سلام إبراهيم عن‮ “‬الإرسي‮” ‬والعسكرتارية،‮ ‬والخوف العراقي‮:‬ المستقبل مظلم

الصحفي حسن عبد الموجود

* حوار حسن عبد الموجود / أخبار الأدب
قال شاكر الأنباري لسلام إبراهيم في مقابلة جمعتهما‮: “‬لا تظهر في الواجهة‮”.‬
الآن لا يخشي المثقفون العراقيون في المنفي من تعرضهم للاغتيال،‮ ‬فالمتطرفون لا يطالونهم في الخارج ويلجأون إلي الانتقام من خلال تصفية إخوانهم وأقربائهم في الداخل‮. ‬يعلق سلام إبراهيم‮ :”‬الوضع بالداخل أصبح مخيفاً‮”!‬
وقّع سلام مثل‮ ‬غيره وثيقة الإعدام التي صاغها حزب الديكتاتور السابق،‮ ‬وهي تنص بحكم الإعدام لكل من التحق بحزب البعث وانتمي في الوقت نفسه إلي حزب آخر،‮ ‬أو كل من تم طرده من البعث‮” ‬وهرب من الجيش أثناء الحرب مع إيران،‮ ‬وذهب إلي كردستان ظناً‮ ‬منه أنها منطقة آمنة،‮ ‬غير أن جسده تعرض للحرق بالكيماوي‮. ‬وجزء كبير من هذه الوقائع يتعرّض لها بطل روايته الجديدة‮ “‬الإرسي‮” ‬الصادرة مؤخراً‮ ‬في مصر عن‮ “‬الدار‮” ‬غير أنه لا يعتبر أن روايته تنتمي إلي السيرة الذاتية‮.‬
سلام يتحدث في الحوار التالي عن تجربته هو وبطله مع العسكرتارية،‮ ‬ووضع المثقفين‮ ‬العراقيين داخل الوطن وفي المنفي‮.‬
‬نبدأ من روايتك‮ “‬الإرسي‮”..‬ما رأيك في القول بأنها رواية عن الخوف؟
الخوف من أهم تيمات الرواية،‮ ‬أي شخص في زمن الديكتاتورية كان معرضاً‮ ‬للموت،‮ ‬بطل‮ “‬الإرسي‮” ‬هارب من الجيش أثناء الحرب مع إيران،‮ ‬ولهذا كان يعيش تحت التهديد طوال النص،‮ ‬وقد ذهب البطل العربي الذي ينتمي إلي الجنوب ولا يعرف شيئاً‮ ‬عن فنون القتال باتجاه كردستان ظناً‮ ‬منه أنها مكان آمن،‮ ‬غير أنه فوجئ بأن الحياة وسط المقاتلين تحتاج إلي نوع معين من البشر لا تتوافر صفاتهم فيه‮!‬
– ولماذا اخترت‮ “‬الإرسي‮” ‬عنواناً‮ ‬للرواية؟
الإرسي معناه المخبأ،‮ ‬كان يختفي فيه البطل من خطر العسكرتارية لأنه كما تعلم هارب من الجيش‮. ‬وهو بهذا المعني يشكّل نصف النص،‮ ‬حينما يذهب إلي الجبل فإنه يتذكّر المكان،‮ ‬وأيضاً‮ ‬يسيطر عليه حينما يدخل الغيبوبة ويعيش عالماً‮ ‬بين الحياة والموت،‮ ‬أعتقد أن‮ “‬الإرسي‮” ‬يصبح بهذا المعني‮ ‬مرادفاً‮ ‬للعالم الآخر‮ “‬البرزخ‮”‬،‮ ‬والبطل طوال النصف الثاني من الرواية يحاول أن يتذكر متي دخل هذا البرزخ،‮ ‬وهذه المدينة المظلمة‮.‬
– يبدو كما لو أن الرواية متحاملة علي شخصية الكردي وهو ما بدا في الشتائم التي كانت توجه إليه علي لسان أحد الشخصيات‮..‬ما رأيك؟‮!‬
علي العكس،‮ ‬أري أن الكردي كان أكثر إخلاصاً‮ ‬وإيجابية،‮ ‬فأثناء إصابة الزوج وتصعيده علي صهوة بغل نشأ حوار بين الكردي والعربي علي زوجته،‮ ‬وحاول الأول أن يبعد الثاني لأنه لا يثق فيه‮ ‬غير أن الثاني رفض وأصرّ‮ ‬علي المواصلة خوفاً‮ ‬ربما علي الزوجة نفسها،‮ ‬ولهذا أري أن الكردي كان أكثر نصاعة بالنص‮!‬
– استخدام العامية العراقية في الرواية‮..‬ألا يعطل قراءتها في وجهة نظرك؟‮!‬
يجب استخدام العامية بحرص شديد،‮ ‬وأنا أكره إغراق نصوصي بها وإن كنت أستخدمها في السرد أحياناً،‮ ‬غير أن الاختيار يكون بدقة كبيرة،‮ ‬ومع مرور الوقت صارت لديّ‮ ‬قدرة علي نحت لغتي الخاصة المطعّمة أحياناً‮ ‬بمفردات عامية،‮ ‬مفردات كثيرة تبدو أقرب إلي الفصحي ولا يمكنها أن تعوق القراءة إطلاقاً‮!‬
– هناك من يقول إن هذه الرواية تنتمي إلي أدب السيرة الذاتية‮..‬ما رأيك؟‮!‬
أنا هربت من الجيش،‮ ‬واحترق جسمي كله بالكيماوي في كردستان،‮ ‬ومع هذا لا أعتبر أن الرواية تشكّل سيرة ذاتية،‮ ‬فقط انتقيت محطات من السيرة تخدم النص،‮ ‬وكنت حريصاً‮ ‬علي صياغة الفصول بحيث يمكن قراءة كل فصل منفصلاً‮ ‬عن الآخر،‮ ‬ففي فصل‮ “‬نافذة المساء‮” ‬يشتاق البطل لزوجته ولعالمه القديم وابنه وأصدقائه،‮ ‬وكان مهدداً‮ ‬بأن يقع في يد العسكرتارية ويتم إعدامه،‮ ‬وفي فصل‮ “‬فوهة الخلاص‮” ‬تنتج الأحداث من التقابل بين الجبن والشجاعة،‮ ‬كان يمكن أن تصيبه طلقة في رأسه،‮ ‬وهو ما دعاه ليكون أكثر يقظة في النظر إلي من يتحرّكون حوله،‮ ‬غير أنه يبدأ في تذكر لحظات الجبن في حياته خصوصاً‮ ‬ما يتعلق بخوفه من العسكرتارية،‮ ‬ويتساءل بينما يده تندس أسفل الوسادة لتحتضن مسدسه‮: ‬حينما تأتي لحظة المواجهة‮.. ‬هل يجرؤ علي تصويب الفوهة الحالكة إلي القلب أو الصدغ؟ هل يجرؤ علي الضغط؟‮ ‬وهناك فصول أخري تخدم التيمة الأساسية للعمل،‮ ‬تيمة الإنسان المذعور،‮ ‬الإنسان الذي لم يشتغل بالسياسة إطلاقاً‮ ‬ثم يجد نفسه في قلب الحرب،‮ ‬وحياته مهددة،‮ ‬كما أن هناك علاقة حب بدأت في الفتور،‮ ‬الزوجة بدأت تحتقره في الفراش، حينما‮ ‬أبدى هو امتعاضه من شدة التزامها بالشيوعية،‮ ‬فاعتقدت أنه ضعيف ويخاف ويتنكر لمبادئها‮!‬
– وما رأيك في المشهد العراقي الآن؟‮!‬
لا أستطيع الكلام في التفاصيل،‮ ‬ولكن العراق تعرض لقهر الديكتاتور،‮ ‬وتم تخريبه،‮ ‬ثم تعرض لحصار،‮ ‬وحروب،‮ ‬واحتلال وهو ما أدّي في النهاية إلي تخريب العراق،‮ ‬لقد أفقرت فترة الحصار العراقيين،‮ ‬وجعلتهم يقبلون الرشوة،‮ ‬كان الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن يقبله العراقي مهما كان وفي أسوأ الأحوال الرشوة،‮ ‬والرشوة في تقديري عامل خراب الأوطان،‮ ‬بالإضافة إلي العنف الذي اكتسبوه،‮ ‬وأنا‮ ‬غير متفائل بمستقبل العراق‮!‬
– ولماذا لا يعود مثقفو المنفي للمساهمة في إعمار وطنهم؟‮!‬
هناك عملية تخريب متعمدة،‮ ‬تقوم بها استخبارات بعض الدول،‮ ‬حتي الموساد يتدخل،‮ ‬ومنذ‮ ‬2004‮ ‬وحتي الآن جرت عمليات منظمة لاغتيال أساتذة جامعيين وعلماء وطيارين وصحفيين،‮ ‬كان الهدف إفراغ‮ ‬العراق من كل الإمكانيات والطاقات العلمية التي يمكن أن تساهم في بنائه مستقبلاً،‮ ‬هذا هو ما جعلني أمكث مكاني،‮ ‬وهو أيضاً‮ ‬ما دفع أعداداً‮ ‬كبيرة من العلماء والمثقفين للهجرة خارج العراق بعد‮ ‬2004‮ ‬خاصة بعد ظهور ميليشيات طائفية لا تقبل التفاهم أو الحوار مع من أصحاب الآراء المخالفة لهم‮!‬
– كنتم تنددون بالاحتلال والآن انتهي الاحتلال من الوجهة النظرية‮..‬لماذا لا تعودون؟‮!‬
