شاكر مجيد سيفو : المتخيل الشعري وشفافية الكلمة

يشتغل الشاعر عبدالمطلب عبدالله في قصيدته (في ذكرى الماء: ما زال المسنون صغارا) الدال الكلي الذي يتشبع بحمولته النص عبر متوالية نصية بنائية في تراتبية هيكلية رصينة  تقوم على استحضار عنصر الحياة الرئيسي (الماء) لبناء حياة نص شعري يتثاقف من داخل مكوناته وستراتيجيته التشكيلية السرد شعرية بلغة استعارية مكثفة تتجسد في منظوماتها الأشارية ممارسات شعرية قوة وآتساع افق وأيقونية المفردة.

وانفتاح فضاء الحدث الشعري وتبئير الحكاية الشعرية في هيئة بانورامية تعزز مشهديتها مقاطع النص وحمولاتها التشاكلية لمشهد –الماء- الذي يستطيل في بنيات عامودية حية باقترانه بحمولته المثييولوجية ومرجعياتها الروحية المنبثة والمؤسسة في كل الكتب المقدسة، اذ تعكس ملامح الجملة الشعرية مستوياتها الدلالية والصورية في فضاء العلامة الرئيسة في كثافتها الأستعارية وأثريتها ومشهديتها السيميائية، ويتمظهر محمول الفعل الشعري في انشطار عناصر الدلالة الكلية للبؤرة النصية المتجسدة في فعل الكلمة الخلق –الماء- عنصرا كيانيا تأسيسيا ثرّا للنص وبنياته الشعرية، اذ يعمل العقل الشعري على تثمير شخصية الكلمة بنقلها الى رشح المادة وفاعليتها ومن ثم الى الشخصية الروح المتقدة من تعالقات الزمان والمكان بقدرة شعرية تتميز بها مخيلة الشاعر عبدالمطلب، تسهم رؤيا الذات الشاعرة انعكاسات كل الممكنات الشعرية وانتقالات وتحولات الدوال وحركتها في محيط اشعاعات المداليل، ان الدال الكلياني –الماء- يتشظى في صيرورات الطبيعة الشعرية لكشف معانمه الذروية ذي الطبيعة الشفافة الروحية وتمظهره الأيروسي في تشظيات جهازه اللفظي عبر مقاطع النص، تعلن الجملة الشعرية عن تشكلها في الزمان والمكان وطبيعتها تعلن عن استهلال يبدأ –بشكوكية الكلمة– ربما- ليدخل الى منطقة الحياة والفلسفة والسحر، لكن الفاعل -الماء-
يشرع الى الانفتاح في طبيعته الجمالية ويعمل الى خرق في الفعل الجمالي والدلالي (ربما يفكر الماء في العمر قبلنا/انه عقل ذاتي يقول/ دعنا نطارح النار بالماء/ يطول بنا الخوف دوما/ لذا لا يسعنا ان نندم على سحر الماء) ينفتح المقطع اعلاه في ستراتيجية طبيعته الشعرية في نصوصية كثيفة تجمل حياة الماء والفضاء التضادي بينه وبين النار، اذ تحيل المعادلة الى بنية أسطورية تتجادل في افقها اللفظي مع النص الفلسفي المتثاقف مع المعرفة الكونية وذاكرة الموروث الإبداعي العالمي، وتتحرك بنية المكتوب في شبكة سيرية لنص شعري ينزع نحو التفلسف والنفحة العلمية الكونية باعتبار الماء احد أهم عناصر الحياة  ينزع الى الماوراء الشكلي، الى التشاكلي الغامض في بؤرته المركزية وتشظياتها الى وحدات شعرية تقوم على محاور متموجة من البوح والتأمل والأرسال للطفولة والحلم والذاكرة والتخييل والميتافيزيقيا، اذ يبقى الشاعر في  داخل صراع هذه البؤر والمحاور محاولا اكتشافاته الثرة المنزوعة الى الخارج في سعي من ذاكرة الذات الثخينة وأعماقها الشخصية بحواسها وأحلامها الماضوية وكشوفاتها المستقبلية، حيث يظهر المبنى في وحداته الدرامية شبكة من دراماتيكية حركة –الملفوظة الرئيسية-الماء- ويتمشهد عالم النص مقابل عالم الذات وتحولاتها النفسية وشبكة سيرتها في اسئلتها، ودهشتها وصدماتها من المجهول الذي يؤول عنصر _الماء_ الى فضاء نصي مفتوح وتتمظهر هذه الرؤيا في تشكل منظومة الأشياء وعناصر هذا المقطع بكل شفافية  شعرية عالية وهي من كشوفات الشاعر الذكية : ((يهطل المطر/ يغدو قلبي ماء/ ان امام الجنة او النار/ يهطل العشق/ لكن قلبي لن يسائل/ بل سيغدو اشد عزلة وانفرادا)) تقوم بنيات النص على حامل العنونة الرئيسة بدلالتها المتعددة التي ترد الى معطيات الحضور الشعري وتوقيعاته التشاكلية  المرآوية, اذ تتعدد حمولات الحكي الشعري لحركة وفعالية الملفوظات النوستالجية ومرجعيات الماضي والحاضر في تشكل أرومة النص وترائي الذات الشاعرة له, وتتفاعل معطيات العوامل ومكونات النسيج  النصي في حركة درامية تأخذ طابعا منالوجيا من الحكي اذ تحضر انا الراوي او السارد بقوة: ((أحفت المطر بعلاماتي/ كي لا يشك الماء في البحر/ حجبنا ذواتنا من المطر / مقدار ما في البحر من ماء/ لكن ذا لم يكد وحده قولي/ بل قول طفل كان/ انه طفل من داخلي/ من الماضي يعود دون مظلة/ الى عرض المطر)) يرتكز عمل الشاعر في انسفاح عناصر المشهد التي تتمظهر في هيئات متعددة جمالية واقعية تارة وأخرى ميتافيزيقية ثرة حيث تشير الى الحالة النفسية وتجاوزاتها للأنا العليا المتطلعة نحو التفلسف بحنين داخلي دافيء وشفافية حدسية وبوح ذاكراتي لحواس تتراسل لتبث شعرية الكلمة وسحرها وايقونيتها التشكيلية العلاماتية و الحلمية: (( ليس مطرا هذا الذي يطول / انه لحية مسنّ يقول/ ها قد ابيضت الحقيقة/ مثل السلام….)) يبلغ الدال في مراتب متعددة متقدمة اذ يقع تحت سقف اليأس, ثم يتجاوز مرحلته الى كشوفاته القادمة بمقاسات عمر الأنا الشاعرة او نسيان بعض سنيها, او تذكّرها في الخفاء, من أجل خلق حالة التساؤل والتجادل في المنظور الشخصي الخاص للدال يعلن عن شخصيته,لكنه يخفي افعاله,اذ تتحرك بنية الدال من بؤرة النص الكلية الى سيرية تحاور عناصر الحياة وتشكل مقتربات سيمية مشعرنة بقوة الملفوظات الخاصة بالجهاز اللغوي للشاعر عبدالمطلب عبدالله, وتبرز كشوفات الدال الغرائبية من تراسل الزمان والمكان وحواس الشاعر والمسافة المتشكلة بينها: ((يهمي المطر دون استئذاننا / لكي يجسد ذاته/ يتوسل المشيب الى الماء/ والمطر قياس المشيب/ يضع السماء في الخيال كرة اخرى/ ها هو المشيب دون استئذان يتكلم..)) تتضمن حضورية مكونات النص مثاقفة تبادلية تتمحور بين _الماء والمطر_ بمعامل شرر الجملة لغوص الذات او الموجودات الصغيرة والكبيرة_ التي تنزاح من افق الذاكرة الى مستوى التخييل. تتعاضد شعرية الحواس في رؤيات اقرب من الحلم الى الرؤيا وتعاضدهما وتجاورهما,وتتسع مديات الرؤيا في جاذبية اللغة الشعرية الشفافة وانسلالاتها من الذاكرة والحنين والزمن والمكان النوستالجي مع ايقاعات الغامض والمخفي واللامرئي للاشياء والكائنات والطبيعة والحلم الباشلاري الذي تتشابك أنساقه من صهر صيغة_للأحلام والماء وايضا حسب _باشلار_ في كشوفاته  اذ تتجاور بنية الزمكانية النصية والنفسية والذات الموضوعية والرؤيوية مع البنى الموروثة, والمتخيلة ليكتشف الشاعر نظامه العلامتي والاشاري في تاسيسات المبنى وتوثب المعاني, في إشعاعات دالة تقرن مجاورات الشعر والعلم في كثافة الاثنين الشفافة والغامضة معا, اذ تفصح منظومة الألفاظ الايحائية عن مشهدية شعرية ثرة وعميقة حسية في مركّب تخييلي: ((كان اول مطر بعد الماء/ يعقله الانسان/ كان اول بحر بعد المطر/ يعلم ان الماء/ ليس الاّ طفلا مدللا/ يتكلم/ لايتكلم/..)) في نص الشاعر ينهض ما بين المجاز الذي يفجر الصورة ويعجنها ويتأصل المستوى النصي لجماليته في رؤية كتابة شعرية تضيء جزئيات الحياة اليومية الحيوية والإشعاع على المشهدية الشعرية  الشخصية لرؤية تحوليه يزيح في لغة تواقة للتعبير,حسب قول ميرلوبونتي, يبدو الشاعر في كشوفاته ينحو منحى كونيا في اقامته الطويلة في منطقة القلق وتداعيات موشورات الدال وتشظي مداليله, اذ يتزين الشعري بالتامل العميق وخفايا جماليات الشعر المرئية المجازية والخيالية : ((جسد الماء لا يأتي كالشك/ والبحر مايزال حيا/ ونحن فضلا عن المشيب/ نكرر سحر الماء..)) تتمظهر عتبات النص في مقاطعه العشرة في تخصيب المفردة الدال النوستالوجي _الماء_ ومرسلاته الدلاليةة اذ تندرج الصور في ايقاع التوهج وتتشظى الى دوائر متجاورة وتوحي المقاطع في لعبة تشكيل شعري تتواصل في حركة تدليل تواصلي الى مفاصل وسلسلة حكائية شعرية تستوعب مستويات النص البصرية ومنظومة الحركة الدالة؟!!!

شاهد أيضاً

شوكولاته نيتشه لصابر رشدي: الحياة بعين الطفولة
بقلم: د. ممدوح فرّاج النّابي

في واحدة من النصوص البديعة للناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو، في كتابه “بحبر خفي” يقول: …

قصص ( ألواحٌ مِن وَصَايا الجَد ): برقيَّاتٌ من جَحيمِ العراقِ تَقِفُ مع إنسانِهِ المظلوم
كتبها القاص والناقد السوري: جوان سلو

قراءة في مجموعة (ألواحٌ. . . مِن وَصَايَا الجد). . . قصص قصيرة جداً للقاص …

د. وليد العرفي: النهايات المفتوحة قصيدة (خلجات) للشاعر “عادل الحنظل” أنموذجاً

تتناول قصيدة الشاعر عادل الحنظل موضوعة الغربة والبعد عن الوطن ، وطالما كانت الرحلة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *