عبد الكريم كاظم* : أسعد الجبوري: التطابق الشعري الخالص بين اللغة والمعنى

* شاعر وناقد من العراق

1
كتابة المعنى الشعري ..

تمارس الكتابة الشعرية المغايرة علاقة اختلاف مع اللغة، وباللغة يختلف المعنى والمبنى، والأختلاف هنا ليس مجرد مغايرة عابرة أو لعب لغوي يسقطنا مجدداً في دائرة التكرار بل هو محاولة للتماهي مع الشكل الجمالي للنص الشعري المكتوب . في وضع كهذا أو في فهم كهذا للعلاقة بين الجمالي والشعري تتحدد معه العلاقة هذه كعلاقة مغايرة شعرية واختلاف جمالي وليس كعلاقة معنى ومبنى فقط .

ليس لنا أن نفهم علاقة الاختلاف في نصوص الشاعر أسعد الجبوري على أساس من هذا الزخم اللغوي، بل لا بد لنا من أن نفهمها على أساس نقدي معرفي به تقوم علاقة الكتابة الشعرية مع أي شكل فني بعلاقة نقدية تمارس الكتابة الشعرية، خلالها، حريتها اللغوية وضمانتها الجمالية بأن تكون قولها على حدّ نقدي يفهم الأختلاف بين النص والشاعر، بمعنى آخر فاللغة وحدها ليست مقياساً مطلقاً لفهم النصوص الشعرية والتوفيق أو التطابق العابر بين المعاني المتناثرة هنا وهناك، اللغة تحتاج إلى حدس أو حس نقدي وهو عمل الناقد وأسلوبه في القراءة مثلما هو عمل الشاعر وطريقته في كتابة المعنى الشعري، لنطلع على هذه المقاطع التي تمثل لغتها الشعرية المغايرة مستوى المعنى الكامن في ثنايا النص: (ليس من مكان نذهب إليه ولا أنا، قالت له اللغة وهي تسحبه من خصره نحو التلال في منتهى الليل) (ما من كورال إلا وتسرقه عذوبتك للغناء حيث تجتمع البلاغة في قصيدة تأخذ العقل) (إزاء هذا الخبل أريد لغة تثقل عنق العراق) (ألف طويل وموسيقى تعصر ثوبها في حدقة) .

الكتابة الشعرية لدى الشاعر أسعد إذ تمارس نشاطها اللغوي في علاقة لها من الجمالي مختلفة، إنما تمارسه كذلك في علاقة لها أخرى، مع المغايرة الفنية والمغامرة اللغوية، هي أيضاً نقدية فالمغامرة أو المغايرة هي الشكل المختلف الذي لم يستو بعد في صياغة شعرية نهائية، إنه النص المقروء أو المحسوس في

الكتابة وفي فضاءه المفتوح ضمن تشكيلة من العلاقات اللغوية والفنية والذهنية التي تكون الطابع النقدي وبدور هذا الأخير تبدو الكتابة الشعرية متمثلة بموقع هو منطقها الذي به تمارس نشاطها اللغوي صياغة وقولاً وأعني نطقاً فنياً، لنتأمل هذه العبارات الشعرية: (فم فائض ومطمئن، أنت ضعت في ضبابه) (للمرة الأخيرة تؤثث الغرائز منازلها تحت رافعة النهدين) (بعدما أتّم الهواء بنائي تجمدت الأجراس في العيون) .

قد نخلص إلى القول: إن الكتابة الشعرية لدى الشاعر أسعد لا تتحدد، إذ تمارس نشاطها اللغوي، بالشكل الفني وحسب وأن هذا الشكل هو شكل أختلافتها وإنتاجيتها المبدعة، ولا تتحدد أيضاً بمجرد اللغة الصارمة، إن على مستوى علاقتها بالمعنى أو بالمبنى، بالجمالي أو الفني .

نختار نصوصاً شعرية، العناوين فقط، وإذ نختار عنوان هذا النص أو ذاك لأن العنوان، نفسه، يقدم نموذجاً مصحوباً بتماسك بنيته اللفظية، ولأن اللعبة الفنية فيه تمكنت، مع حفاظها على هذا التماسك اللفظي، من الإيهام الجمالي فداخلت بين المعنى المنشود وتركيبة الجملة الشعرية، ونحن إذ نتناول هذه العناوين إنما نتناولها ليس كمثال عابر وحسب بل كنص مكتوب على مستويين: مستوى المعنى ومستوى الجملة الشعرية وهنا أريد أن أشير إلى أن العنوان ليس موجز النص المكتوب وليس هو بالتالي المعنى المنشود وحسب بل هو ما نصل إليه، أثناء القراءة، بعد تفكيك اللفظة الشعرية وتجريدها، لنتأمل بعض من عناوين نصوص الشاعر أسعد الجبوري: (عندما تفكر الدموع/قاموس العاشقين/الأناركيزم والأكمه/الوداع باب بصرير/تمارين عظمى للمخيلة/لم يبق من الجحيم إلا دانتي/الهايكو كحيوان ياباني/البكتريا الايروسية/نسخة الذهب الأولى/مخلوقات الألبوم الشيطلائكي/البحر في حقيبةٍ وغريق يطفو على الكيبورد) . غير ان اللافت هو أن زوايا النظر في القراءة النقدية، على شكل اختلافها، ظلت في غالبيتها تحوم حول إشارت، تتعلق بالعنوان، ذات مدلول معرفي جمالي فحدّدت، بالتالي، حقل المعنى الشعري وأفق تطوره اللغوي، والعنوان هنا، أيضاً، هو الأداة المعرفية بامتياز والتي تنعكس على طبيعة الكتابة الشعرية المختلفة المحملة بدلالات تقع داخل النص .

2

الشكل الفني ..

لعلّي أقول: إن الشاعر أسعد الجبوري شاعر مغاير، حتى على صعيد الشكل الفني لنصوصه، فالشكل الفني هو جمالٌ بالأساس أو هو في وجهٍ أساس من وجوهه، شكل من أشكال الممارسة الذهنية أيضاً وليس انسياقاً مع عفوية الكتابة الشعرية الخاضعة للصدفة عند البعض أو الواقعة في ظل الالتباس النقدي والتداخل الشعري وعدم التحديد في كثير من النصوص الشعرية والدواوين الصادرة هنا وهناك، وإذا تأملنا نصوص الشاعر نلمس تلك التشكيلات اللغوية المختلفة أو التجليات المتنوعة لمفردات شعرية غير محددة تنطلق من رؤية فنية صارمة، لا توهمنا بالبذخ اللغوي ولا تخون الخيال، ومن تصورات فكرية لطبائع الأشياء وتفاصيلها ثم من مفهومه للشعر، كما أرى، الذي يرى الحياة الحقيقية وصولاً إلى الحلم، وهذا ما أشار إليه في هذه الالتقاطات الشعرية المعنونة “بنك الخيال”: (الحلم فاكهة صغيرة السن) (وأما الجسد فباصٌ لركاب يتساقطون تباعاً) (البكاء مجرى الأنفس وأما الدمعة فوحدة قياس عند العاشقين) .

تتعيّن شعرية أسعد بتصور معرفي جديد للعالم، قبل أن تتجلى في أغلب نصوصه الشعرية التي يرتكن خلالها إلى العبارة الذهنية ومجانبة الوضوح، يُعَلّم قارئه، كما يبدو لي، طريقة التأمل بالنص بشكل موارب قبل أن يرسل إليه، من خلال المعنى، بعض الإشارات المحملة، أحياناً، بالالتباس وهو يتقاطع من نصوصه تارة ويلامس لغته المسكونة بالمتغّير تارة أخرى ولا يخفي، في ذات الوقت، الافصاح عن تصوره المعرفي بالعالم الذي يستنبت المعاني المشاكسة أو الدلالات المشحونة بالسحر والتاويل والمقاربة .

لا يفصل الشاعر، في مجمل نصوصه الشعرية، بين اللغة والخيال ويعتقد أن الكتابة الشعرية، وبالمعنى الدقيق للكلمة، هي عبارة عن تصورات باطنية لا يقدر على ردها إلا بالاستعانة على المخيلة وفنية اللغة، بمعنى آخر: إذا كان الشاعر قادراً على تلقين المعنى الشعري ما شاء من الكلمات والمواقف والصور فإن منتج النص الشعري سيُعير الشاعر كل الاهتمام الجمالي الفني ولا يكترث بمعادلات اللغة، أحياناً، الغارقة بالبذخ وبسبب هذه المفارقة النقدية، في القراءة، فإن نصه يحاور الخيال/اللغة من دون اغتراب ويأخذ بزمن شعري مشخّص يطرد زمن الكتابة العفوية، كما أشرت سلفاً، ذلك أن كتابة النص لدى أسعد لا

تستحضر الزمن القريب ألا لتنفيه لأن الزمن البعيد الذي يكتب فيه يستلهم روح الماضي ويعرض عن الحاضر الذي يريد تجميد الحياة في لحظة ما، وهذا ما أشار إليه في النص المعنون (سركون الأكدي) كما لو كان يقول أن على القديم والمتقادم أن يخرج من كهفه، وأن البقاء في الكهوف دعوة إلى الجمود والموت وعلى نص الشاعر أن ينطلق إلى حياة منسوجة من نبض اللغة وأوجاع المعنى، إذن، هذه هي الأهمية المعرفية التي يحتلها النص الشعري جمالياً ونقدياً . من هنا يمكن أن نتلمس ما ذهبنا إليه في هذا الجزء، أعني الشكل الفني، خلال قراءتنا لهذه المقتطفات: (كم تمنى السرير أن لا يفيق وأنت نائمة) (الألم أن تكون وحيداَ في مضائق الألفاظ) (ومن الصخب تخرج علينا أميرات الحبر على دراجات من حرير) (قدم البيانو تنزف أناناساً) (وكلما لمست طرفاً منك أسمع بيانو يتأوه خارج النوتات) .

3

ذاتية مفرطة الاناقة ..

ما يشغل الشاعر في الكتابة الشعرية يقع في صدق النص (ذاتياً) وفي حدة الاناقة (شعرياً ولغوياً) وهذا ما يجيزه الشاعر في أن يجعل جزءاً من ذاته مادة شعرية غير محجوبة، وهي إجازة لا تتقيد بما هو متاح ومقبول أو واضح عن الذات في نظر القارئ طالما أنها تعين القارئ النقدي للخروج بسر المعنى الشعري إلى العلن، وهكذا تقترن الكتابة بالذات أو بخلوة الشاعر، بأنواع مختلفة من المسرّات والغياب والآلام التي تكون عالماّ ذاتياً خاصاً بالشاعر، وبهذا، أيضاً، تتحقق علاقة الذات بالنص الشعري ولعلنا نجد في هذه العلاقة تعويضاً عن هذا الوجع الذاتي أو تصويراً لحالة الفقدان طالما أن الشاعر أقام علاقة إيصال وأتصال بين الحياة والشعر تقوم على تخييل أو تصوير لما هو موجود في نثر الحياة نفسها وأقتصر جهده، ذاتياً، على لعبة أفصاح لما هو واقع في الحياة والشعر واللغة والمخيلة، ولقد بدا لنا، من خلال بعض النصوص، أن الشاعر غارقاً في الذات من حيث يعلم أو لايعلم وانه ينتهي إلى الإفصاح حين يريد أو يحجم عن ذلك وأن النص واقع في مساحة قول المعنى، وإنني أرى أن هناك ضرورة نقدية، عند قراءة أي نص أدبي، للتفريق بين الذات وسلوكها وبين ما يريده الكاتب منها وإن هناك وظيفة للذات في العمل الأدبي ووظيفة أخرى للنص الذي يحتوي عليها،

إذن هذه هي الذاتية في فلسفتها الشعرية الجمالية، ذاك أن الذات صورة كبيرة تنفتح على فكرة لا تشير إلى المعنى بيسر بل بقراءة نقدية صارمة أو بمماطلة وفي هذا الموقف نورد قول أبو إسحاق الصائبي: (وأفخر الشِعْر ما غمض فَلَمْ يُعطك غرضه إلاّ بعد مماطلة منه) . نخلص من كلامنا هذا إلى القول بأن الذاتية التي نحن بصددها ليست ظاهرة شعرية عابرة بقدر ما هي ظاهرة فلسفية، تتعلق بوجهة نظر الشاعر من الكون، ولا لكي ننفي عنها الطابع الشعري الذاتي بل لكي نؤكد أن الفلسفي فيها هو الأساس وأن ما عداه، شعرياً أو ذاتياً، يحتل الأهمية النقدية المضافة في تعريف هوية النص والشاعر معاً، ألم يقل كانط: (أن الفلسفة هي معرفة الأنا في علاقنها مع اللا أنا) لنقرأ هذه المقاطع الصغيرة من نصوص أسعد الجبوري: (ما من راو واضح لحبكة النفس) (يعرفكم بنفسه امهر السباحين وأطولهم غطساً، إنه الغريق) (كلما غطى حلمهُ تخرج القدم من اللحاف) (التأمل في السعادة يثني العصفور عن الذهاب إلى دار الأوبرا) .

4

تقنيات النص التخيّلي ..

كيف تجعل، الكتابة الشعرية المختلفة، القارئ يخرج من غيبوبة اليومي؟ حين تبتعد عن التكرار أو بتقديم الحدث اليومي بصورة مستهلكة ولا تركز على الجانب الدرامي التقليدي الذي يبث الرعب في الحياة، فالكتابة المختلفة ترتكز على المفارقات التي يتوارى خلفها معنى النص أو موقف الشاعر مثلما تعتمد على الدراما الكامنة بين تدفق وتوهّج القارئ/الإنسان في لحظة وبين انطفائه وسكونه في اللحظة اللاحقة، بين التأسيس والهدم أو بين الوجود والعدم وتلاصقهما وكأنهما واجهتان لشيء واحد، في هذا تكمن تقنيات النص التخيّلي في نصوص أسعد وكأننا نعيش مع اللغة ونتماهى مع الخيال وكأن اللغة والخيال توأم لا يفصل بينهما إلا لحظة تأملية تُؤنْسِن الشعري ولا ترفع عن الشاعر إنسانيته وتجعل، في الوقت ذاته، من النص كائناً حميمياً بملامح إنسانية مغلفة بلغة رصينة خالية من الترهل والاورام، أليس هو القائل: (الضعف اللغوي يعد منشأ كل مرض يصاب به كاتب النص الشعري، النصوص الرديئة عادة ما تحمل في اجسادها الفيروسات القاتلة) وبهذا أيضاً يعي الشاعر فكرته الشعرية ويدرك تماماً

قابلية المعنى الإنساني/الشعري على التأسطر لذا يبدأ من ذاته، كإنسان، ليكون، بالتالي، معياراً لعالم ممكن .

تُرجع نصوص الشاعر للمفردة الشعرية جمالها وللمعنى بداهته الأولى وتنلقنا من التكثيف اللغوي إلى الإيجاز الذي يضفي للنص تقنيته الخاصة الخالية من الرتابة والجمود ويمكن قراءة نصوصه على الصعيد المجازي فملامح المعنى توازي ملامح الخيال ويمكن أن يُقرأ المعنى بوصفه سياقاً عاماً للصورة الشعرية، إذ السياق يستدعي معنى النص ويختلط به وقد توحي هذه الحالة، أثناء القراءة، باشكال لغوي غير أن القراءة النقدية الصارمة تقوم على إمحاء المسافة/الاشكالية بين المعنى والنص الذي يلغي، بدوره، مثل هكذا احتمال .

النص التخيّلي يأخذ حيزه المحدّد في المكان والزمان مثلما يطرح موضوعة المعنى لا كعبارة غائمة تقبل إحالات متعددة، فالموضوعة هنا معنى النص والقراءة النقدية له، هي بداية التفكيك التي تشكل امتداداً لمعنى النص الذي تبدو من خلاله الدلالات والرموز والإشارات ناطقة بلغة شعرية لا تقبل الالتباس، لغة خارجة عن صورتها المتكرّرة في الكتابة الشعرية السائدة المستهلكة، لغة شهوة ومتعة جمالية . لنتأمل في هذه المقاطع المختارة من نصوص الشاعر: (الورد سريع النسيان أن هرول بين يديك أو في الحقل) (العين أرض الزلازل والحب جندي احتياط) (وما كنت أعطي يدي لحزن من غير سلالة الباطن الضوئي، هكذا أجرّ حصاني لتتبعني الريح) (هل السؤال يهرب من نسيجه ويقذفنا من الطابق الأخير للرسائل) .

5

الإطاحة بالخمول الذهني ..

العبارة الشعرية المعرفية المكثفة بالمعنى تلازم عند أسعد الجبوري لغة النص مع رهان على قدرة المخيلة على التحليق وعلى الإطاحة بالخمول الذهني الذي يغلف الكثير من النصوص الشعرية السائدة، فقد قدم الشاعر تبررين للتثبت من ضرورة قدرة المعرفة الشعرية: أولهما جمالي، قوامه الفكرة واللغة التأملية الخاصة بفلسفته الجمالية . وثانيهما فلسفي، وبمقتضاه تكون لغة النص قد صنعت الفكرة الفلسفية التي تتطابق مع المعنى المغلف بمسحة صوفية، سعى إليها الشاعر في

بعض نصوصه، تستحضر، في لحظة ما، زمن النص، ذاته، وهو يجسد الحياة أو الكون إذ الزمان منطوٍ في الشاعر والنص على مذهب المتصوفة وهكذا يختزل أسعد هذه اللعبة الشعرية المعرفية وكيفية ارتباطها بالوجود عبر هذا الشطر الذي اسماه “موقف الشفرات” (هذا النهار حيوان شعبي، هنا رمزه يذوب في نهاية المفكرة ويلعب الصبية بطينه دون اكتراث) وفي هذا الجزء المسمى “موقف النوم” (ليس من نائم بين هضاب الموت سوى السرير) وفي هذه الجملة الشعرية التي لا تخلو من التهكم أو الفكاهة الشعرية الموضوعة تحت عنوان “موقف قصيدة النثر” (قصيدة النثر بالشورت على بلاج اللغة/لكنها ليست آخر تفاحة للخطيئة) أو (النصوص هوائيات لنزهة الشيطلائكة وثمة نساء في محميات الذهن عادة ما يُطلن التحلم بصقور تأتي من وراء التلال لتندفع في لحومهن نبالاً من لذائذ غير اكاديمية) .

لقد أجاد أسعد في تفسير هذا التطابق، الجمالي والفلسفي، المشار إليه أعلاه عندما فسّر كيف ينكشف واقع علاقات المعنى للنص الشعري في حين تبقى اللغة الرصينة متحررة من الخمول الذهني وغير أسيّرة تصورها المستَلَب للقارئ الخامل أيضاً، إذن، هذا هو الانطباع الذي أجاده وأوجده الشاعر للتمييز بين المعاني والنصوص، لذا فإني أقدّم، من خلال هذه القراءة، بعض الانطباعات مما سبق من نقد للكتابة الشعرية المختلفة واشتراطاتها الفنية واللغوية، لعلها تشكل نقطة بداية في جدال شعري أعمق ونقد رصين وقارئ مغاير، وأخيراً لا بد من التأمل في عبارات الشاعر المحملة بمدلولات عدة: (القصيدة في النهار مكشوفة الظهر، هكذا ينتابني شعور ما، عادة ما يكون مجهول المصدر، ليؤكد لي صحة تلك الفكرة مما يتطلب الاحتراس من اللغة أو الخوف من مخلوقاتها اللاعبة على حبال الغسيل أو تلك المرمية على الأرصفة والوجوه والمقاهي دون غطاء لغوي يحمي المعاني من الانكشاف السريع كما يفرض على النص هيبة الغامض المجهول مما يمنع انقياد النصوص إلى القراء كالدوّاب) .

القراءة مسؤولية نقدية وأخلاقية والشاعر مسؤول عن صياغة الحياة والجمال والفكر والعالم الممكن، لذا يجب أن نبحث عن النص المحمل برؤية جديدة أو بفكر محض تحدثه الكتابة الشعرية المختلفة، وإن طريقة الوصول إلى النصوص المغايرة هو الإدراك المعرفي والنقدي والجمالي والذهني لمعطيات لا يمكن رؤيتها فحسب بل لمسها وتذوقها .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.