علي كاظم داود : الغابة البشرية؛ قراءة في قصة لؤي حمزة عباس “سناجب رمادية .. دببة عسلية العيون”

القصة القصيرة فن جدير بتمثيل أزمات الإنسان ـ ومن ورائه المجتمع ـ والكشف عن مكنوناته، فهي رغم اختزالها وارتكازها على التلميح السردي بحسب طبيعة معالجتها، إلا ان لها قدرة فضح الخبيء والمضمر والمسكوت عنه، كما أن لها إمكانية الاستجابة لتطلعات الإنسان ورغباته، من خلال صناعة واقع متخيل يضاهي الواقع الحقيقي، قد يتطابق أو يتناقض معه، في سعيها لخلق بيئتها البديلة الخاصة بها.
نظراً لما تقدم، ومع عتبة العنوان، سنكون بإزاء إثنينية التقابل والمواجهة الرمزية بين السناجب والدببة وكذلك بين الرمادي والعسلي، في حين ستكون العيون هي المكون المنفرد في معادلة عنوان القصة “سناجب رمادية .. دببة عسلية العيون” للقاص “لؤي حمزة عباس” والمنشورة في مجلة “إمضاء” بعددها الأول آذار 2012، وخلال ثمان صفحات شغلتها في المجلة ذات الحجم المتوسط. مع الانتباه ان ليس ثمة حرف عطف يربط بين الجزأين، لكي يتأكد الانفصال بينهما.
هذه المعادلة هي الفكرة الأساسية التي سعت القصة إلى تجسيدها حكائياً. القصة تَمثلّت سطوة القوي على الضعيف، عبر شفرات نصيّة عميقة الدلالة.
تبدأ القصة بتصوير الألم الجسدي الذي يجتاح شخصيتها المحورية “عبد الكريم بدر” الذي يعاني من مشاكل كثيرة، وعذابات لا حصر لها واضطرابات وقلق، حتى من تلك التفاصيل الصغيرة في حياة الإنسان. حيث تتحول اضطراباته النفسية ومخاوفه ـ التي قد تكون غير مبررة ـ إلى نزيف دموي عند دخوله المرحاض.
هو شخص يتوجس من أية عين تنظر نحوه، بقصد أو دون قصد، فيسارع إثرها إلى الانزواء، في سرداب صنعه في نفسه، سيتجسد من خلال الاختباء خلف صحيفة يحملها معه أنّى ذهب: “ينفضها بضربة واحدة ثم يرفعها أعلى من رأسه قليلاً، كما لو كان يتفحص خبراً في وسط الصفحة”.
عبد الكريم هذا ليس شخصاً سوياً، رغم تظاهره بذلك، فنظرة واحدة تكفي لأن تجعل الارتجاف يسري في يده اليمنى، يتبعها ارتجاف جفني عينه اليمنى أيضاً، والتي ستدمع بعد ذلك وتجعل كل شيء يغيم أمامه. ربما هو من نوع الشخصيات المصابة بالوسواس القهري، الانطوائية، المتوحدة، والتي تنعكس ملابسات واقعها إلى صراعاتها باطنية، وهذه الأخيرة ستنعكس أيضاً على شكل سلوكيات غريبة، أو اختلاجات في الجسد وأمراض عضوية.
هذا الانسان السنجابي الضعيف سيواجه على امتداد ما تبقى من القصة شخصاً بأوصاف “دِببية”، رقبة غليظة داكنة السمرة وذراعان مفتولتان. ومنذ لحظة اللقاء الأولى في القصة يسأله “مردان” هذا إن كان قد فكّر بالأمر. هذا الأمر سيمثل عقدة القصة فيما سيأتي. لكن عبد الكريم شخص لا يقوى على الرفض، يفضل الانزواء على المواجهة. فيقنع نفسه بتغييرات عديدة في برنامج حياته، سيمتد تأثيرها على صحته، دون أن يواجه الآخر بقراره، وبحقيقة ما يجول في باطنه.
مردان، ذو الملامح الدببية، سيتكرر مع كل من يسببون لعبد الكريم الأذى والارتجاف في يده وعينه اليمنى. كأبي محمد الفرّاش الذي اخذ ـ دون اتفاق مسبق ـ مقابلاً مادياً لقاء تكليفات بسيطة طلبها منه خلال الشهر الفائت، من قبيل الذهاب إلى أرشيف الدائرة أو دولاب السجلات، فأضافها كخمسة أكواب شاي لم يشربها عبد الكريم، وطالبه بثمنها.
يتشارك سارد القصة ـ العليم بكل مجرياتها ـ مع القارئ في صناعة بعض مشاهدها، ومخاطبة مخيلته، لإعادة تشكيل الصورة، فيقول:”ظهراً، بعد عودته، استلقى على الفراش من دون أن يخلع ملابسه، أو يتخفف من حذائه، لو رأيته ساعتها وقد شبك أصابعه تحت رأسه وفتح عينيه محدقاً لنقطة محددة في سقف الغرفة؛ لهالك انقطاعه عن كل شيء من حوله”. هذا المشهد سيسبق لحظة طالما تهرب منها، تلك اللحظة الحرجة في مجريات حكايته.
تلك اللحظة ستمثل ذروة القصة، حيث يطفو سبب الصراع، بينه وبين ذلك الرجل، الذي يسكن في المنزل المقابل. المنزل الذي استولى عليه بسبب ظروف خاصة تمر بالعائلة التي تسكنه، ضعف سنجابي من نوع آخر يدفعهم للتخلي عنه. يأتيه هذه المرة إلى بيته، وبسماعه قرعة الجرس تتفجر الآلام في أمعائه، ويحس بلوثة في تفكيره، تدفعه لفتح الباب. سيكون الرجل هناك، كما هو متوقع، ليواجهه بكلماته التي يعرفها عبد الكريم في قرارته جيداً: “لقد أضعنا الكثير من الوقت … قلت لك إننا بحاجة إلى المنزل”. إذن فهو يريد استلاب منزله الذي سكنه أكثر من خمسة وعشرين عاماً، يريد فصله عن المكان الذي انعقدت في نفسه صِلات وثيقة معه خلال هذا العمر الطويل. عند ذاك “شعر بدفقة عنيفة من الألم تتفجر مثل تيار كهربائي أعلى بطنه، ثم تنزل ملتوية مع أمعائه…”.
عبد الكريم، الذي يتمنى لو يقدر على التقاط تلك الشعرة القصيرة التي تنبت على جذر رقبة مردان، ولن يقدر، يسقط تحت ضغوط كبيرة للتخلي عن منزله، دون ان يكون له تلك القوة للمقاومة. لذا فالقصة تتمثل واقعاً ما، محكوم بظروف خاصة، يقع فيه الإنسان الضعيف تحت رحمة القوي، في مقاربة مع قوانين الغابة التي ترد إشارات كثيرة لها في القصة، دون التصريح بها. فابتداءً بالعنوان، والذي مصدره دمى السناجب والدببة في أسواق “السلام” التي يكتسب اسمها دلالة رمزية أيضا، ذلك السلام المفقود، إذا ما علمنا أن أول لقاءات طرفي القصة كان في نفس المكان. ومن ثم لوحة الأسد والغزلان في مشهد وادع، والتي يراها مردان لحظة دخوله المنزل. هذا المشهد سيندفع إلى فضاء القصة بعد ان يسمع عبد الكريم تلك الكلمات القاسية، فيرى “الأسد يضرب قائمتيه الأماميتين على العشب، ينفض لبدته، يفتح فمه ويزفر، فيملأ نتن أنفاسه المنزل”.
القصة، إذن، تريد من القارئ ان ينتج نصّه الخاص به، منطلقاً من إيحاءاتها الكثيفة، مخططة له طريقاً محفوفاً بحشد من المرموزات، لم يعقد القاص القران بينها صراحةً داخل القصة، فعبد الكريم سنجاب وعليه ان يكون فريسة في غابة مليئة بالدببة والمفترسات الأخرى. وهو رمادي مضبب لا قرار له، بينما تمتلك الدببة عيوناً عسلية، وهو لون جميل، لكنها تخفي وراءها طاقة الفتك الكامنة. لذا نحن بإزاء قصة تنتصر للإنسان في مواجهة القوى الشريرة. قصة تقدم نفسها للمتلقي عبر لغة محتشدة بالتفاصيل، تضيء الفضاء الذي تدور فيه، وتجنح أحياناً إلى صناعة مشاهد تخييلية لها قدرة رمزية كبيرة، مثلما تمتد أيضاً إلى باطن الشخصية لتصف كيفية انعكاس الأحداث فيها.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن المصلوحي : قليل من النقد كثير من المجاملات نموذج: رسائل “وطن على شراع الذاكرة” تأليف: روز اليوسف شعبان وعمر صبري كتمتو .

في هذا المقال سأحكي ما حدث في ندوة اليوم السابع المقدسية الخميس الفارط. كان الموعد …

| طالب عمران المعموري : التلميح والنَفَس الجملي القصير قراءة في “رأسي عشٌ للعصافير” للقاص خلدون السراي .

شكل من أشكال السرد،  لقطات من الحياة أشبه بالتصوير الفوتوغرافي أو بالمشهد السينمائي ..  جنس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.