2010.
(43) الهويات القاتلة – أمين معلوف – – ترجمة د. نبيل محسن – دار ورد – دمشق – 1999 .
(44) قصيدة وصورة – الشعر والتصوير عبر العصور – د. عبد الغفار مكاوي – سلسلة عالم المعرفة (119) – 1990 .
(45) ما قبل الفلسفة – فرانكفورت وآخرون – ترجمة جبرا إبراهيم جبرا – دار مكتبة الحياة – فرع بغداد – 1960.
(46) (47) (48) (49) مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة – طه باقر – الجزء الأول – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1972.
(50) الحداثة وما بعد الحداثة – د. عبد الوهاب المسيري  و د. فتحي التريكي – حوارات لقرن جديد – دار الفكر – دمشق – 2003 .
(58) جاك دريدا : في العقل والكتابة والختان – د. أمينة غصن – دار المدى – دمشق –
2002
(59) أنيس حبيبة روحي – إيزابيل ألندي – ترجمة صالح علماني – دار المدى – دمشق – 2007 .
(60) الحمراء – واشنطون إرفنغ – ترجمة عبد الكريم ناصيف، وهاني نصري – مركز الإنماء الحضاري- حلب – الطبعة الأولى – 1996.‏
(61) يمكن مراجعة حكاية الديك الذهبي لبوشكين – ترجمة حامد خضير الشمري – منشورة في جريدة الزمان .
(62) (63) تاريخ الخليج والبحر الأحمر في اسفار بيدرو تخسيرا – ترجمة د. عيسى أمين – مؤسسة الايام – البحرين – 1996 .
(64) العولمة والعولمة المضادة- د. عبد السلام المسدي – تونس- 1999.
1-    (65) جريمة العصر – محمد البكاء – دار الشؤون الثقافية – بغداد – بلا تاريخ

ملحقان
———
المحق رقم (1):
وليد حجّار : مخطوطات الأندلس لم تُحرق : مؤامرة على العقل العربي
———————————————————————
لم يشر جابر في روايته “مخيم المواركة” أي إشارة إلى فعل قشتالي خطير اقترف ضد المسلمين في الأندلس ويتمثل في حرق الكتب والمخطوطات خصوصا وأن “المكتبة الشخصية” كات من مظاهر اعتزاز الفرد الأندلسي ومن مكونات البيت الأندلسي الأساسية من الطبقة الميسورة بشكل خاص . لكن المبدعين الأحرار هم الذين يكشفون الحقائق في الحياة البشرية ليدوّي صوتهم ممزقا أستار التزييف والمخادعة والبهتان التي ينسجها المؤرخون والساسة . وهذا ما قام به الروائي “وليد حجار” في روايته “رحلة النيلوفر أو آخر الأمويين” والتي لا نريد الإكتفاء بإحالة القارىء إليها ليطلع على الأفكار المرعبة التي يطرحها عن “مؤامرة تزوير المخطوطات العربية من قبل الغرب لتحطيم العقل العربي” كما أريد أن أسميها ، ولكن نقوم بنقل النص الذي عالج فيه هذه المعضلة كاملا لأنه شديد الإرتباط بالأسس والمبادىء التي اعتمدناها في النظر إلى قيمة رواية “مخيم المواركة” والمناخ الفكري والنفسي الذي وضعتنا في أتونه :
(ص502-513)
{أدرك الكاردينال أن محدثه ليس على علم بتفاصيل ما يتحدث عنه.. فأطرق برهة.. ثم عاد يمعن النظر في وجهه، كمن قرر في النهاية اطلاع أحد أحفاده على سرٍ طال كتمانه له، يرى في ذلك الحفيد وريثاً جديراً بالثقة، وأن الوقت قد حان كي يسلمه أسراراً عائلية متوارثة.. فقال..
– “ماكسيمليانو” هب أننا قد أخفينا كتاباً فلسفياً، عربياً، في زمن بعيد.. ونشرنا محتوياته تحت إسم مؤلف فرنسي، أو إيطالي! فإن أول ما يجب عليّ خشيته الآن، هو محاولة إنسان عربيّ اليوم، كشف أمر هذا المخطوط، ثم إعلانه على الملأ.. وفضح عمليّة “الاستعارة” هذه!.. صحيح؟!
– صحيح!
– لكنني لا أخشى هذا الأمر بتاتاً!.. صدّق ذلك، أولا تصدّق!.. فالعرب اليوم، هم آخر من يبحث عن حقيقة تاريخهم .. وهذه حقيقة، باتت واقعاً علمياً بحتاً.. منذ أن أصبحوا لا يعترفون على علمٍ، أو تاريخٍ، أو فلسفةٍ، إلا إذا كان مصدره ممهوراً بأختامنا الأوربية!.. أليس عجيباً أن نكون قد نجحنا تماماً في غسل أدمغتهم؟! لدرجة أنهم إذا ما خيّل لهم أنهم أدركوا ذلك، عادوا إلينا نحن، يطلبون، منا نحن، العلاج!! تصوّر! أليس هذا مذهلاً؟! إن أوسعهم علماً، اليوم، إذا ما أدركوا أن هنالك من زوّر تاريخهم، أو بدّل فيه.. يعودون إلينا نحن!! يطلبون منا نحن! ومن مصادرنا المزوّرة، إرشادهم إلى اكتشاف الحقيقة!! نعم.. نعم.. لا شك أننا نجحنا في إخفاء تاريخ المسلمين الحقيقي .. إلى غير رجعة.. لقد كانت مهمة شاقة.. طويلة.. لكننا قمنا بواجبنا خير قيام..
ضحك فراس، ساخراً، موافقاً.. دون التعليق على ما سمع.. فتابع الكاردينال..
– لا..لا!.. إن ما أخشاه.. هو، الجهة الأخرى.. أخشى أن تكتشف حقيقة ما فعلناه، في الماضي! تعثر على تلك المخطوطات، فتعيد تحويرها، لمصلحتها، ثم تكشفها على الملأ!
– أية جهة تعني؟.. كيف؟! ومن الذي في استطاعته المطالبة بنصوص عربية، إسلامية.. غير أصحابها.. غير العرب.. والمسلمين؟!
– اليهود!! ليس كل اليهود بالطبع.. بل جماعة صهيون.. الدائبة، العاملة.. التي تحاول إعادة كتابة التاريخ من جديد!! وجميع اليهود وراءها، كما تعلم! وهم يملكون أشد الأسلحة مضاءً، وفتكاً.. وسائل الإعلام.. في العالم كله!!
أخلد الكاردينال إلى الصمت، وهو ما زال رافعاً حاجبيه.. فاتحاً شفيه.. في وضع من يتابع الكلام.. كأن الزمان قد توقف، فجأة!.. وانقضت ثوان، وهو على ذلك الوضع.. ثم عاد إلى الحركة، والكلام، كأن الحياة دبت في أوصاله، وتقاطيع وجهه من جديد..
– أقول لك، إنني ما كنت لأهاب هذا الأمر، لو أن الخوف اقتصر على العرب، وحدهم! فالفهرس، إذا أرشدهم إلى أن هنالك كتباً فلسفية عربية، يجهلون وجودها، فما من قوة على الأرض تستطيع أن تقودهم إلى حيث أخفيت هذه المخطوطات! ناهيك عن استحالة محاولة استخراجها، من حيث هي الآن! “ماكسيميليانو”.. لولا أنك أحد القلائل في العالم الذي لا أشك في عقيدته.. نظراً لثقتي المطلقة بعقيدة أسرتك وإيمانها، لما أطلعتك على مخاوفي هذه!! إن جماعة صهيون.. قد تسربت إلى قواعدنا نحن! وما عدنا ندري إلى أي حدّ، بالضبط، نما هذا السرطان الخبيث في جسدنا، وانتشر!! إني بتّ أخاف أن يكون هذا الفهرس في حوزة أحد من جماعة صهيون، الآن.. ممن هم اليوم، داخل جهازنا الكنسيّ!.. ولقد نجحوا في الخطوة الأولى ، وهي إقصائي عن المكتبة.. وعن الفهرس!! أما الخطوة التالية، فقد تكون، نسبة بعض تلك المخطوطات إلى ابن ميمون، مثلاً! بدل، ابن رشد.. أو ابن خلدون! ثم تنشر نصوصها، على الملأ.. فاضحين بذلك ما قمنا به.. مفاخرين بها، على أنها من تراثهم اليهودي!! إن مثل هذا الأمر، لو حدث، لكان كارثة علينا، وعلى العالم الغربي، بأسره!! خصوصاً، وأن جميع وسائل الإعلام اليوم، في أيديهم.. ولعلهم لا ينتظرون إلا مثل هذه القضية ليمسكوا بزمام القيادة الثقافية، والروحية، للعالم الغربي، إلى الأبد!!
تساءل “ماكسيميليانو”.. في حيرة.. وتمتم..
– ابن ميمون؟!
– بالطبع!.. فلقد كان يهودي الأصل، كما تعلم! .. ولقد أقاموا له التماثيل في إسبانيا اليوم على هذا الأساس.. “ماكسيميليانو”! عزيزي! إن الدولة، في بلادك، تساعدهم من حيث لا تدري!.. فهي لا تشدد، من مجمل تاريخ العرب، في الأندلس، إلا على ذِكرما كان من أصلٍ يهودي! وسيأتي قريباً.. اليوم الذي سينسبون فيه جميع حضارة العرب، في الأندلس، إلى تأثير عقيدتهم!.. تماماً كما فعلوا بنا، حين دمجوا العهد القديم، اليهودي، بالأناجيل الطاهرة المسيحية.. التي لا تكف عن لعنهم!! ألا ترى أن عقيدتنا لا تذكر اليوم، في المحافل الفلسفية، إلا مقرونة بعقيدتهم؟! لا يتكلمون عن الحضارة الأوربية، إلا ذكروا جذورها “اليهودية المسيحية”، فما بالك إذا كان ذلك الفهرس في أيديهم الآن؟! وتحت إمرتهم، مئات المخطوطات الأصلية التي يجهل العالم وجودها؟! إنما يروّعني الآن، هو أن جماعتهم هذه، قد تكون، بيننا، دون أن ندري!! إنهم قد يكونون في مثل هذه اللحظة، بالذات، منهمكين في إعادة نسخ و تحرير تلك المخطوطات.. التي ظننت أني قد أخفيتها إلى الأبد!! آه.. لو دمرتها!! آه لو أحرقتها، أو لو أحرقها من كان قبلي، قيماً على المكتبة!! إن جدك الأول، “ماكسيميليانو”.. كان السبب!! جدك، كان رأس الهرم الذي ابتدع فكرة التحوير، في سبيل العقيدة! لكن حب الخير والصدق، يبقى راسخاً في الإنسان،.. مهما نزع إلى الكذب.. والشر.. لذلك أبقى جدك على الأصول.. ولم يدمرها!!.. وتعاقب بعده عدد ممن هم على شاكلته.. أناس، آثروا في النهاية، على الدوام، ألا يقوم بإفناء تلك المخطوطات!!
كان الكاردينال “بامفيلي” يتكلم، مأخوذاً بما يحرفّه، مفتوناً بما كان في وسع أصابعه شده من خيوط معقدة، تسيطر على مقدرات الفكر في العالم.. فما إن أخلد إلى الصمت، وراح يمعن النظر في “ماكسيميليانو”، من جديد، حتى تنبه إلى أن وشاحاً من القنوط قد جلل وجه ضيفه.. فتبسم له، في رفق.. وقال..
– أعلمُ.. أعلمُ.. يا بنيّ، أن ما أحدثك عنه، ليس خيراً، كله!.. لكن على الإنسان أن يضحي، في كثير من الأحيان، في سبيل قضية عادلة! وقد يُقترف الشر، في سبيل الخير..”Todos Modos”.. أنه شعار اليسوعيين، كما تعلم.. “جميع الأساليب” ! ألا يحارب الإنسان، في سبيل عقيدته؟! ألا يقترف القتل ، في الحرب، لإحلال السلام؟! إنها غنائم الحرب يا بنيّ.. ليس إلاّ!.. لقد انتصرنا في الحرب على الإسلام، في الأندلس.. فحق لنا جمع الغنائم! ولسنا أول من قام بهذه الفعلة، في التاريخ!
ضحك لفكرةٍ طرأت على ذهنه.. وقال..
– لعله حب المغامرة.. أو القرصنة، عندنا.. أم لعله حب الصيد، عند إنسان تعود الحياة في الغابات.. على أية حال، فإن انتحال الثقافة ليس بالأمر الجديد على الحضارة الأوربية، وليست عادة مقصورة على رجال الدين، والإيمان.. كما تعلم!!
نظر إليه “ماكسيميليانو” يستوضحه، فأردف قائلاً..
– هل تدري من أول من قام بمثل هذه الفعلة في التاريخ؟ ناهيك عن أن، تلك، كانت عميلة سطو رهيبة التدبير، والتنفيذ!! أين منها.. ما قمنا به نحن؟!
سأل فراس، في دهشة وعجب..
– ومن كان ذلك؟!
– إنه اسكندر المقدوني، بالطبع!.. وبالاتفاق مع أستاذه العظيم، أرسطو! إنها أول، وأكبر عملية سطو منظم في التاريخ.. على العلوم والفلسفة! وليس من سبب يمنع المؤرخين عن ذكر تفاصيلها، إلا لأننا نحن، اليوم، في الغرب، أساتذة التاريخ! وليس في مصلحتنا تفويض دعائم حضارتنا القائمة على ما نسميه بالحضارة والفلسفة، الإغريقية! التي هي في الأصل، حصيلة ما جمعه الاسكندر، وبعث به، لأستاذه، أرسطو، من جميع ما عجّت به الخزائن الشرقية من كتب وألواح الفلسفة، والعلوم القديمة، التي وجدت على طريقه، وهو ماضٍ لاحتلال السند!
نظر إليه”ماكسيميليانو”، يستوضحه، فأردف قائلاً..
أطرق الكاردينال برهة، كأنه عاد بأفكاره كلية إلى ذلك الزمان، ثم قال..
– لكن الاسكندر اقترف خطأً، مريعاً! خطأ سمح لجماعة صهيون، فيما بعد، بالتسرب إلى بنائنا الروحي، والثقافي!.. وليس ما نستطيع القيام به اليوم، للحؤول دون إتمام سيطرتهم الكلية علينا.. الشيء الذي بات على الأبواب!!
– وكيف يقوم الاسكندر بذلك.. قبل ثلاثة قرون ونصف من الميلاد؟!
– لقد شاء الإسكندر توحيد الآلهة، تحت زعامة إغريقية موحدة، على غرار ما فعل بشأن توحيد الثقافة!.. هدفه في ذلك بالطبع، تثبت سيطرة مقدونيا على العالم الحضاري.. فهو لم يكتفي بأن نسب جميع الفلسفات القديمة، إلى أسماء إغريقية، بل حطّم معابد جميع آلهة الشرف القديم.. المتغنية في تعاليمها بحب السلام.. ليرفع الصروح، آلهة الأغريق، الداعية إلى الحرب! وأعطى بقية الآلهة التي رضي عنها، أسماء إغريقية!! هكذا.. نفى الإله “أيل” الكنعاني، من الوجود.. وهو أنذاك، أبو الآلهة، الذي اتصف بالمحبة والرحمة، وحبه لسلام!! وأحل محله “زيوس” الإغريقي، الذي أصبح فيما بعد، “جوبيتر”، الروماني!.. وكلاهما ميّال إلى البطش، والحرب، مثل “يهوه” تماماً.. الذي ما كان له من الأهمية في سلم الألهة الكنعانية، إلا دور ثانوي، ظرأً لقسوته ولميوله الحربية ولحبه للبطش والانتقام!.. ماذا قال المسيح وهو على الصليب؟ ومن نادى؟!.. لقد نادى “أيل”.. حين قال “إيلي.. إيلي.. لِمَ سبقتني؟” لقد نادى إله كنعان.. ولم يناد “يهوه”.. إله اليهود! لكن تدني الثقافة الأوربية في العصور الوسطى ساعد على طمس هذه الحقيقة.. حتى نجح اليهود في إشاعة الظن بأن تعدد أسماء الآلهة، في العهد القديم، أمر لا أهمية له، وأن جميع هذه، أسماء تشير إلى الله. في حين أن الحقيقة التاريخية، مخالفة لذلك تماما.. وأن اليهود حين ضلّوا، تبعوا “يهوه”، إله الحرب.. وأعرضوا عن “أيل”.. أي الله.. وهو رب ابراهيم.. إله الرحمة والحكمة والمحبة!
– وما علاقة هذا، بجماعة صهيون؟!
تبسم الكاردينا “بامفيلي”.. وقال، في هدوء..
– إن جميع الكتابات اليهودية، عن تاريخهم قبل الميلاد، لم تكن، قبل القرن الخامس عشر، إلا قطعاً وشذرات، منفصلة، بعضها عن بعض، لا علاقة لها بالتوراة اليوم!.. لقد كان لهم في العالم، آلاف المخطوطات المتناقضة! جميعها، لها أسماء دينية مقدسة، ومعظمها ينافي التعاليم المسيحية الحقيقية!.. إن النسخة الموحدة الرسمية للتوراة، كتبها “يعقوب بن حاييم”، باللغة العبرية في عام 1525 .. ولقد وحدّها من أصل ثمانية آلاف مخطوطٍ دينيّ! جميعها متباين.. متناقض! معظمها، كتب باللغة الآرامية! بالآرامية..وليس بالعبرية.. تصور! فهل تتصوّر مدى التحوير والتصرف الذي تضمنته مثل تلك المهمة؟! ولقد وُحِّدت تلك النسخة في زمن سيادة، عقيدتنا، نحن، في أوربا! لذلك، جاءت بما يناسب روح هذه السيادة، وكأنها القاعدة الأساسية التي نشأت عنها عقيدتنا!.. ولم يتقربوا منا، حباً بنا.. أو رهبة من سطوتنا! بل فعلوا ذلك، وفي أذهانهم قصد الالتصاق بعقيدتنا، وذلك، بهدف التسرب إليها، ثم محاولة القضاء عليها، من الداخل، ولا شك عندي أن” مارتن لوثر” منهم.. وقد حقق أكبر نجاحاتهم! وهل تريد برهاناً، أكبر من نجاحهم، مؤخراً، في محو اللعنة التي أحلتها الأناجيل ذاتها على شعبهم؟!
أطرق صامتا، يهزّ رأسه أسفاً.. ثم عاد إلى الكلام، فقال…
– أن تلك النسخة من التوراة، لصقت بالأناجيل الأربعة، حتى أصبحت كمقدمة لها، بل أصبحت جزءاً منها!.. وما إن انتشرت البروتستانتية، في أمريكا.. بفضل مؤازرة هذه الجماعة.. حتى وجدت جماعة صهيون، أن خير حربٍ كاسحةٍ يشنونها علينا، هي حرب مناصرة تلك المذاهب الأمريكية! جميعها لا تروج إلا للعهد القديم.. في الكتاب المقدس.. الذي بات الجميع يتقبلونه على أنه تاريخ اليهودية الأصلي! فصار لا يذكر اسم عقيدتنا، إلا مقروناً باسم عقيدتهم، كأنهم هم الأصل، ونحن الفرع! وهكذا يا عزيزي “دون ماكسيميليانو” نكون قد تذوقنا السم الذي قد حضرناه للآخرين وحلّت علينا ذات اللعنة التي سببناها للعرب.. والمسلمين!
– أي لعنة هذه، يا صاحب النيافة؟!
رد الكاردينال والمرارة بادية على معالم وجهه..
-.. كما أن العرب لم يعد في وسعهم، اليوم، البحث عن تاريخهم، إلا بالرجوع إلى مصادرنا الغربية! كذلك، نحن، لم يعد في وسعنا البحث عن جذورنا الأوربية، الحقيقية، إلا بالرجوع إلى مصادر جماعة صهيون!.. ومن المنتصر في كل هذا؟!.. إنهم يملكون جميع وسائل الإعلام، في العالم اليوم!! وإن أي إنسان يتصدى لهم، بما يخيفهم، تراه يرزح في اليوم التالي، تحت وطأة فضيحة سياسية، أو أخلاقية، لا أصل لها! تحطم سمعته، وتنسف من الأصل جميع ما قاله ضدهم!!
كان حب العلم والمعرفة لدى الكاردينال “بامفيلي” قد تغلب على حذره المعهود، حين يكلم الغرباء.. لكن “فيليتشي بامفيلي”، الذي جلس يحدث “دون ماكسيمليانو”، لم يكن في تلك اللحظة ذلك الكاردينال المتزمت، الذي تقيد عقيدته مقداراته الذهنية الواسعة.. بل إنساناً عظيم الاطلاع.. عميق جذور المعرفة، سبر التاريخ، فهو، وإن كان قد اتخذ موقفاً معيناً منه، إلا أن ذلك لم يمنعه من فهم مقدرات خصمه.. ولم يعمه حبه وولاؤه لعقيدته، عما كان لغيرها، من مزايا..
كان “دون ماكسيمليانو” ينظر إلى عيني الكاردينال، في حيرة، وعجب.. لا يدري ماذا يقول.. ولعل الكاردينال أحب ذلك الانطباع الذي تركه كلامه على مسامع، ومعالم، ضيفه النبيل، فتابع قائلاً..
– ولم تستغرب ذلك؟ لقد كانت خطوة حضارية، خطاها الاسكندر في زمنٍ كان الفاتحون فيه، لا يكترثون بغير المال، والمتعة!.. فهو، بدل أن يكتفي بسلب ضحاياه، مالها، وذهبها.. زاد في ذلك خطوة هامة.. علمه إياها أستاذه، أرسطو!.. وهي ، أن في الشرق كنوزاً أثمن من الذهب والفضة.. وهي كنوز الفلسفة، والحكمة، والعلوم! فطلب منه جمعها في طريقه، وإرسالها إليه، مع البريد المنتظم، أولاً، بأول! فقام الاسكندر بتلك المهمة خير قيام، ولم يكتفي، بذلك، بل ، دمر جميع المدن القديمة، التي تحمل ذكريات تلك الفلسفة، وبنى مدناً جديدة مكانها تحمل اسمه.. كأنه يريد أن يجتث جميع الجذور التي تربط تلك الفلسفات، بأصولها!! نعم.. نعم.. لقد بنت أوربا القديمة صروح ثقافتها، بعد معركتين حاسمتين.. وعلى أنقاض ما حطمته واختزلته إثر هاتين المعركتين!.. الأولى، حرب الاسكندر على الشرق وسرقته لتراثه.. مما أسس حضارة اليونان!.. والثانية حروب روما على قرطاجة.. وسرقتها لحضارة صور.. مما كرّس موت الشرق القديم.. شرقه.. وغربه!!
تبسم فراس، وقال..
– أن جميع ما تقوله صحيح.. لكن ذلك لا ينفي أنه كان في اليونان، جميع ما نعرفه اليوم من أسماء إغريقية، عريقة، لامعة.. من فلاسفة، وشعراء، ومؤرخين.. في زمن، لا نذكر فيه، لبقية الأقوام، أسماء لها مثل ما لأعلام اليونان من ألقٍ وشهرةٍ!!
ضحك الكاردينال، ملء صدره الكليل، وقال، يدحض رأي ضيفه النبيل، بطرحه لسؤال واحد! قال، يسأل “دون ماكسيمليانو”..
– وهل تعرف، يا صاحب النيافة، ما هو”قانون الاسكندرية”؟!
هز “ماكسيمليانو” رأسه نافياً.. مقراً بجهله.. فأردف الكادينال على الفور..
– أنه، يا عزيزي، المَثل الذي حذونا حذوه نحن.. حين جمعنا الأناجيل! فألغينا ما ألغينا منها، وأقررنا ما أحببناه! لقد كان في العالم، مئات الأناجيل، قبل القرن الرابع.. فحظّرنا استعمالها، جميعها.. ما عدا أربعة، أي، الأناجيل الأربعة المعترف بها، والتي يكاد العالم لا يعرف غيرها، اليوم!
– تقول إنكم حذوتم حذو “قانون الاسكندرية”.. فما هذا القانون؟!
أجاب الكاردينال ضيفه على الفور، قائلاً..
– اسمع جيداً.. إذ أن ما سأقوله لك، يكاد لا يتحدث به، إلا قلائل في العالم اليوم! رغم أهميته القصوى!!.. إن “قانون الاسكندرية” هو اللقب الذي أعطي للقائمة الرسمية التي وضعت في “الاسكندرية” في القرن الثاني، قبل الميلاد!.. من قبل”أريستارك”، و”أريستوفان البيزنطي”، لأسماء الشعراء والفلاسفة!! والتي تحرى فيها، واضعاها السير في خطا الاسكندر، وأرسطو!! فوحدا العلوم، والشعر، والتاريخ، والفلسفة.. جميعها.. وأقول جميعها.. تحت أسماء.. يونانية.. بحتة!! هي جميع ما نعرفه اليوم، من أسماءٍ إغريقية بارزة!! مهملين ذكر غيرها من الأسماء الشرقية الي أهملت، حتى اختفى ذكرها، مع مرور الزمن.. تماماً، كما أهمل ذكر بقية الأناجيل التي لم تعترف الكنيسة بها، في القرن الرابع للميلاد.. هل أكرر ما قلت؟! لقد وحد “أريستارك” و “أريستوفان البيزنطي”، أسماء جميع الشعراء والفلاسفة الشرقيين.. تحت أسماء “إغريقية”.. حتى نُسب إليهم جميع الشعر والفلسفة القديمين! هكذا.. وبكل بساطة!! والغريب في الأمر، هو أن التاريخ، ما يزال يذكر هذه الواقعة لهم! رغم أنه نسي أسماء الفلاسفة، والمؤرخين، الذين حذفت أسماؤهم من الوجود!! فما رأيك؟! هل ترى يا عزيزي كم هي سهلة عملية تزوير التاريخ؟! حين يقوم القوي الحاكم، بذلك؟! إذا كان من السهل، اليوم، سرقة أثر أدبيّ، أو فلسفيّ.. فهل جال في ذهنك كم كان الأمر سهلاً على سلطة مثل سلطة الاسكندر، أن تقوم بما قامت به من نقل اللوائح الفلسفية القديمة، من الشرق، إلى اليونان، وإلى المكتبة التي أنشأها باسمه، في مدينته “الاسكندرية”!.. ثم نسب هذه الفلسفة إلى أسماء يونانة، قديمة؟!
قال فراس، وقد عظم فجأة على ذهنه وقع أمورٍ، كان يجهلها!! أمور، من صلب الثقافة.. لا حدود لأهميتها!
– كيف لم أطلع على هذه الأمور؟! كيف تغيب هذه الأمور عن معرفة الناس؟! إنها لجريمة، ما بعدها جريمة!! ثم.. نحن، إذن، نعيش في جهلٍ، ما بعده جهل!!
تبسم الكاردينال لما تفهمه من ثورة ضيفه على جهله.. مواسياً..
– لكن جدك، يا “دون ماكسيميليانو”، لم يكن يجهل تلك الأمور!.. إن من يجهل هذه الأمور هو “الشعب” المثقف! وليس”النخبة” من مثقفي العالم، اليوم!! الذين يشدون خيوط الثقافة بحسب ما يريدون.. تماماً كما هي حال من يشدون خيوط السياسة!! ولقد قام جدّك الأكبر بمثل هذه العملية، على نطاق كتب المعرفة الإسلامية، في الأندلس.. نقلها إلى هولندا.. وهناك، حور بعضها، بما يقتضيه الإيمان.. ونسب بعضها الآخر إلى مؤلفين غربيين! فهل ترى أروع من ذلك؟! ثم كيف أنسى فضل “ليو أفريكانوس”، “ليو الإفريقي”، وهو الاسم الذي اتخذه الحسن بن محمد الوزّان، بعد أن اعتنق عقيدتنا، في القرن الخامس عشر؟! لقد حمل إلينا المخطوطات، بالمراكب! سفنٌ، محملةٌ بكاملها!! ولقد كانت آخر عملية منظمة حصلت في هذا المجال.. ما قام به رجالنا أثناء حملة “نابليون”.. فنحن، لم نُغنِ متاحفنا بآثار مصر الحجرية فحسب! وانظر إلى ما في متحف “اللوفر”، من آثارٍ مصرية!.. بل أغنينا جميع مكتبات أوربا بالمخطوطات التي حوتها مكتبات مصر، وهي التي كانت مركزاً للعلم، في العالم الإسلامي في ذلك الحين!
ضحك “فيليتشي بامفيلي” هازئاً، مستغرباً فداحة ما حصل، وقال..
– أن رجالنا.. لم يكتفوا بإخلاء مكتبات العرب من كنوزها العلمية والتاريخية، فحسب! بل، وهذا هو الطريف في الأمر! لقد أبدلوا معظمها، بنسخٍ كتبت هنا في أوربا، نسخ.. لا فارق بينها وبين المخطوطات الأصلية، إلا في المحتوى.. والنصوص!! بل إني أستطيع أن أؤكد لك، أن ما من مخطوط عربي هام، في حوزة العرب اليوم، إلا جرت عليه رقابة صارمة.. زادت هنا، أو حورت هناك.. بما كانت تقتضيه مصلحة حضارتنا، وعقيدتنا! ولا تستغرب هذا القول.. أفلم نحكم البلدان العربية.. جمعاء؟! وكانت جميع مكتباتها، تحت إمرتنا.. ورهن تصرفنا؟! في زمن كان معظم زعمائها يكادون لا يحسنون قراءة لغتهم؟! المغرب! القيروان، القاهرة، دمشق، بغداد.. طهران، الهند، السند! جميع مكتباتها، وذخائرها، كانت تحت رحمة نَسَخِتِنا.. طوال عشرات السنين! لعل البلد الوحيد الذي لم نُخْلِه من مخطوطاته بعد.. هو اليمن!!
قال “دون ماكسيميليانو”، في عجبٍ وذهول، صادقين..
– يا صاحب النيافة.. إنك لتذهلني حقاً بسعة معلوماتك!!
هزّ الكاردينال رأسه، يأسف لزمن المعرفة الموسوعية الذي بدّدته الحضارة الآلية الغربية.. حضارة الاختصاص.. وقال..
– كيف لا أعرف ذلك.. وجدّي الأكبر، القديس “بامفيلي”، كان أول من حوّر في التاريخ اليوناني، لمصلحة العقيدة، والدين! لقد كان قيّماً على مكتبة “أوريجين” وحوكم، بسبب ما أصلحه من كتابات “هيكسابيليس” فقطع رأسه، في القرن الرابع! نعم، يا عزيزي.. أنت وأنا.. ورثة هؤلاء.. إنما نسير في خطٍّ رسمه لنا أجدادنا.. منذ القدم!.. إنها مهمتنا التاريخية.. لخدمة حضارتنا! فهل تستغرب لقاءنا الحميم اليوم، بعد كل الذي سمعته مما يوحّد سبيلنا في الحياة؟! لم ألقك.. إلا وأنا على وشك فراق هذه الحياة.. آه.. يا “دون ماكسيميليانو”.. ليتنا التقينا.. قبل اليوم! لكن.. ما لك تبتسم؟!
– يجول في خاطري ما يمكن أن تترك هذه المعلومات، من أثر على مثقف عربي، لاقدر الله.. إذا ما وقع عليها.. ولا سبيل أمامه للتحقق من صحّتها!
قهقه الكاردينال، في مرحٍ، وقال..
– لا تقلق، يا عزيزي.. فالجواب بسيط.. لن يهتم بمثل هذه المعلومات إلا مثقف حقيقي.. وإذا وجد، فإما أنه يموت من القهر، والكدر.. أو.. يعلنها على غيره من أبناء أمته.. وفي تلك الحال.. فسوف يسخرون منه.. أو تقف في وجهه رقابة حاقدة، جاهلة.. حتى يدفعه ذلك للجنون، أو يموت حسرة وحزناً على درجة جهلهم!!
– ألا يمكن لمثل هذه القضية أن تلاقي من صدىً لديهم.. أو لدى بعضهم؟!
– وكيف يتم ذلك، وجميع مثقفيهم، لا يجرؤون على التحدث عن تاريخهم، وقضاياهم الروحية، أو الثقافية، إلا بعد الرجوع إلينا مباشرة أو إلى هذه المخطوطات المحورة نفسها؟! ثم، لقد أضفنا بحوثاً لا آخر لها، في صالح الأقليات .. حتى بات المسلمون اليوم لا يجرؤون على مناقشتها، علناً، خوفاً من ثورة هؤلاء عليهم!! نعم.. نعم.. إن من سوف يكتشف هذه الحقيقة من العرب، في يوم من الأيام.. سوف يُقضى على اكتشافه.. وربما عليه.. على يد أبناء أمته بالذات
ص433-441)
{جلس في فراشه، يتصفح ذلك الفهرس من جديد، لا ينفكّ يقلّب صفحاته.. يعيد قراءة العناوين المجهولة، لمعظم مشاهيرالكتّاب العرب والمسلمين.. يخمّن ما يمكن أن يحتويه هذا، أو ذاك المخطوط، من معلومات قيمة أو تاريخية أمضى فترة على تلك الحال، فإذا بتعدّد وسعة مواضيع تلك العناوين، يترسب في مخيلته.. فيزداد إحساسه بالجهل، لما قد غاب عنه من التراث، وهو المحبّ، الباحث، عن كل كتاب علمٍ أو معرفة..
سرعان ما تلاشت بهجته الأولى بالعثور على ذلك الكتيّب، وحل محلّ السرور، إحساس بالوحشة والانقباض، لما أدرك من جهله حتى بوجود تلك المئات من المخطوطات.. لم يكن قد درى عن أمرها شيئاً! ولا قرأعن أخبارها في أي مصدرٍ أدبيّ، أو فلسفيّ!
هل كان ذلك المخطوط حقاً، نسخة عن الفهرس الذي سرق من مكتبة الفاتيكان؟ أم أنه فهرس آخر لمحتويات خزانة ما.. خصوصاً وأن فيه أسماء بعض المؤلفات المعروفة؟! وإذا صحّ وكان فهرساً لخزانة من خزائن الكتب.. فما صلة “يان فرانتيشتيك” بتلك الخزانة؟! ولماذا يملك نسخةً لفهرسها تماثل هذه النسخة؟! و لماذا توجد مثل هذه النسخة، في مكتبة أبي شفيق؟!
كان قد هيأ لنفسه أن هنالك رابطاً بين الوريقات التي في حوزته في روما.. وبين فهرس الفاتيكان.. بل تجرأ وذكر أمام “أماديو، دوقا داوستي”.. أنه يملك نسخة عن الفهرس المسروق! وكانت تلك، مقامرة منه، هدفها تثبيت دعائم ثقة ذلك الرجل، فيه! لكنه، آنذاك، كان يقامر بشيء لا يملكه، وكل ما يظن أنه يملك منه، هو بضع صفحات.. لا علم له بقيمتها الحقيقية!! أما وإنه الآن أمام فهرسٍ كاملٍ !! أما وإن الفهرس الذي بين يديه، هو التتمة للوريقات التي في داره في روما!! أما وإنه فراس، في دمشق، وليس “دون ماكسيميليانو” في روما.. فإن الأمر اتخذ في نفسه أبعاداً بالغة الأهمية! وأحس أن عليه أن يبادر، على الفور إلى التحقق من وجود مخطوطاتٍ تحمل تلك العناوين المجهولة، وتعقّب سرّ اختفائها!