أنت تحتاج في الأغلب إلي ثلاثة عقود حتي يولد كاتب،‮ ‬وتصفية المثقفين الآن ستكون خسارة كبيرة بالنسبة للوطن الذي يحتاجهم،‮ ‬نحن نملك جيلاً‮ ‬كبيراً،‮ ‬وعندنا حركة تكتب عنها الصحافة العربية،‮ ‬وهناك مبدعون عراقيون بارزون يطبعون أعمالهم في دور نشر مهمة،‮ ‬والأفضل أن نحافظ عليهم،‮ ‬وكلنا نتذكر كامل شياع المثقف العلماني‮ ‬صاحب الأطروحة الذي عمل بوزارة الثقافة وكيف تم اغتياله بأيدي محترفين،‮ ‬الرصاصات التي حصدت روحه كانت خارجة من كاتم للصوت،‮ ‬وهذا يعني أن الوضع بالداخل خطير جداً‮!‬
وسأحكي لك موقفاً‮ ‬آخر‮.. ‬هناك مجلة إلكترونية اسمها‮ “‬نصوص‮” ‬يتم نشرها علي الإنترنت من أمريكا،‮ ‬كنت رئيس تحريرها‮ ‬12‮ ‬عدداً،‮ ‬وقد كتبت مقالاً‮ ‬ذات مرة بعنوان‮ “‬تأطير لمجتمع ديني يطابق تبعيث زمن الديكتاتور‮” ‬تخيّل معي أن المجلة التي تصدر من أمريكا كتب القائمون عليها‮ “‬هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتب لا الموقع‮”‬،‮ ‬وقد نصحني إخواني بالعراق ألا أكتب أحياناً‮ ‬بشكل مباشر،‮ ‬فميليشيات جيش المهدي لا تطال المثقفين في الخارج‮ ‬غير أنهم ينتقمون منهم بطريقة جهنمية وهي قتل إخوانهم وأقربائهم‮!‬
المثقفون العراقيون في المنفي لا يتحدثون بشكل جيد عن بعضهم البعض‮..‬لماذا؟‮!‬
هذه ظاهرة عامة وغير دقيقة،‮ ‬والجو الأدبي به حسد وغيرة خصوصاً‮ ‬تجاه الأشخاص الذين يبرزون،‮ ‬لا أحد يساعد الكاتب،‮ ‬ومن المفترض أن يفرح الكاتب بنجاح زملائه،‮ ‬أنا أفرح حينما أجد رواية عراقية مكتملة فنياً،‮ ‬ولكن المشكلة أن لدينا أدبين،‮ ‬أدب المنفي،‮ ‬وأدب الداخل،‮ ‬نحن‮ (‬يتحدث عن أدباء المنفي‮) ‬جيل لديه موقف،‮ ‬ولكنّ‮ ‬كثيرين من الداخل كتبوا نصوصاً‮ ‬لتمجيد الحرب والموت لأن هذا ما كان يطلبه الديكتاتور وقتها،‮ ‬كان معظم هؤلاء يعمل بصحافة السلطة،‮ ‬وبعد الاحتلال يعمل هؤلاء بالصحافة الجديدة،‮ ‬تقريباً‮ ‬هناك الآن أكثر من‮ ‬130‮ ‬صحيفة لها شروطها الخاصة،‮ ‬أي أنهم تقريباً‮ ‬بلا موقف،‮ ‬ولكن هناك قلة لا بد من استثنائها،‮ ‬مثل محمد خضير،‮ ‬محمود جنداري الذي اعتقل ومات،‮ ‬وعموماً‮ ‬كان موقفنا السياسي مميزاً‮ ‬وأعتبر أن أعمالنا تنتمي إلي أدب المقاومة‮!‬
– وما الذي تقترحه للم شمل مثقفي المنفي؟‮!‬
لقد اقترحت علي وزارة الثقافة إنشاء سلسلة لأدب المنفي العراقي،‮ ‬لجمع شتاتهم،‮ ‬فمثلما تشظت العراق إلي سنة وشيعة وأكراد تشظي المثقفون العراقيون‮!‬
– وما مصير الأدب لو أن مساعي زرع الديمقراطية فشلت في العراق؟‮!‬
إذا سادت القوي الدينية،‮ ‬سنية أو شيعية،‮ ‬فسيكون مستقبل الأدب‮ “‬أسود‮”!‬

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (19)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حنان الصايغ: هناك بركانًا بداخلي يتمازج مع ألواني وفرشاتي
حوار أجراه: خالد ديريك

تتعمد (الصايغ) أن تكون اللوحة مفرحة حتى لو كان موضوعها كارثي (الصايغ) ممن يقف في …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (18)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *