قصيدة ممنوعة لنزار قبّاني

هذي البلادُ شقة مفروشة
يملكها شخصٌ يسمى عنترة
يسكرُ طول الليل عند بابها
ويجمع الإيجار من سكانها
ويطلب الزواجَ من نسوانها
ويطلق النار على الأشجار والأطفال والعيون
والضفائر المعطرة
هذي البلاد كلها مزروعةٌ شخصية لعنترة
سمائها هوائها نسائها
حقولها المخضوضرة
كل الشبابيك عليها صورة لعنترة
كل الميادين هنا
تحمل اسم عنترة
عنترة يقيم في ثيابنا
في ربطة الخبز ، وفي زجاجة الكولا
وفي أحلامنا المحتضرة
في عربات الخس ، والبطيخ
في الباصات ، في محطة القطار
في جمارك المطار ، في طوابع البريد
في ملاعب الفوتبول
وفي مطاعم البيتزا
وفي كل فئات العملة المزورة
مدينة مهجورة مُهَجَرَة
لم يبقى فيها فأرة أو نملة
أو جدول .. أو شجرة
لا شيء فيها يدهش السياح
إلا الصورة الرسمية المقررة
للجنرال عنترة
في غرفة الجلوس
في ميلاده السعيد
في قصوره  الشامخة ، الباذخة المُسَوَرَة
ما من جديد في حياة هذه المدينة المستعمرة
فحزننا مكرر.. وموتنا مكرر
ونكهة القهوة في شفاهنا مكررة
فمنذ أن ولدنا ونحن محبوسون في زجاجة الثقافة المدورة
واللغة المدورة
ومذ دخلنا المدرسة
ونحن لا ندرس إلا سيرة ذاتية واحدة
تخبرنا عن عضلات عنترة
ومكرمات عنترة .. ومعجزات عنترة
ولا نرى في كل دور السينما إلا شريط عربياً مضجراً
يلعب فيه عنترة
لا شيء في إذاعة الصباح، نهتم به
فالخبر الأول فيها ، خبر عن عنترة
والخبر الثالث والخامس والتاسع والعاشر
فيها خبر عن عنترة
لا شيء في البرنامج الثاني سوى
عزف على القانون من مؤلفات عنترة
ولوحة زيتية من خربشات عنترة
وباقة من أردأ الشعر بصوت عنترة
هذي بلادُ
يمنح الكتاب فيها صوتهم
لسيد المثقفين عنترة
يجملون قبحه ، يؤرخون عصره ، وينشرون فكره
ويقرعون الطبل في حروبه المظفرة

لا نجم فوق شاشة التلفاز إلا عنترة
بقده المياس ، أو ضحكته المعبرة
يوماً بزي الدوق والأمير
يوماً بزي الكادح الفقير
يوماً على دبابة روسية
يوماً على مجنزرة
يوماً على أضلاعنا المكسرة

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مقداد مسعود : ضحكته ُ تسبقه ُ – الرفيق التشكيلي عبد الرزاق سوادي.

دمعتي الشعرية، أثناء تأبينه ُ في ملتقى جيكور الثقافي/ قاعة الشهيد هندال 21/ 6/ 2022 …

| حمود ولد سليمان “غيم الصحراء” : تمبكتو (من شرفة  منزل  المسافر ).

الأفق يعروه الذهول  والصمت يطبق علي  الأرجاء ماذا أقول  ؟ والصحراء  خلف المدي ترتمي  وتوغل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.