تبسم وهو يذكر قولاً قديماً حفرته جدته في ذاكرة طفولته، قولاً كان يطفو إلى وعيه، كلما واجه مجهولاً يرتبط بالعروبة والإسلام:
” أنتم، أحفاد أهل البيت، لكم حق الشفاعة، يوم الدين.. لكن عليكم فرض، واجب.. لا تكتمل آخرتكم دون تحقيقه.. هو إظهار ما اختفى من القول الحق.. رأب الصدع بين المسلمين.. وإحياء ما استشهد في سبيله الصالحون!”
ضحك في سرّه من صوت النفير هذا.. يستصرخ حماسته كلّما اعترضه أمر يمسّ تاريخ أمته.. وتعجّب لمدى قدرته على تحريك حماسته!
عادت إلى ذهنه علاقة سمك السلمون العمياء، بمورد المياه العذبة.. في موقع ولادته.. يقارن بين الدافعين.. يكرر على نفسه، تفرّد وخصوصية ذلك الرباط الذي يشده إلى جذوره! فحاله، في تلك اللحظة لم يكن كحال أي إنسانٍ يابانيّ، ينقاد لتعاليم الساموراي، التي نقشت في ذهنه، حتى بات لا يميزها عن ردود أفعاله الشخصية!
إذا كانت هنالك كتبٌ مفقودةٌ.. تحمل تلك الأسماء المجهولة.. فتلك قضية حية، وليست وهماً في خاطره! والبحث عنها واجبٌ ثقافيٌ، حضاريّ! فما بالك إذا كان جميع ما سمعه صحيحاً، من أن هنالك من يتلاعبون بالتراث.. يزورون المعرفة والتاريخ.. وأنهم يقومون بذلك في جدّ، ودأب، منذ عدة قرون! ويواصلون جهدهم، بوعيٍ جهنميٍّ، في سريّة تامة، حتى تلك الساعة!! في حين أن أصحاب التراث ساهون، غافلون.. يجرّح بعضهم بعضاً، يحرّضهم على ذلك ما يدسّ لهم أولئك الأغراب من سمٍّ في ثقافتهم الناقصة!
مال في فراشه، يجذب آلة الهاتف إليه، يبغي الشروع بمكالمة أشخاصٍ على علمٍ واسعٍ في ذلك الخصوص.. وإذا بالمخطوط يسقط من يده، فيرتطم على الأرض، على حدّة.. مما كاد يمزّق الغلاف القديم، ويبعثر لوحاته التي جمعت بخيوطٍ باليةً.. أوشكت تتفتت..
رفعه في حرص شديدٍ.. يحاول شدّ الغلاف.. يعيده إلى ما كان عليه.. وإذا بطرف ورقةٍ مخفيّةٍ، مطويةٍ.. يبدو من تحت حافة الغلاف.. كان الصمغ قد أخفاها عن النظر! سحبها في بطء، خوفاً من تمزقها.. فإذا بها لفافة ورقٍ طويلة، أُخفيت ضمن الغلاف.. فتحها، في حذرٍ شديدٍ، ليقرأ عليها النص التالي:
” إعلم يا أخي، أني عبدٌ مأمور.. لا حول له ولا قوة، وإني ماعُدتُ إلى طليطلة، من فاس، إلا بأمرٍ من الملك “فيليب”.. نحمل إليه كتباً من خزانة السلطان.. إن القادر الذي لا يعجزه شيء، قد شاء أن ينكشف أمر صاحبي وخليلي، فأذاقه “فيليب” من السم الفاتك الذي أتيناه به من فاس حسب طلبه! وإني، لا محال، هالك بالسمّ نفسه.. إن عاجلاً أو آجلاً! ولن أُترك حراً طليقاً، لأذيع خبر النُسّاخ المائة والخمسين، الذين أنا منهم، نعمل، ليلاً، نهاراً.. في إعادة كتابة ما لدينا من مخطوطات عربيّة! ولعل السلطان.. أدام الله عزّه، هوالذي أمر بالقضاء علينا، بعد أن علمنا من أمر ما أجراه النُسّاخ من تعديلٍ على مخطوطات كتاب “العِبَر”، الذي حملناه معنا من خزانته! والذي لا يحمل، في الأصل كلمة “بربر” في عنوانه! إعلم يا أخي، أن هذه شهادتي قبل أن أموت.. وإني أقسم بالله العظيم، وبالقرآن الكريم، أني رأيت النُسّاخ “الموريسكاس” يعيدون نسخ كتاب “العِبَر”، وغيره، فيبدّلون كل ذكرٍ لكلمة “أعرابي” بكلمة “عربي”، في كتاب ابن خلدون، ويضيفون إليه فصولاً بكاملها، في مدح البربر، حسب مشيئة السلطان، وبذمّ العرب، حسب ما بنفوس أصحاب الدير.. يحذفون فصولاً بكاملها، في ذكر مآثر العرب.. مما كتبه ابن خلدون! إعلم يا أخي، إن السمّ الذي أتينا به، من فاس، سيستر هذه الحقيقة إلى الأبد، عن أهل الدنيا قاطبة! واعلم أن هذه الورقة، هي شهادتي أمام ربّي، يوم الحشر.. وأن هذا الفهرس الذي أدفن شهادتي فيه، هو واحدٌ من أربعة فهارس، تضم أسماء ما جرى التعديل والتبديل عليه، من كتب! وإن جميع ما يظن المسلمون إنها أصول مخطوطة في خزائنهم، إنما هي نُسَخٌ زُوِّرت بخطٍ يماثل خط وتواقيع أصحابها!.. وأنا ومن معي من “الموريسكاس” الإسبان، أنا الذي أكتم إسلامي، وعروبتي.. قد ساعدت في هذا العمل الكريه، أسوة بمن حولي، من مسلمين، غُلبوا على أمرهم! نعمل سوية، مع مولّدين ويهود، جميعاً في خدمة “الأسكوريال” والملك “فيليب” المأفون، الذي قرّر طردنا جميعاً من الأندلس! ربي اجعل من لدنك قوة تخرج هذا الفهرس من هذا الدير! سأقذف به من الفتحة هذه، علّه يبقى سليماً حتى أصل إليه.. أو ينقذه أحدٌ من المؤمنين.. ربي هذه شهادتي، يوم الدين.. والآن أشهد أن لاإله إلا الله.. وأنّ محمّداً عبده ووليه ورسوله”
ضج رأس فراس بما قرأ!!
أعاد قراءة النص، مراتٍ حتى كاد يستظهره.. وفي كل مرة.. يضيف إلى الصورة التي تشكلت في ذهنه، بعض التفاصيل التي فاتته.. حتى اكتملت في مخيّلته صورة لما حدث!
إن الأمر يتعلق بمقدمة ابن خلدون.. هذا أحد السلاطين، أو أمراء البربر.. منذ قرون.. ممن عاصروا “فيليب” الثالث، أو الرابع، من ملوك إسبانيا.. يستعرض ما في خزانة المُلك من مخطوطات.. فيجيئ على قراءة “كتاب العِبَر” الذي ذاع صيته يوماً، أفل مجده، ونسي التاريخ اسم صاحبه، وقد مضى على وفاته زمن طويل.. دالت دولة العلوم، خلاله، في جميع أنحاء الأمة العربية والإسلامية، حتى لم تعد تجد فيها من يحسن قراءة القرآن! ناهيك عمن يذكر “كتاب العِبَر”، أو صاحبه.. وكانت إسبانيا، قد أضحت في ذلك الزمان، سيدة أوربا، وحاكمتها.. تتوافد رسلها على بلاد المسلمين، تغرف مما تبقى من خيراتهم وهي التي تذكر ما تركوه في الأندلس.. يخافها الجميع.. لا يهبّ أحدٌ لنجدة ما يسرقون .. وليس بين العامة أو الخاصة إلا القلائل، القلائل، ممن يقيمون شأناً للعلم، أو المعرفة! فلماذا لا يزيد ذلك الحاكم البربري الأصل، فصلاً، أو فصولاً، على “كتاب العِبَر”.. في مدح قومه، من البربر؟! وهل أسهل من تقليد خط وتوقيع إنسان، مات منذ قرون.. وما من شاهدٍ على ما كتب؟! لا! لن يطلب من ناسخٍ عربيٍ القيام بتلك المهمة، كي لا يذيع خبرها، فيبطل أثرها! ماذا يفعل؟! يبعث إلى ملك “قستالة” الإسباني، رسولاً بهذا الأمر.. فيرد الملك عليه برسولين، من الإسبان “الموريسكاس”.. يحسنون قراءة وكتابة العربية.. فيعودون إلى إسبانيا، لا بكتاب العبر فحسب، بل بصناديق مرصوصة من ثمين ما تحتويه الخزانة الملكية المغربية، تُنقل إلى إسبانيا، بقصد الاستعارة، وما من هدفٍ ظاهرٍ لذلك، سوى نسخ تلك المخطوطات، وإعادتها، سالمة إلى خزانتها، وصاحبها!
لكن الذي عاد إلى أوطانه، من تلك الكنوز، ليس نفس الذي بارحها، منها! لقد بُدّل العنوان!! “كتاب العِبَر” أصبح: “كتاب العِبَر، في أيام العرب والبربر”.. ثم إن مخطوط “كتاب العِبَر وديوان المبتدأ والخبر”.. الذي عاد إلى فاس، ليس مخطوط “كتاب العِبَر” نفسه الذي ذهب منها! إن ابن خلدون، الفخور بأصله العربي، لم يكتب العبر لتمجيد العجم والبربر، أو للحطّ من أصله العربي، كما تعلّم القبول بهذا التفسير، جميع فقهاء اللغة العربية اليوم.. في جمود أذهانهم.. وبلاهتهم المعهودة!
هكذا تحول “كتاب العِبَر وديوان المبتدأ والخبر” بمسحة قلم.. وأصبح ما نعرفه اليوم ﺒ “مقدمة ابن خلدون”.. التي تحتوي صفحاتٍ في هجاء العرب!
لقد زُوِّرت أربع نسخ عن كتاب العبر! إحداها، عادت إلى مكتبة البلاط في فاس.. والثانية وجهت إلى جامع القرويين في تونس.. أما النسختان الأخيرتان، فلقد دُسَتا في دار الكتب في القاهرة! أفلا يتساءل المرء لماذا لم تُنشَر”المقدمة” في باريس، إلاّ عام 1841؟ وفي بيروت، عام 1879؟ وأخيراً في مصر، عام 1868؟ أي بعد أن أتيحت لمستشرقي نابليون، خلال احتلاله لمصر فرصة دس نسختين مزورتين عنها، في دار الكتب في القاهرة؟!
هل هنالك من يتساءل عن أصل نسخة جامع القرويين؟! إذن، فليعلم السائل أن واضع الفهرس لمكتبة ذلك الجامع .. ليس عربياً، بل هو “ألفرد بل”، وأن من ساعده وأيده في جرد محتويات تلك المكتبة لم يكن إلا رجلٌ يدعى “ليفي بروفونساك”.. وهو يهوديّ الأصل!
جاءت تلك الرسالة المختفية تؤكد ظنونه، وتدمغ بالدليل القاطع، كل ما سمعه بأذنيه عن عمليات السرقة والتزوير هذه، من “يان فرانتيشتيك”.. وما رآه بعينيه من الكتب العربية المحفوظة في “الأسكوريال” يوم منع، كعربي، من الاقتراب منها!
عاد إلى الصفحات الأخيرة من الكُتَيّب الذي بين يديه، وقرأ، مرة ثانية، ما أثار أولى شعلات فضوله.. يوم رأى وريقات الفهرس في صندوق داره في روما، وقرأ فيه ذلك العنوان الذي ألهب خياله..
“خلاصة النظر، في فلسفة العبر”
أيكون لابن خلدون مثل هذا الكتاب، في الفلسفة، ولا يعرف إنسان عن أمره شيئاً؟!.. هل عرفه الخاصة يوماً، ثم نسي الأميّون خبره؟!..
أيكون قد كتبه ابن خلدون، وامتنع عن نشره بين الناس، لما كان بينه وبينهم من تباعد في التفكير.. ولم لا يكون لابن خلدون كتابٌ في الفلسفة.. وهو الذي لخّص كتب الفلسفة لابن رشد.. وأتقن دراسة المنطق؟!
أحس بقلبه يطرق بشدة على دقاّت صدره! هل يقدّر له يوماً أن يعيد مثل هذا المؤلف إلى الوجود.. إذا صح ظنّه وكان موجوداً؟!.. ولماذا لا يكون هذا الكتاب مخفيّاً في سراديب “الأسكوريال” وهي التي لديها النسخة الأصلية لكتاب ابن خلدون “لُباب المحصّل” التي لا بد قد عبثت بها يد المزورين، والمحورين، ما عبثت!
يا لعار من يدّعون العلم، ويكتبون التاريخ، في هذا القرن.. من مسلمين، وعرب!! لقد مُسِخَت عقولهم بما نقلوه من دراساتٍ غربيةٍ حول تاريخ أمتهم.. حتى باتو أطوع من الغربيين أنفسهم، في ترديد ما يبتكر في أوربا، وأمريكا، من مقولاتٍ مشينة عن تاريخهم!.. ينقلون آراء أمثال “سيلفستر دوساي” و”ليفي بروفونساك” عن الإسلام والعرب.. والأول أكبر حاقد على الإسلام، والثاني من أصل يهوديّ!!.. لا يرفضون نظرية قالها مستشرق ما، عن الشرق، إلا بعد أن يرفضها مستشرق غربي آخر!.. لا ترى دراسةً حول فيلسوف إسلامي، إلا مذيلة بعشرات التوقيعات، والمصادر الأجنبية!!
انتظمت في رأسه الصورة الرهيبة لشبكة أقنية وشرايين السم الزعاف، التي يسير فيها التاريخ المزور إلى أجهزة، وعقول الشرق، ومن ثم إلى طلبة العلم الأبرياء.. وعقول أساتذة المستقبل!! كيف لا، وقد نقل نخاع هذه الأمة الشوكيّ إلى مكتبات ومتاحف وأديرة الغرب.. ولحقت بها زجاجات مصل الدم كذلك.. والكل جالس هنا، على قفاه، لا يحرّك ساكناً.. سوى استعراض ما كتبه الآخرون عن هذا الوطن!.. وضرب هذه المقولة بتلك.. مما تفنن في تزويره المحرضون!.. وهل يستخرج الماء، من قعر الحصى، بعضه ببعض.

الملحق رقم (2) :
من هو مؤلف دون كيخوتة ؟ وجهات نظر إضافية
————————————————
# يحاول الأستاذ “شكيب كاظم” في كتابه “التماعات ورؤى” الإجابة على سؤال : هل رواية (دون كيخوتة) لمؤلفها سربانتس أم شاركه فيها سيدي حامد بن الجيلي العربي الأندلسي ؟ فيجيب أولا بالإشارة إلى أن ما عزّز شكه وتساؤله هو ما قرأه في كتاب مهم للأديب الأرجنتيني “ألبرتو مانغويل” الموسوم بـ (يوميات القراءة . تأملات قارىء شغوف في عام من القراءة) . وقد عدتُ شخصيا إلى هذا الكتاب ووجدت دقة استنتاجاته التي اعتمدها شكيب كاظم . فعبد الرحمن بدوي ترجم مفردة (لاغاليتا) التي ترجمها بدوي الدخيل على اللغة الإسبانية إلى (غلاطية) ترجمها مانغويل العالم بأسرارها بأنها تعني (لم ينه شيئا). (ومما يؤكد أن القسم الثاني من رواية دون كيخوتة لسيدي حامد بن الجيلي أن سرفانتس الملول العجول ما أتم (غلاطية) ، بل مات قبل أن يخرج القسم الثاني منها . وما أتم دون كيخوتة ، بل كتب القسم الأول الذي ظهر للناس عام 1615 أي قبل سنة من وفاته وكتب القسم الثاني سيدي حامد وهو ما دونه سرفانتس في الفصل التاسع من القسم الأول (حيث يقول عن نفسه بأنه) كفيل بأن لا يُحرم من الإطراء لأجل ما تحمله من مشقة للعثور على هذا الجزء من الرواية : (كنتُ ذات يوم في درب القناة في طليطلة فشاهدتُ صبيا أتى تاجر أقمشة ليبيعه كراسات قديمة وأنا شديد الولع بالقراءة حتى بقراءة قصاصات الورق التي يقذف بها الشارع ، فدفعني هذا الميل الطبيعي إلى تناول إحدى الكراسات التي كان الصبي يعرضها للبيع ، فوجدتها مكتوبة بحروف عربية . ولما كنت لا أعرف قراءتها ، وإن استطعتُ تمييز ما هي ففكرت فيما إذا كنتُ أستطيع العثور على عربي متنصّر (أي موريسكي) يمكن أن يقرأها لي (…) وأخيرا ساق لي القدر مترجما .. فقام هذا العربي المتنصر يترجم من العربية إلى الإسبانية قائلا : إن العنوان معناه هكذا : (تأريخ دون كيخوتة دلامنتشا ، تأليف سيدي حامد بن الإيلي المؤرخ العربي .. اشتريت كل هذه الكراسات القديمة (…) وسرعان ما ابتعدت ومعي العربي المتنصر واقتدته إلى رواق الكاتدرائية ودعوته إلى أن يترجم هذه الكراسات كلها إلى الإسبانية، أو على الاقل ما يتعلق منها بدون كيخوتة (…) لكن لهفتي وحرصي (…) جعلاني أقتاد هذا العربي المتنصر إلى بيتي ، فأتم ترجمة هذا التأريخ كله على النحو الذي أوردناه هنا ) .
ويعيد سرفانتس نفسه التأكيد على هذه الحقيقة الصادمة في عدة مواضع لاحقة من دون كيخوتة :
– روى الحكيم سيدي حامد بن الإيلي أن دون كيخوتة لم يكد يودع ضيوفه والحاضرين (…) حتى دخل الغابة حاملا سلاحه – الفصل الخامس عشر – ص 139 ) .
– .. وقد كان سيدي حامد بن الإيلي مؤرخا واسع الإطلاع شديد الإستقصاء والتدقيق في كل شيء – الفصل السادس عشر – ص 153 ) .
– ويروي سيدي حامد بن الإيلي في القسم الثاني من هذه القصة الذي يتضمن الخرجة الثالثة لدون كيخوتة – القسم الثاني – الفصل الأول – ص 207 ) .
أما ألبرتو مانغويل فيتناول هذا الأمر من مقاربة أخرى أبعد عمقا فيقول بعد أن عرف بموضوعة سيدي حامد بن الجيلي :
(إكتشفت أن المخطوطة ليست إلا تسجيلا لوقائع مغامرات دون كيخوتة ، مكتوبة بقلم المؤرخ العربي سيدي حامد بن جيلي –والذي اتضح أنه ، إلى جانب سرفانتس ، بين المؤلفين الذي يضمهم الجزء الخاص بالفرسان في مكتبتنا وتحت اسم سرفانتس أيضا .
منذ تلك اللحظة ، نابض حق التأليف اصبح دوّارا : الرواية التي قرأنا ، يُزعم أنها مترجمة من العربية ، ولم يعد سرفانتس هو “الأب” ، لكنه مجرد “عرّاب” . في ما بعد ؛ في الجزء الثاني من دون كيخوتة ، كانت الشخصيات قد قرأت الجزء الأول فصححت ونقّحت من أخطائها الواقعية ، حتى لو أقسم مؤلفها الأندلسي ، كما يقول لنا سرفانتس ، بأن كل الأحداث هي حقيقية ، (حتى المسيحي الكاثوليكي يمكن له أن يقسم) (هذا يعني ، كما يشرح المترجم لسرفانتس ، بأنه لا يقسم إلا بقول الحقيقة ). عند هذه النقطة يتساءل القارىء : من اخترع منْ ؟
معظم الكتّاب لهم وجود تاريخي ؛ ليس الأمر كذلك مع سرفانتس ، فهو في ذاكرتي ، شخصية من “دون كيخوتة” أكثر منه رجل حقيقي . غوتة ، جين أةستن ن ديكنز ، نابوكوف ، من الممكن تمييزهم على أنهم كتّاب من لحم ودم ن أمّا سرفانتس فيبدو لي أنه ابتدع من خلال كتابه .
.. زرتُ بيت سرفانتس في بلد الوليد ، مرأى البيت مؤثر . هنا عاش سرفانتس عندما نُشر الجزء الأول من دون كيخوتة في مدريد عام 1605 . الحديقة ، حجرة الدرس ، غرفة النوم (..) كل هذا (ونحن نسلّم بذلك) يبرز عالم دون كيخوتة أكثر مما يُبرز عالم مبدعه . على الرغم من وجود متحف كهذا ، وعلى الرغم من من الصيت والمعالم والدراسات الأدبية والمعاهد التي سُميت باسمه ، وحماسة الأخلاف ، وسخاء الأوصياء ، يبقى سرفانتس غير حقيقي – ص 144 و 145 ) (يوميات القراءة : تأملات قارىء شغوف في عام من القراءة – ألبرتو مانغويل – ترجمة عباس المفرجي – دار المدى – دمشق – 2008 ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.