مقداد مسعود : غبش التأويل / مسؤولية التوارث .. القرآن ومكر الايدلوجيا (3)

إنطلاقا من هذا التعيين تتكون رؤية اخلاقية للعالم..
                                          هيغل..
                                   فنومينولوجياالروح/ص605

 3-3
بدءا…علينا ان نميّز بين نوعين من التأويل وربما  بين مرحلتين ..هذا الأمر يجعل من تعددية القراءات.. غزارة
في التأويل..حقا كما يقول الفيلسوف فريدريك نيتشة
(لاوجود لحقائق بل لتأويلات فقط)..الرواقيون حفدة زينون
الأيلي،وهو ينبشون في سفائن وسيوف مخيلة الياذة هوميروس،فككوا عبوس الإله زوس،إتساقا مع موقفهم الاخلاقي..ان عبوس الأله هو صدى لإرتكابه الزنى مع(ليتو)..وكان تأمل الرواقيين يمسك الحقيقة من تأويلها
أي ان الزنى هنا هو زواج القوة من الفلسفة..والأمر لايقف
عند هذا الحد،إذ ترى (سوزان سونتاج )(1)ان التأويل يفترض تفاوتا بين المعنى الواضح للنص ومتطلبات القراء اللاحقين،لذا يسعى التأويل لإلغاء هذا التفاوت..ويمكن ان نرى في هذا النوع من التأويل محاولة ناصعة ضد حذف النص أو أعادة تشكيله تلك الإعادة التي فيها إساءة كبرى للنص..هذه المرحلة ،من التأويل ،يمكن إعتبارها المرحلة الاولى التي جرى فيها تحطيم الاسطورة،بمشاعل التنوير العلمي..أما في عصرنا فقد اتخذ التأويل لنفسه وظيفة الحفر في جيولوجيا النص،بحثا عن النص المغذي للنص الظاهر..حيث تشكل التأويل عبر منظومات متراكبة من الاجتهادات مولدة(نظريات تأويلية عدائية وأثيمة)حسب سوزان سونتاج..وفي ادعاء ان القرآن منتوج حاخام يهودي يتجسد كل العداءوالأثم.. واذا كان (التأويل فعل تحريري)فأنه على مستوى آخر وتحديدا (في سياقات ثقافية أخرى،أنه رجعي،صلف،رعديد،وخانق) وفي هذا السياق ترى قراءتنا ذلك الاذى الذي يحاولون إلحاقه بالقرآن الكريم..
-2-
*أستعمل هيغل التاريخانية ،ليعيد الإنساني الى حضرة المطلق وفي ذات الوقت بذل هيغل مجهودا معرفيا كبيرا في تأطير المطلق ضمن الزمن البشري..وبهذه الطريقة جعل المتعاقب والمتناقض
في الصيرورة التاريخية، مثابات إلهام..لاتوصلنا لغير حافات التاريخ..ربما بالطريقة هذه يجعلنا هيغل نسهم في صوغ مبنى هو اقوى المباني للفكر الحداثي..في هذه المبنى تشتغل سيرورة وحدة وصراع الاضداد إشتغالا ديالكتيكيا مذهلا حيث :
القدامة/ الحداثة
اليقين/ الشك
التمايز/ المألوفية
ومن خلال هذا الاشتغال/ المزدوج القيمة المكرّس حصريا للجهد الانساني..تكون الإشادة بفاعلية الحرية وهكذا يفعّل هيغل إتصالية
خلاّقة بين سيرورة التاريخ الماثلة وبين الإدراك المتسامي لها
فينبثق من هذه الإتصالية الخلاقة :اللامرئي وهو يكتسب
موجوديته المحسوسة،عبر القنوات العقلية التي تحيل صناعة الحدث، الى محض أدوات إنتاج ضمن الخطة الانتاجية للمطلق
والآن تحديد في هذه اللحظة التاريخية…الأثنان  حاضران معا
وبشكل ساطع:
*العودة الى تجديد إكتشافات الديانات
