جليل البصري : ثلاث قصص

موعد مع الحناء

– لا استطيع الحضور الى موعد اليوم ؟
ضرب الألم قلبه كومضة برق.. وظل صامتا على الطرف الثاني من سماعة الهاتف.. تراخت قبضته عليها، قبل أن يأتي الصوت مرة أخرى..
– أعتذر ..
لفت عقله غيمة.. لم يدر بماذا أجاب، لكنه كان يبحث في السماعة والصمت الذي لفها عن وجهها.. وعينيها البنيتين المشعتين .. وجفنيها اللذين لا يكفان عن الحركة حين يواجهاه.. إحساسه بالابتهاج الشديد قبل دقائق.. صار رمادياَ قاتماَ، يشف بالحزن.. تراخت أطرافه داخل المقعد وكأنها لا تقوى على الجلوس..
لم يدر لذلك سبباَ .. فهو قبل أيام المح أليها انه يريد ان يراها في كل وقت، بل قالها بوضوح.. انه لا يحتمل البعد أكثر..
استيقظ من تأملاته الحزينة على استنكار خفي.. يسحبه بعيداَ.. لكن الألم كان قد أنشب فيه مخالبه، بل أنيابه وانساب السم في دمه..
ود لو انه رأى وجهها في تلك اللحظة ولعن التكنولوجيا لأنها نقلت اليه الصوت فقط.. لعن الكلمات واللغة لأنها عاجزة هي الأخرى عن تلبية تلك الرغبة الجامحة..
ود لو انه يعرف أسباب هذا الألم العذب ..
استسلم للنوم فتصاعدت من روحه أبخرة رمادية قاتمة.. تجمعت في فضاء الغرفة غيما وومضات برق.. تضيء ظلمتها.. وأصوات رعد ، جعلت اسنانه تصطك بحروف اسمها السعيد.. فيتخضب قلبه بالحناء..

صحوة عشق

– 1-
كل صباح تستيقظ حبلى بأحلام الأمس .. تطعم أطفالها وجبة الصباح .. وتترك زوجها الثمل يغط في النوم ينتظره الشاي البارد.. واذا ما وصلت مكان عملها، تفتح دولابها الخاص تخرج منه رسائله القديمة .. فتقرأها كدعاء الصباح تذرف دمعتين .. وتعيد ترتيبها ككتاب مقدس.. قبل أن تغلق الدولاب بالمفتاح.

-2-
قالوا لها أن هذا المرأة تسأل عنها.. لم تعرفها من قبل، لكنها عندما استقبلتها سألتها عن اسمها الأول وسألتها أن كانت تعرفه.. ولما أطمأنت إليها، أعطتها قصاصة ورق كتبت عليها بضعة سطور.. قرأتها  وبكت، ضمتها الى شفتيها، ووضعتها على صدرها..
عادت الى البيت محمرة العينين، يتماوج على وجهها الأسى والفرح..
تلك الليلة، امتدت يد زوجها الثمل الى صدرها، فأصدر قرقعة فانقلبت الى الجهة الأخرى.

– -3
ذات يوم كانت مثقلة بالهم منزلقة في كرسيها الخشبي العتيد.. تنتظر انقضاء الزمن، لما انتصب بابتسامته المعهودة أمامها ..
تجمدت للحظات..
توقف الزمن في عينيها، ودب في جسدها المسترخي حنين الشباب، تألقت عيناها بالحنين، أمسكت يديه.. تكلمت أي كلام.. وهو صامت.. ظلت ممسكة بيده، حتى صالة البيت..
وعلى العشاء الذي شارك فيه صغارها، أحس الاطفال بالحنو والأبوة .. فيما كان الزوج يحتسي الخمرة في مكان بعيد.

-4-
أن وجهكِ يتألق وكأنك عدت سنين للوراء .. ابتسمت بفرح ..
لم تقل شيئا فقد قالت ابنتها الكبيرة ذات القول وتطلع أليها جميع من يعرفها باندهاش طوال الطريق الى مكان العمل..
لم تفتح دولابها ذلك اليوم وعملت بشغف طيلة النهار.

