كاظم اللامي : إستنطاق سمعبصري للمسلسل العراقي “الدهّانة”

احيانا اواجه بسؤال يحمل بين طياته غايات صفراء كافعى الرمال وهي تحرك لسانها المثير للتقزز والاشمئزاز بكلمات خاوية …. ( ما السبب في تركيزك الملفت للنظر على نقد اعمال الكاتب العراقي الشهير حامد المالكي رغم تواجد اعمال كثيرة على القنوات الفضائية لها قيمة فنية متميزة ؟؟؟).
الكاتب حامد المالكي يمتلك فيض احساس يقبض بتلابيب اللحظة الانسانية لدى المشاهد لتعتقل جنوده وبذات السلطة الدكتاتورية الفنية المعتادة كل تخيل او احساس خارج هذه المنظومة الحامدية لتذهل الارواح عن كل ما سوى هذه النقطة البؤرية المتعلقة بفضاء يتردد بين الواقع المعاش بكل الامه وتداعياته وبين واقع اخر متوقع حدوثه قد لامس الخيال و رافق جريان انهاره تدفق الخضرة الممتدة من قلمه حتى قلوب وعقول مريديه … وبالتالي وجوابا على السؤال الانف الذكر … انك مجبول على ان تقول للجمال اللــــــــــــه وبأعلى صوتك كرد فعل لما سمعت وشاهدت , هذا من ناحية الشكل اما من ناحية المضمون والموضوع فطواعية المادة ومحتواها وقيمتها الفنية المتواجدة بقوة بين طيات العمل الحامدي تغريك ان تدلي بدلوك الفني وتغض طرفك عن بقية الاعمال مع الالتفات الى عدم خروجها من حساباتك النقدية .. وفي مقارنات ومقاربات كثيرة عملتها بين اعمال الكاتب حامد المالكي وبين اعمال الاخرين مجتمعين وجدت استحالة هذا الشيء فشتان ما بين الثرى والثريا .. الاحساس بالجمال وكما يقول الكاتب نفسه بانه شيء نسبي لكنني لا اراه من وجهة نظري فقط بل اراعي به المشاهد ورؤيته ومن خلال ذلك اقدم مادتي النقدية بما يدعمها من ادلة وبراهين تثبت صحة دعواي الجمالية بهذا الخصوص مع ملاحظة ان كل ما سوى الله يبحث عن الكمال ولابد ان تتواجد هنات في كل عمل فني ومنها المسلسل العراقي (الدهانة) الذي نحن بصدد القاء بعض الاضواء الكاشفة عليه لسبر اغوار احلام العراقيين كما يراها حامد المالكي وكما تكلم عنها التاريخ في بطون الكتب او ما تناقلته الالسن على مدى نصف قرن افل.
افضى تعدد القنوات العراقية التي تهتم بالدراما الى فتح المجال امام المشاهد العراقي لاختيار ما يراه مناسبا لذوقه وتوجهاته من اعمال فنية تعرضها الشاشة الفضية ليتحقق نوع من البراغماتية بين المشاهد والعمل الفني خيط من النفعية المتبادلة نتيجة لما يخرج به بعد ظهور شارة النهاية متخما جعبته الروحية والفكرية من دروس وعبر لا تخلو من متعة وربما المتعة وحدها فبدون ان تشعر بالمتعة امام شيء ما لا يمكن له ان يعلق في ذاكرتك ووجدانك عكس ما كان يحدث سابقا ما قبل ثورة الدراما ابان النظام السابق فلم يكن هناك سوى قناة واحدة تعرض دراما او ما يطلق عليها تجاوزا دراما مجبر ان تتابع ممثلين متكلفين متصنعين وقصة باهتة فارغة من اي محتوى وحينما نتذكرها في الوقت الراهن نستغرب كيف كنا نتابع الثلاث والسبع والعشر والثلاث عشرة حلقة لأعمال اقل ما يقال عنها وكما في المثل الشعبي (يخوط بصف الاستكان) وبالتالي تكون المشاهدة في الوقت الحاضر لأسباب جمالية ذاتية تحسب للعمل نفسه اذ استطاع جذب عدد من المشاهدين قل او كثر وسط زوبعة وبركان هائل من الاعمال المختلفة الثيمة والقيمة والشكل والمضمون والغاية والوسيلة .
نخوض الان في مسلسل (الدهانة) وهو من تأليف الكاتب حامد المالكي واخراج علي ابو سيف ومن انتاج قناة البغدادية وتمثيل نخبة من الفنانين العراقيين..
وكالعادة نأتي اولا على عنوان المسلسل  (الدهانة) الذي يمثل منطقة سكنية تشكلت في قلب بغداد يقال ان جذورها تمتد الى العصر العباسي تختبئ خلف دائرة امانة العاصمة تتجاور مع شارع الكفاح والشورجة المركز التجاري المعروف , ويقطنها الناس البسطاء من حرفيين وباعة متجولين وقد اشتق اسمها من الحرفة المميزة للمنطقة وهي بيع الدهن الحر المستخرج من حليب الماشية وكذلك هناك حرف اخرى تزخر بها منطقة الدهانة كبيع الدبس وهو مربى التمر وكذلك الراشي وهو طحين السمسم وكذلك صناعة حلويات تسمى باللهجة الدارجة العالوجة , والمكون الاكبر من سكنتها حسب ما يرويه اهلها هو من الكرد الفيلية وهم شيعة الكرد العراقيين الذين قدموا من المحافظات العراقية المتاخمة لإيران كـ ميسان وديالى وقد عانوا الامرين من السلطة البعثية العفلقية فدفعوا ثمن معارضتهم للنهج المنحرف الضال لطاغية العصر صدام حسين تهجيرهم من بيوتهم في الدهانة هم ومن سار على درب النضال ضد الطغاة فطالهم التغييب كغيرهم من العراقيين في اقفاص المعتقلات وسراديب التعذيب التي تشكلت مع اول يوم للثورة غير المباركة في السابع عشر من تموز من عام 1968.
ومن خلال العنوان لم نرى الدهانة في المسلسل فلو سمينا المسلسل باسم ابو سيفين او الكفاح او الشيخ عمر او الشورجة او الكيلاني او الصابونجية او الحيدرخانة او حتى العوجة وهي المنطقة الام لصدام حسين لا يتغير شيء أي نعم كبيئة خارجية كانت بيئة حقيقية للدهانة من خلال ازقتها وشناشيلها الا ان الكاتب والعمل بشكل عام لم يبينا الصورة المتعارفة عن منطقة الدهانة وما كان يميزها من احداث تاريخية او حتى بالإشارة الى شخصياتها المميزة او مهن وحرف اهلها ومصدر رزقهم ولو بالتلميح المقتصد لم نرى سوى دهانة قشرية بلا لب .
المسلسل يتحدث عن مدرس مادة اللغة الانكليزية في خمسينيات القرن الماضي وبالضبط ابان حكم ما يسمى بالزعيم عبدالكريم قاسم , وهذا المدرس اسمه وجيه قدم منقولا من محافظة الناصرية الى العاصمة بغداد وبالتحديد الى مدرسة النجاح التابعة لوزارة المعارف والتي تسمى في الوقت الحالي وزارة التربية , هذا المدرس صاحب هالة اشعاعية فكل من يلتقي به ينجذب اليه فهو مهذب اللفظ متسامح ذو طبيعة تعاونية مع الاخرين والنقطة الاهم انفتاحه على الجميع وتمتعه بأدب جم واتكيت يفتقر اليه عامة الناس القاطنين الارياف من اهله , وسيم مبتسم رغم جراحه التي تان عليه في كل لحظة وحين والمتمثلة بمقتل ابيه وكذلك ثقته بنفسه التي لم تأتي عن فراغ وكما قالت له زميلته ميسون الدلوعة الثرية بانه (شايف نفسه) والتي حاولت بشتى الطرق ايقاعه في شباكها الا انه لم يجنح لها رغم اعجابه بجمالها الاخاذ ليقف امامها ثابت الجنان.
كان وجيه يصارع اوهاما وحقائق في ذاته المعذبة كان يحمل مشنقة الضمير والثقافة والايديولوجيات والموروثات والتقاليد والاعراف التي كانت تلتف حول عنقه حاله حال أي انسان شريف يعتبر نفسه حقا لا زورا خليفة الله في ارضه والسبب في هذا الصراع ومجيئه الى بغداد لمتابعة قاتل ابيه (محيسن) بعد ان تابعته العشيرة في كل مكان حتى علموا بوجوده في بغداد وفي الدهانة فارسلوا له وجيه لينتقم ويثار لدم ابيه والملفت للنظر ان وجيه ومن خلال احداث المسلسل غير ملتفت للقضية البتة ولا الى القاتل محيسن لا اعلم هل ان الاحداث الاخرى المعترضة سرقت المؤلف عن هذا الامر ام ان وجيه يعاني من صراع داخلي لا يصرح به لسانيا بل فكريا وعقليا وما جلوسه ساهما في اكثر الاحيان وهدوءه المفرط الا دليل على هذا الصراع فهو حتى في تعامله مع حبيبته وصال الجميلة الساكنة قبالته كان للقضية حيزا تشغله بينهما فلم تبارح تفكيره رغم الرومانسية العالية التي طفح بها الكيل للمشاهد الكثيرة التي جمعتهما وهذا ما ارجحه لدى العقلية الفذة للكاتب فالكبار كالشموع يحترقون دون صوت دون جلبة والمضمحلون يكبرون كالنفايات.
ان الانسان الشفاف وبهذه الصورة التي عليها وجيه لا يمكن ان يؤذي نملة فكيف به ان يقتل انسانا وقد ردد مرارا احترامه للقانون بأنه الوسيلة الوحيدة التي يمكن ان تنصف الجميع , والحاح العشيرة على وجيه بهذا الاتجاه اوقعه في صراع محتدم بين سليقته ومحتواه وثقافته وتوجهاته وبين التقاليد والاعراف البالية التي تمثل ازدواجية لدى البعض فرغم ازدرائهم لها الا انهم ومع أي حدث وان كان بسيطا ترى احدهم يعود لجاهليته الاولى وهذه الحالة تذكرني بقصة الفار والقط  وعلاقتهما التاريخية .
ولأول مرة ارى كاتبا عراقيا يصور شخصية ريفية بهذا المستوى الفكري والذي استطاع ان يجبر صديقه المدرس مراد بالقول .. علمني كيف اكون شريفا .. فوجيه ليس حالة انفرادية توحدية بل هناك الكثير من القادمين من الاهوار ومدن الجنوب قد تألقت بغداد بحضورهم ورافقتهم ثقافة وحضارة سومر الموغلة بالقدم ..
ورغم الجذور العائلية للكاتب الممتدة الى اعماق الهور ومدن الجنوب وشرعية تزويق جذوره الا انه لم يبالغ في بهرجة ابن الريف بلا مسوغ ولم يكن انحيازيا في هذا الطرح والدليل انه اظهر الجانب الاخر متمثلا بابن عم وجيه رويض الذي التهمته بغداد الاخطبوط فسقط شر سقطة لعدم تأهيله اجتماعيا وثقافيا وكذلك لترسبات منحرفة كانت تلازمه منذ تواجده في الجنوب فكان صدمة لجميع اهل بغداد كيف يكون وجيه الوسيم المهذب الودود ابن عم رويض المجرم والقاتل والسارق والانهزامي الانتهازي المتحايل اللجوج السمج الفج والذي قتل محيسن باتفاقه مع شخصية فارغة هي ابو عتيوي شقي الدهانة وسرقة المخزن الذي يحرسه وهروبهم من العراق بعد افتضاح امرهم مع تسببهم بهذه الجريمة ان سجن وجيه عدة سنوات كانت كفيلة بذبح احلامه وهدم تطلعاته نحو المستقبل بوجه مشرق .. والجميل في رؤية الكاتب بنفاذ رويض وابو عتيوي دون ان يطالهم القانون في عدة مسائل اهمها ان القانون مطاط واعمى وحتى اثول , كذلك ان اكثر الجرائم وبالذات للمتنفذين وذوي الامكانيات المختلفة تراهم في النهاية ينفذون جرائهم دون ان ينالهم عقاب ما .
اقبل راس الكاتب الذي اسقط الحاضر على الماضي من خلال وجيه ورويض ومن خلال العراق الحالي الذي يحظى بانتشار رويض في المجتمع العراقي كالنار في الهشيم فحديثي النعمة والقادمون من الضباب هم من يتسيد البلد وكلما تفوح رائحة فساد ما لدى احدهم تجد دول الجوار على اهبة الاستعداد لاستقبال سراق اقوات الفقراء لتصبح سرقة الشعب مودة يفكر بها جل ابناء العراق وكل من موقعه وحسب امكانياته.
اراد الكاتب ان يقول بشان وجيه وابن عمه رويض .. هذا محمد بن عبدالله نبي الاسلام والذي قال القران فيه (وانك لعلى خلق عظيم) فاين منه عمه ابو لهب الذي الهب القران جلده بسياط اللعن مرة والمطارة بالويل والثبور مرة اخرى منذ اية (تبت يدا ابي لهب وتب) وانا اعزو القضية في هذا التباين الى الهيئة الراسخة المتمثلة بالاستعداد لكل طوارئ الحياة وكيفية التعامل معها لكل فرد رغم ان البيئة لها نصيب من ذلك وايضا الاجواء العائلية التربوية , فالتكوين البدني والنفسي لجميع البشر في تباين رغم وجود ملتقيات عامة الا ان النسبة الاكبر في تضاد سلوكي وفكري افرز الكثير من الصراعات المحتدمة داخل بنية الاحداث الدرامية للمسلسل كانت عجينة طيعة بيد الكاتب يشكلها فكره كما يشاء دون الاخلال بالواقع او مجانبة الحقيقة .
كان وجيه يصف نفسه بانه معتدل ما بين التطرف اليساري والتطرف اليميني مع حمله لبعض توجهات المعسكر الشيوعي واعجابه بالتجربة الماركسية وادم سميث وبالمحصلة لتجربة عبدالكريم قاسم وان لم يخلو حديثه في احايين كثيرة نقمته على ما قام به الزعيم من جذب سكان الريف اصحاب البيوت الطينية والقصب والبردي بهجرة اراضيهم والمكوث في بيوت مساحتها مئة في مئة في منطقة سماها الثورة ومن ثم بعد ذلك سماها صدام حسين بمدينة صدام واخيرا سميت على يد قادة العراق الجديد بمدينة الصدر واي صدر لا اعلم هل هو صدر المتألهين ام محمد باقر الصدر ام محمد صادق الصدر ام موسى الصدر اللبناني تغمدهم الله برحمته الواسعة ولا نعلم ماذا سيسميها القادمون من مجاهل التاريخ, و لا ننسى اعتراضه على مجاملته للقومية بأغلاق صحف اليسار ورغم هذا وذاك كان للكاتب توجها معينا بهذا الخصوص بتلميع صورة عبدالكريم قاسم بأفضل انواع  الاصباغ والالوان من خلال حوار الشخصيات ليخرج علينا الكردي ليث وهو يقول احسن قائد عرفناه قاد العراق هو الزعيم عبدالكريم رغم اني اقول للأمانة التاريخية ليس كل ما يلمع ذهبا ويجب ان لا ننظر لدمع عيني الصياد في الايام الباردة وهو يضع العصافير واحدا تلو الاخر في قفص اعدام الحرية بل ننظر لفعل يديه التي تحركت عن نتيجة قصدية مع عدم توفر الضغوطات .
الكاتب يعتبر من الكتاب الذين يعالجون مرافق كثيرة من حياة الانسان العراقي فالدين والسياسة والاجتماع والاقتصاد هي القاسم المشترك لكل اعمال الكاتب ويناقشها مع المتفرج وفق الاحداث ومن خلال الشخصيات وانفعالاتها وحواراتها كما يؤشر بروح تبدو حيادية في كثير من الاحيان رغم الميل الخفيف لطروحاته الفكرية اذ يؤشر راي الشعب المعاصر لأحداث المسلسل والسبب في هذا الاشتغال المعرفي ان الشعب العراقي والعالم بشكل عام هو في اتصال دائم مع الدين والسياسة والاجتماع والاقتصاد, ومدرسة الحياة هي هذه الخطوط الاربعة , وقد نجح الكاتب في ذلك كثيرا الا ان الملاحظ وحسب رايي المتواضع ان الشخصيات الحامدية صنيعة احداث الزمن الماضي وليست الشخصيات هي من يؤثر في الحدث ويصنعه وكأن الزمن الماضي المليء بالأحداث والتناقضات والصراعات قد افرغ من محتواه ووضع على شكل حشوة ضمن خطوط المسلسل الافقية والعمودية والطولية وانا ارى ان الشخصيات يجب ان يكون لها ذلك الاشعاع المترامي والنافذ في قلب العمل لصنع الحدث التاريخي لا ان تبقى اسيرة للتاريخ وما الحوارات الكثيرة والعديدة لوجيه مع جلسائه الا من هذا القبيل فقد كانت حوارات تهويمية كمن يلاكم الهواء بقبضته المشلولة ورغم هذا وذاك فقد كانت حوارات غنية بالمعلومات المفيدة للمتفرج مع توفرها على كشف حقائق ربما تبدو غامضة وسناتي عليها تباعا .
ناقش الكاتب المد الشيوعي الالحادي اتجاه القوقعة الدينية والتخبط التشريعي الذي ارتد تقهقريا عن زمن النص الالهي في صدر الاسلام.. ناقش كفر السلطة وقائدها عبدالكريم قاسم وقراراته الفاسدة والمفسدة والمتمثلة على اقل تقدير بتغيير الجنسية مع ملاحظة ضبابية هذه الجملة , تغييرها بماذا وكيف . مساواة الرجل بالمرأة في الميراث وهو خروج بين على الشريعة الالهية التي اسسها محمد بن عبدالله نبي الاسلام وكذلك بعض الاشاعات التي احكمت بقوة للنيل من الشيوعية والحكومة بصفقة واحدة كإباحتهم الزواج من الاخت وشربهم الخمر والذي يعتبر بطل المسلسل على الاطلاق فثلاثة ارباع الشخصيات تشرب الخمر ولا تبنى الاحداث الا من خلال جلسات السكر , كل هذا بالضد من الدين الذي يمثله الشيخ مخلص وامجد اخو وصال فالشيخ رجل مليء بالتناقضات النفسية والانحرافات الخلقية مع تطرف مخيف ليس له ما يبرره رجل رهن حياته بلباس ديني فارغ استغله لمصالحه الشخصية انتهى به المطاف الى الموت خنقا وحرقا على يد زوجته المجنونة استطاع الكاتب ان يفرج عن وصال التي تزوجت شيخ مخلص بإلحاح اخوها امجد وانقاذها  بأعجوبة من بين السنة النار التي اشعلتها زوجة مخلص المجنونة ليحترق البيت ومن فيه وهذه الحادثة تذكرنا بأحد الاعمال السينمائية العربية والعالمية لا اتذكر عنوانه تحمل نفس نمط القصة مع عدم وجود رجل الدين فيها, اما امجد الشق الديني الثاني والذي يعاني من ضعف شخصيته بذوبانه بسرعة البرق في مياه اصحاب الاشعاع والهالة الجذابة من ذوي الالسنة المعسولة كشيخ مخلص ووجيه ليعاني من اغتراب ابان مكوثه اسيرا للشيخ لينتهي به المطاف وقد غير جلده الديني بزي غربي وافكار وجيهية الا انه ما يزال دون هوية حاله حال الكثير من الشباب الذي سقط بلا وعي في براثن الاسماء اللامعة والايديولوجيات الغربية والنظريات المستوردة وكما يقول الكاتب معترضا على العراقيين الذين لم يكن لهم هوية تفكيرية فلسفية خاصة او حتى حزب عراقي خالص مئة بالمئة وكانه يريد الاشارة الى الواقع الحالي ونحن نملك المئات من الاحزاب التي هي في حقيقتها ومذهبها وتبعيتها وايديولوجيتها لا تمثل الحد الادنى من الهوية العراقية فقط اسماء القادة فهم عراقيون بالتأكيد  , ولكن المستدرك في جنوح الكاتب الذي يشيء بالتساؤل وينبئ عن اهداف وغايات خاصة معينة هو اختياره شخصيات دينية سيئة كمخلص وامجد في مجابهة قوى الشيوعية والتي اختيرت بعناية كوجيه واستاذ منعم وغيرهم فنقول للكاتب لم تنصف المتدينين ابدا فقد كانت كفتي الميزان تعاني خللا ما لا اعزوه لشيء الا انك تريد ان تظهر الجانب السيء من رجل الدين الطارئ وتقول بوجوب عودتنا الى الدين الحقيقي المتمثل بسيرة محمد وعلي ولكن يا صاحبي الدين اصبح حكرا لمن لهم سطوة الاسد على حيوانات الغابة …. وكما تفضل الكاتب واشار على لسان وجيه بان الغرب اصبح على هذا النحو من التطور العلمي والثقافي وفي كل مجالات الحياة لم يكن محض صدفة بل نتيجة عمل دؤوب متسلسل مع غياب الامبراطوريات السياسية الحاكمة الغاشمة وكذلك انهيار سلطة الكنيسة وبدأ نشاط الثورة الصناعية والنهضة الاوربية والانتقال الى تطبيق النظريات على ارض الواقع اما نحن فعبادتنا للشخصيات الدينية والسياسية وتبعيتنا لنظريات غربية ليست لها ارضية خصبة في واقعنا الاجتماعي وعدم امتلاكنا لنظرة اقتصادية رصينة مع تضاد النظرية والتطبيق جعلنا نتأخر خطوة مقابل تقدم مئة خطوة لغيرنا .
تطرق الكاتب لفلسفة الوجود والجبر والتفويض والارادة والمشيئة , والقدر هل هو حقيقة ام صنيعة اوهام , وعن الحياة والموت وهل هناك حياة بعد الموت ام الكل الى العدم وما هو راي المادية بالوجود بان بدايته عدم ونهايته عدم .. حقيقة ابدع الكاتب في ايراد هذه الاثار الفلسفية بشكل تغلغلي وليس سطحي ضمن احداث المسلسل استطاع بها ان يحرك ادمغة المشاهدين ولو للحظات قصيرة في التفكر من اين اتينا وكيف ؟ والى اين نحن ذاهبون ؟ ومتى ؟ مما يعطي البرهان الدقيق لعلو كعب الكاتب الثقافي والفكري.
تطرق الكاتب لقضية نكرة السلمان وابو طبر بشكل اخباري تصويري على السنة الممثلين وقد اقحمت هاتين القضيتين دون ان يكون لها ما يسوغها ولم تعطي الدفع الدرامي المناسب كما انها مجردة من الوقائع التي يمكن ان تخدم المسلسل ولكنهما اسسا لشحذ مخيلة الكاتب للكتابة عنهما في مسلسلات لاحقة وكما قلت اقحمهما المؤلف كي يقول انتظروني لاحقا في نكرة السلمان وابو طبر  ويجب ان نؤكد بتواجد حالة الاخبار بكسر الهمزة وشيوعها بأكثر الاعمال العراقية واستهلاكها لمعظم وقت العمل لكن المألوف لدى الكاتب حامد المالكي انه مع تواجد هذه الاخباريات على سبيل المثال (دريت بفلان شصار بيه ..عرفت علان انسجن .. فلتان انقتل ) وجميعها قد شاهدها المتفرج توا فلم تأتي هذه المشاهد بجديد الا ان المميز في كل ذلك هو اللازمة التي تحيلنا من الاخبار الى تطور لاحق اخر وحضور اللازمة اللفظية المعروفة (هسه ما علينا) وقد استخدمت بكثرة في اكثر اعمال الكاتب .
استحضر الكاتب بعض الحقائق الاجتماعية واسقطها على بيوت الرقص و الحفلات الماجنة وعديد زوارها من طبقات مختلفة النشأة والتكوين والصق عنوة مصطلح فنانين على هذه الطبقة التي امتهنت نفسها قبل ان تسقط في براثن المستغلين ممن يديرون اعمالهم المشبوهة الداعرة في هذا المحيط وممن يرتادون هذه الاماكن التي تستخدم الراقصة او الكاولية او الداعرة كإشباع للغريزة الحيوانية فيأخذونها لحما ويرمونها عظما وكما يعامل المدخن سيجارته بعد ان يحرقها ويأتي على اخرها فيسحقها تحت قدمه لتلحق بالنفايات بعد ان كان يتنزين بها واضعا اياها تحت اذنه كما يفعل الكثير .. وهذا ما لمسناه من معاناة مديرة بيت الطرب في الدهانة المدعوة سعدية التي تقاذفتها امواج الالم وخيبتها المريرة لحالها الذي صوره الكاتب وكأنها القيت عنوة على ساحل شطآن الرذيلة وهي بلا حول ولا قوة لتكون نهايتها الانتحار ليلحقها بذات النهج التحرري من ربقة هذه المهنة المعيبة قريبها مراد المدرس وصديق وجيه منتحرا لتختم بموتهم مرحلة مهمة من حياة وجيه صاحب الفكر والادب والتربية والاخلاق الحسنة الذي كانت له بصمة في حياة هذه البقعة الموبوءة.
قام الكاتب بالتلميح بشكل مقتضب لضيق الوقت ونحن في الحلقات الاخيرة من المسلسل لمح الى فترة اعتلاء البعثية سدة الحكم وافراجهم عن كافة السجناء والمعتقلين ومن ضمنهم وجيه بعد ان قبع سجينا خمسة او سبعة سنين ليواجه بحكم ابتزازي ورايهم القائل من كان معي فهو مني ومن لم يكن معي فهو ضدي , وكان له اول لقاء مع احدهم وهو مدير المدرسة الجديد بعد استاذ منعم وقوله يجب كسب وجيه لحزب البعث ليعطي الكاتب صورة واقعية وان لم تكن واسعة لحزب شوفيني استعلائي نفعي تسلقي لا تقف امام تطلعاته أية ثوابت ومبادي وقيم مقامها تحت اقدامه الاخذة بالاستطالة .
وفي لحظة كلاسيكية تتكر دائما في الاعمال العربية يعترف الحارس ابو كاظم ويكشف الحقيقة بان وجيه بريء من دم محيسن وتأكيد مقتله على يد رويض وابو عتيوي وهروبهم الى الكويت الملاذ الامن في ذلك الوقت .. ورغم ما جرى لوجيه من معاناة لو انها صبت على الجبال لكانت دكا دكا الا ان الكاتب ابى الا ان ينهي حياة البطل أضحية لقيم ساذجة وتقاليد عشعش فيها التخلف واعراف بالية تهرئت خيوطها فيقتل على يد اهل محيسن ليستمر مسلسل الدم وهنا اراد الكاتب ان يشير الى ايام بدر وحنين وكربلاء والكوفة والعثمانيين والصفويين والسنة والشيعة وتدفق الدم البريء في ساقية لن تشبع او ترتوي لأنها تهتف بالضمائر والقلوب هل من مزيد ليستجيب من تأصلت به روح المكر والخداع والغدر وكل انواع الارواح الشريرة خلفاء قابيل ونمرود وفرعون وابي جهل وابي سفيان ويزيد وصدام  وفراس الجبوري . العبارة التي كتبت في نهاية المسلسل حملت رؤية الكاتب للتاريخ بان القاتل لم يعرف للان وللقصة بقية فالقاتل غير معروف شخصا لكنه معروف عنوانا فكل سياسي ومجرم وانتهازي هو القاتل وربما اراد الكاتب ان يوحي الى تورط النظام السابق بهذه الجريمة وهو المعروف بتصفية الشخصيات الفكرية التي لا تخاف في الله لومة لائم وما رفضهم لطبع كتابه الذي يمثل عصارة فكره الا بانهم وضعوه في مرمى الزائد وما يؤيد كلامي هذا عبارة جاسم ابن عم وجيه الثاني قال عبارته الخالدة بعد قتل وجيه بانه سينتقم من كل من كان له سببا في مقتله ويبدو ان الاعداء عديدون وموجبات جريمتهم متعددة .
بعد موت وجيه تأتي الاخبار بولادة وصال زوجة وجيه ولدا جعله الكاتب كممثل شرعي لإرث حضاري موشى بقيم ومبادئ آمن بها الكاتب قبل غيره ليقول ان الكبار لا يموتون وانهم في تناسل وكذلك لم يغفل عن ان القتلة والسفاحين يتناسلون هم ايضا ليبقى الصراع محتدما حتى تصيح الساعة او يقضي الله امرا كان مفعولا.
وفي راي مغاير لما ذكرته انفا بشان ابن وجيه ففي تصريح ليث الكردي حول رايه بوجيه بانه يرى فيه العراق كله مما يعطي تصورا عما اراده الكاتب بان موت وجيه هو رسالة بان العراق مات وانتهى وتعطلت الارحام وختمت بالشمع الاحمر دون ان تأتي برجل كوجيه في بلد نفذ سم التغيير الفوضوي فيه حد النخاع لتقرا الفاتحة على بلد كان ذو حضارة واشعاع فكري ماتت هذه الحضارة وخبا الاشعاع على اعتاب السلطويين الذي حكموا الشعب بالحديد والنار , وعبارة للقصة بقية اراد بها الكاتب ان يقول ان الموت الاحمر خط على قدر العراقيين مخط القلادة على جيد الفتاة .
لحد الان اكتب وانا اتصور نص الكاتب حامد المالكي امامي قبل ان يصل ليد المخرج كي يكتب نصه الخاص رغم ان الجميع يعلم هناك فرق شاسع ما بين النص الاصلي ونص الديكوباج الخاص بالمخرج بسبب سبري لأغوار ومجاهل التفكير الدرامي للكاتب وادواته الابداعية , وفي حقيقة الامر هناك الكثير من القضايا المهمة التي اشار لها الكاتب لا يسع المجال لذكرها تمثل واقعا اجتماعيا حقيقيا عاشه العراقيون بكل ابجدياته وهذا ما يميز الكاتب عن غيره فانه يسلط الاضواء على كل شاردة وواردة من افرازات زمن الحدث.
نأتي الان الى مفاصل اخرى من المسلسل واهمها مفصل البيئة الصادقة المعبرة من الازقة الضيقة الى الشناشيل الى الشوارع المتكسرة ذات الانخسافات المميزة لأكثر شوارع المحلات الشعبية لبغداد كذلك وجود الصدق في اثاث المنازل والديكور بشكل عام وحتى الفرش المتعارفة لدى العراقيين والتي تعلق على الجدران والنجاح هذا يشمل الريف والمدينة لتصل الدقة بذلك الى نقاط الكهرباء المصنوعة من اللوحات الخشبية , فكان الصدق حاضرا بقوة في هذا المفصل المهم بالإضافة الى الازياء المناسبة للمثلين احالتنا بواسطتها الشخصيات الى زمن السرد وكأنك تعيش فيه بلحمك ودمك مع ملاحظة عدم اصالة زي شقي المحلة ابو عتيوي وبالذات البنطلون العريض من القدم ومعرفتنا بان الشقاوات كانوا يرتدون بنطلون بوري ابو الحجل الضيق وله خصائص جمالية معينة الا ان زي ابو عتيوي اربك جمالية الدور فكان مظهره سيئا للغاية وكان للممثل نفسه مشاركة فعالة في قتل هذه الجمالية فقد بدا مهلها شكلا ومضمونا .. ورغم الدقة في الاهتمام بالواقعية البيئية للمسلسل الا ان تصوير المشاهد داخليا كان يعطي الانطباع بالخوف وعدم القدرة من مجاراة المشهد الخارجي بيئيا الى في حدوده الدنيا في الريف فقط اما المدينة فلم نجد لها مشاهد خارجية تعكس معالم بغداد في تلك الفترة .
المؤثر التصويري الموسيقي والصوتي لا يسعني وانا انصت اليه الا ان ارفع له القبعة فقد كان من الجمالية بحيث يجعلك معلقا في فضاء خاص يزيد طربك بالمتعة الصورية كما ان ربط المشاهد وتعاقبها بموسيقى موحدة والتغيير يكون ضمن المشهد لا مع القطع مما يوحي للمشاهد بتسلسل الاحداث وتواليها وموالاتها دون انقطاع وهنا تكمن قيمة المؤثر الموسيقي في فك رموز الصورة وانطاقها والتفافها حول المشاهد واحتواءه فكانت بحق سببا من اسباب النجاح.
الانارة او الاضاءة كانت هي الاخرى حرفية مميزة اضفت عناصر متعددة للجمالية الساحرة للصورة واستطاعت في تمازج الالوان ان تخرج علينا بلوحة فنية رسمت بالوان زيتية ويد رسام لا يقل موهبة عن المرحوم الفنان جواد سليم والسبب في ذلك هو الاقناع بالزمن اولا بالمحيط ثانيا بانفعالات الممثلين ثالثا فكانت تحفة تستحق الاشادة .
الاخراج … من المفرح ان يتواجد بين ظهراننا مخرج فذ كبير كعلي ابو سيف صاحب الايقاع المتناغم الهامس دون رتابة والصاخب دون ضوضاء فكانت بصماته عميقة مؤثرة استطاع بإدارته لهيكل العمل ان يرسم صورة ابداعية ناجحة .