*الإنتباذ عن الديانات كافة
وهما الآن خطان متوازيان يتغذيان من ذات السيرورة ..ولايبحثان عن التسويق المبتذل بل  ينتجان تنظيرات تحاول سبر اغوار الحتم التاريخاني..وهكذا يقوم البشري وهو يحاول التحكم بسيرورة اللحظة التاريخانية بصناعة نفسه من خلال مواجهتها..عبر القوة المعرفية التي  بمنظورها يستوعب البشري كيفية تفعيل إتصالية متكاملة بين البشري والإلهي..طموحا الى نوال اللحظة المدهشة
الحالمة بتحقيق (الضرورة الضاحكة ).. فتنتقل التاريخانية من ميتافيزيقية هيغل اللاهوتية الى ديالكتيك كارل ماركس تحت مسمى الثورة الدائمة….وهنا نستعين بالفيلسوف بول ريكور لنقول :
(إن الذات الفاعل ستتحكم في المعنى وسنمسك بكل المعاني المحتملة .في الحكاية.لكن زمن العالم،الزمن الكوني مبني بحسب إنتاج العالم وليس بحسب إنتاج الحكاية.توجد اذن قراءتين أثنتين
للزمن: قراءة كوسمولوجية وقراءة سيكولوجية،زمن الكون وزمن النفس وهذا مايبعد الزمن كلية عن كل زعم بتوحيده)(3)
من جهة ثانية ترى قراءتنا ان القنونة الهيغيلية ، حين تمر عبر مفهمة جورج باتاي(4) تكون منفية في عطلها الوظيفي وبدل البحث عن الكلية يتم التساؤل عن إنتهاك الحدود،وحركة الإنتهاك تعوّض عن حركة التناقض،كما يرى ميشال فوكو..ويمكن رؤية ذلك الثنائي الفلسفي ضمن  مفهوم(سيادة الكائن )لدى جورج باتاي وهما:
*الإنتهاك
*الضحك
اذ لايمكن الوصول للسيادة دون سيرورة الإنتهاك لكافة المصدات
أما الضحك فهو الدليل المؤتمن الذي يخلصنا من اليأس
ويرى باتاي في المعرفة :أداة إكراه من خلالها يتنازل المجهول عن مجهوليته للمعلوم..وهنا يرفض باتاي ان تكون المعرفة بديلا
عن الحياة،كما يرفض التخلي عن الفلسفة،لكنه ينادي بعودة المجهول الى مجهوليته..وهكذا يقترب باتاي من مفهوم هيغل للمعرفة ك(حركة دائرية)…
ومن جراء التضاد بين الديمقراطية والمقدس،إنتقلت عدوى القداسة للديمقراطية، من خلال نزعتها للتسامي فوق المصالح النفعية ،وهي تسقي شجرة الديمقراطية بدماء الحالمين بها والحالمات وحتى تنال الديمقراطية استقلاليتها،إشتغلت على استراتيجيات طويلة الامد،لكن ما ان توصلت لقطف الثمار حتى سبقتها السياسة بدهائها لكن السياسة فشلت كأجابة على سؤال الوجود الجماعي،وهكذا فقدت الحياة اليومية قدرتها في صوغ غايتها،وفي الوقت نفسه بقيت الفضاءالذي يتم فيه التفتيش عن الغايات بتنويعها..وإذا كانت(النفس البشرية تحتاج الى التدين كمثل مايحتاج البدن الى الغذاء.إن التدين يشبه أن يكون غذاءا نفسيا للإنسان .فالانسان مهدد بالاخطار والمشاكل دائما.فهو إذن يخشى الموت فهو إذن في حاجة الى عقيدة وطقوس دينية تساعده على مواجهة وعلى تقوية عزيمته وبعث الطمأنينة في نفسه تجاهها/ص187)..
كمايرى عالم الأجتماع العراقي الدكتور علي الوردي.(5).هنا تكون للدين وظيفة جهاز مخفف الصدمة وهذا يتكون من مثنوي:
*عقيدة..
*طقوس
في العقيدة تنشّط الادلجة مسروداتها في الوعي الجمعي
في الطقوس تفّعل الفضاء الميداني للعقيدة…
وبعد كل هذا نتساءل ألايمكن تفعيل إتصالية بين الديمقراطية والدين ؟من خلال كل ما في الدين من مؤثرية موجبة و(تحت عنوان قدرة الديانات على عرض فهم شامل لمصير الإنسان ،يمثل خطوة إضافية في هذا الإتجاه فهو يرفع من شأنها ويميّزها،وهو ينقذها اجتماعيا من خطر اختزالها الى مجرد ثقافات،عبرايضاح ماهو أبعد من التراث والعادات والتقاليد أي فحوى رسالتها التي تركز على ماهو اساسي/ مارسيل غوشية/131)(6)…ربما بالطريقة هذه نجترح  طريقة تستطيع ان تكون مخفف الصدمة بين الخيارات الفردية والجماعية ..طريقة تحتوي شحنة محددة من الميتافيزيقيا تلتقط من المعتقد الديني (الخصائص الشكلية للأدراك) وهي التي تكوّن الديانات منها النموذج والعينة الأشد انتشارا،لكن في الوقت :
(ليس للديانات حق الاسئثار بها ،وإن كانت تكوّن منها النموذج والعينة الأشد انتشارا.لقد استطاعت السياسة ان تبدو بأنها تمسك
على طريقتها بزمام هذه الفاعلية التأويلية،أو على الاقل ان تقوم
مقامها بفاعلية،طوال الوقت الذي كانت مضطرة فيه الى ارساء
وتحديد مشروعها الاستقلالي في وجه التبعية الدينية.وخسرت السياسة مع انهيار خصمها، مع تلاشي قدرة الأديان على توفير
صورة معقولة عن خضوع الظاهر للخفي وهذا التلاشي هو الذي
أعاد بأنتزاع القدرة الإدراكية للسياسة،وعن طريق ردة فعل جديدةوظيفية الخطاب الديني ليس بصفته دينيا ،وإنما بصفته إدراكيا/132/مارسيل غوشية) (7)
يرى الفيلسوف هيغل أن الإسلام بالنسبة للمسلمين هو (الإطار الذي يستقر فيه نهائيا توازن أصالة الروح في الشرق،وتحقيق أقصى مايمكن أن يدركه العقل الشرقي..)..فكيف جيرت المؤسساتية،هذا الإطار لصالحها ،حصريا وتركت الإسلام لحاله؟؟
وبصدد هيغل،فأن الفيلسوف هيغل أجهز على مشاريع اللاهوتي
هيغل..فقد شفطت المثالية الموضوعية،لاهوتيات هيغل الشاب
وفلترتها*8ص/حياة يسوع.(8).وهكذا أنوأد مشروع اللاهوتي الشاب هيغل في مأسسة ديانة شعبية تقوم مقام المسيحية الوضعية التي يعتقد إنها دين سلطة وعقيدة وإنها يجب ان تعود الى مبدأها الأصلي أي المبدأ الخلقي/13/ حياة يسوع
ويرى صموئيل هنتغتون (أن المسلمين يسعون الى اسلمة الحداثة
بدلا من السعي الى تحديث الإسلام)..وهنا أتساءل هل علينا ان نأخذ الحداثة ،دون جدلية الخاص / العام.. نحن لسنا مع فاعليات التعويض،التي لاتغذي سوى الجانب التراثي في الإسلام..هذي الفاعليات التي ترحب بها القوة التقليدية،او كما يسميها الداعية الاسلامية راشد الغنوشي(إسلام المتحف)(9)
حيث يتم التوازي بين حداثة الغرب بحداثة مأسلمة، وهذا هو العلاج المستحيل حسب قول مفكر أسلامي كبير(ماعاد هناك شيء يمكن التجديد فيه بحق إلا إذا وجدنا مستندا لذلك في الكتاب والسنة)(10)…
نرى ليس الحل بالخروج من الدين ،ولايجدي أيضا التطابق الميتافيزيقي بين السلطة  والبنية الإجتماعية،بل هو
ان هذا التطابق يترجم التضاد الوظيفي بينهما…
إن ماينتظرنا جميعا هو(إعادة تأسيس العالم البشري بمجمله عن طريق إعادة الإندماج والإنصهار وإعادة التكوين لمايضفي
على هذا العالم…..هيئة الغيرية الدينية/31/غوشية)…
-3-
في مجلده الضخم(الايدلوجية الالمانية/1500ص)ترجمة محمد  مستجير مصطفى،يشكو عقل البروليتاريا كارل ماركس من الايدلوجيا ذاتها قائلا(كم ضيقة أنتِ ايتها الايدلوجيا)..؟! ماركس الذي سوف تستأصل الأيدلوجيا الكولونيالية جملة من وحدة سردية صغرى له، وتروج لها في العالم الإسلامي الجملة التي اقتطعتها العقل الكولونيالي هي(الدين أفيون الشعوب) هذا البتر اللئيم يجعل الجملة عائمة خارج سياقها وهذا يذكرني بمن يبتر الآية الكريمة(..لاتقربوا الصلاة…………………….) ويخرس…
إذن….
لنضع جملة (الدين أفيون الشعوب) في سياقها اللغوي والتاريخي المنبثق من لحظة واقعية،وقد تلقفها ماركس من الفيلسوف  عمانوئيل كانت واشتغل عليها :
(إن الشقاء الديني هو من جهة تعبير عن الشقاء الواقعي،ومن جهة أخرى احتجاج على الشقاء الواقعي،الدين هو تنهيدة الكائن المقهور،قلب العالم العديم القلب،كما هو روح الأوضاع العديمة الروح إنه أفيون الشعوب)….
نلاحظ اولا كيف تم اقتطاع جزء من جسد النص وبالتالي حذف الضمير(هاء الغائب) المتصل  بالحرف المشبه بالفعل(ان)..فالعقل الكولونيالي لو حافظ على النص ذاته واعلنه كما هو ..أي (أنه أفيون الشعوب) لبقيت
الجملة مبهمة..ولو أنه ثبتها مع النص كاملا،لما إستطاع توظيفها لصالحه..ذلك لأن كارل ماركس يفعّل إتصالية بين الشقائين الديني/ الواقعي ثم يعطي الاولية للقوة الدينية الدافعة للأمام ضد ما يجرى ضمن البنية الاجتماعية للواقع المعيش وهكذا يتحول الشقاء  الديني من تعبير عن الشقاء الواقعي الى احتجاج ضد هذا الشقاء..ولايكتفي ماركس بهذا الحد فهو يرى في هذا الاحتجاج :
*تنهيدة الكائن المقهور
*قلب العالم العديم القلب
*روح الأوضاع العديم الروح
وهكذا يكون لدينا نسق ثلاثي وكل نسق مثنوي التركيب
تنهيدة ————— المقهور
قلب —————– العديم القلب
روح—————– العديم الروح
إذن من( تنهيدة +قلب +روح) = أفيون..
ومفردة أفيون هي ليست من براءة اختراع ماركس،بل تعود للفيلسوف عمانوئيل كانت الذي استلهما من (إبراسموس) وهوأحد إنسانيي عصر النهضة،ثم استعمل المفردة ذاتها الهيغيليون الشباب،نقلا عن توصيف هيغل للدين الهندي
ان ماركس ليس له تجديف نيتشة ضد المسيحية ورغم ان النازية عرفت كيف توظف (إرادة القوة) لصالحها،لكن ليس
هناك من اتهم النازية الذي دمرت الإنسانية  بالالحاد..
وحتى أحصل على مدد معرفي،يزودني بطاقة للفهم والتفسير
والتأويل
أريد هنا الإستعانة بالفيلسوف (بول ريكور) وحصريا بثلاثيتة(الزمان والسرد)..وسأتوقف عند المفاهيم الثلاثة
*ماقبل التشكل
*التشكل
*إعادة التشكيل..
*في ماقبل التشكل كان عقل ماركس بخصوص تلك الوحدة السردية الصغرى يّولد إمكانية التفكير في المعنى ليعبرمن المخبوء الى المعلن،ويكون ذلك بإستعمال التأويل في نص منجزاعني بذلك نص الفيلسوف (عمانوئيل كانت) حول أفينّة الوعي الجمعي عبر مايضخه الوعي الديني،وذات الفيلسوف (كانت)تفعل في وجودها ووجود ما يجاورها من ذوات مؤثرة ومتأثرة ،بفعل باث وآخر متقبل واعني هنا اليسار الهيغلي…
*في التشكيل ..صاغ ماركس موضوعاته حول الدين
*في إعادة التشكيل سيتتنوع صوغ الإعادة ..سيعمل العقل الكولونيالي الى اساءة التشكيل من خلال بتر النص من اجل
تشويهه وتسويقه كميديا مسلحة ضد الفكر الاشتراكي..
وهنا ك اعادات تشكيل..ويتم فيها(تحويل التجربة الحية تحت تأثير السرد)ننتخب منها قراءة المفكر الكردي….
(سربست نبي ) في قوله ان ماركس(يدعو الى تطهيرالوعي الانساني..وعندما يعّرف الدين بأنه تعويض وجزاء معنوي وعزاء عن الشقاء الواقعي في هذا العالم،فأنما يؤمن بضرورة إحلال الوعي العلمي والنزعة الدنيوية لدى الإنسان وترسيخهما حيث يتوقع منه ان ينصرف مباشرة الى تغيير واقعه مصدر شقائه وبؤسه بصورة واقعية/15/ سربست)(11)
شخصيا ارى ان الايدلوجيا لاتلمس طين الواقع بأصابعها بل تكتفي بملامسة الغيوم بعينيها..وهنا ثمة اتصالية محايثة بين الاسطوري والايدلوجي فكلاهما ينبجسان من اللاشعور،لكن تضافر اللاشعور مع الاسطوري تستضيء به الروح في راتوب الرمزي،في حين لايتضافر اللاشعور والايدلوجيا
وكأن الايدلوجيا (نفس تجادل عن نفسها) لانرى
في مراياها سوى يوتوبيا اللاعقلاني،والطرق المتشنجة نرجسيا في تعبير الايدلوجيا عن ايدلوجيتها نفسها..هذا التشنج النرجسي..يتسبب بأستيلاد وعيا زائفا خادعا ومنخدعا يطوف حول ذاته،بطريقة إنتباذية عن العالم البراني..في مثل هذه الحالة،علينا ان لانتطرف اعني ان الايدلوجيا ليست عاطلة عن انتاج وتكرار انتاجها في تعاملها مع الواقع ولكن عيبها  الإنتاجي الكبير انها لاتخلع القفاز وتصارع او تصافح الواقع مباشرة،وهكذا يكون حراكها بأبعاد جوانية منغلق على افقها لامنفتح على حركية العالم..وهكذا تكون الدوكماتزم من اهم اعراضها المزمنة..فهي تشتغل على سحر الكلمات في زمن صارت السيادة لبلاغة الصورة..
وعلى مستوى آخر ثمة إتصالية بين السياسي والايدلوجي
يتجسر عبر أسطرة الاتصال وحسب كاسيرر(أن الأساطير
السياسية الحديثة في منتهى الغرابة)وهكذا يكون السياسي
مزدوج الوظيفة فهو صانع الحدث وكاهن  لديانة لاعقلانية
وسيعمل هذا على تنضيد هذه الديانة تنضيدا عقلانيا بحيث
تتشبع الايدلوجيا بأسطرة مزدوجة اعني بذلك اسطرة العقل
وأسطرة الحياة..وهنا اقترض تساؤلات من سواي واقول على لسان المفكر الشيوعي الشهيد مهدي عامل(أليس من الممكن ان يكون الجديد تجددا للقديم وان يلبس القديم شكل الجديد دون ان يكونه..وفي هذا التحديد تبرير لما يمكن ان يأتي به مستقبل الفكر او البنية الاجتماعية من تطور جديد هو في الحقيقة حركة رجعية اكثرمنها تقدمية،تعود بالفكر او بالبنية الاجتماعية الى ماقبل ماوصل اليه في تطوره/ص120)(12) ألا ينطبق هذا الكلام على الادعاء حول ان القرآن الكريم منتوج حاخام يهودي!!
-4-
هذا الأمر لايقتصر على ماينسب الى الحاخام فقط فهناك
من يتعامل بحذر شديد مع الاسلام ..اعني بذلك الفيلسوف الكبير الذي يعتبره البنيويون بمثابة الاب الشرعي لهم
أقصد الفيلسوف كلو ليفي شتراوس،الذي هو بحق من العقليات الفذة ..بخصوص الإسلام يقول بابا البنيوية الفيلسوف كلود ليفي شتراوس:
(ما كان يؤرقني خاصة هو وجود الإسلام)(13) وسبب الأرق ان الإسلام هو (مغالطة تاريخية)..جملةإعتراضية الإسلام،بين التوابل واللوغوس..أي لولا الإسلام لتفعلت إتصالية حضارية بين حضارة الاغريق وحضارة الهند..ولما ظهر الاسلام وهذا لايعني ان شترواس ينحاز للمسيحية ،بل
ويرى فيها رؤيته للإسلام(وفي المسيحية مصيبة اوربا التي قربتها من المصيبة الكبرى الاسلام)..ولايختلف عن ذلك
في رأيه بالديانة اليهودية(ووجدت آراء في كل الأديان ولكنني لم أجد في اليهودية رأيا ظاهرا)
-5-
إذا كان كلود ليفي شتراوس يحلم بإتصالية حضارية بين اوربا والهند..فأن المفكرالإيراني(داريوش شايغان)(14)يرى خلافا لرؤية شترواس توسيع إطار الأنا الحضارية،فلم تعد هذه الأنا مقتصرة على العرب والمسلمين،بل أتسعت لتشمل كافة الحضارات التقليدية أو ما أسماه شايغان(التجمع الروحي الواحد) ويعني بذلك الاسلامية والهندية والصينية وفاعلية الاتصالية بين هذه الحضارات التجانس البنيوي في التجربة الميتافيزيقيا..ومنظور شايغان هنا متأت من منهج فلسفي مقارن يعرف ب(المماثلات التناسبية)
-6-
التصدي لفرية الحاخام لايكون بالشعارات المبحوحة ولا بالتصفيات الجسدية  فالإسلام  لايشكو من عوز مناعي حتى نجترح له مثل هذا
التصنيع العسكري والتصدي هو من مهام تحديات اللحظة الثقافية المعاصرة،وهو لايخص الفكر الاسلامي وحده بل الفكر
الإنساني المعاصر،لأنه يستقطب سؤال لحظتنا الحداثية..وربما بالتصدي هذا
يتم لنا(استعادة الاسلام من صحراء الفقه الى ينابيع التصوف النقية والشفافة،لإنقاذ الرعشة الإلهية التي انطوى عليها إسلام المتصوفة الكبار بأعتبار الدين والتدين تجربة ذاتية تقوم على القناعة الشخصية وليس على سلطة خارجية يمثلها الفقيه،فليس للفقهاءولاية على النفس،على حد تعبير الإمام الغزالي في إحدى إشراقاته/ عيد/ص24)(15) …
لحظتنا التاريخية  المغلوبة محتدمة بالتقاطعات الحادة ..مدننا تستنسخ عمران الآخر وتتنازل عن هويتها سعيا للتماهي بالاخر الغالب،هذه الظاهرة اوجعت المعمار المصري الكبير حسن فتحي واصبحت لدينا  مدنا واسعة بتحديثاتها ومتريفة (من الريف) في الوقت نفسه..تكاثرت المكائن بهديرها الصناعي..ولكننا لانعد من البلدان الصناعية ..تتدفق التعليم لكنه لم ينتصب كالصواري بل تمدد افقيا فتسطح وأفلس معرفيا..واصبحت لدينا قوة عسكرية ،لا للذود عن الحدود ،بل لقمع الجماهير العزلاء..وأصبحت الحكومات العربية تكملة للملاهي على حد قول مظفر النواب في أحدى قصائده،فهي تعتاش على(التكسب بالوعي العفوي الجماهير) واذا كانت الجماهير عرضت للتنويم المغناطيسي او غياب كما حدث للشعب خلال صعود النازية على حد قول المفكر الالماني ولهلم رايش وكما يحدث الآن في بعض الاطراف من المنطقة العربية والعالم الاسلامي..بسب الانقلابات الشعبوية العسكرتارية بزعامة رعاع الريف وحثالات المدن وهكذا كانت مشاريع نظم التحديث الشمولي الافقي السطحي بمثابة زركشة وبهرجة على سطح جلود متعفنة بل ومتغضنة ومتعفنة تعيش فوات الزمان وخطأ الوجود في المكان بحسب المفكر عبد الرزاق عيد/22…من هذا الفضاء الخانق تشققت ثقافة الكراهية وتكفير الآخر

وهنا إنتقل الى الشق الثاني من المحور نفسه..اعني الإسلام وهويات العصر..في أوائل القرن العشرين كانت إشكالية الإسلام مع التقدم وفي منتصف القرن، إشكالية الإختيار بين الإشتراكية والرأسمالية وفي الستينيات والسبعينيات..كيفية الحفاظ على الهوية الإسلامية وفي الثمانينيات..إشتغل الفكر ألإسلامي على التأصيل والإحيائي والصراع لحد الآن ليس صراعا مفاهيميا بل صراع بين من يحملون الهويات المختلفة…وهناك من يرى ان مأزقنا الحقيقي
يكمن في فقدان البنية الكبرى لحضارتنا أو تحديدا فقدت هذه البنى
مبررات وجودها بفعل الهجمة الحداثية الغربية،وسبب الفقدان غياب مشاركتنا في إنتاج هذه الحداثة كما يرى المفكر الايراني
داريوش شايغان،ان الغرب نفسه لم يسمح لها بالمشاركة حين ارادت الانخراط في ذلك،ويعلل داريوش ذلك ان حضارتنا الاسلامية لم تحرر فعلا نقديا لبنيتها الفكرية المتوارثة ..وهنا
علينا ان لانشتغل على مماثلة مفاهيمية بين مفاهيمنا ومفاهيم الغرب
اي لانتورط ب(أدلجة المأثور) فهو يرى اي داريوش شايغان ان هذه الادلجة توصلنا الى افكار بلا موضوعات ولاتوصلنا هذه الادلجة لغير الهاوية اذ(يسقط الدين في أحبولة مكر العقل،فيتغرب وفي نيته مواجهة الغرب،ويتعلمن وفي عزمه روحنة العالم ويتورط في التاريخ وفي مشروعه إنكار التاريخ وتجاوزه)..
وشايغان حذرٌ جدا من فايروس الايدلوجيا فهو يرى فيها رؤية ماركس ذاتها اي انها وعي زائف بل هي افيون المعرفة..
وهو يرى ان الازمة ليست شرقية،بل هي وغربية أيضا فالفكر الفلسفي الغربي يكابد ازمته والفكر الديني الشرقي قسيمه في المكابدة على المستوى الديني..لذا يقترح شايغان علاجا للأثنين
يتمثل في فكرٍ(يأخذ من الدين طاقته الوجدانية،ومن الفلسفة مظهرها المعقول الاستدلالي) وهكذا سيكون هذا المصل الهجين هو العلاج الوحيد للازمة الفكرية التي نعانيها جميعا على هذا الكوكب الذي كان يسمى الارض..قبل ان تقنونه عنكبوت الإتصالات ضمن افتراض قروي…

*    تنويه…
*    إشتغلنا المفصل الاول والثاني من دراستنا هذه ،ضمن حقل التطبيق،متوخين التمركز في نقطة الدائرة،خشية من تراخي افق التلقي في حالة تقديم التنظير على التطبيق ،كما هو مشروط في هذا النوع من الدراسة..
*المراجع..
(1)سوزان سونتاج/ ضد التأويل ومقالات أخرى/ت :نهلة بيضون/مراجعة/ د.سعود المولى/ المنظمة العربية للترجمة/بيروت/ ط1/ شباط (فبراير) 2008
(2)هيغل/فنومينولوجيا الروح/ ترجمة وتقديم/ د.ناجي العونلّي/ المنظمة العربية للترجمة/ بيروت/ ط1/ نيسان – ابريل/ 2006
(3) بول ريكور/ المؤلفات التالية
*فلسفة الإرادة – الإنسان الخطّاء/ ت:عدنان نجيب الدين/ المركز الثقافي العربي/ط2/2008
*محاضرات في الأيديولوجيا واليوتوبيا/ تحرير وتقديم جورج ه.تيلور/ت: فلاح رحيم/دار الكتاب الجديدة المتحدة/بيروت/ط1/2002
* في التفسير/محاولة في فرويد/ت :وجيه أسعد/ اطلس للنشر والتوزيع/ط1/ كانون الثاني/ 2003
(4) جورج باتاي/ نظرية الدين/ رؤية فلسفية/ ت/ محمدعلي اليوسفي/ دار معد/ دمشق/ط1
(5) الدكتور علي الوردي/ دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ منشورات سعيد بن جبير/ قم المقدسة/ ط1/ 2005
(6) مارسيل غوشيه/ الدين في الديمقراطية/ ترجمة .د.شفيق محسن / مراجعة د.بسام بركة/المنظمة العربية للترجمة/ ط1/2007
(7) نفس المصدر السابق
(8) هيغل/ حياة يسوع/ المكتبة الهيغلية 12/ ت: جرجي يعقوب / دار التنوير/ بيروت /ط1/ 1984
(9) راي تاكيه ونيكولاس غفوسديف/ نشوء الإسلام الراديكالي وانهياره/ ت- حسان بستاني/ دار الساقي/ بيروت/ط1/2005/ ص25
(10) محمد اركون/تاريخية الفكر العربي الإسلامي/ ت: هاشم صالح/ مركز الإنماء القومي- المركز الثقافي العربي/ بيروت/ط3/1998/ انظر الفصل الثامن(الإسلام والعلمنة/ ص275
(11) سربست نبي/ كارل ماركس/ مسألة الدين/ مؤسسة حمدي للطباعة والنشر/ العراق- إقليم كوردستان/ ط2/ 2006
(12) مهدي عامل/ أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية/ دار الفارابي
(13) كلود ليفي شتراوس/ العقل البري/ ترجمة وتعليق/ نظير جاهل/ مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع/ط3/2007/ انظر المقدمة من ص5 الى ص13
(14) داريوش شايغان/ ماالثورة الدينية/ ترجمة وتقديم محمد الرحموني/ مراجعة د.مروان الداية/ المؤسسة العربية للتحديث الفكري/ و/ دار الساقي/ط1/ 2004
(15) عبد الرزاق عيد/ محمد عبدة/ إمام الحداثة والدستور/معهد الدراسات الاستراتيجية/ العراق/  ط1/ 2006/بغداد – بيروت

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. هايل علي المذابي : لحية وبيادة!!.

شيئان قيّمان في الوطن العربي: اللحية والبزة العسكرية!! كانت اللحى في أزمنة غابرة مبعثاً للطمأنينة …

| هاتف بشبوش : آلان ديلون وعلي الوردي ..

مات زير النساء وجميل الستينات والسبعينات الممثل الشهير (آلان ديلون ) بطريقة الموت الرحيم ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.