د. حسين سرمك حسن: جابر خليفة جابر والكتابة السردية الجديدة (4)

عودة : العصبيّة الحكائية :
————————–
.. بعد يومين أرسلت خيمة غرناطة حكاية جديدة مهمة ذكرت فيها إن كاسياس الموريسكي لم يكن من أهل إشبيلية في الأصل ، ولم يكن اسمه كريم أو كاسياس وإنما اسمه الأندلسي زكي ، وبالقشتالية سُمّي زاكاو . وقد قُتل أخوه الأكبر على أيدي الجنود القشتاليين بعد أن حاول تخليص امرأة موريسكية منهم حاولوا الإعتداء عليها . وقد أُرسل أبوه ، بسبب ذلك ، للسخرة في مزارع الملك في سانت ياغو على ساحل الأطلسي ولم يعد إلى غرناطة أبدا وصودرت كل مزارعه  ومعصرة الزيت التي يملكها ، فعمل زاكاو حطّابا . لكن حمارته وحطبه أخذهما خادم أحد القشتاليين وأدخلها القصر .. وعندما استبطأه زاكاو وطالب بحقّه اجتمع عليه الخدم وأوجعوه ضربا (ص 45 و46) .
وهنا يهيء جابر مطبّا آخر لنا ولذاته يحيلنا من جديد إلى صلة الغاية بالواسطة . فعندما عاد زاكاو خائبا مهتضما ، شاء القدر أن يمرّ على حانوت زيّات نصراني ولم يكن هناك أحد في القرب . مد زاكاو دورقه إلى الحانوتي وطلب منه أن يبيعه زيتا ، وهو لا يملك نقودا بسبب مصادرة البغلة وحطبها . وفي أثناء انشغال الحانوتي بملء الدورق ، شاهد زاكاو معصرة صغيرة وأكواما من حبات الزيتون في زاوية الدكان . أثار المشهد في روحه المكلومة هواجس وذكريات الطفولة المغدورة ، وتذكر كيف كان يلهو قرب معصرتهم الكبيرة وأبوه يعمل قريبا منه ويلهو معه بين حين وآخر . فأخذ الدورق واستدار وابتعد من دون أن يدفع ثمن الزيت . وعندما لحقه الحانوتي مطالبا بالثمن قام زاكاو بضربه حتى أفقده الوعي .
أصبح مفروغا منه أن نقول إن العنف يجر العنف والدم يولد الدم . صارت حادثة زاكاو مضرب مثل بين الموريسكيين على الإصرار والشجاعة ! (والله كزيت زاكاو ، أي بكل الأحوال سآخذ ما أريد ، إن شئت أم أبيت سأفعل كذا – ص 47) .
في صراع الإرادات العنفية يكون اشتباك المبرّرات حول “الأسبقية” في اقتراف العنف ضد الضحيّة على طريقة الحكمة الشعبية “البادىء أظلم” . وفي الطريق إلى تحقيق أهدافها يمكن أن تحل العملية الثأرية ، فتسحق الفضيلة أهدافا بعيدة عن التصويب الحقيقي ، وهو مانسميه بسياسة “كبش الفداء – scapegoat ” .
بعد ذلك اختفى زاكاو وغادر غرناطة متنكرا إلى إشبيلية وهناك عاش باسم كاسياس لتبدأ فصول حكاية جديدة .
وفي كل هذه الاختلافات لا يتسبب “الإنحراف ” السردي عن مسار الواقعة السابق إلى مسار لاحق خطرا ما على وعينا وحساسيتنا الفكرية والجمالية . ومن المستحيل أن نضعها في دائرة جهد “سلمان رشدي” المهين والتحريفي والمخطط كما أشرت في مداخلتي . إنها “تنويعات” على وتر الحكاية الأصلي بنغمات مثرية وممتعة . أما الجهد الآخر المغرض فهو يقطع وتر الحكاية أصلا ليركّب وترا أسود مقزز النغمات ومبيّت النيّات .
ومع ذلك فإن لها خطورتها التي تفرضها سيكولوجيات “الخيم” . هذا ما عبّر عنه رودميرو وهويعلّق على طلب خيمتي غرناطة والبشرات بأن يُعتمد الإسم الأندلسي زكي وليس كريما ، وزاكاو بدلا من كاسياس :
(سيفتح هذا الطلب صفحة جديدة من الصراع بين “ملوك الطوائف” – ص 47) .
.. وقد ضحك كل من فهم قصده .
لقد كانت الاستثارة في المخيم رائعة وعلى أشدها كما يقول عمار إشبيليو ، فالجميع يتداولون الأخبار والحكايات ويعيدون قراءتها للخروج بالجديد . وهذه ليست “إساءة القراءة” التي طلع علينا فرسان ما بعد الحداثة في نظرياتهم عن “التلقّي” ، والتي لم تبق قراءة للنص بتعدد قراءاته مستندين – أصلا – إلى إلغاء ثنائية الدال والمدلول التي أطاحت بكل مرجعية قرائية ثابتة .
.. لكن خيمة إشبيلية فجّرت مفاجأة سردية غيّرت الأجواء حيث قدّمت بدلا مما وعدت به حكاية رائعة عنوانها “حمام قمرين” والتي تُحكى الآن بصوت الهولندي “باستن” الذي جاء إشبيلية تحت اسم “كولاني” متاجرا بالحرير في حين أن مهمته السرّية التي كلّفه بها أمير أورانج الهولندي في إسبانيا هي التجسس والبحث عن مصير بعض الإسبان الذين اعتنق آباؤهم البروتستانتية خلال وجودهم في هولندا ضمن قوات الإحتلال الإسباني وكانوا أصدقاء للشعب الهولندي ورفضوا ظلم محاكم التفتيش . وقد اختار جابر مشاركا هولنديا في المخيّم لأنها أمة ابتليت بجور وطغيان الإسبان ومحاكم تفتيشهم الكاثوليكية التي استمرت أكثر من 356 سنة . فقد تبجح “دوق إلبه” عند استدعائه إلى قشتالة سنة 1573 بأنه سبب وفاة 18600 هولنديا وأجبر 60 ألف على الفرار من البلاد . أما “كارلوس الخامس” ومحاكم تفتيشه كان مسؤولا عن موت 50000 إلى 100000 هولندي في عام 1556 قبل موته بسنتين .
وقد ادّعى باستن بأنه متديّن كاثوليكي للخلاص من رقابة محاكم التفتيش وعقابها ، فسحرته – كما يخاطب زوجته “ديانا” في إحدى رسائله – طقوس الموريسكيين الشجعان والطيبين كما يصفهم وتفاصيل حياتهم اليومية السرّية التي يمارسونها تحت خوف وقلق مشتعل من التعذيب والموت . و”صوت” الهولندي لا يأتي كتنويع على الضمائر والأصوات الساردة حسب ، بل كـ “شهادة” أيضا على فداحة الضيم والظلم الذي يتعرض له المسلمون . إنها شهادة “خارجية” تعزّز المصداقية وتؤكدها وخصوصا في ما يُشبه “الإعتراف” الذي يبحث عنه جابر في موضوعة الطهارة المؤرقة والحمّامات المحورية الضاغطة على اهتمامه السردي والتاريخي :
(من المشاهد التي كنت أحب التفرّج عليها بين يوم وآخر، مشهد مجموعة من البنات الموريسكيات الصغيرات ، كنّ يأتين في اليوم المخصّص لاستحمام النساء إلى حمّام قمرين للاغتسال . وكنت أعجب من مداومتهن على الاغتسال بين يوم وآخر كما لم أعهده في بلادنا الجميلة هولندا وفي كل أوروبا . ليس وحدهن ؛ أغلب الموريسكيين هكذا يحبون ارتياد الحمّمات العمومية – ص 50 ) .
# وقفة : لألف عام أوروبا بلا حمّامات :
—————————————-
ولابد أن نستثمر هذه المناسبة التي وفرها لنا جابر في تناوله لمحنة العرب والمسلمين في الأندلس لإزجاء التحية إلى الروائي السوري المبدع “وليد عارف الحجّار” الذي تصدى لمعالجة المحنة نفسها قبل جابر ولكن من مقترب آخر وذلك في روايته “رحلة النيلوفر أو آخر الأمويين” عبر أجزائها الثلاثة : هيلانة ومسافر بلا حقائب والسقوط إلى أعلى . ويهمني هنا أن أنقل الوقفة التي تناول فيها هذا الروائي الحرّ المبدع موضوعة الطهارة والنجاسة في حياة الغرب الاوروبي آنذاك :
(ص143-145)
قال فراس، هازئاً..
– إن “فرساي”، قصة طويلة!! إنها التطبيق العمليّ، للمدينة الفاضلة.. على يد الأرستقراطية الفرنسية!.. جميع النبلاء.. الطبقة الحاكمة، بأسرها.. تعيش، في مئات الغرف، من قصرٍ هائلٍ، في ظلّ حكم أكبر ملوكها.. “ملك فرنسا”، لويس الرابع عشر!
ردّ “شارل غوستاف”.. في شبه دفاعٍ.. كأنه يستبق الهجوم!
– لعله حلّ “طوباوي”.. لكن.. ليس هنالك من ينكر جماله!.. جمال “فرساي”.. وحدائقها.. رغم مساوئ تلك الطبقة.. وعلاّتها..
تابع فراس في سخريةٍ، مبطّنة، لاذعة..
– جمال “فرساي”.. الذي لا مراحيض فيه؟! ولا دورات مياه؟! أُذكّرك بقول “ميشلسة” الكبير “ألف عام لأوربا.. دون حمّام”!!
بهتت “بالوما”.. وسألت..
– دون حمّام؟.. ماذا تعني بذلك؟!.. ألف عام؟!
– إن الكنيسة تكره الحمّام.. ولقد ظلّت تكرهه.. حتى القرن التاسع عشر! لقد كرهته.. هكذا.. وبكل بساطة.. وأوصت ضدّه! ذكّرها بحمّامات روما العريقة.. ثم بحمّامات العرب.. والمسلمين!.. تصّوري.. إن هنالك من كان يجاهر بأن الدهن، والقذارة، يشكّلان طبقة يجب تركها على بشرة الإنسان.. لحمايته من البرد، أو العوامل الطبيعية!! ولقد قيل هذا القول.. في زمن “فولتير”.. و”ديكارت”.. وكبار مفكّري أوربا!! يا لقذارتهم!
بادر “شارل غوستاف” مفسراً..
– لا.. لا.. إن للأمر علاقة بالنظرة الدينيّة للكون.. فالكنيسة تكره الجسد.. الذي هو، بالنسبة إليها، سجن الروح.. فكيف تريدين لها أن تكترث لنظافة هذا السجن؟!
أجابت “بالوما” متعجبة، ساخرة..
– أفلا يقوم السجناء بتنظيف سجونهم؟!
– ثم.. هنالك مسألة الجنس.. فالكنيسة تكره الجنس كذلك.. فترى في التعري، والاعتناء بالجسد.. نداء للبواعث الجنسية!.. وفخاً، يسقط الإنسان فيه.. في المعصية الكبرى!!
ضحكت الماركيزا “كولونا” التي كانت تفخر بجسدها، وتغتسل كل يوم.. وقالت..
– .. لقد كانت “ماري أنطوانيت” تأتي بالمغطس الصغير.. إلى غرفتها.. وتنزل فيه، دون خلع ثيابها الداخلية! تصوروا!
علّقت “الكونتيسة دل بيلار”.. موافقة..
– ثلاث مرات.. أو أربعاً في السنة! على أكثر تقدير!!
كان “باتريس” على وشك قول شيءٍ ما.. ربّما، دفاعاً عن ملوك أسلافه.. فأشارت “الماركيزا” إليه بيدها.. قائلة..
– لا.. يا عزيزي.. فأنا من أصلٍ فرنسي.. وأعرف خفايا حياة القصور!.. فإن كان في إمكاننا السكوت عن معظم مساوئها.. أو المرور عليها، لتسويغها، بشرح أسبابها التاريخية.. فإن هنالك أموراً حضارية لا يمكن السكوت عليها، أو تسويغها!.. لا من بعيدٍ.. ولا من قريب!
نظر “باتريس” إليها قلقاً.. مستفسراً.. فأجابت، ضاحكة..
– حقاً إني لا أفهم ذلك! كيف كان الملك يدير مؤخرته العارية.. لأحد النبلاء.. بعد انتهائه من التغوّط.. كي يمسحها النبيل بقطعة من القطن!! ثم يهديه الملك تلك القطعة، القذرة.. كذكرى عزيزة، لما نابه من شرفٍ رفيع!!
علا صوت “بالوما” بصرخة مكتومة..
– لابدّ أنكم تمزحون!! وهل يعقل ذلك؟! إنني لم أقرأ هذا في أيّ من كتب التاريخ التي درسناها!! “ملك الشمس”، موحّد فرنسا!!
هزء فراس منها..
– وهل التاريخ يدرس في المدارس؟!
عادت إلى تساؤلها، في عصبية ظاهرة.. تكرر ما سمعته، كأنما لا تحسن استيعابه..
– وهل كان ملك فرنسا، فعلاً، يقوم بذلك؟! أمام النبلاء؟! كل صباح؟! ويهدي القطنة لمن يقوم بمسح مؤخرته؟! يالها من حضارة!! خيرٌ لعلماء “الانثروبولوجيا” دراسة مثل هذه الظواهر.. البدائية.. في مجتمعاتنا نحن.. بدل من دراستها في جزر “هاييتي”، أو غابات ” الأمازون”!!
علقت الكونتيسة “دل بيلار” قائلة..
– إن ما يحيرني هو.. هل كان النبلاء يعتقدون، فعلاً، أن تلك القطنة، بما عليها من غائط ملكيّ، هديّة ملكية رفيعة.. ذكرى، تجب المحافظة عليها؟! هل كانوا يقومون بذلك عن قناعة أم، مجاراة لنزوة الملك؟!
هزّ فراس رأسه في شيء من النزق، وقال..
– سيدتي.. ليس الأمر نزوة عابرة، ولم يقتصر على ملوك فرنسا وحدها.. إن أوربا ظلّت تتناسى عيوب ماضيها .. حتى نسيتها! وهل تظنين ان ملكاً، يدير مؤخرته أمام بلاطه، إذا لم يكن ذلك البلاط يرحّب ويبتهج بما يرى؟! أم هل تظنين أن مثل هذه الفعلة “الحضارية”، يمكن أن تكون من ابتكار جيلٍ واحدٍ!! ولا يبدّل في الأمر شيئاً، أن يفسّر أحدهم ذلك‘ فيرّجعه إلى أحد الطقوس التي لها علاقة بالتوتم “الفرويدي”!}
(ص150)
{- لقد قرأت في إحدى روايات الدوقا “دي لامبادوزا”، وصفاً مثيراً لسهرة أرستقراطية، في بداية هذا القرن.. كان النبلاء يبولون ويتغوّطون، أثناءها، في إحدى حجرات القصر.. في أوعية، وآنية خزفية، أو معدنية.. بلغ عددها المئات!!.. هل ذلك صحيح؟
قهقه “الدوقا داوستي” على مهل.. وأجاب..
– صغيرتي.. كانت تلك الحال، في بيوت الجميع، وخلال كل الحفلات.. حتى الحرب العالمية الأولى! لكن ما أهمل “لامبادوزا” توصيله للقارئ.. هو تلك الرائحة الزكية.. التي كانت تتدفق على الحاضرين.. من تلك الغرف المليئة بمئات آنية البول.. والغائط!! وقد يطفح بعضها.. أو تندلق محتوياته على الأرض! إن تلك الرائحة النتنة المروعة .. لم تكن تملأ على الأوربيين بيوتهم، وشوارعهم فحسب، بل إنها كانت تخيم على المدن، تطفو فوقها!.. حتى إن رائحة الغائط.. كانت تستقبل المسافرين وهم على بعد أميال من مدنٍ شهيرةٍ مثل باريز، ولندن، وغيرها!! فما قولك؟!} (37) .
ز. والأخطر في مشروع وليد حجار هو الاسرار الخطيرة التي يكشفها في ما يتعلق بالمؤامرة على العقل العربي بتزوير مخطوطات الأندلس كما سيظهر في الملحق رقم (2) (38) .
# عودة :
————
وعلى كل “لسان” جديد يواصل جابر فتح أبواب سردية جديدة لحكايته أو مواصلة خطوط حكائية سابقة ، أو بلورة ملامح شخصيات سابقة أو جديدة . فالحمام الرئيسي الذي يتابع من خلاله الهولندي طقس الإستحمام لدى الموريسكيين هو حمّام قمرين (أو كامرينا كما يلفظه الإسبانيون ) . وهي إبنة ملّاح الأندلس العظيم حامد خوان رودريغو الذي شارك كولمبس في رحلته وكان أول بحّار يرى الأرض الجديدة ، أمريكا ، موئل الشيطان ومستقره ، فجلب على هذا الكون اللعنة والخراب .
وهذه معلومة تاريخية حقيقية عمّن يُسمّى “رودريغو دي تريانا” (بالإسبانية : Rodrigo de Triana) ، (1469 – ؟؟ ) ، وهو بحّار أندلسي في أواخر القرن الخامس عشر ، رافق كريستوفر كولومبوس في رحلته الأولى لاكتشاف قارة أمريكا . ويعتبر أول من رأى اليابسة ، و هي جزيرة غواناهاني (البهاما) الغير محددة حالياً .
وهناك شكوك حول مكان ولادته ، يعتقد أنه ولد في لوس مولينوس (اشبيلية) ، و أقام في حي تريانا . بينما يرى البعض أنه ولد في كوريا دل ريو أو في بلدة ليبي في ويلفا . على الرغم من أن المصدر التاريخي الوحيد و الموثوق هو دفتر كريستوفر كولومبس (موجود في ملفات دي اندياس ، بإشبيلية) . يفترض بأن اسمه كان خوان رودريغيز بيرميخو ، وهو ابن موريسكي مسلم سابق ، الذي أُحرق حينما كان رودريغو مسافراً لاستكشاف العالم الجديد ، (بسبب حمايته ليهودي كما سيوظف جابر هذه المعلومة التاريخية ).
# وقفة : كولمبس إكتشف وجود العرب في أميركا !! :
——————————————-
إن المكتشف الحقيقي للعالم الجديد هم المسلمون؟. فقد أصدر الدكتور يوسف ميروا في دراسة حديثة بالإنجليزية تفيد أن كثيرًا من المؤرِّخين يؤكدون أن المسلمين وصلوا إلى شواطئ أمريكا قبل كولومبس بـ 500 عام، ويستدلون ابتداءً بما ذكره المسعودي في “مروج الذهب ” من أن بحارًا مسلمًا يدعى ابن سيد القرطبي أبحر من الشاطئ الغربي للأندلس في عام 889 م وسار في اتجاه مستقيم حتى وصل إلى شاطئ كبير رجع منه محملاً بكنوز كثيرة، أيضًا رسم المسعودي في خرائطه مناطق في المحيط الأطلسي (غرب القارة الإفريقية والأوروبية) سماها الأرض المجهولة. وأما كولومبس نفسه فقد ذكر في رسائله ومذكراته أنه رأى جزيرة حمراء (في رحلاته لأمريكا) يحكمها رجل عربي ينادى بأبي عبد الله، كما اكتشف أن أهالي جزيرة سان سلفادور يتكلّمون ببعض الكلمات ذات العربية مع بعض التحريف في النطق، وذكر أنه رأى في الهندوراس قبيلة سوداء مسلمة يطلق عليهم لقب “إمامي” ، وأنه شاهد مسجدًا في كوبا فوق رأس جبل، كما أن الأسلحة التي يستخدمها سكان هاييتي هي نفسها التي كانت تستعمل في إفريقيا .
وفي كتابه “قصة أمريكا” أورد المؤرخ باري نيل الكثير من الأدلة (بلغت 565 تسجيلاً) تشير لتواجد المسلمين في أجزاء من أمريكا، ومن بين هذه الأدلة خرائط وآثار وأسماء عربية مثل مكة (اسم لقبيلة هندية)، ومنى وأحمد ومحمد والمرابطين، إضافة إلى كثير من العادات والتقاليد التي تؤكّد وجود اتصال بين هنود أمريكا والمسلمين العرب. أيضًا ذكر (إفن سيرتيما) في كتابه “جاءوا قبل كولومبس” عددًا من الأدلة على وصول أفارقة إلى أمريكا. (39)
# عودة : المحنة تتصاعد. جابر يشطب أمين معلوف :
———————————————
وحسب ما يقوله صاحب الفندق للهولندي الذي تأثر لغلق حمّام السيدة قمرين ، فإن جلالة ملك إسبانيا أصدر أمره بغلق الحمامات لأن الموريسكيين (يستغلونها لغسل وجوههم وأيديهم قبل أن يصلّوا . هذه أوامر نبيّهم وهم لا يخالفونا مع أنهم في بلاد المؤمنين الكاثوليك . أؤكد لك أنهم يغتسلون للصلاة ، وهذا كفر . لذلك أمر جلالته بإغلاق بيوت الشيطان هذه ؛ الحمّامات – ص 55 ) .
ولو تأملنا هذا التبرير فسنرى بسهولة تهافته وما يتستر عليه . فالموريسكي يستطيع الوضوء في بيته مثلا وليس بحاجة إلى حمّام كبير يتوضأ فيه ولا يستطيع الصلاة فيه . إنها في الحقيقة حربٌ على الطهارة الإسلامية التي تذكّر المتحكّم بالحال النقيض الذي يعيشه .