اذا اعتبرنا ان الكاميرا من اختصاص مدير التصوير والمصورين فنشد على ايدي كادر التصوير لهذا الابداع السحري البصري المحترف ولكن المتعارف ان الكاميرا هي تمازج فكرة واداء .. الفكرة للمخرج والاداء لفريق التصوير فزوايا ونوعية اللقطات والحركة البانورامية الملتفة والمنقضة الهادئة والانتقالية الناطقة والمترجمة للحدث وتساؤلات الشخصيات والمشاهدين والاجابة عنها كل ذلك كان نتاج الصورة الجميلة وعلى سبيل المثال لا الحصر حينما اتى مراد الى الريف كم كانت جميلة تلك اللقطة البانورامية للقبض على اطراف الريف وكشف جماليته بأبهى ما يكون , كذلك في لحظة اصابة وجيه بسكين غادرة قبل مقتله بسنين وهو بجوار بيته عندما بدا يستغيث لتتنقل الكاميرا بلقطات ومضية على الازقة والشناشيل والابواب والشبابيك وكأنه يستغيث بأسماء محبيه .. حجي عوني , وصال , ام امجد , استاذ منعم , ابو كاظم , الخاتون , ميسون … لقطة جميلة بحق , كذلك عند خروج وصال من بيت وجيه بعد تصارحهما بلواعجهما الغرامية فبدا المشهد هكذا … موسيقى طربية سريعة تدل على الانشراح لقطة متوسطة وابتسامة عريضة لوصال وهي تتمايل مسرورة في الزقاق  تتقدم نحو الكاميرا ليملأ وجهها الكادر ثم لقطة اعتراضية من خلف راس العكد تنقض بها الكاميرا بهدوء على وصال وكأنها تشي بالمتابعة والتجسس للإشارة الى اخيها امجد الرافض لعلاقتها مع وجيه , ايضا من اللقطات الجميلة الناطقة في لحظة انتحار عماد ومجيء وجيه لإنقاذه وسؤاله (هاي شبيك) يكون الجواب للكاميرا على صورة ميسون دون ان ينطق عماد الذي فقد وعيه وميسون هذه كانت سببا في قتل حبه واحاسيسه مما قاده للتخلص من الامه منتحرا .
احيانا يكون الاسلوب الكلاسيكي في لقطة ما وبالا على العمل لكن المبدع ابو سيف كان يتعامل مع الاسلوب الكلاسيكي برؤية اخرى كما في تصوير واجهة المدرسة قبل الدخول في مشهد داخلي فالمميز هو تنوع زوايا التصوير ونوعية اللقطة واتجاهاتها المختلفة فما يحسب للمخرج انه بهذه الحالة استطاع ان يشكل صورا مختلفة ذات خصوصية جمالية واراه قد نجح في ذلك كثيرا.
من المؤشرات الجمالية ايضا ان القطع لا يقطع الحوار بل يقطع الصورة فبعد نهاية الحوار لا نرى الكاميرا ساهمة منفصلة بل تستمر بعملها في تصوير الانفعال الشخصي والتغيير المكاني بعملية اريحية سلسة.
استخدم المخرج اكثر من كاميرتين وهو اسلوب اراه ممتاز لأنه يعطي خيارات عديدة بيد المخرج الا انني لم اجد استخدامها بالشكل المناسب في مشهد رؤية بخت وجيه في منام ام امجد والتي تكررت هذه المهنة في ابو طبر ايضا فقد كان المشهد مملا لعدم اشتغال الكاميرات جميعها كما في المشاهد الاخرى واصطباغ الشاشة باللون الاحمر كان ذو تاثير سلبي على جمالية المشهد .
تمتع المخرج والكاتب بجرأة كبيرة في صناعة المشاهد الرومانسية الجميلة مع تقاطعها ظاهرا لتقاليد البيت العراقي في بنية العمل مع اعترافي بإتقان صنعتها كما في مشهد اقتحام وصال لبيت وجيه عدة مرات وتصوير سيقانها البضة الجميلة في مشاهد اخرى يمثل القمة في جرأة البنت البغدادية وكذلك جرأة نعيمة بنت عم وجيه بتركها باب غرفتها مفتوحا امام انظار مراد ضيفهم القادم من بغداد وهي نائمة بوضعية مغرية تحطم الجبال الرواسي والجميل في كل ذلك ان العمل عرض في رمضان لذلك أتساءل لو قدر للكاتب والمخرج ان يكونا من العاملين في السينما المصرية ماذا سيكون انتاجهما ؟ تساؤل ليس اكثر؟.
مشهد احتراق بيت الشيخ مخلص كان سيئا للغاية والذي نفذ بطريقة الفلاش الكارتوني ثري دي وهذه الطريقة بدأت تأخذ مداها الواسع في اكثر الاعمال العراقية مع استهجانها من الجميع لما لها من تشويه واضح للمشهد وايقاع الجميع في موضع السخرية.
الفلاش باك في الحلقة الاخيرة ليس له ما يبرره استخدم بشكل واضح لإكمال الحلقة مع العلم تكرر هذا الاسلوب في عمل آخر لحق هذا العمل وهو ابو طبر .
هناك بعض الاخطاء في الحوارات نقتصر على بعض منها كما في حوار مراد البغدادي وجاسم الريفي وهو يتندر على جملة له بقوله (قابل انه دون جوان) ليجيبه جاسم الفلاح البسيط (يجوز) وكان يعرف دون جوان وهنا نتعامل بالظاهر لا بالتأويل والقول بان جاسم خريج او دارس او متعلم فهنا تناقض حواري يجب الالتفات له.
خطا حواري اخر يدل على تسامح المخرج ومساعده والممثل ومن يقف امامه من زملائه كما في حوار وصال مع امها عن وجيه (الساكن بصفنا) أي بجوارنا مع العلم هو يسكن قبالتهم .
اللحية الاصطناعية التي يحملها امجد مضحكة مخجلة ونحن في زمن الاحتراف الفني التلفزيوني والسينمائي الذي وصل مداه فاذا كنا لا نجيد صنع لحية فكيف بنا صنع بيئة حقيقية لعمل فضائي مثلا وتساؤلي ما الضير لو صبر الممثل والمخرج حتى تنبت لحيته فتكون اكثر جمالية واكثر اقناعا .
اما الممثلون فهم بشكل عام قد لازمهم التوفيق بشكل كبير وكانوا بحق من الادوات الناجحة بيد المخرج والذي كانت له اليد الطولى في ادارتهم بهذا الشكل العفوي الممتع بدءا من الرائع كاظم القريشي المتميز في كل تنقلاته الادائية ما بين اعمال تركت بصمة لا يستهان بها اجبرت اكثر الاستفتاءات بان يكون اميرها وهو مستمر بلا نصب او وصب في تصاعد تألقي اعطى لسماء الفن العراقي زرقتها الجميلة الساحرة.
الحسناء زهور علاء ممثلة عفوية نجح من اختارها لهذه البطولة فكانت ركن من اركان النجاح يعتد به.
مهند هادي لا اقول عنه شيء سوى انه مظلوم لأنه طاقة ابداعية وعامل خلق وانشاء ورقم صعب في صناعة الجمال لم يأخذ فرصته الحقيقية للآن مع الاخذ بنظر الاعتبار تأثره بإداء الفنان المرحوم قائد النعماني نتيجة وجود الشبه الخلقي بينهما.
اسراء البصام ممثلة مؤثرة الا انها عطلت ابداعها في هذه الادوار البرجوازية .
سهى سالم ممثلة ذات قيمة فنية متميزة الا انها لم تضيف شيئا لتاريخها الفني بدورها الهامشي الخالي من أي انفعالات الذي عجز ان يفجر طاقاتها التمثيلية المدفونة .
الراحل حاتم سلمان رغم انه من بقايا زمن الكلاسيكيين والمسلسلات الهامشية الا انه خرج من اللحد وامتعنا كثيرا والفضل للنص والمخرج.
اياد الطائي لديه الكثير الا انه ما زال يعاني بسبب تعابير وجهه القاسية والتي لم يستثمرها جيدا في تأديته لدور الضابط الملاحق لوجيه والذي يذكرنا بالضابط المطارد لجان فالجان في مسلسل البؤساء وهذا الامر يقودنا للقول بان الممثل العراقي يستسلم امام شكله وصوته وبنيانه الجسدي لأدوار معينة تضعه في خانة تأتي على اخره مبكرا.
ازهار العسلي عبير فريد سولاف ثلاث نساء يمثلن طبقة معينة من الراقصات يسمونهن الكاوليات لم يوفقن في ادائهن مطلقا فقد كن وكما يقول المثل المصري ممثلات نص كم لا يمكن لمخيلة سليمة لمشاهد لبيب ان تتذكرهن بالإعجاب.
مازن محمد مصطفى اكلت الوظيفة الكثير من جرفه الابداعي فأقعى منكفئا على نفسه وسينتهي به المطاف الى المجهول ان لم يطور ادواته .
سمر قحطان وما ادراك ما سمر قحطان اتمنى ان يفصل له الكاتب حامد المالكي دور الاخرس كي نتجنب صوته المخنوق وقد تأكدت لي هذه الخلة حينما شاهدت له احدى العروض المسرحية فكان قالبا متقولبا على نمطية اداء والقاء لا يحرك في المشاهد شيئا بل يكون مدعاة للنوم والانكفاء على الوجه.
خالد محمد مصطفى شتان ما بين ابو عتيوي والعميد زاهر في مسلسل ابو طبر .. للان لم نرى شقي مقنع في الدراما العراقية .
خضير ابو العباس نجح الكاتب في رسم دوره الكوميدي مع زوجته الفنانة الرائعة لمياء بدن فكانا ناجحين بشكل ممتع .
حسين علي صالح بدور جاسم مقنع كرجل ريفي يحمل الشهامة والطيبة والغيرة وكذلك زوجته بتول كاظم واخته التي لا اعرف اسمها كانوا ناجحين عقلا وقلبا.
مرتضى حنيص ممثل جيد ينتظره الكثير .
جمال الشاطئ له خصيصة ابداعية تعكس خبرته الفنية في التقمص ساعده على ذلك شكله المقرف وطبقة صوته الاجش ليعمق كرهنا لرجل الدين المتطرف .
ما زلت اقول ان سمر محمد هي ملح الاعمال العراقية ويشاركها الابداع في ذلك محمد حسين عبدالرحيم وسوسن شكري الذي وازنوا الكفة بحضورهم المهم.
بشكل عام يكذب من يقول نجح العمل دون ان يعزو النجاح للنص والمخرج والممثلين وكادر العمل مجتمعين فلولا هذا الترابط والاتحاد بين طبقات العمل لا يمكن ان نتذكر الدهانة مطلقا .

شاهد أيضاً

مروان ياسين الدليمي: رواية” العار” للكاتبة البنغلاديشية تسليمة نصرين: التطهُّر من جحيم العنف الطائفي

اثارت هذه الرواية عندما صدرت عام 1992 رد فعل عنيف جدا تجاه الكاتبة تسليمة نصرين …

صباح هرمز: تمر الأصابع لمحسن الرملي.. شخصيات تتقاطع وتتشابه بعضها مع البعض، ومع نفسها

إذا كان علي بدر، قد كتب ثلاث روايات، تعبر كل واحدة منها عن مرحلة معينة، …

دروب الليل تحاكي الأزمنة
قراءة في ديوان “تجليات عين الشمس” للشاعر عبد الزهرة لازم شباري
بقلم: توفيق الشيخ حسين

يمشي في دروب الشعر عبر محطات أبت أن لا تفيق , ويعيش الآهات التي تمضي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *