حسين سرمك حسن: جابر خليفة جابر والكتابة السردية الجديدة (5)

# وقفة : كيف أضاع ملوك “أيام الطين” الأندلس ؟
————————————— 
واعتماد الرميكية هي جارية أخرى لعبت بعقل المعتمد بن عباد امير إشبيلية وواحد من الـ (21) ملكا من ملوك الطوائف الذين حكموا الأندلس وقته . وكانت في الأصل جارية لرميك بن حجاج فنسبت إليه، واستطاعت اعتماد أن تجذب نظر المعتمد إليها يوم أن أجازت شطر بيت له عجز عن إجازته ابن عمار شاعر الأندلس المشهور، فأفحمته وكانت وقتها تغسل ثياب سيدتها علي شاطئ النهر الكبير في اشبيلية، فانبهر المعتمد بحسنها وذكائها، فاشتراها من سيدها وأعتقها من ذل الرق والعبودية، ثم تزوجها ورفع من شأنها وأجلسها بجواره على عرش مملكة اشبيلية، ومن شدة غرامه وعشقه لها غير من لقبه الملوكي واشتقه من اسمها، فقد كان لقبه قبل أن يتزوجها “الفائز بالله” فلما تزوجها وهام بها عشقاً غير لقبه واشتقه من حروف اسمها وجعله “المعتمد على الله” ليكون المعتمد وزوجته اعتماد. ومع الأيام صارت هي الآمرة الناهية في قصر اشبيلية، وكان لسمو مكانتها وتمكن نفوذها يطلق عليها لقب “السيدة الكبرى” . وكانت تسرف في دلالها على المعتمد، من ذلك أنها طلبت منه أن يريها الثلج، فزرع لها أشجار اللوز على جبل قرطبة حتى إذا نوّر زهره بدت الأشجار وكأنها محملة بالثلج الأبيض.
ومن أخبارها أيضا القصة المعروفة في قوله (ولا يوم الطين)، وذلك أنها رأت الناس يمشون في الطين فاشتهت المشي في الطين، فأمر المعتمد، فسحقت أشياء من الطين، وذرت في ساحة القصر حتى عمته، ثم نصبت الغرابيل وصب فيها ماء الورد على أخلاط الطيب، وعجنت بالأيدي حتى كانت كالطين فخاضتها مع جواريها . وقد أنفق المعتمد الأحمق على هذا اللهو عشرين ألف دينار ذهبي.
أثر اعتماد على زوجها كان بالغ الخطر، وعظيم الضرر، ذلك أن المعتمد قد غلبه عشقها، وأسره هواها، فصار لا يقطع أمرا دونها، ولا يخطو خطوة إلا برأيها، وقد ضجر أهل اشبيلية من تدخلاتها وأثرها السيئ على ملكهم، خاصة وأنها قد ورطته في الخلاعة والمجون ومجالس البطالة واللذة، وغلب على أحوال المعتمد الاستهتار والمجاهرة بالمعاصي وتعطيل الصلوات وهجر الجمع والجماعات، ثم بلغ الأمر مداه بتدخلها في محالفة الأسبان الصليبيين ضد مملكة المرابطين وملكها البطل العظيم “يوسف بن تاشفين” فعندها ضج أهل اشبيلية وقرطبة من تصرفات ملكهم الطائش وزوجته المستهترة، فكتبوا إلى “يوسف بن تاشفين” يطلبون منه نجدة الأندلس قبل السقوط بيد الأسبان الصليبيين.
استجاب المرابطون لنداء مسلمي الأندلس وعبرت جيوشهم البحر، وأسقطوا ملك “المعتمد بن عباد” وأخذوه أسيرا هو وزوجته “اعتماد الرميكية” وانتزعوها من العز والقصر المنيف في اشبيلية، وحملوا إلى بلاد المغرب، ليتم سجنهم بتهمة الخيانة العظمي للإسلام والمسلمين في سجن أغمات على بعد أربعين كيلومتر من جنوب شرقي مراكش، وعادت اعتماد كما بدأت. وفي السجن كتب المعتمد قصيدته الرائية المشهورة :
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا
فجاءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
يطأن في التراب والأقدام حافية
كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
.. وأخيرا فإن المعتمد هذا هو صاحب المقولة “الحضارية” الشهيرة : “رعي البعير ولا رعي الخنازير” .
# عودة إلى ضحايا ملوك “أيام الطين” :
—————————————–
. وبالكشف عن سرّ التسمية “كناري” وبعد زيارة ألفونسو الإقتحامية لبيت قمرين ومشاهدته جمال ابنتها ، قررت قمرين بعد أن أدركت أن ابنتها صارت هدفا لهذا الطاغية أن تهرّب ابنتها مع أخيها حامد ليزوّجها من كريم . هنا “أغلق” باب الحكاية الثانوية جزئيا يالعودة إلى كريم ولكن جابر أبقاه مواربا لتدخل منه “أجنة” أو “بذرات” حكايات ثانوية أخرى عن عمّ قمرين الثائر “علي الخير” ، و”لويس” بن سالم الذي غادر إلى مكان مجهول ، وحامد الذي رافقه بعد أن رتّب سفر أمّه وأخيه عمّار مع بيتر باستن الهولندي . وترك باب الحكاية “مواربا” هو ما نسمّيه في الفن السردي بـ “النهاية المفتوحة” التي عبّر عنها عمّار إشبيليو في قبيل ختام رسالته هذه بقوله :
(هكذا يا صديقي ختم الإشبيليون حكايتهم كناري أو كناريات لكنهم وبإبداع تركوا النهايات مفتوحة . وهذا يعني أنهم سيعاودون توليد حكاية جديدة وأكثر – ص 84 ) .
لكن الملاحظة الأخطر هي التي يختم بها الرسالة وذلك بالإشارة إلى أن كل البناء السردي الذي اشيد و”تعقّد” قام على جملة سرد واحدة تتعلق بإغلاق الحمّامات . وكان مصدر هذا الإنهمام المُفرط ليس القدرة على التفنن السردي ، ولكن هو روح التنافس الواضح بين الغرناطيين والإشبيليين مرموزا لهم بالخيمتين اللتين تحملان اسميهما في المخيّم ؛ هذا التنافس الذي كان المدخل للإطاحة بالمجد الأندلسي :
(.. وهذا كما تعلم يعود لتاريخ العلاقة بين المدينتين في الأندلس ، وخاصة اشتراك أمير غرناطة وفرسانها في حصار إشبيلية ومساعدتهم للجيش القشتالي . ويرون أن غدر غرناطة هو السبب الأهم لسقوط شبيلية ، بستان ملوك الأندلس ، كما تصفها إحدى مخطوطات الخميادو – ص 84 ) .

