د. عبد الله إبراهيم : الرواية بنت المدينة، والنقاد العرب يعملون في ضوء نظريات الغرب *

الأستاذ إيهاب الحضري

* جريدة أخبار الأدب- القاهرة
حاوره
إيهاب الحضري

vالعلاقة بين النقد والابداع اشكالية، وتظل جدلياتها قائمة على الدوام لأنها لو توقفت لأصاب الركود حياتنا الابداعية، ومن بين الأسئلة المطروحة ما هو جديد وما هو قديم، كما أن الاتهامات المتبادلة بين أنصار الطرفين لا تزال قائمة وفي حوارنا مع الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم الذي يقيم حاليا في ليبا استعرضنا بعض ملامح هذه العلاقة المتشابكة واشكالياتها، و كانت البداية مع أزمة النقد …

v قال: يقتضي الحديث عن أزمة بالمعنى المباشر أن نتكلم عن الرؤية العربية للنقد، ومن واقع تتبعي لخارطة النقد العربي بالمشرق والمغرب وجدت ان هناك حضروا كبيرا جدا للمؤثرات الغربية في النقد العربي الحديث، وبالطبع ينبغي الا يفهم ذلك على أنه أمر سلبي لأن الآداب ومنها النقد تحديدا تقتضي نوعا من المثاقفة والحوار والتفاعل، ولكن الظاهر ان النقد العربي ربما منذ مطلع القرن العشرين حين بدأ يعبر عن نفسه بطريقة ما بوضوح= حفل بالمؤثرات الأجنبية الى حدود الحرص على تمثل المؤثر، هناك عملية تقليد ومحاكاة للمؤثر الأجنبي أكثر مما هو متاح من تفاعل وتمثل من منظور متصل بالنسق الثقافي الذي نعيش فيه ووفقا لخصائصه ومن هذه الناحية نجد ان المناهج ترسبت الينا بداءا من المنهج النفسي الى الاجتماعي الى التاريخي الى التأثري ثم البنيوي والتفكيكي والقراءة والتلقي ونلاحظ ان خارطة النقد العربي تشتبك فيها هذه المؤثرات على نحو شديد الاختلاط، وفي الغالب لا يكون هناك ثمة حرص حقيقي على تمثل هذه المؤثرات المهمة جدا، إنما يسار أحيانا الى تسويقها كما ظهر ت ضمن مرجعياتها الثقافية الرئيسية في الثقافة الغربية، وأظن أنك تشاركني الرأي أن أي ناقد أو أي أدب يقتضي أولا أن يتفاعل بطريقة ايجابية ى أن يؤخذ كما ظهر في مرجعياته الأصلية، هذه النقطة الأساسية التي يمكن أن نضعها كركيزة أساسية من ركائز موضوع أزمة النقد.

عدم توازن
vأعتقد أن الاجابة السابقة تمثل ردا دبلوماسيا لذلك سأطرح السؤال بطريقة أكثبر مباشرة: هل يعتبر النقد مواكبا للابداع؟

v لا يمكن أن يجازف أحد ويدعي أن النقد يواكب الابداع في الواقع علاقة النقد بالابداع ملتبسة فمن جهة يوجد عدم توازن بينهما، ومن جهة أخرى نرى أن النقد الحقيقي بوصفه بحثا عن شروط الانواع الأدبية واستكشافها واستنباطها وكشف مرجعيااتها وخلفياتها ثم وظيفته المتابعة اليومية لما يصدر هنا وهناك فهذا دور الصحافة الثقافية والدوريات التي تقوم بتعريف القارئي بهذه الابداعات. والنقد – كما أرى –يشتق أحيانا للأدب طرائق تفكير جديدة، وأيضا يستخلص من الظواهر والنصوص الأدبية قواعد واجراءات وانساقا ومن هذه الناحية يتفاعل النقد مع النصوص الأدبية في أنه يستخلص من الظواهر نظمها وقواعدها، ولهذا لا تكون هناك مواكبة بالضرورة- لما يصدر، بمعنى المتابعة الفورية لما ينشر في ميادين الشعر والنثر، ولذلك اذا كان لي أن أقسم علاقة النقد بالأدب فإنني أضعها ضمن تقسيمين: الأول هو نوع من التتبع والأشهار والاعلان عن الأدب وهذه تدخل ضمن المراجعات الثقافية ولها دور مهم وخطير جدا في إعطاء بعد اجتماعي وانساني للأدب، والقسم الآخر أعتقد أن له أهمية أخرى تتصل باستكشاف طبيعة الظواهر الأدبية، وتتبعها بتأثيراتها، ومرجعياتها وكيفية استثمارها للوجدان البشري والانساني، وفي الحالة الأولى ينبغي على الممارسات الثقافية أن تتبع كل شيء وتوصله الى القارئ، أما الحالة الثانية فلا يشترط أن تكون بها متابعة يومية وانما يجب أن يكون هناك حصر للظواهر والتدقيق بها والحفر في تضاعيفها من أجل اعطائها بعدها

مقتل النقد
vمن خلال اجاباتك يولد سؤال حول مدى اهتمام النقاد بنقد ذواتهم التحديد جوانب القصور في ممارساتهم النقدية.

v نعم.. فالمراجعة الذاتية ضرورة قصوى ينبغي الالتفات إليها ليس من المعقول أن يظل الناقد متعلقا بوجهة نظر محددة دون أن يسمح لنفسه بمراجعتها وإعادة النظر فيها ستتحول العملية النقدية من عملية معرفية الى عملية أيديولوجية وأعتقد أن مقتل النقد في أنه يتحول من فكرة متجددة متطورة متحولة تبعا لشروط نوع من العقيدة الايديولوجية الجامدة التي يعتقد بعض النقاد أنها صالحة لكل زمان ومكان، والمراجعة اذن مهمة جدا وضرورية، والواقع ان هناك الان فعالية مزدوجة في خارطة النقد العربي، فهناك عدد من النقاد أنفسهم يقومون بمراجعات لمناهجهم، ويطلعون على الاشياء المستجدة ويتطلعون الى ما هو أكثير، وهناك تيار آخر انصرف أصحابه الآن لاعادة النظر في مدى تأثر النقاد الذين سبقوهم بالمرجعيات الثقافية الأخرى ومحاولة تفكيك وتحليل واستخلاص تلك المؤثرات، فواقع النقد العربي الآن في نهاية القرن غير واقعة في منتصفه ففي منتصف القرن العشرين كان الرأي أن يتم تطبيق مناهج محددة والتمسك بها باعتبارها عقيدة، أما الآن فرغم أن المناهج الحديثة أحدثت نوعا من اللبس عند الكثيرين الا ان النقاد الذين يمكن وصفهم الآن بأنهم يندرجون ضمن التيار النقدي الجديد بدأوا- فيما أعتقد – يستفيدون من أسئلة النقد ويحاولون في ضوء ذلك تقديم الأجوبة الخاصة بهم والجواب الخاص في ميدان النقد لا يأتي الا بالتفكير الذي يقوم على استخلاص مجموعة عناصر من أسئلة متعددة، وهذا ما ندعو إليه تحديدا.

ثقافات هجينة

vذكرت أن دراساتك أوصلتك الى بعض أخطار الممارسة في المشهد النقدي العربي فما أهمها:

v يبدو لي الحديث عن كلمة خطأ أمرا محفوفا بالمخاطر، وأنا أتحدث عن تتحضور ظواهر معينة، اعتقد أنك تدرك أن عملية التفاعل مع الثقافة الغربية تحديدا قد مرت بمراحل متعددة فسؤال الغرب في بدء القرن العشرين ليس هو نفسه في نهاية القرن العشرين، أولا: اشاعت المركزية الغربية أو الثقافة الغربية المتمركزة حول نفسها تصورا مفاده ان مسار التفكير في الغرب هو المسار الصحيح وان أي ثقافة لا تمتد لهذا المسار تعتبر ثقافة هجينة غير قادرة على مواكبة العصر، وهذه المقولة كانت مستبدة في أذهان كثير من نقادنا العرب كحقيقة، ولم تكن تناقش الى حوالي السبعينات وتؤخذ اطروحاتها ونتائجها على أنها مسلمات فالناقد الذي يؤمن بهذا الامر يتعامل معها على أنها حقيقة ويؤمن بها، الآن ومنذ ان تفتحت النظرة النقدية، ولا أقصد النقد الأدبي ولكن أعنى المنظور النقدي للظواهر بما فيها ظاهرة المركزية نفسها، بدأ يوجد نوع من التأكيد على ان الثقافة الغربية ليست الثقافة الوحيدة في الكون وان كانت إحدى الثقافات العظيمة وان الامر لا يتم بمحاكاتها وإنما بالحوار معها فبدأ البحث عن وجهات نظر أخرى، ولكن دعني أفصل كيف تمركزت مقولات الثقافة الغربية المتمركزة نفسها والثقافة لدى كثيرين من نقادنا العرب الكبار في النصف الأول من القرن العشرين الايمان بمبدأ المقايسة أي ان نقيس نقدنا وظواهرنا الأدبية والثقافية في ضوء الظواهر الثقافية الغربية فما يحدث عندنا في قضية أدبية مثلا لا بد أن يكون قد حدث عند الاغريق وفي السنوات الاخيرة بدأت محاولات لاعادة النظر في هذه القضية وتفحص المناهج والمفاهيم النقدية وطرح أسئلة من نوع هل هي مناهج أدبية خالدة ثابتة لا تقبل التجدد؟ ذلك ان كثيرين من نقادنا أدركوا ان الاشكالية المنهجية في الثقافة الغربية هي إشكالية متجددة. فالمنهج يقوم على أثر منهج نتيجة الحوار بين المناهج.. وأعتقد الآن أن بعض نقادنا بدأوا يدركون أبعادها وفي ضوئها بدأوا يصيغون أسئلتهم.

vتخصصت في دراسة المشهد النثري العربي، فهل يمكنك أن تقدم لنا استعراضا سريعا لأهم ملامحه ؟ الحديث عن النثر العربي وتحديدا النثر القصص يتوزع كما هو معروف بين القصة القصيرة والرواية .

v وفي الحقيقة بدأ النتاج القصصي بركنيه يتطور بطريقة مذهلة ومن يطلع الآن على حركة التطور في الآداب العالمية لن يتجنس على الاطلاق درجة التطور. التي عليها هذا النثر وبطبيعة الحال نرى أن حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل انما هو نوع من الاعتراف بهذا الادب القصصي وهناك نصوص كثيرة جدا تكتب في البلاد العربية على مستوى القصة القصيرة والرواية وتلاقي رواجا كثيرا بين النقاد والدارسين والقراء وكثير منها يترجم ولكن يبقى السؤال: ما طبيعة هذا التطور؟ معلوم ان الرواية هي بنت المجتمع الحضري حيث يوجد التفاعل والاشتباك الفكري والانساني والرواية هي بنت المدينة وأعتقد أن تجربة نجيب محفوظ تجربة مدنية بمعنى الكلمة وهذا الأمر يؤكد أن الرواية العربية ظهرت في المراكز الحضرية الأساسية التي تتداخل بها مشكلة الحضارة المعاصرة وقد تمثلت الرواية العربية هذا المعطى تمثلا جيدا، ورغم ذلك هناك محاولة حاليا لتجاوز مشكلات المدينة بذاتها في التعبير، والانتقال الى الاهتمام بموضوعات مازالت بكر، هناك الاهتمام بعالم الصحراء، والعوالم، التي همشت بسبب طغيان المجينة على الأدب مثال ذلك تجربة إبراهيم الكوني الذي يكتب عن الطوارق، وتجارب سليم بركات، وهناك تجربة روائية مصرية اطلعت على روايتها حديثا هي ميرال الطحاوي كما أن هناك تجارب أخرى في مصر والسودان والعراق باختصار هناك الآن نوع من الاهتمام بما يصطلح عليه تجاوزا بالكون الهامشي الذي لم يجد حضورا له في الرواية في مسارها التقليدي هذا الاهتمام وتسليط الضوء على تفاصيل هذا الاهتمام وتسليط الضوء على تفاصيل في حياة الانسان العربي تقدم الآن بطريقة أدبية مثيرة لا أعني الاثارة بمعناها المعروف وإنما بمعنى كشف عوالم وعلاقات اجتماعية وانسانية وخلق أساطير أحيانا وتشكيل خرافات ذاتية. هذا الاتجاه ينبغي أن يوضع ضمن حدوده الأدبية ذلك أننا نخشى أن يتحول الى نوع من الغرائبية التي يتهم بها بعض الكتاب.

سيدة الفنون

  vمن خلال دراساتك هل يمكن تحديد أهم ملامح تطور الرواية العربية المعاصرة؟

v تحدثت عن موضوع النثر أو ما يطلق عليه التيمة الأساسية ولكن الأمر المهم الذي يدخل ضمن اهتماماتي المباشرة هو شكل تعبير عن هذا الموضوع وأعني به جملة الخصائص الأسلوبية والسردية والبنائية التي تتضافر معا من أجل التعبير عن هذا الموضوع من الواضح ان الرواية العربية وكذلك القصة بدأت تظهر لها خصائص أسلوبية منذ بداية القرن العشرين وأصبحت طرق التعبير تختلف عن طرق تعبير النثر العربي في القرون الوسطى الذي كان يقوم على الصفة البديعية والبلاغية، أساليب سرد، طرق سرد، تعدد في الدواة، الشخصيات، الحوامل الفكرية التي ترتبط بمظور كل شخصية التركيب السردي، الانساق، نظم البناء، هذه كلها فيما يبدو لي مسائل مهمة جدا في هذه النصوص لا تقل عن انجاز سردي آخر وبخاصة حينما نتحدث عن النوع السردي القصة والرواية على أنه نوع متطور وتجديد، فمن واقع تجربتي، أبحث منذ خمسة عشر عاما في نظم السرد التي لا يمكن الآن الادعاء بأنها ثابتة بل هي متجددة ومتحولة، وتجربة نجيب محفوظ تبرهن لنا على أن النظام السردي في الثلاثية غيره في اللص والكلاب والشحاذ والطريق، وهذا بدوره غيره في أولاد حارتنا والحرافيش، وكذلك يختلف في صباح الورج وكل ذلك غير موجوج في أصداء السيرة الذاتية، اذ لا يمكن القول بأن نجيب محفوظ – بوصفه مثالا – يمتثل لنظام ثابت اذا هناك إطار عام ولكن مكونات هذا الاطار في تجدد ، والتطور ليس محصورا في مصر فهناك تطور كبير موجود في المنجز السردي في العراق والشام والمغرب وليبيا وهذا كله يدل على أن حركة التطور في أوجها ويوضح ان الرواية في أدبنا أصبحت سيدة الفنون التعبيرية في القرن العشرين، على الا يفهم ذلك أن الشعر قد انحسر فهناك في الواقع التطورات الشعرية المتحديثة والحديثة أيضا قائمة، لكن هذا موضوع آخر

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حوار بين الأديبين عبد الله المتقي وحسن سالمي .

بداية ماذا تقول عن حسن سالمي ساردا تونسيّا؟     قبل كلّ شيء أقدّم لك جزيل شكري …

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.