جينا سلطان* : اغتيال نوبل لأسعد الجبوري؛ تعددية الذات كتابع لتاريخ الطوارئ

إشارة : تحتفي أسرة موقع الناقد العراقي بالشاعر العراقي المبدع “اسعد الجبوري” الذي طبع بصمته المميزة والباهرة على جسد الشعرية العراقية ، ومازال وبمثابرة عزوم يغذ الخطى على طريق العذاب الآسر هذا .. فتحية له .

* كاتبة وناقدة من سوريا

حين تصبح الأوهام الكبيرة أرضا لمسيرة الذات، تتعامد أجنحة الروح مع خطوات الأنفاس المحترقة، لتظلل المساحات الداخلية بأفياء أجوبةٍ ملتبسة وظلال طمأنينة عابرة، تعتلي متن السكرات الخرافية مبشرة بميلاد نبي مهشم، يوطد حواريه هدنة البرزخ الرمادية.. هذا النبي المهشم يكسيه الشاعر العراقي “أسعد الجبوري” بترانيمه الجامحة وعنفوانه المتعدد، ويمنحه اسم فيلمون، ليحرث من خلاله تاريخ الطوارئ، في رواية تحمل اسم”اغتيال نوبل”.

في الرواية /القصيدة يخلق “الجبوري”عالما مسرحيا متكاملا، يحتضن دوامات فيلمون الفكرية، ويوجهها صوب عتبات العقول المخدرة، لأخذها في رحلة نحو تخوم الأسئلة المصيرية للإنسان، المكبل بقيود الحضارتين الشرقية والغربية. أي أن فيلمون، سيهز عرش المتوقع المألوف، المتجذر في جمودية الفلسفات الميتة، متحديا تاريخ الطوارئ، مسطرا بتمرده وصولاته الجنسية كتابات المساحات المُنتظِرة، مكسبا الرواية طابعا سرياليا بنكهة الكوميديا السوداء.

كي يحقق “الجبوري” غاية الحوار الوجودي، يضاعف طبقات الأبطال، حواريه المخلصين، ابتداء بالعشيقة المهجورة جوانكا، التي يحملها مهمة حراسة مستودع الإرث الواقعي، ويوسع المواجهة نحو الثورة، لاستثمار المجهول وتقويض الواقع تمهيدا لنسفه. ثم يعرف أبعاد شخصية البروفيسور فيلمون، الذي انساق وراء العمل على طبيعة الأجساد وغرائزها، كمادة تصلح لمعالجة تحولات الحياة، وعرف كيف يكون نارا تصطلي بها الفراشات. ربما لأنه متورط بأفكار محيرة، مقلقلة، تتجاوز كليا أنقاض الثقافة القديمة، والشروط الاستهلاكية التي تتحكم بمصائر

البشر ووجودهم على الأرض. مما يسمه عاشقا مثاليا تتلألأ روحه من وراء جداره الإنساني.

وكتحريك للواقع الإنساني الذي يراه “الجبوري” مستنقعا لا تنبت في قاعه إلا السيوف، يستحضر روح العالم المادي، ومدخنة العصر الغباري، ممثلا في شخص الصحفي الأميركي واشنطن. ويحاول عبر المواجهة بين الاثنين تحدي الاستهلاك الإنساني في طواحين الموت، وبث الحماسة في أطوار الإبداعات والخطط للخروج من جهنميات العادي الجاهز المألوف القاتل. ولعل إحداها خطط واشنطن حول جينات عملاقة مسلحة تطير فوق جميع القارات، لتفرض تراث سلالة “البوكس”. ويتضمن التطبيق في هذه الحالة تحويل عشيقة فيلمون الصغيرة لورا، إلى حاضن لجينات واشنطن. وتدشين المفاوضات على سطح الماء في بار عائم، قبل رواده بدورهم المهشم في التاريخ، بعدما هجروا اليابسة ووقائعها المتفجرة المؤلمة، مفضلين الإقامة داخل ذلك المكان المفتوح دائما على زمن الأعاصير…

الشد والجذب في لعبة الحوار، يضاعف أبعاد شخصية فيلمون، باعتبارها حياة تستجيب استجابة كاملة للنمو خارج القفص، ليغدو مجموعة ذوات تتصارع، لتجعل الحياة محيطا يتسع ولا يضيق..هذا التحرر من الزمن يصير التاريخ علبة صغيرة ضيقة في نظره، ويحيل واشنطن إلى تحفة الزمان وخردته! وبعد مواراة لورا في السجن يطل واشنطن بصورته التقليدية من أرشيف ذاكرة فيلمون، بسيوفه التي تحرث في التاريخ قصصا. ليكون واشنطن الذي اجتمعت في داخله كل نفايات العالم..واشنطن مخترع الضحايا ومخلصهم الجمركي من العقاب.

يهجر فيلمون التدريس ويعتكف في منزل ريفي، ليجري جرة حساب صغيرة، يفلسف فيها خيانته للورا وتخليه عنها، مموها الخديعة بإسقاطات الحفرة المليئة بالجثث والدساتير الوهمية واللاعدل وقوانين الإبادة والمحو والقهر. التي تشكل امتداد ملحميا لمأساة المهاجر الشرقي، المنفي واللاجئ، الواقع تحت نطع نظريات الاستيعاب وإعادة التحويل. التي يرى فيها فيلمون حصان طروادة المكرس لتمجيد العبودية والسلطة المطلقة للمضيف، حريته، رفاهيته، انتصاره. فلا يجد فيلمون المتمرد أمامه سوى تهديد أساطيرهم بعزلته؛ فليست العزلة هزيمة في عالم يترنح في مسلخ يفور بالدم، بل هي انتصار! مما يجعل تنظيف التاريخ من الحطام السافل مقترنا بالإهمال والازدراء..

مع شخصية كونتل، يلج فيلمون مرحلة جديدة من حياته، ويفتح ثقبا يسمح باكتشاف فضاءات أخرى، تظلل مدنا محشوة بمخلوقات مستنسخة عن جدب وخراب وذنوب. وأفواه تتكسر فيها العبارات. وأعماق تشع بالأنين. وجماجم ترن بالثرثرات. وتتقطر خلاصة التهويمات أثناء السهرة الخرافية، في لمعة أخيرة لنجم الجنرال توكالمو الآفل، الذي ملأته الحرب فأصبح أرشيفا ضخما لها، فغدا مكملا لفيلمون باعتبارهما من جيل المفقودات. الجيل الذي مات حيا وعاش ميتا. وترك ليمشي على الخط الفاصل ما بين الحياة والموت في شبه غيبوبة مستمرة، بين مقام اليأس وضريح العدم. لكن الطفل المعتق بضباب الغرب وبوحشيته، سرعان ما ينفض اضطرابه داخل الخوف، ويعلن أن ميلاد القيامة يكون من معبد الداخل، قيامة اللذة. الحلم. التاريخ. التأليف. النهار والليل. الطفولة. العبقريات. وبذلك يهيأ الفرصة كي يحيي تاريخ التشرد ويستلهمه شجاعة خوض التبدلات المصيرية الحاسمة.

يتفق ذهن “الجبوري” عن حل درامي مبتكر يؤجج قضية الحوار الأساسية في الرواية، عبر عقار تجريبي يدعى “أندو”، واظب أعوان واشنطن على دسه سرا في طعام فيلمون وشرابه، بغية إحداث سلسلة من الانقلابات في مزاجه الشخصي. وبنية العقار التركيبية تعتمد تنمية خصائص بيولوجية معينة، تستعمر المخلوق البشري بطريقة ذاتية، وتجهله قابلا للخنوع، مما يترجم فعليا بإحداث تحول كبير في أساليب السيطرة على الإنسان من خلال الجينات. لكن الفكرة بحد ذاتها تستثمر إيجابيا في صيغة علاقة عاطفية جديدة بين فيلمون وفيب، تؤذن بتكريس مفهوم “النبي المهشم”: فيلمون الذي يحمل تواريخ طويلة من سلالات وأجناس وأساطير وخرافات وعادات وثقافات تراكمية، الرجل المهووس بحياة يخترعها هو، لا تلك التي تخترع له.

مع صعود شخصية الظل “شوكتر”، ابن واشنطن المستنبت داخل رحم لورا، وتعاظم قدرته على التدمير، يتخذ صراع الحضارات مكانه الأبرز على الساحة الروائية. فيعلن “الجبوري” على لسان فيلمون أنه لا بقاء لعالم بلا تبدلات. فثمة مخلوقات بشرية طارئة على الإنسانية، وأخرى شيدتها التجارب لتكون خلاصة معارف لثقافات متعددة. والتعددية هنا توازي الانفتاح والتجدد. فالثقافة الواحدة خنق، مهما كانت خلاقة وانتفاضية وبارعة. وتقع الديانات في الإطار ذاته، لأنها مستخلصة من رموز عليا تشير إلى منابع النور في العالم، ولا تشير إلى القمع والاستلاب وهدم المخلوق البشري ودفنه تحت الأنقاض.

نقطة الحسم في الرواية تبدأ مع استحضار روح ألفريد نوبل، لإنتاج تاريخ جديد. فمؤلف الموت الانفجاري الصاعق، وصاحب معادلة الفصل الجذري ما بين القوي الضعيف، أنتج بفلزاته مادة

عزل تاريخي بين الشعوب، فأهدى للبعض موتا زؤاما، وللبعض الآخر أهدى حياة مليئة بالترف والتفوق والنشوة. لذلك كان مصيره الجلوس على عرش من الديناميت في المنطقة العازلة بين الجنة والنار، كقاطع طريق يحول دون وصول البشر إلى كل من الجنة والنار..

حاول فيلمون أن يتخلص من العيون التي تكدست فيها الأنقاض والأحجار والتراب الأسود للتاريخ، فاخترع القنبلة السوداء التي تنشر الظلام الاصطناعي وتعيد توازنات القوة بين الفقراء والأغنياء. ثم توجه بها إلى نيويورك لتحقيق هدف تاريخي قد يكون حلما بشريا لمواجهة طغيان القطب الواحد، أو الفك المفترس الواحد. واضعا بذلك نقطة الختام لحياة استنزفت تركيبها العاطفي، فبقيت رهينة كيمياء الخوف فقط. لكن محاولته تنتهي أمام عرش نوبل الملغوم، كي يحاكم على تحديه للغطرسة الغربية الأميركية. وقبل صدور الحكم، يتحقق حلمه برؤية الرجل الأسطوري جلجامش، الذي يؤكد له على آلية تدوير العذاب في الطبيعة. فكل شيء يطرد عذاباته من داخله نحو الخارج، بما في ذلك الإنسان، إذ يصدر هذه المادة للغير ولكن بفارق واحد: إنه يستخدم التعذيب كفن، لأنه من الأمور الحيوية التي يعتقد بصوابها! أي أننا جميعا نشترك بزرع الأوهام وابتلاعها بالتقسيط!

حاول “الجبوري” من خلال شخصية بطله فيلمون، تعويض الأحلام المفقودة باختراع أسى رومانسي الحجم. حشد الشهوات ونظمها في ثورة التمرد المحركة لطاقة الإبداع الخلاق لإنتاج عوالم انبثاقية متمايزة. دون أن يكون هناك تصدير لليأس والألم ولا تسويق تبشيري للأمل، بل صخب هادر متفجر، يفسح المجال أمام بوح سري خافت بالوحدة المضنية وعزلة الأسوار العنصرية. إسقاطات كثيرة تعرب التناقضات وتحرث الركود الفكري، ليبق الأهم: الحساسية العالية، التي تنعي خراب الزمن وبؤس الإنسان المخلوق للحب، المنذور للكشف المعرفي وسط أنقاض الهياكل والدعامات..

تأجج احتكاك الشاعر أسعد الجبوري مع ثقافة المنفى حضورا عقليا متفجرا، اختزل ضراوة الدفاع عن النفس، وسط الأجواء المغلقة المعادية، بأبعادها التصريفية القاسية. فاستكانت فتوحاته تحت راية البحث عن خصوبة تثري الإرث الإنساني، ليتحقق اكتمال وجوده في قلب الاغتراب، وليستطيل المخزون السومري القديم مرنا مطواعا ومحركا خفيا للقاء الحضارات. فتتلون لقاءات الشرق والغرب، بنكهة إبداعية جميلة ترتسم عنوانا حقيقيا في قلب شعارات “الحياة هي في مكان آخر.”

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.