لعل جانبا من الرسالة التي تصدّى جابر لتوصيلها إلينا تتمثل في هذه الوقفة التأملية . فمازال ملوك طوائف غرناطة وإشبيلية يتحكمون بنا ويمهدون السبل المعلنة والمستترة – والمصيبة أنهم انتقلوا إلى العلن بلا حياء أو رجفة ضمير – لاندفاعة جيوش الأعداء . إن روح البداوة التعصبيّة وقيمها تعيث فسادا في النفوس والأذهان وتمزّق الثوابت بلا رحمة وتجعل الركوع لـ “عدوّ قويّ” شرفا ومهابة من الانتصار على “أخ ضعيف” . وإلى الآن ونحن نغض أبصارنا التي أرخيت عليها أستار من الحداثة – التحديث في الواقع – الخادعة ونشيح بطرف بصيرتنا الجريحة عن أمضى نقاط ضعفنا فتكا وعنفا والمتعلقة ببنية البداوة التي تحدّث عنها “علي الوردي” وحذّر منها قبل ستين عاما . إن من طبيعة البدوي أن يحترم القوّة أكثر من العقل ويخشى ولا يحلل . ولهذا تجد أعراب العرب يخضعون بكل ابتذال للولايات المتحدة والكيان الصهيوني وأي دولة تهين كرامتهم وتصفعهم علنا وتهدّدهم بل تشتمهم في الاجتماعات السرّية . ثم يقومون بإزاحة العدوان – displacement of aggression إلى أخيهم الأضعف يقتصون منه ويدمرونه . أنظر أين يودعون رؤوس أموالهم .. في الدول التي تسحقهم بحذائها كل لحظة ويعلمون أنها قد تصادر هذه الأموال في أي وقت وبلا رادع من قانون أو صداقة مزعومة . وفي العادة يكون هؤلاء البدو محمّلين بعدوان مكبوت ومقت مُختزن تجاه الرموز الحضارية العظيمة والمعروفة . وهذا الحقد المختزن في نفوس بدو الخليج مثلا يمور وينفلت ضد حضارة وادي الرافدين وحضارة النيل وأوغاريت وفينيقيا . إن ساعدتهم هي في “تشغيل” طوابير هائلة من الأساتذة والعلماء من هذه البلدان في شعور مستتر بـ “الإستخدام” . وأكثر ما يستفزهم هو حديث الجهات الثورية عن الكرامة والعزة القومية . وجابر يجسد لنا انفعالات البداوة المعاصرة من خلال العودة إلى مخيم الإنحلال والسقوط والهزيمة قبل أربعة قرون حيث كان الحال عمليا كما يصف هو : مجموعة من الخيم يحاصرها الخطر من كل جانب لكن روح البداوة والعصبية تعصف بأركانها وتجعلها لقمة سائغة للعدو ؛ عصبية تقوم على المنافسة الحسود والنظرة الحقود إلى المتميّز القريب مهما كان نوع تميّزه ومشروعيته – خصوصا في السلطة والثروة والجاه والعز الانتفاخي – وتفضيل الخضوع للأجنبي وتقبيل يده على تقبيل يد الأخ القوي حتى لو كان كبيرا ومنتصرا . يقول عمار إشبيليو لجابر :
(أرى أنني كتبتُ لك الكثير . لكن قبل أن أتركك ، سأكشف لك عن جولة اخرى من التنافس بين إشبيلية وغرناطة ، إذ إنهما مع الحكاية القادمة التي أبدعتها خيمة غرناطة ، ستشتركان في شخصية ثانية بعد خلافهما حول كريم كاسياس . باختصار قمرين هي موضع التنافس القادم .
في أمان الله .
لولا غرناطة لما كان لقمرين شأن ولما كان حمّامها موجودا . هكذا صدّرت غرناطة حكايتها بانفعال ، وكان عنوانها الرئيس هو “حامد الملّاح” – ص 84 و85 ) .
وهكذا نعود – وعبر التكوين الشبكي الذي وصّفناه – إلى “عقدة” حكاية حامد الملّاح التي أشرنا إليها قبل قليل فيمدّ السارد خيط حكاية ثانوية ستنتهي بعقدة أو “نواة” لحكاية ثانوية جديدة وكأننا أمام توالد أرحام حيث يضم الرحم الأصلي ؛ الحكاية الأم ، جنينا لحكاية ثانوية يتحوّل إلى رحم لحكاية ثانوية جديدة .. وهكذا . أو أننا أشبه ما نواجه لعبة الدمية الروسية التي تحتوي على دمى أصغر فأصغر كلما فتحناها ؛ فتحنا “بطن” أي منها . وهذه كما كرّرنا من تقنيات سيّدة الحكايات ونعمها السردية الآسرة .
وحامد الملّاح هو البحار الأندلسي المعروف “خوان رودريغو” أو “رودريغو دي تريانا” كما قلنا ، والذي رافق كولمبس في رحلته ، وكان أول من شاهد الأرض الجديدة ( كما ثبّت هذا كولمبس بخط يده في دفتره المحفوظ الآن ضمن ملفات دي أنديانس في أشبيلية – ص 85 ) . (هل ندخل هنا مداخلة كولمبس يكتشف العرب في العالم الجديد؟؟)
.. وهنا تتدخل خيمة غرناطة “تعصّبيا” لتبرئة ابن جلدتها حامد رودريغو من “تهمة” أن يكون قشتاليا وأن يشارك في الجيش القشتالي الذي حاصر غرناطة . فقد يكون ذلك للحفاظ على حياته لأن الحاج هلال رودريغو والد حامد دأب وبصبر وتستّر على تعليم ولديه بدر وحامد الكتابة بالعربية وقراءة القرآن والصلاة والصوم وكان يختبرهم بصورة مخططة بحيث لا يبوحوا بسرّهم هذا حتى لأمهم ! (ص 86 و87) .
ثم يأتي احتجاج مقابل من خيمة إشبيلية حول اتهام حامد الملاح حيث طلبت ذكر الدليل الذي تراه ثابتا تاريخيا بدلا من إثارة الشبهات التي لا دليل عليها حوله . وهذا الدليل الذي استقته من مراجع تاريخية مختلفة في مكتبة الإسكوريال يسرد حكاية “خوان رودريغو” الموريسكي الإشبيلي الذي خضعت مدينته إشبيلية لتسلط قشتالة قبل قرنين من سقوط غرناطة كان يتستر بالكاثوليكية بسبب الاضطهاد . حتى أبوه الحاج هلال أسموه (كروس) أي صليب ردّا على كلمة (الهلال) التي هي رمز المسلمين . والحاج هلال صادق كولمبس في رحلته مع ابنه حامد إلى جنوى للتمويه على طريقه إلى مكة لأداء فريضة الحج ، وهو الذي أطلع كولمبس على طريقي الرحلات البحرية الأندلسية إلى الهند . ثم ترك تجارته عند ابنه حامد الذي تمسك به كولمبس بعد أن اشتعلت في ذهنه فكرة الإبحار إلى الهند . وبالمناسبة فقد مات كولمبس وهو مصر على أنه وصل إلى الهند وليس العالم الجديد ولذلك سمّي الأخير بـ “جزر الهند الغربية” حتى يومنا هذا !! . وقد أحب حامد ابنة كولمبس “كارمن” وتزوجها . وعندما عاد الحاج هلال من الحج أبحر الجميع إلى قشتالة . ثم قصد كولمبس الملكين فردناند وإيزابيلا اللذين كانا عند اسوار غرناطة للحصول على موافقتهما ودعمهما .. وابحر معه حامد بعد ذلك .
وهنا انفرد مصدر موريسكي مجهول بمعلومة تقول أن حامدا كان يُضمر هدفا سرّيا وهو معاونة إخوانه الغرناطيين المحاصرين . جهد مستميت من مصادر وخيم مختلفة – ووراءها جابر طبعا – لدفع تهمة المساهمة في محاصرة غرناطة مع القشتاليين عن حامد . وعبر هذه المحاولات المستميتة يمكن أن نصوغ تاريخا “جديدا” للخلافات العربية المقززة في الأندلس والموثقة تاريخيا . وأن يوصي حامد ابنته قمرين على أن يُدفن في زاوية من الحمام تجاه الكعبة شرقا على أن تُخفى معالم القبر للتخلص من الرقابة فهو أمر “سردي” محبّب وحركة تشيع التوتّر المسر . لكن أن تتدخل الخيم المختلفة لدرء تهمة “عرضية” مقرة تاريخيا فهو أمر لا تتوقف إيحاءاته النفسية عند حدود أعضاء الخيم بل تلقي بظلالها على المؤلف نفسه ؛ المؤلف الذي يُدخل الآن – ولأول مرة – “خيمة قرطبة” لتقدم حكاية ثانوية لكنها مهمة عن الحاج “هلال القرطبي” معتمدة على ما كتبه ابنه بدر (بيدرو بالقشتالية) . وفي ختام هذه الحكاية تعقّب خيمة إشبيلية لتثبت أصل الحاج  هلال الإشبيلي في حكاية مؤثرة عنوانها “بهو البرتقال” وفيها عرض لمآثر الحاج هلال رودريغو (رسميا كروث أو كروس رودريغو) ونجاحه كتاجر وما حققه من أرباح لمشاركيه من رجالات الكنيسة والسلطة .. إلخ (ص 95 و96) ومؤامرات التجار اليهود المختلفة للإطاحة به واجتثاث وجوده وخصوصا من قبل نقيب المارانوش زئيف شاليط (صار بعد التنصير خورخي خوسا) الذي – ويا للعجب – لم يجد غير هلال يلجأ إليه ليختفي عنده ويستودعه أمواله بعد صدور قرار طرد اليهود المارانوش عام 1492. ولكن شلومو (سمي شارل بعد التنصير) إبن زئيف وشى بأبيه وبالحاج هلال أي أن الإبن اليهودي وشى بأبيه للإستيلاء على ثروته . ويبدو أن أفكار المؤلف – وافكارنا كمتلقين – تخضع لصور نمطية – stereotype عن “الآخر” مهما كان جنسه هي صور سبقية تبلغ من الرسوخ حدّ أننا نلوذ بها لنخفف من انجراحاتنا النفسية العميقة التي يؤلمنا حدّ تمزّق الصورة الذاتية الفعلية والمثالية التي نرسمها لأنفسنا وعرقنا وشعوبنا فنُسقط – projected) عليها كل ما نرفض أن تُلصقه بنا التجربة التاريخية الواقعية وحتى الراهنة . (وتاريخيا وفعليا قامت إبنة اليهودي “دي سوزان” الثري بإفشاء سراجتماع سري لأبيها لعشيقها النصراني فألبسوا أباها ثوب العار الأصفر ثم أحرقوه مع عصبته !!). فمقابل موقف شلومو إبن زئيف اليهودي الذي وشى بأبيه هناك موقف هلال الذي يقول لابنه بدر الذي يدعوه لشكوى زئيف لدى شريكه دون فرانسيسكو حين يسلّمه أرباحه :
(لا يا بني ، سيحرقونه . وإذا حدث هذا بسببي فسيعذبني ضميري . ثمّ ماذا أقول لله غدا ؟ لا يا بني . مهما كنت مظلوما لا تفكّر هكذا . لسنا يهودا ولا قشتاليين لنتكلم هكذا – ص 98 ) .