-5-
عندما عادت .. وجدت زوجها الثمل ممسكا بورقة صغيرة، بضعة سطور، وهو يزبد ويرعد.. مزقها .. فأحست داخل صدرها بشيء يتمزق.

-6-
ذهبت الى عملها في صباح ، وقد تأطرت عيناها ببقع سوداء داكنة.. وهما تقطران دما.. فتحت دولابها العتيد أخرجت رسائلها القديمة .. قرأتها كدعاء الصباح .. ذرفت دمعتان.. وأعادتها ككتاب مقدس.

أضغاث

لم يعد هناك متسع لكي نبدأ الحكاية من البداية، فقد تراخى فم الحكواتي وتعبت أصابع الروائي على قلمه المنهك.. وصار من الصعب العودة لحفر الصخر لإظهار ملامح السنين الزائلة.. بل صار يشك في أن أحدا ممن لم ير تفاصيل الحكاية، سيصدق ما حدث.. وهل سيفهم أنها إرتوت من عمره ودمه.. من سنين قهره على هذه الأرض النكد .. أليس من الأنانية أن يقحم الآخرين في ذكرياته القاتمة، فيخرجهم من فضاء المتعة واللذة ليتحسسوا الألم..
توقف وهو يمضغ عزلته الموحشة مع أوراقه المتناثرة كقش تبعثر، يرمقه مهر شاب باستخفاف.
شل الإحساس باللاجدوى يده وذهنه، واستفزته نظرات المهر الى أوراقه التي سودها بالحبر في لحظات اعتزاز ونشوة، جعلها عصارة عمره الموبوء بنشوة الألم ولحظات الفرح الخالدة..
حاول الاسترخاء والاستسلام لإحساسه باللاجدوى، وبدأت تختمر في داخله رغبة متفاقمة بالأنزواء في عالم لم يعد فيه مكان للعزلة أو التصوف أو الخلوة، يستطيع فيه الإنسان الرفث الى أفكاره ورؤاه.. الى عواطفه الموغلة في الألم..
كم هي موحشة هذه الأرض المليئة بالبشر، وهم يطوفون حوله كجزر متبعثرة في محيط…
ظلت عيناه مسمرتان على ابتسامة المهر الساخرة المتعجرفة المليئة بالعنفوان.. تراه ماذا يقول في داخله؟.. هل يرى هذه الأوراق … وهل يرى فيها تخرصات عجوز راحل أم أنها قشة الغريق..
اعتصره الألم فهو لا يعوم في بحر بلا ساحل.. ولا يريد التمزق في الحسرة..
فكر في نفسه عندما كان “مهراَ” .. كيف انه غرف من الدنيا كراحل عن هذه الأرض شيئاَ، ربما كان أفضل الآخرين.. لكنه كان يعرف انه راحل مع الراحلين والأرض باقية كما هي تنطره كسراب يمر في لحظة قيظ ..
انتبه وهو يراقب مسترخيا لسنين هذه الابتسامة على وجه المهر .. انها باتت متراخية صفراء يعبرها خيط اسود من الألم… تعجب في داخله ..هل تصغر أوراق الربيع؟..
ظلت أوراقه على الأرض كقش متناثر .. حدق في تلك الابتسامة فوجدها تصفر وتنمو نحو الذبول والانكفاء .. تزهر في شكل بكاء.. تعجب في داخله من ما يجري .. وعندما رفع عينيه الى وجه المهر ، وجده حصانا عجوزا.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| كفاح الزهاوي : مجلس العظماء.

    دخلت قاعة التهريج، رأيت القرود مجتمعين، متوضئين وملء أشداقهم أصداء ضحكات هازئة تتعالى مستهينة …

| حسين أحمد : ذكريات مرَة – المهجع رقم ( 3 )  ..!!

     يبدو للنزيل الحديث وللوهلة الأولى إنه عالم آخر مغاير عن الحياة الطبيعية العامة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.