وقمرين هي حفيدة هلال رودريغو الذي أُحرق في الميدان العام قبل ثمانين عاما كما يقول صاحب الفندق لأنه أخفى في بيته واحدا من المارانوش (اليهود المنصّرين) .
وقد جاءت حكاية قمرين المأساوية هذه من خيمة إشبيلية التي قدّمت من قبل أيضا حكاية “المايوركا” . والغريب هو أن الدكتور رودميرو وعمّار إشبيليو من أعضاء هذه الخيمة كما يقول عمار في نهاية رسالته هذه التي يختمها بالقول بأنه لا يستطيع أن يبت في الأمر لأنه أمضى حياته حالما ، لا يستطيع التمييز بوضوح بين ما يعيشه ويمرّ به فعلا في الواقع ، وبين ما يحلم به (ص 56) . وهذه حال الحكّاء بل الفنّان عموما الذي ليس عليه أن يتموضع بجانب الحلم حين يكتب وبجانب الواقع حين يحلم !! وهي معادلة صعبة وقلقة التوازن ولكن لا عملية إبداعية تتم من دونها . (دائما تراني حالما ، يقظا ونائما أحلم ، حتى وأنا في اشد انشغالاتي لا أنفك أحلم.. آميكو ، لا أحلم يعني لا أتنفس ، صدّق أو لا تصدّق . أحيانا أحلم أنّي أنت ، أو بالعكس – ص 56 ) .
وتبادل الأدوار الحي هذا الذي يُشعر الكاتب بنبض الشخصية الدافق وإيقاع روحها الدافىء العميق لا يتحقق إلا إذا تمتع الكاتب بقوة الحلم . فليالي الحكايات الطويلة والثقيلة والمميتة التي مرّت بها شهرزاد ما كانت لتمر من دون أن تمزّق وجودها وتهيرها لو لم تتمتع سيّدة الحكّائين بقوة استثنائية على الحلم ، وتخييل أنها في موقع النساء المغدورات التي سيدهمها مصيرها الأسود مع الصباح حيث قوة اليقظة المظلّلة . حتى شهريار تبادلت الأدوار معه وشعرت للحظات أنها هو فصاغت الكثير من حكاياتها على اساس عقدته الملتهبة المتمحورة حول السلوك الخياني للأنثى فأطفأتها بالغمر والتبليد – flooding & desensitization السلوكيين حكائيا . وشهريار نفسه كان يقترف طقسه المحرّم ليلا كناية عن سطوة الحلم وغفوة الأنا الأعلى . وفي ظلمات اللاشعور .. في حلمنا العميق تختمر حكايات وجودنا . لكن هناك فارق جسيم بطبيعة الحال بين الحلم والتواري . لقد بحث جابر في الإنترنت والمواقع عن خبر عن المخيّم أو أي إعلان عنه فلم يجد أي ذكر له . وهو يفترض أنهم يتكتمون على أخباره و”يتوارون” في العودة إلى محنتهم . فقد اعتاد المواركة كما يقول له عمّار على الغياب والتواري عن أنظار التاريخ . تاريخهم مسكوت عنه . وهذا هو المبرّر الفني لإخفاء خبار المخيّم (ص 56) . وهو تبرير يزيد طين المأساة غرقا واختناقا . لكن هذا الحال حال “الإخفاء” و”التواري” – وكما قلنا سابقا – هو حال مخطط له في جانب كبير منه . كما أن العجلة الثقافية الهادرة باتت تسوق الكثير من الكتاب بزحفها الماحق فيشعرون بصورة غير مباشرة بما يفرضه الإطار التوجّهي العام على رغم نواياهم الحسنة التي لا نشك فيها . ولهذا فإن عملية تزييف التاريخ وتشويهه وتضييع معالمه هي عملية دائبة ومستمرة والأهم أنها تراكمية .. طبقات فوق طبقات من السرد الحكائي والتاريخي يعضد بعضها بعضا إلى أن تصبح المعلومة الحقيقية أشبه بلقية آثارية ؛ قطعة عظم منخور أو حجر صغير مهترىء ، عليك أن تبذل الجهود الخرافية لتكشف معناه ثم لتثبت صدقه . نحن نعيش تواطؤا سرديا مع مزيفي التاريخ وأخطر أنواعه ما يتم بحسن النيّة على ايدي المبدعين المقتدرين . لكن ما يلفت انتباهك أحيانا – وبقوة – هو أن المبدع المقتدر هو الأقدر على رصد “الحقيقة” وتمييزها وتحديدها فكيف يغض طرفه السردي عن جوانب من الحقيقة تتعلق بآلام البشر المسحوقين ؟ ولماذا يجتزىء الحقيقة ويجزئها ؟ .
يسائل عمّار إشبيليو جابرا بحرقة :
( لماذا ؟؟!
ما فعله الكاردينال زمينز ..
وبشاعات خوان أوستريا ..
تجاهلها ليون الأفريقي أو حسن الوزّان ،
لماذا ؟ تساءل موريسكي بمرارة  .
وأمامه في التلفاز قُدّمت جائزة أستورياس للأدب 2010 – ص 57 ) .
والآن حلّت المناسبة الملائمة فدعونا نعود لنتعرف على الأسباب الحقيقية التي جعلت جابر خليفة جابر غير مستعد أبدا لأن  يهدي روايته لأمين معلوف بل يشطبه . فحين تكمل قراءة “ليون الأفريقي” لأمين معلوف تتساءل بألم : هل يُعقل أن محنة مسلمي الأندلس على ايدي الإسبانيين هي هذه ؟ لا قتل ولا أسر ولا حملة تنصير قسريّة وقهر فكري واضطهاد ديني ، لا حرق المسلمين أحياء ولا تعذيبهم بطرق مخيفة وبشعة يُضرب بها المثل حتى هذا اليوم واكتشفها وأبكت الضباط الفرنسيين الذين يعيش معلوف في مجتمعهم الآن .
# من تقرير الضابط الفرنسي “لومونسكي” :
————————————
من تقرير الكولونيل “لومونسكي” أحد ضباط الحملة الفرنسية على إسبانيا عام 1809 م :
(ولما انتهينا من ذلك توجهنا إلى غرفة آلات التعذيب فرأينا هناك ما تقشعر لهوله الأبدان :
فقد عثرنا على آلات لتكسير العظام وسحق الجسم ، وكان يبدأ بسحق عظام الأرجل ، ثم عظام الرأس والصدر واليدين ، كل ذلك على سبيل التدريج حتى تأتي الآلة على كل الجسد فيخرج من الجانب الآخر لها كتلة واحدة .
وعثرنا على صندوق بحجم رأس الإنسان تماما ، توضع فيه الرأس بعد أن تُربط أيدي وأرجل صاحبها بالسلاسل ، فلا يقوى على الحراك ، وتُقطر على رأسه من أعلى الصندوق نقط الماء البارد ، فتقع على رأسه بانتظام ، كل دقيقة نقطة .. وقد جُن الكثيرون بسبب ذلك اللون من العذاب قبل الإعتراف . ويبقى المعذّب على حاله هذه حتى يموت .
وعثرنا على آلة تعذيب ثالثة تسمى السيدة الجميلة وهي عبارة عن تابوت تنام فيه صورة امرأة جميلة مرسومة على هيئة الاستعداد لعناق من ينام معها وقد برزت من جوانبها عدة سكاكين حادة وكانوا يطرحون المعذب الشاب فوق هذه الصورة ويطبقون عليه باب التابوت بسكاكينه – بعنف – فتمزق السكاكين جسم الشاب وتقطعه إربا إربا .
كما عثرنا على عدة آلات لسلّ اللسان وتمزيق أثداء النساء وسحبها من الصدور بواسطة كلاليب حديدية حادة ، ومجالد من الحديد الشائك لجلد المعذبين وهم عرايا حتى يتناثر اللحم من العظم ) (40) .
عودة إلى أمين معلوف :
————————
… هكذا يعرض لنا معلوف محنة تهجير المسلمين في الأندلس وكأنها رحلة سياحية .. لا حرق ولا تعذيب .. لا كرادلة قتلة ولا محاكم تفتيش . ولابدّ أن تقتنع أن سقوط غرناطة وفق رواية ليون (41) ومن ورائه معلوف هي بسبب لعنة من ربّ العالمين لا تُرد ولا تُدفع مشفوعة ومعزّزة وممهدة الطريق بسبب غدر العرب ببعضهم البعض وخياناتهم وروحهم الجبانة . أمّا تهجير المسلمين الجمعي الظالم من غرناطة إلى المغرب فهو عملية هادئة وسلمية تمّت باختيار المسلمين وتنفيذا لأمر إلهي يقضي بعدم البقاء في دار المشركين (القشتاليين) لأنه كفر (البقاء في بلد استولى عليه الكفّار يحرّمه الدين تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وقتل الناس – ص 81) كما يقول الشيخ “أستغفر الله” . وتكفيك مراجعة الجلسة التي جرت في بيت أبي الحسن (محمد أبي ليون) وضمّت الشيخ أستغفر الله وحامدا الفكاك وحمزة الحلّاق وسعدا البستاني لتجد الروح المصلحية المادية النفعية من ناحية والهروبية من ناحية أخرى .. بل إن أبا ليون لم يكن يفكر إلا في زوجته السبيّة المسيحية كما يصفها معلوف . لا أوطان ولا جهاد ولا جور ولا تشريد كما يحاول جابر خليفة جابر تسميم عقولنا . أما عملية ركوب الزوارق والمغادرة فكانت تتم تحت إشراف الجنود القشتاليين الوادعين . إن معاناة العربي المسلم المطرود من بلاده الأندلس بلا رحمة على يد القشتاليين لا تبدأ في غرناطة (في “كتاب غرناطة” من ص 11 إلى ص 85 من رواية ليون الأفريقي ) ولكن في فاس المغربية (راجع “كتاب فاس” من ص 87 إلى ص 224 منها) . وهناك في فاس أيضا تشيع روح الغدر والخيانات والمساومات وفساد الذمم والتهتك وحتى السحاق واللواطة . وفي “كتاب القاهرة” لا يمكنك إلّا أن تتوقف أمام مشهد مصنوع بدقة لحسن الوزان وهو يكتب عقده على نور الشركسية . فقد لاحظ الكاتب بالعدل وهو من أصل أندلسي وجود الإيقونة والصليب على الجدار فطلب من حسن أن ينتزعهما وإلا فإنه لن يكمل إجراءات العقد فقامت نور بحسم الخلاف وذلك بتغطيتهما !! (ص 266) . مقابل ذلك مشهد تسامح الأمير ذي الأصل المسيحي وهو ينظر إلى نفس الإيقونة والصليب ويقول :
(إن منظر هذين الشيئين لا يضايقني . وإذا كان صحيحا أنني مسلم بفضل من الله فإنني وُلدت مسيحيا وعُمّدتُ مثلي مثل السلطان وجميع المماليك – ص 286 ) .
وحين تلاحق الصور التي يرسمها معلوف للمرأة في الرواية فستجد أن الأنموذج الصلب والمؤثر والمكتمل أنوثة وعقلا وقضية هي “مادالينا” اليهودية (راجع “كتاب رومة” من ص 309 إلى ص 378) فهي مثله كما تقول : من غرناطة .. ومُرتدة :
(كانت الحقيقة عن مادالينا إذّاك هي مادالينا . ولم تكن بي سوى رغبة واحدة هي الرغبة في أن أتأمل إلى الأبد حركاتها وألوانها . فقد كانت تتفوّق على جميع نساء رومة فتورا في المشية والصوت ، وكذلك في النظرة التي كانت غازية ومستسلمة للألم في آن . وكان شعرها أسود حالكا من ذلك السواد الذي تعرف الأندلس وحدها كيف تصفّيه بكيمياء من الظل البارد والأرض المحروقة . وبانتظار أن تصبح امرأة كانت قد أصبحت أختي ، وكنت قد ألفتُ أنفاسها – ص 33 ) .
إنها بخلاف أمه المسلمة الذليلة التي “تطأطىء رأسها لأبيه المتجبر بعزم” في أفضل الأحوال ، وزوجة أبيه المسيحية “وردة” التي اشتراها أبوه من جندي أسرها لتكون جارية للفراش والمتعة ثم سقط في حبّها إلى أذنيه وأعادها أخوها ثم بذل “محمد الوزّان” المستحيل لاستعادتها . وجاريته الأولى “هبة” الأمة التي أهداها إليه سيّد “أورزازات” (على سبيل التشريف أو سبيل الإهانة لإطلاعك على الدرك الذي انحطّ إليه من يتكلمون لغتك – ص 177) كما قال له خاله . أو الثانية الشركسية “نور” التي تزوجها في القاهرة وهجرته راحلة إلى فارس تاركة له ابنته “حياة” لمتابعة مشروعها في  انتزاع مقاليد الخلافة لابنها “بايزيد” الذي خاضت من أجله الصعاب والمؤامرات . أو الثالثة ابنة خاله “فاطمة” الهزيلة الشرسة ذات الإثني عشر عاما والتي تزوّجها حسب وصية خاله . وإذا كانت “ليلته” الأولى مع هبة قد تمت في أجواء الرقص المدوّخ على أنغام الموسيقى الزنجيّة ، والثانية في ليلة دخلة عليه أن يدوس قدمها فيها ويعرض على الجارة الخبيرة خرقة دم البكارة المبللة بالدم التي سوف تنشرها أمام أعين المدعوّين فإن لقاءه باليهودية “مادالينا” كان لقاء “قضية” شرحت له فيه قصتها المروّعة التي بدأت بطرد عائلتها من غرناطة إلى تطوان حيث عاشوا على شفير البؤس بخلاف هجرة عائلته المسلمة إلى فاس حيث الحياة المرفّهة . ثم رحلوا إلى “فيراري” ولكن الطاعون ظهر على المركب الذي أقلّهم ففتك بالبحارة والركّاب وهلك أبوها وأمها وأخوها الصغير، ووجدت نفسها وحيدة على ساحل “بيزا” فاحتضنتها راهبة عجوز أدخلتها إلى دير .. وبعد أن ماتت هذه الراهبة جاءت أخرى أذاقتها الويل بالجلد والمحاصرة (ص 330 و331) . وأين ما يولّي اليهودي وجهه فثمة الإضطهاد المقدّر الذي يلاحقه ، فحتى في واحتي “توات” و “غزارة” لم يسلم التجار اليهود من الإضطهاد العجيب (ففي العام الذي سقطت فيه غرناطة بالذات ، وكان في الوقت نفسه عام طرد اليهود الإسبان ، حضر أحد وعّاظ تلمسان إلى فاس محرّضا المسلمين على إبادة يهود المدينة . وما إن علم الملك بأمر هذا الداعية إلى الشغب حتى أمر بطرده . ولجأ هذا إلى واحتي “توات” و”غزارة” ونجح في إهاجة الناس على اليهود ؛ ولقد ذُيحوا عن بكرة أبيهم تقريبا ونُهبت أرزاقهم – ص 178) . أي أن الداعية المسلم هو الذي يحرّض على إبادة اليهود المساكين الذين طردوا توّا من إسبانيا . وسط تراكمات وتشابكات تاريخية وسردية هائلة نخلص إلى حقيقتين : “نقاء” قضية اليهودي المشرّد الذي اصبح العربي والمسلم يشاركه في محنة “التيه” بدرجة أخف كثيرا وشبه ميلودرامية ، والتعالي على أي هويّة ، أي أن تكون هويتك في النهاية مجموع هويّات وبالتالي بلا هوية ! هذا ما افتتح به معلوف حكاية محمد حسن الوزّان على الصفحة الأولى من الرواية وهو :
(خُتنتُ ، أنا حسن بن محمّد الوزّان ، يوحنّا – ليون دومديتشي ، بيد مزيّن وعُمّدتُ بيد أحد البابوات ، وأدعى اليوم “الإفريقي” ولكني لستُ من إفريقية ولا من أوروبة ولا من بلاد العرب . وأُعرف أيضا بالغرناطي والفاسي والزيّاتي ، ولكني لم اصدر عن اي بلد ، ولا عن أي مدينة ، ولا عن أي قبيلة . فأنا ابن السبيل ، وطني هو القافلة وحياتي هي أقلّ الرحلات توقّعا .
ولسوف تسمع في فمي العربية والتركية والقشتالية والبربرية والعبرية واللاتينية والعامية الإيطالية لأن جميع اللغات وكل الصلوات ملك يدي . ولكنني لا أنتمي إلى اي منها . فأنا لله وللتراب ، وإليهما راجع في يوم قريب – ص 9 – الصفحة الأولى من الرواية ) .
ولكن لمن يوجّه ليون الأفريقي خطابه على الصفحة الأولى من حكايته  ؟ ومن هو “ولدي” الذي يؤمّن وصيّته / خلاصة حكايته لديه كي تكون منهاج حياته على الصفحة الأخيرة ؟ :
(مرّة أخرى يا بنيّ يحملني هذا البحر الشاهد على جمبع أحوال التيه التي قاسيتُ منها ، وهو الذي يحملك اليوم إلى منفاك الأول . لقد كنتَ في رومة “ابن الإفريقي” وسوف تكون في إفريقية “ابن الرومي” . وأينما كنتَ فسيرغب بعضهم في التنقيب في جلدك وصلواتك . فاحذر أن تدغدغ غريزتهم يا بني ، وحاذر أن ترضخ لوطأة الجمهور . قمسلما كنتَ أو يهوديا أو نصرانيا عليهم أن يرتضوك كما أنتَ ، أو أن يفقدوك . وعندما يلوح لك ضيق عقول الناس فقل لنفسك أرض الله واسعة ، ورحبة هي يداه وقلبه . ولا تتردّد قط في الابتعاد إلى ما وراء جميع البحار ، إلى ما وراء جميع التخوم والأوطان والمعتقدات – ص 389 ) .
إنه كما يقول ليون :
( إبني الأول [= من مادالينا اليهودية] الذي أسميته جوسب ، أي يوسف ، على اسم ابن يعقوب واسم السلطان صلاح الدين – ص 336 ) .
ولغبائي أنا الناقد فقد فوجئت بأن اسم القائد صلاح الدين الأيوبي الأول هو يوسف ، في الوقت الذي يعدّ فيه أمين معلوف – وهو يذكر أعياد المسلمين – ( عاشوراء ، وهي يوم مخصّص لذكرى الأموات ، وإن لم يكن الناس يقصّرون فيه عن تبادل الهدايا الفخمة – ص 71 ) ، ولا يعرف من هو الميت في هذا الشهر هو الذي نبش قبور ووثائق أدق البابوات والكرادلة ! .
وأعتقد أن هذا الموقف هو الذي شكّل من وجهة نظري جواز السفر “الأيديولوجي” والفكري – الذي خاضه الكاتب بحسن نواياه – الذي أتاح للرواية الدخول إلى ساحة الثقافة الأوروبية من أوسع أبوابها ، وتنال جائزة الصداقة الفرنسية – العربية ثم جائزة أوسترياس للأدب ، فهو موقف يصب في آخر الأمر في مسار واحدة من أهم وأخطر نتائج الفلسفة المادية الغربية وهي “الإنسان العالمي” والتي يروّج لها الفلاسفة الغربيون ، وتلحقهم بها طلائع التكنوقراط الثالثي المنبهر بالغرب . وهي أفكار راسخة ومتأصلة نابعة في حاضنة ثقافية تحكمها فلسفة مادية حلولية كمونية ، مقابل أفكار أخرى في مجتمع تحكمه فلسفة توحيدية وهيومانية (humanism) . وهذان النمطان كثيرا ما يخلط بينهما المثقفون والنقاد (ولا أعرف كيف يمكن لناقد أن يبني منهجا نقديا من دون إطار فلسفي ؟! ) العراقيون خصوصا ، عندما يناقشون مفهوم “المساواة” في الفلسفة التوحيدية الإنسانية المتجاوزة ، ومفهوم “التسوية” وصولا إلى المواطن العالمي في الفلسفة المادية وكما يطرحه معلوف ببراءة خصوصا في روايته ليون الأفريقي وكتابه “الهويّات القاتلة” . رؤية الإنسان العالمي محكومة بإطار فلسفي يرى أن (الإنسان ما هو إلا جزء من هذه الطبيعة وهذه المادة ، وقد صدر هو أيضا عنهما من خلال عملية التطور ، إذ لا يوجد سوى قانون طبيعي واحد يسري على الإنسان والأشياء ، فالوجود الإنساني نفسه يتحقق من خلال الآليات التي يتحقق من خلالها وجود كل الكائنات الأخرى ، أي الصراع والقوة والتكيّف . وهو وجود مؤقت ، تماما مثل مكانته في قمة سلم التطور ، إذ أنه حتما سيفقد مكانته هذه من خلال سلسلة التطور التي دفعت به إلى القمة . بل ويمكن القول بإن الأميبا من منظور تطوّري صارم أكثر تميّزا من الإنسان لأنها حققت البقاء لنفسها مدة أطول من الإنسان . والإنسان ، شأنه شأن الأميبا (وهي حيوانة عالمية) ، لا يتمتع بأية حرّية ولا يحمل أية أعباء أخلاقية ، فالقوانين الأخلاقية هي مجرد تطوّر لأشكال من السلوك الحيواني الأقل تطورا والحرص الغريزي على البقاء البيولوجي . وهذا يعني أن القانون الأخلاقي (وبضمنه قانون الهوية) ، وكل القوانين هي قوانين مؤقتة نسبية ، ترتبط بحلقة التطوّر التي أفرزتها ، ولذا يتم الإحتفاظ بالقوانين مادامت تخدم المرحلة . ومن ثم فإن الأخلاق المطلقة أخلاق دينية تدعو إلى حماية الأضعف والأقل مقدرة إلى الإشفاق عليه والعناية به . وهذا يعني أن كل الأمور نسبية تماما – وبضمنها الهوية والولاء – ولا توجد أية مطلقات) (42) .
إن الهوية هي الحاجز الأخير أمام العولمة التي لن يعيش على أرضها سوى المواطن العالمي الذي بلا هوية ، أو الذي يتعالى – طوباويا مثل حسن الوزّان بطل أمين معلوف – على كل الهويات فالنتيجة واحدة .
أعود للتأكيد على أنني لم أقل أن هذه هي أطروحات معلوف ، ولكن أطروحاته توصلنا إلى هذا المصب شئنا أم أبينا . إنه يوصي إبنه بأن الإنسان ما هو إلا عودة لله والتراب . وهذه نظرة طوباوية ينسف واقع المطرقة الغربية الأميركية عالميا والصهيونية محلّيا أسسها التي هي أسس طوباوية “يحلم” بها معلوف كما يقول في الهويات القاتلة :
(إنني أحلم باليوم الذي أستطيع فيه أن أدعو كل الشرق الأوسط وطني ، كما أفعل مع لبنان وفرنسا وأوروبا ؛ اليوم الذي أستطيع فيه أن أدعو كل أبنائه ، المسلمين واليهود والمسيحيين ، على اختلاف طوائفهم الدينية واختلاف أصولهم ، أبناء بلدي – ص 132 ) (43) .
وقد ركّز معلوف كل جهده على العلاقة بين الغرب المقتدر والشرق المحاصر . وتناول أمثلة على صراع “الهويات القاتلة” من كل مكان في العالم من الصين إلى جنوب أفريقيا وعبر مراحل تاريخية مختلفة وضرب لبنان أنموذجا للحلول والمخاطر المحتملة في الوقت نفسه .. ولم يشر بكلمة واحدة إلى معضلة المعضلات في تنامي هويات العرب والمسلمين “القاتلة” وهو : إسفين الكيان الصهيوني ، خطيئة أوروبا التي هجّرت اليهود مثل ما حصل للمسلمين في إسبانيا ولكنها تعوضّهم بمئات المليارات سنويا منذ عقود ووجدت لهم وطنا ليس في بيت أوروبا الجلّاد كما هو مفترض ومتوقع ، ولكن في الوطن العربي ( أو الشرق الأوسط كمصطلح عولمي بديل)  . إن حلّ معلوف المتسامح والمتعالي يذكّرني يحل آخر غريب جدا قائم الآن في بيروت . فمقابل مطرقة (إسرائيل) النووية والوحشية ومذابحها في لبنان (12 ألف قتيل على يد شارون فقط) ، تتأسس جامعة علمية في بيروت تمنحك شهادة دكتوراه في “اللاعنف” بعد دراسة وأطروحة لأربع سنوات ومناقشة صاخبة يتم تهويد القدس في صباحها !!.
وأمام مثل هذه المخاطر – وجانب كبير منها مردّه إلى تقصير ذاتي – التي تتعرض لها رواية محنة الموريسكيين المسلمين تأريخا وسردا تأخذ دعوة عمّار إشبيليو لجابر مداها الكامل :
(الكاتب الموريسكي يشير هنا إلى اعتذار الملك خوان كارلوس بنفسه مما جرى لليهود في قشتالة . لكن ، كما قلت لك ، إنّ كتم حالنا وغيابنا هو الواقع . وهكذا فعلنا بأخبار المخيّم . أليس مخيما للمواركة هو ؟!
لا أريد أن أؤذيك أكثر . لكن لتطلّع لا غير , فقط لتطّلع . إقرأ معي وأعد قراءاتك كلّها . لست أنت فقط ، كلنا يحتاج لإعادة قراءاته للتاريخ وحقائقه .. كلّنا – ص 57 ) .
عودة : المنافسة الحكائية المشروعة :
——————————
.. وفي عملية تنافس سردي مشروع  ، تدخّلت خيمة غرناطة الآن ، لتعزف على وتر الحكاية ، حكاية قمرين أو إغلاق الحمّامات ، كأنها لم تتقبل انفراد خيمة إشبيلية بها ، فنشرت على روّاد المخيّم ما أبدعته ريشات أصحابها من حكاية تجمع بين الألم الإنساني والمحبة وهي “حكاية سوق القيصرية” وفيها يُدخل جابر لعبة “الهوامش” على المتون . نعلم أولا أن الهولندي لم يكن اسمه “كولاني” بل “بيتر باستن” وأنه جاء إشبيلية بصفة تاجر حرير في حين أن مهمته السرّية التي كلّفه بها أمير أورانج الهولندي في إسبانيا هي التجسس والبحث عن مصير بعض الإسبان الذين اعتنق آباؤهم البروتستانتية خلال وجودهم في هولندا ضمن قوات الإحتلال الإسباني وكانوا أصدقاء للشعب الهولندي ورفضوا ظلم محاكم التفتيش . وهنا يأتي هامش “فيرونيكا” التي وضعت خطا تحت عبارة “حرير الأندلس” وكتبت بمحاذاتها هامشا استغرق جانبي الصفحة كلها لتكشف المعلومات المهمة السابقة . لقد اثار لديها تعبير محايد هو “حرير الأندلس” تداعيات عميقة ومهمة . وهذا هو واجب الهامش ودوره ؛ أن يرسم في الذاكرة مسارا مضافا لا يخرج عن التكوين الشبكي لبنية الحكاية ، وقد صمم جابر حكايته – أو حكاياته – بصورة تشبه “شبكة الصيد” – وهذه من عطايا سيّدة الحكايات “ألأف ليلة وليلة” ايضا – حيث أن أي مسار تتخذه يأخذك إلى “عقد” سردية قد تبدو بعيدة عن نقطة البداية لكنه قادر على أن يعيدك في اية لحظة إلى العقدة التي انطلقت منها أو إلى العقدة الأم .
وليس أي هامش له قيمة حيوية بالنسبة لدفق مجرى الرواية وديمومته . لقد اعترض بعض أعضاء خيمة غرناطة (يسمّيها جابر الآن “الخيمة الحمراء” بدلالة عميقة) على إضافة هذا الهامش للحكاية متعلّلين أن مادة الحرير وليس التفتيش عن البروتستانتيين هو الذي جاء بباستن إلى إشبيلية ، فطرح الموضوع للتصويت وأقرت أغلبية الأصوات إضافته .
ولو لاحظنا الكيفية التي تتوالد فيها حكايات المخيم فسنجد استثمارا مضافا لواحدة من أهم دروس سيدة الحكايات ألف ليلة وليلة ، فهناك رحم حكائي أمومي أول (رحم الأنثى الحكّاءة / رحم شهرزاد ؛ فأول حكاية في تاريخ البشرية هي حكاية الأنثى الأم) استوعب الحكاية الرئيسية ، ثم بدأت تنمو فيه أجنة الحكايات الثانوية (هذا يعيدنا إلى “البذرة” فالزراعة تمظهر جنسي) . وكل حكاية جنينية تولد بعد مخاض يشتد أو يخفت حسب أهميّته بالنسبة لتأصيل ملامح الرحم الأول . وهذا الجنين السردي “سوق القيصرية” عدّه البعض مملا وعبارة عن استطالة سردية . وليس كل ما يسطّره الروائي من حكايات يُحاكم بطريقة “جمالية” على طريقة قاعدة “شارل فلوبير” فاتح أبواب مدرسة الفن للفن بمقولته الآية : (إن البيت الجميل الذي لا يحتوي على أي معنى خير من بيت أقل جمالا وإن احتوى على معنى ) . فهناك “معلومات” تُقدم للتعبير عن فكرة رئيسية في الرواية . وهذه الحكاية إن كانت مملة فنيا لدى البعض من ناحية “الشكل” فإنها مفيدة من ناحية “المضمون” الذي أكّد الأخوة والمحبة الإنسانية بين أبناء الأندلس مسلمين ونصارى من خلال محنة “ريكاردو” المسكين وعائلته والذي أحرقه القشتاليون لأنه يؤوي موريسكيين عربا (راجع الصفحات 64 و65 و66) . وفي ختام “تتمة” حكاية سوق القيصرية هذه ، يزرع عمّار إشبيليو بذرة (أو بذرتين في الواقع) حكاية جديدة في رحم الحكاية الأم .. أو في تربتها لتتكاثر كحبة قمح وأصلها مشتق من فعل رحم الأنوثة ( وقد عجبت من بعض الباحثين الأسطوريين الذين يقولون بسذاجة أن الفعل الجنسي البشري اشتق من فعل الطبيعة في المطر أو الزراعة … إلخ) ، وهي حكاية كناري الإبنة البكر لقمرين التي عُمدت في كاتدرائية إشبيلية بهذا الإسم ، وحكاية ولدي قمرين ؛ حامد أو خوان رودريغو الذي اشتهر في الأدب باسم حامد بن قمرين ، وهو حفيد البحار الشهير الذي يحمل الإسم نفسه ، وعمّار أو أمّاريو الذي ولد بعده بخمس سنوات .
ولكن حكاية “كناري” لا تبدأ أوتنتهي بكناري اينة قمرين ، بل تبدأ بكريم كاسياس في “عودة” (هذا ما أسمّيه بالتركيب الشبكي) إلى ثورته وتحصّنه بالجبال وقتله أعدائه وخطّه اسم مايوركا على صدورهم بالخميادو التي فك رموزها مارانوش يهودي واش . ولكن حكاية كريم الآن تُخط بقلم حامد بن قمرين .. وهكذا “يرسم” كريم حكايته ليرسمها حامد بقلمه (والجذر “رسم” اصلا وضع لوصف رسم الحرف !) ليعود أعضاء خيمة إشبيلية ليرسموها بدورهم عبر رسائل موجّهة إلى جابر “يرسمها” عمّار إشبيليو على شاشة الكمبيوتر . ولو لاحظت “الفعل” الذي يستخدمه جابر لوصف عمل السرد الذي يقوم به أعضاء الخيم لوجدته يستعمل الفعل “يرسم” فيقول مثلا : ( .. ما أبدعته ريشات أصحابها من حكاية – ص 58) . إنه ليس “رسما بالكلمات” أبدا .. فأواليات اشتغال الفن الحكائي تبدأ بـ “رسم” الحوادث والشخصيات وسوف تكون لنا معالجة اوسع لهذه الموضوعة في مناقشة حكاية رسم لوحتي “بنات الأندلس” .
.. وجابر نفسه يتساءل ما علاقة كناري بمضمون الحكاية السابقة ولماذا أوردوا الملاحظتين في المقدمة (راجع الصفحتين 68 و69) . وجاء تأكيد عمّار إشبيليو في رسالته الجوابية على أن سير الإحتفالات القصصية في المخيّم كانت على هذا النحو العشوائي الغريب والمثير للمتعة والإنشداد غير دقيقة إلا في إثارة المتعة والإنشداد . فلو راجعت فنون سيّدة الحكايات ومنجزاتها السردية لوجدت أن المتعة فيها تقوم في إحدى توجّهاتها على “الإنحراف” بالسرد (على مسار خيطي في التكوين الشبكي) بصورة توهم القاريء وكأننا نمضي في اتجاه حكاية جديدة ، وإذا بنا نعود لاحقا إلى الحكاية الأصلية (الثانوية) المستظلة بخيمة الحكاية / الرحم الأم . فالعودة إلى كريم لابدّ منها لأن ملاحظة التنبيه الثانية عن أن اسم كناري بنت قمرين سوف يتداخل مع اسم كناري أخرى لكن من نوع مختلف سيوصلنا إلى ثيمة الحكاية التالية وهي “كناريات” التي تتحدّث عن انتشار عادة تربية الحمام عند المواركة . كان كريم والسيدة قمرين يستخدمان الحمام لتبادل الرسائل بين الأول في الجبل والثانية في بيتها . ولكن مدخل حكاية كناريات “ينحرف” ليتحدث عن “قصر الطين” الذي كانت تحط عليه الحمامات بكثرة . وهو قصر بناه أحد الأندلسيين في نفس المكان الذي لعبت فيه بالطين اعتماد الرميكية زوجة المعتمد بن عباد أمير إشبيلية وكان الطين معجونا بأغلى وأندر أنواع العطور .
صادر الدون ألفونسو خمينيز هذا القصر “قصر الطين” . فبنى (بن سالم) “دار الطين” على غراره من الداخل وشوّه منظرها الخارجي لكي يأمن شرور المصادرة . وقد ولع ابنه (لويس) بتربية الحمام على سطح الدار . وبسبب ألعاب هذا الحمام المدهشة كان القشتاليون يشكّون في أن في الأمر “سحرا” . وفي حفل أحد الآحاد ذرقت حمامة على صلعة الفونسو وأثارت ضحك المدعوين .. لكن أحد القديسين أشعل المطالبة بمصارة “طيور الشيطان” ، وشيّه وجلد ومصادرة أملاك اصحابه ، وهذا كان مصير بن سالم الذي اعتُقل وسيق إلى الكاردينال “زمينز” (والكثير من الأسماء حقيقية) ثم أُطلق سراحه بأعجوبة ووساطات بعد أشهر ليعيش مع عائلته ذليلا في غرفة ملحقة ببستانهم المُصادر !
حادثة الأب بن سالم اشعلت النقمة في قلب ولده لويس الذي قرّر الانضمام مع صديقه حامد بن قمرين (اقتربنا من كناري قليلا ) إلى من يخططون للثورة ضد القشتاليين . تدخل كناري كشخص ورمز ساحة الحكاية الآن بعد أن علم ألفونسو الساخط على طيور الشيطان بأن الموريسكيين يسمّونها “كناريات” اعتزازا بالسيدة قمرين وتيمنا بابنتها كناري . هنا تأتي وقفة اعتراضية تفسيرية تقدمها “مارتينا” الموريسكية تحت ما يشبه هامشا اسمه “يوم الطين” تكشف فيه معنى قصر الطين الذي كان ملكا لجد بن سالم الذي قرر بناء دار الطين على غراره بعد مصادرته .. إلخ . وفي ما يشبه الترتيب الحلقي للسلسلة يأتي توضيح يوم الطين .. يوم اعتماد الروميكية .. ثم تعليق ثالث بلا إسم لأنه يعبر عن مشاعر نقمتنا جميعا يقول :
(ومن اضاع الأندلس وجعلنا نسكن في هذا المخيّم غير يوم الطين وأمثاله ؟! – ص 82 ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.