لكن المآل النهائي للحاج هلال كان الحرق .. الأمر الذي جعل ابنه بدرا يثور ويلتحق بثورة البيّازين في عام 1499 والتي كان التراسل فيها يتم بواسطة الحمام . وهنا تتدخل خيمة غرناطة لتؤكد أن تربية الحمام في إشبيلية كان مصدرها حي البيازين في غرناطة . وهكذا تستفحل “العصبية” لتتدخل في مصادرة أبسط الامور والوقائع مخفية انجراحات عميقة تعمل الذات الهشّة والمحاصرة بالشعور بالإثم على التستّر عليها بالحماسة المفرطة لـ “تصحيح” وقائع التاريخ أو دفعها نحو وجهة جديدة مغايرة . وهذا ما عبّر عنه عمّار إشبيليو في ختام رسالته هذه بقوله :
(دخل المخيم ثانية في حراك النقاش الأدبي والتاريخي حول حكاية حامد الملّاح . واحتدم بصورة أشد بعد أن أنزلت غرناطة حكاية أخرى تُظهر تاثيرات غرناطة وأبنائها في حياة قمرين الإشبيلية . وهكذا يا صديقي ، ما إن نجحت حكاية مايوركا حتى ادّعت غرناطة بانتساب مبدع المايوركات كريم كاسياس لها ، وحين ابدع الإشبيليون حكايتي قمرين وكناري ، دخلت قرطبة فذكرت أن أصول العائلة تعود إليها ، وحاولت غرناطة التقليل من تاريخ قمرين في مشاركتها الأخيرة ، وبعد ردّ إشبيلية القوي طرحت غرناطة هذه الحكاية لتشترك بقصة قمرين عبر إبداع جديد – ص 100) .
ولكن هذه العصبية لم تتستر في مراوغة بائسة عبر آليات نفسية دفاعية مختلفة على تمزّقات الذات المهزومة ، بل أوصلت إلى مطبات سردية فنّية – وهذا ما يبغيه جابر لكشف الكيفية التي تدمّر فيه العصبية والعنصرية كل تفصيلات الحياة – حيث افسدت النهايات المختلفة التي وضعها أعضاء المخيم لمصير “بدر البشرات” . حتى جابر – أو عمّار – أخذته الحماسة فاشار إلى أن حامدا قام بتخليد ذكرى والده هلال وأخيه بدر (وإسماهما من مراحل الدورة الشهرية للقمر) من خلال تسمية ابنته بـ “قمرين” والمتوقع هو أن تكون “قمران” مرفوعة لا منصوبة إلا إذا كان المناخ القهري الملتهب قد جرفه – وجرف جابر – نحو “النصب” على “المفعولية” أو “الجر” الساخط . هكذا تجرف الروح المتحمّسة لعصبيتها العرقية والدينية والنرجسية الشخصية المقومات الثقافية وتجعلها – ومن حيث لا نعلم إلا لاحقا في مراجعات النقد الذاتي التي تلي الهزائم الكبرى الفاصلة عادة – تبدو “سويّة” وصلبة . لكن الدكتور رودميرو وهو أول من نبّه إلى حالة الإحتدام العصبي في المخيّم طرح الرؤية الصحّية حين قال :
(إن الأندلس بجميع بلدانها ومدنها وقصباتها اشتركت في تاريخها ، صاغته معا ، شاءت أم أبت ، كل أحداثها رسمت مصيرها ؛ فعاليات الخيام تؤيد هذا ، وهو أيضا حال عائلة قمرين ، كأن سيرة تلك العائلة حيكت لتصوغ حكاية الأندلس كلها ، من ساحل باسكايا أقصى الشمال ، إلى الجزيرة الخضراء جنوبا ، ومن كتالونيا إلى إشبيلية مرورا بقرطبة وغرناطة وطليطلة والآسرات من مدن الأندلس وقصباتها – ص 105 ) .
لكن ما ينقص رؤية الدكتور رودميرو هو أنه قال (الأندلس بجميع بلدانها رسمت مصيرها .. ) ولم يخصّص أكثر ويقول ( .. وهي بجميع بلدانها مسؤولة عن ضياعها ..) .
ويبدو أن جابر اشتغل – وهذا هو الموقف السردي الصحيح فنّيا – على الإبتعاد عن الأطروحات الفكرية المباشرة وتمريرها من خلال أحاديث وسلوكيات الشخصيات . وهكذا وضع اعتراضنا على لسان عمّار إشبيليو الذي ختم رسالته وهو يلاحق الخلافات والتحمّسات بين خيم المخيّم (أو مُدنه ..) بالقول :
(.. نهايات مؤلمة حقا ، وربّما آن لمخيمنا أن ينتهي أيضا ، كما انتهت الأندلس . ربّما .
رأي تداوله بعض المشاركين هنا ، لكن لم يؤخذ به فتواصل الإبداع واستمرت الحكايات – ص 105 ) .
# خيمة مدريد : الحكاية رسماً :
——————————
وفي هذه اللحظة يُدخل جابر “خيمة مدريد” لتُصبح عنوان حكاية بحد ذاتها . ولأن جابر وعدنا بأن تُترك الحرّية للخيم في اختيار الأجناس الفنّية التعبيرية التي تراها أكثر قدرة وكفاءة في تجسيد رؤيتها الفكرية إلى محنة الأندلس ، فقد جاءت هذه الخيمة لتوفّر فرصة للرسم . فأعضاؤها أربعة رسّامين تشكيليين كلّهم من سكّان مدريد ، وُلدوا وعاشوا فيها أيضا :
– “كارمن” المرأة الوحيدة بينهم تخصصت في رسم موضوعات ذات صلة بالمسيحية (الحجاج المسيحيين ، ضريح سانت فاتيما .. إلخ) .
– يحيى المدريدي : مهتم بالمنمنمات والأرابسك العربي . كان كاثوليكيا ثم أسلم .
– خوان بينيكاس مسيحي ينحدر من عائلة ذات أصل موريسكي أسرت واستعبدت . لوحاته تتناول ذكريات السخرة ووجوه عمال البحر المقيدين بالسلاسل .
– ماتيو توريش من أبوين بروتستانتيين تكتما على إيمانهم الديني حتى إلى ما بعد عام 1975 حيث جاهرا به ولم يعودا يهتما لانتقادات المتعصبين الكاثوليك في المجتمع الإسباني الذي كان يقوده ديكتاتور مقبور [= فرانكو] شعاره المشهور (في إسبانيا ، أما أن تكون كاثوليكيا أو لا تكون !) .
وخيمة الرسم هذه ، وهي خيمة تتأمل أكثر مما تفعل ترك أعضاؤها في نفوس الآخرين ارتياحا لذائقتهم الفنية المُرهفة . كانوا يتابعون تفصيليا المناقشات وطبيعة بناء الحكايات ومضامينها ويصورونها في اسكتشات ومشاهد وبورتريهات (حتى نضج عندهم – كما قالوا – مشروع لإنجاز لوحة تحتوي الحكايات كلها بطريقة ما قد تعتمد الإشارات والإيقونات الدالة وأحيانا انبساطا أوسع لتجسيد الحكايات وتقديمها مشاهد مرسومة للناظرين .
وهكذا انسحبوا تدريجيا من الفعاليات غير القصصية في المخيّم وبدأوا بتنفيذ لوحتهم – ص 109 ) .
وسوف تنشر خيمة مدريد “حكاية” تمثل تمهيدا لمشروعهم الرئيس (كان على شكل تخطيط أولي له ، ولكن بلغة السرد لا الرسم – ص 110 ) .
وهنا لابدّ أن نشير إلى حقيقة خطيرة في الفارق بين النثر (ونقصده هنا في أرقى اشكاله الشعرية بطبيعة الحال) والرسم ؛ بين الكلمة والصورة ؛ بين فعل السارد والرسام حين “يورّط” جابر الأول بالقيام بتصوير مشهد هائل وواسع كمخيم المواركة بالكلمات لا بالصورة . فالشرط الأساسي للرسام في فعله وهو ينقل مشهدا ما إلى اللوحة هو أن “يثبّت” المكونات المشهدية ويوقف حركتها ، فأي حركة تُفسد الصورة النهائية بسبب الوضعية الجديدة المغايرة (وهذا لب معنى الشغل الخرافي للموديل) . في حين أن الرسم بالكلمات يمكن أن يحصل مع الحركة ، بل بالعكس إن إمكاناته تتأجج ومدياته تتسع مع احتدامها . خذ “لوحات” المتنبي التي “رسمها” عن معارك سيف الدولة الحمداني . يتساءل مؤلف كتاب “القصة السيكولوجية” بحق عن قدرة مصوّر (وهذه من أسماء الله الحسنى) على تجسيد الأبعاد الإنفعالية لصرخة مدوّية في ليل شديد الظلمة . بالنسبة للإنسان البدائي – والشاعر هو أصدق أشكاله الراهنة – في  البدء كان الفعل كما يقول معلّم فيينا . ولهذا كانت الكلمة بالنسبة للشاعر دلالة الفعل . ولا خلق بلا “حركة” . بلا حركة تُجهض موضوعة “كن فيكون” .. والشاعر وريث هذه القدرة العظيمة . ألهذا تحذّر الآلهة من الشعراء وليس من الرسّامين ؟ . وهنا يمثل الإختبار الحقيقي والباذخ لإمكانات جماعة خيمة مدريد . عليهم أن يرسموا اللوحة الختام .. الحكاية الخلاصة ؛ الحكاية التي لابد أن “يثبّتوها” ليصوّروها وفي هذا موتها ! فيا لها من مفارقة كبرى ومميتة . وهذا هو صلب “ثيمة” حكاية هذه الخيمة التي جاءت أولا في حكاية تمهيدية عنوانها “يحيى المجريطي” التي سردها يحيى أو جون ثاباتيرو الذي مهّد الطريق إليه جابر في الحكاية السابقة “بدر البشرات” – وهذه من سمات بناء الحكايات كلها – عندما جعله يتدخل ويعلّق على رمزية اسم قمرين بالقول (هذا سبب كل تلك التسميات ، التمسّك الموريسكي بالهلال الأندلسي ، كرد حضاري يقابل تغطرس قشتالة وسعيها لتنصيرهم بالصليب القشتالي – ص 104 ) .  ويقول المؤرخ سيركور : (كم من الدماء سالت ، وكم من لطخات العار علقت بجبين الأمراء والوزراء والأساقفة ، في سبيل الوصول إلى هذه النتيجة ، التي تعتبر استرقاقا للجسم ، دون كسب للروح . لقد ارتفع الصليب فعلا فوق الهلال ، لكن الهلال لم ينتصر ) .
يقول يحيى أو جون ثاباتيرو – وجون تعني بالقشتالية القديس يحيى كما ذكر – إنه ككاثوليكي عاش رحلة طويلة مع  الموروث التشكيلي المسيحي والعالمي ، ولكن هناك محطّتين كان لهما أبلغ الأثر في في تحوّلاته ومراجعاته لثوابته ومعتقداته حتى رسى أخيرا على شاطىء الأندلس .
الأولى كانت مع بروجل ولوحته (أمثولة العميان) الشهيرة التي يسير فيها ستة عميان كل منهم يُمسك بعصا الثاني (كان الأول قائدهم قد سقط في حفرة . والثاني انجرّ مع السقطة وهو في اللوحة على وشك السقوط ، وهكذا الثالث بدرجة أقل . وكان العميان الآخرون يتجهون إلى السقوط منقادين خلف قائدهم من دون أن يعلموا ما يجري ، وملامح الرعب والفراغ على وجوههم – ص 122 ) .
وقد استقى ثاباتيرو دلالة من اللوحة وأضفى عليها معنى . ولكن ليس على طريقة “سلطة القارىء” التي نادى بها أساطين نظرية التلقي (نقد استجابة القارىء مثلا ..) والتي تجعل النص معلقا في الفراغ بعد موت مؤلفه منتظرا من القارىء أن يُضفي عليه معنى ودلالة . يجب  أن تكون هناك حدود لسلطة القارىء يحددها الناقد أو حيثيات قراءات المتلقي النابه . فلو خرج علينا قارىء وقال إن هؤلاء العميان الستة يرمزون إلى مجموعة من أصحاب الرسول على طريقة حرية التعبير الديمقراطية الغربية التي تحتج على رسم صورة الكحولي القاتل “بوش” على مدخل فندق الرشيد وتقتل رسامتها ، وتدافع عمّن يصور الرسول الكريم خنزيرا !! أو تسمية عاهرات مبغى يلجأ إليه سلمان الفارسي باسم نساء الرسول كما فعل الرقيع رشدي . وخذ هذه “الإستجابة” إلى اللوحة نفسها التي أبداها الشاعر الألماني “إريش لوتس” والتي سطّرها في إحدى قصائده :
( الجرس يجلجل في أرجاء البيت
والرعب يرج فؤاد الليل الساكن
وعلى مضض يجفو النوم عيوني
في الحلم رأيت الصورة
آخر صور الفنان بروجيل
نحو الموت الداهم تتعثر أقدام رجال ستة
الكريات بتجويف الأعين جوفاء
بغير بريق
وشعاع الحب كذلك مُطفأ
والكل تشبث بقضيب وتحسس وجهة دربه
سقطوا في قبضة قدر أعمى
واندفعوا في الليل الأعمى ) . (44)
فهي استجابة معقولة ترتبط بمضامين النص وموجّهات رموزه . وقد رأى يحيى في اللوحة خلاصة لوجوده ولوجودنا أيضا . وقد نمت هذه الاستجابة بفعل حفزات سابقة في حياته في مقدمتها أنه كان يرفض لوحة العشاء الأخير لدافنشي لأنها جسّدت السيّد المسيح في جو دنيوي صاخب وأمام مائدة عامرة بالملذات والخمور وغيرها . كان موقفه هذا متأثرا بتبعيته “العمياء” لانتقادات الكنيسة . لكن ملاحظته لاهتمام الناس باللوحة جعلته يعيد “قراءته” – كما يقول جابر – لهذه اللوحة (ص 111) فحللها واكتشف سحر الفن وغنى الخيال فيها وخلاقية دافنشي . الآن فتح بروجل “عيني” يحيى بلوحته عن “العميان” . فجانب كبير من المحنة البشرية الوجودية يقوم على إيماننا بأن “الأول” الذي يقودنا – كنيسة أو زعيما أو رجل دين أو ربّا … إلخ – “يرى” و “يعرف” كل شيء .. في حين أنه أعمى ، معرّض للسقوط في أية حفرة “وجودية” وسيسحبنا خلفه إلى هاويتها المميتة . لقد كان للوحة بروجل – وهنا يكمن فعل الفن العظيم الذي يريدون تجريده من دوره الاجتماعي والفلسفي – الدور الأساس في دفع يحيى نحو دروب رحلة بحث حقيقي عن حقيقته (ومنها ، بل في مقدمتها ، تاريخ وطني الحبيب إسبانيا ، وموقفي المتشدد الصارم من كل ما هوغير إسباني وغير كاثوليكي . أعدتُ قراءة تاريخ الأندلس والدور الحضاري للمسلمين في حياتنا (……..) ويوما ما وقع قلبي قبل يدي على مخطوطة موريسكية مترجمة إلى الإسبانية – ص 112 ) .
وتمثل هذه المخطوطة – حسب قوله – المحطة الثانية – بعد لوحة بروجل – التي غيّرت مسار حياته جذريا ، وهي الحكاية الثانوية الجديدة التي ستحمل عنوان “بنات الأندلس” . والمخطوطة التي كانت سبب تغييره اسمه من جون إلى يحيى كانت لمؤلفين كلاهما اسمه حامد – وكاننا أمام الفرضية الصحيحة لـ “التناص – intertextuality” – وهما قريبان حيث باشر الثاني إكمال مخطوطة الأول التي تركها ناقصة ، وكان يسمّيه بـ “خالي” (ص 113) وبهذا عدنا إلى قمرين وحامد ؛ عملية الولادة الشهرزادية المباركة مستمرة على يدي “قابلة” سردية مقتدرة .
قال جابر بن خليفة عن عمّار إشبيليو عن يحى ثاباتيرو عن يحيى المجريطي عن حامد الأندلسي .. ويحيى المجريطي (مجريط هو الإسم العربي لمدريد) هو رسّام أندلسي شهد ، حين كان في القاهرة ، مباراة في الرسم بين رسام مصري اسمه “إبن عزيز” ورسام عراقي اسمه “قاسم العراقي” جاء القاهرة هربا من بطش ولاة بغداد . جرت المباراة أمام وزير السلطنة في مصر بمقترح من إبن عزيز الذي أرد تحدّي براعة منافسه . وقدما يحاول جابر رسم ملامح سيكولوجيتين وتحديد ملامح اختلافات بنيتي شخصيتين . كان حكام مصر الفراعنة آلهة ، وكانت الطبيعة تستجيب لدعائهم ، فيفيض النيل وقت البذار فيأتي الخير على يديه وتتعزّز مهابته . أما في حضارة وادي الرافدين فقد كان الملك نائبا للإله على الأرض كي يقتلوه في أي وقت ، فدعاؤه لا يُستجاب لأن الفرات ودجلة يفيضان وقت الحصاد فيخرّبان كل شيء .
# مداخلة عن الطبيعة والقلق لدى البابليين :
——————————————  
لقد كان لطغيان وتقلّب طبيعة وادي الرافدين أكبر الأثر في تشكيل شخصية الإنسان العراقي القديم والحاضر ، وخصوصا ما يتعلق بسمة القلق في شخصيته والتقلب والعنف في مزاجه .  يقول (فرانكفورت) :
(في النصوص البابلية كلّها نسمع رنّة قلق يخيّل إلينا أنّها تعبّر عن خوف دفين من أنّ القوى الهوجاء التي لا تتبع إلاّ أهواءها قد تنزل الكوارث بالمتجمع الإنساني . بينما نرى أن الآلهة في (مصر) تتصف بالقّوة دون العنف , فالطبيعة تبدو لأهل مصر كنظام مستقر ما التغيرات فيه إلاّ سطحية لا خطورة لها , أو أنّها تحقيق في الزمن لما هو يقدّر منذ بداية الدهر . وبالإضافة الى ذلك , كانت المَلَكِية المصرية خير ضمانة لاستقرار المجتمع . لأنّ الجالس على العرش هو أحد الآلهة . ففرعون إلهي , وهو ابن الخالق وصورته . أمّا في ارض الرافدين فان مجمع الآلهة يعين بشراً فانياً لحكم الناس , وللجمع أن يحجب عنه البركة الإلهية في أي وقت شاء . أي أنّ الإنسان تحت رحمة مقررات لا يد له فيها ولا يسبر غوراً لها , ولذا , لا ينقطع الملك ومشاوروه عن التمعن في الأرض والسماء بحثاً عن الدلائل التي قد تكشف لهم عن (برج) متغيّر يشير الى تحوّل في النعمة الإلهية . لعلهم حينئذ يتنبأون بالكارثة ويتجنبونها . أمّا في مصر فلم يتطوّر التنجيم أو التنبؤ أي تطور يُذكر . وتباين الطبع بين البلدين جاء التعبير المرّكز عنه في أساطير الخليقة في القطرين . فكان الناس في مصر ينظرون الى الخليقة كفعل رائع فذّ قام به خالق قادر على كل شيء مسخراً لمشيئته عناصر طيّعة , والمجتمع يكون جزءاً لا يتغير من النظام الأبدي الذي خلقه . غير أنّ الخالق في أرض الرافدين اختاره مجمع مضطر إزاء قوى الفوضى التي تتهدّده . وحالما ينتصر بطلهم مردوك على هؤلاء الأخصام , ينتقل الى خلق الكون . فكأن الخلق قد جرى كفكرة طارئة , وضع الإنسان خصيصاً ليكون خادماً للآلهة وليس في المحيط البشري أيّ دوام أبدي , انّ الآلهة تجتمع يوم رأس السنة لتشرع بمقادير للبشر وفق هواها ) (45).
انّ سمة القلق – anxiety وهو الخوف غير المرتبط بتهديد واضح محدّد – هي من السمات الراسخة والمتأصلة في شخصية المواطن العراقي . وقد كان التصّور السومري الذي ذكره (كريمر) عن (الفردوس) يقوم على أساس أنه الخالي من الخوف والرعب والتهديد بشتى أشكاله والذي يسود فيه الإنسان بلا منازع , هو – في الحقيقة – تصّور حلمي تعويضي مخالف للواقع الممض الذي يعيش الإنسان العراقي فيه محفوفاً بالمخاطر ومصادر العدوان . أمّا عملياً وسلوكياً فانّ سمة القلق هذه تتجسّد في توتر العراقي الدائم نفسياً وعضلياً . ويظهر ذلك من خلال درجة الإنفعال الواضحة والمفرطة ، وحصول هذا الانفعال في صورة تفجّرات حادة . كما نلمس هذه السمة في تذبذب الأحكام والمواقف وتنقلاتها وتبدلاتها السريعة . وينعكس هنا القلق في السلوك (المتوجّس) والمتحسّب من مخاطر ليست قريبة أو مائلة.
# مداخلة ثانية عن أغرب أسطورة خليقة في الكون :
—————————————————-  
من خلال مراجعة دقيقة وتحليلة لجوانب كثيرة وتفصيلية من الموروث الأسطوري العالمي , نستطيع الأستنتاج أنّ الأساطير العراقية القديمة تحمل سمات غريبة وصادمة تميّزها عن باقي اساطير الشعوب . على سبيل المثال تشير أسطورة الخليقة العراقية أن العراقي الأول / آدم العراقي الاسطوري قد خلق من طين ودم ، في حين أن جميع أساطير الخليقة لدى الشعوب الأخرى تشير الى أنّ الأنسان الأول قد خلق من طين وماء. وهذا أيضاً ما تشير إليه جميع الأديان السماوية . هذا في النسخة البابلية ، أما في النسخة السومرية فقد خُلق العراقي الأول من دم فقط !! .
وخلق العراقي الأول من طين ودم – وقد أُخذ الدم من عروق إله متّمرد هو الأله (كنكو) زوج الآلهة تعامة – قد يفسّر بهذا الأخراج الدرامي الأسطوري الفريد جانباً من روح التمرّد والسلبية والحزن والتشاؤم والعنف التي تسم الشخصية العراقية .
وارتباطا بالإلهة تعامة (ومن اسمها اسم صحراء تهامة في الجزيرة) فإن تمزيق جسدها إلى نصفين : السماء والأرض العراقيتين ، وتقطيع أوصالها .. إلخ لخلق بلاد ما بين النهرين يشير إلى الطبيعة العنفية لأسطورة التكوين في هذه البلاد . تقابل ذلك الطبيعة المسالمة والإخراج الهادىء الذي تتم فيه جميع أساطير الخليقة الأخرى !! .
عودة :
——-
… وقد تحدّى إبن عزيز قاسم العراقي في رسم صورة حيّة لـ “دلال” جارية السلطان . إقترح أن يرسمها وهي تخرج من مجلس السلطان عبر الجدار (الذي أمامكم ، وسترونها وكأنها تدخل حقّا فيه – ص 113 ) .
أما قاسم فقد قال للوزير ردّا على التحدي بأنه سوف يرسم الجارية نفسها وهي تخرج من الجدار (داخلة إلى هنا . وسيرى مولاي أنها هي بلحمها ودمها وبأرديتها هذه وبخمارها ستدخل – ص 114 ) .
وفي ما يتعلق بالمدة اللازمة لانجاز اللوحة ردّ قاسم على الوزير السلطاني تاركا الأمر لتقديره وما يراه مناسبا .
وقفة :
———
من الحوادث التاريخية ذات الايحاءات الشديدة حول شخصية الفرد العراقي هو أن الخليفة (الوليد بن عبد الملك) حين قرر بناء الجامع الأموي طلب حضور ممثل عن كل مصر من الأمصار في الدولة للمساهمة في وضع حجر الأساس بوضع حجر واحد في الأساس. لكنه لاحظ أن شخصاً يحمل حجرين بدلاً من الحجر الواحد فسأل عنه فقيل له هذا عراقي. فقال: “يفرطون حتى في الطاعة” .
عودة :
——–
.. ردّ إبن عزيز بتحديد المدّة بأسبوع رابطا التبرير بما يزيد من الإنتفاخة النرجسية للوزير :
(أسبوع من الآن يا مولاي ، لأن جارية مولانا وزير السلطان تستحق وقتا أطول واهتماما أكثر مما أبداه ضيفنا الذي لا يعرف قدرها عند مولاي ، وكذلك يا مولاي ليعرف الخبر جميع رعايا مولانا السلطان في القاهرة وما حولها – ص 114 ) .
ومن الحقائق المعروفة تاريخيا هو أن مصر لم يحكمها مصري عبر آلاف السنين حتى جاء الزعيم الراحل خالد الذكر جمال عبد الناصر . وليس تسمية مصر بأم الدنيا والقاهرة بمصر والنيل بالبحر وغيرها إلا انعكاسات لطبيعة النظرة المفعمة بالنرجسية الدفاعية إلى الحياة والموجودات . وعندما توفي القائد ناصر خرج في تشييعه أكثر من مليون وهو الأمر نفسه الذي حصل عند تشييع السيدة أم كلثوم .
مقارنة بين حضارتي الرافدين ووادي النيل:
——————————————
قد تبدو هذه المداخلة إعتراضية إذا جاز التعبير لكن لها أهميتها الكبرى في إلقاء مزيد من الأضواء على ما قدمناه قبل قليل وفي تأسيس استنتاجات جديدة مهمة تتعلّق بسايكولوجية إنسان الرافدين.
يقول (طه باقر) بعد مقارنة نظام الأنهار في العراق بنظام الأنهار في حضارة وادي النيل التي تضاهي حضارة وادي الرافدين من حيث القدم والأعتماد على ريّ الأنهار: – (مع أن كلتا الحضارتين حضارتا ري, بيد أن نظام الري في حضارة وادي الرافدين أصعب تنظيماً وضبطاً وأكثر مشاكل, بحيث لا يسع المتتبع لتأريخ هذه الحضارة إلاّ أن يقدّر ما بذله سكان العراق القدماء من جهود جبارة للسيطرة على نهرين من أشد أنهار الدنيا عنفاً… وفي وسع المتتبع لسير الحضارة في كلّ من وادي النيل ووادي الرافدين أن يجد صورة هذا الجانب من بيئتها الطبيعية ولا سيما نظام الأنهار والري في الكثير من مقوماتهما الفنية والأدارية والسياسية. وإذا جاز أن يُنسب الى الحضارات مزاج أو طابع مميز أمكننا القول أن مزاج حضارة وادي النيل يتسم بطابع الأعتداد بالأنجازات وشعور بالطمأنينة وبالسيطرة على البيئة, بحيث جعلت رأس المجتمع إلهاً, أي أنها ألهت ملوكها وجعلتهم آلهة في الحقيقة وليس من باب التقديس أو المجاز, وبالمقابلة مع ذلك كان الطابع العام لمزاج حضارة وادي الرافدين العنف والتشاؤم والتوتر والتأزم وتوّقع المفاجآت, وتطغى عليها الناحية العلمية في الحياة. ومع أنّ بعض الملوك في حضارة وادي الرافدين قد قُدّسوا وألِّهوا, بيد ان الملك ظلّ متصفاً ببشريته الى آخر أدوار تلك الحضارة, فلم يكن يميز عن البشر الآخرين سوى أن الآلهة التي بيدها حكم الكون المطلق قد أنتدبته أو فوّضته ليحكم الناس بالنيابة عنها. وكان البون شاسعاً في نظرة كل من الحضارتين الى نظام الحكم. فالملوكية ونظام الحكم في حضارة وادي النيل قد وجد منذ بدء الخليقة, أي منذ ظهور الآلهة. وكان أول إله خالق ملكا؟ً في الوقت نفسه, والفرعون إله من الآلهة. أمّا نظام الملوكية في حضارة وادي الرافدين فكان شيئاً طارئاً ليس من اساس نظام الخليقة, بل نشأ على أثر أزمة وقعت بين الآلهة في تنازعها على سيادة الكون, واضطرار مجموعة الآلهة الحديثة الى انتخاب  أحد الآلهة ليكون ملكاً عليها, وتنازلت له عن سلطانها, وعمد كبير الآلهة بعدئذ الى خلق الأنسان ليتولى خدمة الآلهة (يعبدها), وكان هو الذي يختار الحاكم أو الملك لينوب عنه في حكم البشر). (46)
ويواصل (طه باقر) إستعراض إنعكاسات هذا الفارق على النتاج الأسطوري لكلتا الحضارتين فيقول: (نجد كلّ هذا وغيره جلياً في أساطير كلتا الحضارتين الخاصة بالخليقة مثل أسطورة الخليقة البابلية الشهيرة. ويجد الفاحص لهذا الأساطير نفسية كلّ من هاتين الحضارتين ممثلة أحسن تمثيل, وهي إنعكاس لأثر البيئة الطبيعيّة. فمثلاً تمت عملية الخلق في أساطير حضارة وادي النيل بهدوء, بمجرد ارادة الآلهة, ولكن الخليقة في أساطير وادي الرافدين حدثت بالصراع والأحتراب ما بين الآلهة. والصفة الغالبة لآلهة حضارة وادي الرافدين القوة والبطش والتقلّب. وليس من باب الصدفة أن تخلو آداب حضارة وادي النيل من أخبار للطوفان في حين أن الطوفان يكون موضوعاً رئيسياً شائعاً في آداب حضارة وادي الرافدين ونذكر على سبيل المثال ملحمة جلجامش التي يكون حدث الطوفان جزءاً مهماً منها) (47).
واستكمالاً لأختلاف موقف الحضارتين من العقائد الدينية يقول: (وفي العقائد الدينية ولا سيما العقائد المتعلقة بعالم ما بعد الموت يمكن للمتّبع أن يقف على مزاج كلّ من الحضارتين. فالفرد في حضارة وادي الرافدين قد شغلته مشاكل هذه الحياة الدنيا وما تتطلبه من صراع وكفاح للسيطرة على البيئة عن التفكير كثيراً في الحياة الأخرى واعتقاد الخلود فيها, فلم تنشأ عند القوم فكرة واضحة عن وجود دار للعقاب ودر للثواب فيما بعد الموت. بل كان عقاب الآلهة وثوابها يتمّان في هذه الحياة. وبالمقابلة مع ذلك شغل الفرد في حضارة وادي النيل بأمر الحياة الأخرى ونيل الخلود فيها. وظهر هذا جلياً في الآثار التي خلقتها هذه الحضارة, من الأهرام الضخمة الى التحنيط الى إيداع انفس الأثاث في القبر, بحيث يمكن القول أنّ الغالبية العظمى من آثار هذه الحضارة قد وجدت في القبور, سواء كان ذلك في قبور الفراعنة والأمراء والحكام أم في قبور عامة الناس) (48).
وكخلاصة (يمكن إيجاز الفروق بين كلّ من هاتين الحضارتين بأنّ حضارة وادي النيل قد تمّ نضجها واستقرارها منذ وقت مبكر في تأريخها, في حين أنّ الصفة البارزة في سير حضارة وادي الرافدين أنّها ظلت في جميع أدوارها المختلفة حضارة (ديناميكية) متحركة) (49).
عودة :
——–
.. ولقد كان قاسم قد سمع تهكم الناس في القاهرة وانتقادهم لما يكنّه وزير السلطان من هيام بجاريته دلال ، وأوشك أن يرد على كلام إبن عزيز لكن صوت الوزير أسكته وهو ينهي اللقاء .
# وجواري سلطان بغداد :
————————-
قال ابن كثير في النهاية : 13/233 :
(وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتُضحكه ، وكانت من جملة حظاياه ، وكانت مولَّدَةً تسمى (عَرَفة) ، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة ، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً !
وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب : (إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم)!  فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الإحتراز وكثرة الستائر(الجُدُر) على دار الخلافة ! وكان قدوم هولاكو خان بجنوده كلها ، وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة …) .
# لوحة “دلال” العراقي حيوان سياسي :
—————————————–
ومن تعريفات العراقي التي لا تخطىء هو أنه “حيوان سياسي” حسب تعريف أرسطو للإنسان الذي طرحه بعد تعريفه الأشهر “الإنسان حيوان اجتماعي” . وقد كان قاسم يُدعى في بغداد بـ “قاسم الكرخي” ، وكان كثير التعريض والإنتقاد لكبار الدولة هناك خاصة الخليفة الضعيف وكان يردّد دائما بيت الشعر المعروف :
خليفةٌ في قفصٍ بين وصيفٍ وبغا
يقول ما قالا له كما يقول الببغا
وكذلك بيت أبي العلاء المعري :
يسوسون البلاد بغير علم ٍ
فيتفذ حكمهم ويُقال ساسه
فأفّ من الحياة وأفّ منهم
ومن زمنٍ رياسته خساسه
وكان هذا هو سبب هربه من بغداد بعد أن أمروا بصلبه ولجأ إلى القاهرة ، فوجد أن حال الحكّام في القاهرة لا يختلف عن بغداد – ص 114 و 115 ) .
وهذا الهامش عن الخلفية السياسية لقاسم أضافها المشارك العراقي في المخيم وهو – إذا لم ينس القارىء الكريم – لاجيء سياسي هارب من جحيم العراق إلى إسبانيا وصار عضوا في الخيمة الرابعة “خيمة الجزيرة الخضراء” (راجع الصفحة 26) ، وهناك ” لم يـﮔـعد راحة ” كما يقول العامة في العراق . وحاله المستفز هذا ينطبق على صاحبنا جابر الذي لا يمكن أن ينزّه نفسه أبدا فهو نتاج هذه التربة الدموية المباركة . وحده جابر من بين العشرات من الكتاب العراقيين انبرى ليتصدى لمعالجة هذا الموضوع المنسي تماما في الثقافة العراقية رسميا وشعبيا ، وتصدى لمعالجته بضمير حيّ وبروح تعرضي واقتحامي جسور ( هسّه منو مودّي عليك ؟ّ ) . ولم تفارق هذه الروح التحرّشية الرسام قاسما الكرخي حتى بعد إنجاز العمل ، وكان لها الأثر الأمضى في استفزاز وزير السلطان من جانب وفي تأليب لجنة التحكيم عليه من جانب آخر ، فمنحها المبررات الشرعية والمُداهنة لكشف “مثالب” منجزه التي يسّرت لها تأليب الوزير المتهتك عليه أيضا . لقد أفلح الرسامان في تصوير الجارية دلال – ويقولون أن التصوير محرّم في الإسلام !! – بطريقة خارقة جعلت الوزير ينهض وكأنه يريد أن يتبعها مغادرة عبر الحائط في لوحة ابن عزيز ، ويستقبلها داخلة من خلال الحائط في لوحة قاسم العراقي مع ملاحظته فوارق جوهرية في الصورتين ، فقد جعل ابن عزيز دلال تتغنج وكأنها ترقص ، وبانت تقاطيع جسدها ومفاتنه بشكل حيّ مثير للإغراء . أما قاسم فقد رسمها خارجة عبر الحائط ذاته بأردية طويلة تمشي مشية كلّها احترام لمن تمشي إليه ، وحركاتها توحي بالحشمة والوقار . ولكنه قام بتصرف أغاظ الوزير فقد غيّر اسم الجارية من دلال إلى “سلام” ، وكتب هذا الإسم رسما على خمارها بشكل لافت وذكي (ص 115 و116) .
وقد برّر قاسم التغيير لوزير السلطان حين سأله بأنه إنما قام بذلك حفاظا على هيبة سلطان المسلمين في الديار المصرية (ملكي أكثر من الملك !) . تجرّع الوزير الأمر على مضض ، وطلب من لجنة المحكمين أن تقول رأيها التقييمي على أن يكون القول الفصل – وكالعادة – لحضرته مثلما صار ستالين وصدام حسين يقيمون الأفلام السينمائية ويعطون التوجيهات للمخرجين والسيناريست (هذه للنكتة !!) . ومن الضروري جدا نقل رأي هذه اللجنة (لجنة وعّاظ السلاطين ولكنها أهون من لجان وعاظ سلاطين زماننا هذا) نصّاً لأنه يغنينا عن الكثير من الشروحات والتفسيرات ، كما أنه يعبّر عن أفكار أصيلة أنضجها جابر  من النواحي الفكرية والحضارية والإبداعية والنفسية :
( 1 – إن كلتا اللوحتين نالت الدرجة القصوى في الفن والصنعة والسحر الجميل .
2 – إن الرسام العراقي كان لبيبا باختياره رسم الجارية وهي تدخل فلا يكون ظهرها بوجه مولانا وزير السلطان ، وهذا ما فات إبن عزيز الإلتفات إليه .
3 – لمّا كان الرسّامان متساويين في الصنعة وإيهام الناظر بحياة الجارية وكأنها حقا تمشي وتتحرك ، فإن الغلبة تكون لمن رسم الجانب الأصعب وهو هنا ظهر الجارية لا مقدمها . ومع أن إبن عزيز استعان بالتفاتة غنجة من وجه الجارية ، إلا أن الدرجة هنا لصالحه .
4 – إن إبن عزيز وضع جهده في الفن والصنعة فقط ولم يلتفت لتأثيرات الرسم على الناظرين وسلوكهم ، بينما انتبه قاسم العراقي إلى الأبعاد الأخلاقية في لوحته وطبع بصمات مهذّبة على أذواق النظّارة من خلال سلوك الجارية وملابسها المحتشمة ، مما يجعل الغلبة له في هذا الجانب .
5 – لكن الرسام قاسم تجاوز حدوده باختيار اسم للجارية دلال غير الإسم الذي اختاره لها بنفسه مولانا الوزير السلطاني ، ونوصي بمحو الإسم من على الرسم ، واعتذار الرسام عمّا فعل – ص 116 و117 ) .
وقد (إطلع الوزير على آراء الحكّام وأعجب بها بينما عينه ترمق اللوحتين بين حين وآخر . أدرك الوزير أن كلا الرسامين كان انعكاسا للبيئة التي عاشها .
فأمر أمام دهشة حاشيته بالجائزة متساوية لهما ، وهمس بأذن صاحب الشرطة أن يصرف العراقي مكرّما بعيدا عن القاهرة ، ثم انصرف إلى جناحه الخاص وخلفه حُملت اللوحتان الساحرتان – ص 117 ) .
إننا نقف أمام موقفين ونظرتين من دور الفن وعلاقته بالمجتمع والحياة . فابن عزيز ومن وراءه لجنة التحكيم وحتى وزيرهم يرون – ويا للعجب – أن اختبار مهارة تصوير الجارية الحقيقي يكمن في التجسيد الحقيقي لحركة قفاها .. ظهر الجارية لا مقدمها لأنه كان مفعما بالإثارة والإستفزاز الحسّي والنقاء “الجمالي” . إنه وجه العملة الذي يستميت أنصار مدرسة الفن للفن لترسيخه في حياتنا بعيدا عن أي مفاهيم ذات صلة بأشياء اسمها رسالة أو قيم أو موقف أو “أخلاق” على أساس – وكما قال أحد الفلاسفة “أن حسن الكلام يُراد من الشاعر ، أما الصدق فيُطلب من الفلاسفة” لنصل خطوة فخطوة إلى معارض فن “الخراء” وجمالياته في الغرب ، وهي من نتائج الفلسفة المادية الحلولية الحاكمة .
# وقفة :
———
(ولا يختلف الأمر كثيرا في عالم الفنون التشكيلية ، إذ ظل الفن الغربي منذ عصر النهضة متماسكا يحاكي شيئا ما ، في الطبيعة المادية أو الإنسانية ، ولكن مع بداية القرن العشرين يظهر الواقع الإنساني والطبيعي في لوحات الفنانين على هيئة مكعبات ومربعات ودوائر وألوان متداخلة .
ثم يزداد “الحلول” ويصبح كل شيء مرجعية ذاته ، مكتفيا بذاته ، يشير إلى ذاته دون أي معنى ا, مدلول في عالم مادي مُغرق في ماديته ، لا توجد فيه أية ثنائيات أو نتوءات أو تعرّجات ، فظهر ما يُسمّى بالفن المفاهيمي (بالإنكليزية كونسبتيوال آرت – conceptual art) وهي مدرسة فنية تنادي برفض فكرة الفن ذاته (فالفن له معنى وبنية وباتالي يشير إلى شىء خارجه) . وقد عبر هذا الرفض عن نفسه من خلال أعمال بيير مانزوني (1933 – 1963) (غير الفنية) . فقد كان هذا (اللافنان) يُعلب برازه ويبيعه بعد أن يكتب عليه “براز فنان صاف 100%” ) (50) .
# عودة : حين يكون الفن وسيلة لسيادة الغريزة على العقل:
———————————————————-
.. وإلى تمثيل الأنبياء في صور خنازير ، وإلى حلقة من برنامج الأخت “اوبرا” عن الآباء الذين تزوجوا بناتهم والأمهات اللائي تزوجن اولادهن ، لأن الفنان “يحسّ” كذلك و”رؤيته” تفرض ذلك بعيدا عن القيود مهما كان نوعها !! إن “القفا” يكون أصعب عندما لا يضع الرسّام في حسابه سوى “أمام” الحاضرين بـ “مقدماتهم” الغريزية ويغفل أو يتغافل عن حقيقة أنه فنان ذو دور ولا يشتغل معالجا جنسيا أو بائع صور مثيرة مرتزق . وقد أثار تصوير ابن عزيز “الفوضى” في استجابة الحاضرين – وزيرا وحاشية – فقد نهضوا كلّهم مستثارين صائحين مهلّلين في الوقت الذي تطلّب فيه تصوير قاسم العراقي استجابة منفعلة أخف ولكنها مناسبة لـ “التأمل” حيث يشاغل “العقل” مع العاطفة دون أن يعطّل أحدهما الآخر على الرغم من أن المفتاح هو قطعا الاستثارة الإنفعالية .
كانت الاستجابة لتصوير ” قفا ” دلال المغناج صاخبة ومربكة أثّرت على وقار الوزير أمام حاشيته وكأن الفن يمكن أن يولغ في مفسدة الحكّام ، ويعاون الساسة على تخريب أرواح العامة . أما تصوير “مقدمها” المحتشم الذي لم يخلو من سحر وفتنة غامرة فقد سبّب ” استجابة مهذّبة ” وطبع بصمات الإتزان والإنفعال المتعفّف على اذواق الحاضرين . ثم أن قناعة إبن عزيز باستخدام التصوير للمنفعة الجمالية الحسّية جعلته لا يلتفت إلى اشتراطات سياسية واجتماعية خطيرة سُحقت أيضا حين امتطت الغريزة سنام العقل وتتمثل في أنه أعطى ظهر الجارية للوزير الذي صار عليه أن ” يلحقها ” بدلا من أن ” تلحقه ” كجارية و ” تقبل ” عليه كما فعل قاسم . في الحالة الأولى – حالة إبن عزيز – يصبح الحضور الأنثوي لعنة تُذكّر بأفعى الخطيئة الأولى ، وفي الحالة الثانية يكون الحضور الأنثوي بردا و ” سلاما ” . وكأني بجابر يرى أن واحدا من أخطر عوامل سقوط السلطة العربية الإسلامية هي اللحظة / المشهد / الصورة / اللوحة التي سقط فيها العقل العربي في براثن الغريزة الشرسة التي لا تعرف مانعا أو حاجزا يردعها عن الإشباع ، اللحظة التي يصبح فيها ” الأنا ” خادما لـ ” الهو ” ، وهي نفسها اللحظة التاريخية الأندلسية الفاصلة التي تهاوى فيها وعي حكام الأندلس فـ ” لحق ” غريزته تابعا ” دلال ” قشتالة ، وبرّزوا أبناءها مسحورين ومذلولين تهياما ورغبة وضعفا . إن من نتائج نهج الفن للفن ونقائه الملتف حول ذاته والمتعالي على الحياة الإجتماعية والأخلاقية كأن الواقع ” نجاسة ” هو تحوّل الفن – كما أرى أن جابر يريد توصيل الدرس إلينا – إلى تمظهر غريزي باهر . ولكن اللجنة التي رأت أن قاسما قد تجاوز حدوده بتغييره اسم جارية  الوزير في لوحته من دلال إلى ” سلام ” وأن عليه أن يعتذر للوزير عن فعلته هذه غفلت حقيقة كبرى وهي أن موقف الفن للحياة وللمجتمع ولنماء الإنسان له اشتراطات وتبعات . ومن اشتراطاته هي أن “دلال” لن تعود ” دلالاً ” ويجب أن تصبح مسمّىً آخر يتبع ” الصورة الكلّية – gestalt ” الجديدة ويتناغم حضورا وحركة واسما مع المضمون الجديد . وعليه فإن كتابة الإسم السابق للجارية على خمارها سيقوّض دلالات دورها الجديد (الشكل سيحطم المعنى !) ويجهض الاستجابة الجمالية المهذّبة التي خطط قاسم لتحقيقها . وأما التبعات فمنها ” الخسائر ” و “التضحيات ” المتوقعة – وبعضها قد يكون جسيما – والمترتبة على المواقف والآراء عندما تكون كبيرة ومضمخة بروح المبادىء . فقد جاء قاسم هاربا من جور حاكم بغداد وزبانيته وكان عليه أن ” يتقي ” شرور حاكم القاهرة التي لجأ إليها ، إلا أنه قد تشبع بموقفه وآمن به ؛ وصار “الفن للحياة” منهج حياة وسلوكا دائما وثابتا لا يستطيع القفز عليه بالمهادنة ، فكانت النتيجة أن يُصرف بعيدا من القاهرة “مكرّما” ليواجه عذابات منفى جديد . ويثير هذا الموقف في ذاكرة يحي المدريدي – وبالتداعي الإرتباطي الإيحائي وليس الشرطي الآلي ، فالإنسان ليس كلبا من كلاب بافلوف – موقف فنان كبير من بلاده إسبانيا هو “غويا” الذي رسم لوحته الشهيرة “العارية” ، وكان هذا يمثل ذوقه الشخصي . لكنه بعد أن بلغه خبر انزعاج رجال الكنيسة ، واستحضر بطش محاكم التفتيش ، أعاد رسم العارية ثانية بعد أن كساها ، فسمّيت لوحته الثانية ، “المكسوّة” أو “المرتدية” . ويعلق على هذا الموقف بقوله :
(أمر مضحك فعلا . وإن كان خوف غويا مبررا بالتأكيد ، لم يكن هناك مايهدد قاسم لو رسم الجارية كما فعل ابن عزيز ، بل إن ذوق الوزير السلطاني كان مع ما رسمه ابن عزيز ، والعراقي يغرف هذا ، لكنه فضّل ذائقته هو ومقاييسه الأخلاقية هو على ذائقة السلطة ومقاييسها –ص 120 ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.