سلام إبراهيم : عن العالم السفلى لنعيم شريف؛ العراقي يحمل جرح الحروب في الوجدان والذاكرة

على مدى أربعة عشر نصاً يخوض القاص العراقي نعيم شريف في مجموعته القصصية ـ عن العالم السفلي ـ بتفاصيل الواقع العراقي راصداً في ستٍ منها ما خلفته حربي الخليج الأولى والثانية من دمار وخراب على المكان والإنسان بروح محترقة على ما يعانيه العراقي في ظل الظروف الصعبة التي وجد نفسه فيها رغماً عنه حيث لا حول له ولا قوة محاصراً من سلطة قمع دموية ومتطلبات الحياة زمن الخراب والحصار. يدور القاص في نصوصه هذه حول ثيمة ـ الفقد ـ ففي ـ الركض خارج الزمن ـ يسرد لنا القاص بضمير المخاطب وعلى لسان الابن لحظة موت الأب لعدم توفر حقنة ـ الهيبارين ـ في صيدلة المستشفى في الوقت الذي كان يدور فيه السارد بين صيدليات المدينة لاهثاً وهو يبحث عنها. في ـ الحقيبة ـ يزور الأخ قبر أخيه الذي قتل في الحرب متذكرا تفاصيل يومية من حياة الفقيد ممزوجة بما وجده في حقيبة سفره التي كان يأتي بها في الإجازة فارداً محتوياتها قارئاً دفتر يومياته التي سنطلع من خلالها على تفاصيل ما جرى للفقيد في الجبهة وما أحس به من مشاعر لحظة فقدانه رفاق الخنادق المساكين ـ محمد كشاش ـ الجندي البصراوي الذي نزف دمه في القصعة عند أصابته وهو في طريقه لجلب الطعام للحضيرة، وسائق الدبابة الذي أحترق عند أصاب صاروخ دبابته، في هذا النص تمتزج مشاعر السارد ومشاعر كاتب اليوميات المقتول في تأسيس نصٍ مركب وشديد الكثافة حد أن الأخ الذي يقرأ نص اليوميات يشم بدوره اللحم المحترق للجنود الذي انغلقت عليهم باب الدبابة.
ـ نسمع هسيس النار نرى تحولات الشكل، يفترسنا شلل جماعي، لم نكن نسمع صوت الصراخ المريع داخلها حين تواطأت الأبواب المقفلة والنيران عليها، لكننا شممنا بقوة رائحة اللحم المحترق، سمعنا صراخ بعضنا الوحشي.. لا.. لا. واضعين اكفنا على وجوهنا. لقد تيقنا أذن من وجود رئيس العرفاء السائق ـ حميد كاظم ـ فيها؟.
تنتهي الجملة الطويلة بنفس العلامة. بصعوبة أطرد صرخة ملحة تجتاحني، رغم أنني أيضاً شممتُ رائحة اللحم المحترق ـ ص 64
في ـ تقطيع قلب ـ يمزج القاص في سرده بين رجل يجلس في مطعم تحت قلوب الحيوانات المعلقة وبين موت زميله وصديقه في جبهة الحرب في تداعيات تختلط فيها تأملات السارد في صورة فوتوغرافية تجمعه بالقتيل وهما طلبة في كلية ـ الآداب ـ وحديث أم القتيل ومشهد جلب الجثة التي لم يصب منها إلا موضع القلب. هذا التداخل السردي بين مكانين وزمنيين يثيره في ذهن السارد حوار يبدو عادياً بين صاحب مطعم وزبون في ظرفٍ عادي، لكنه في بلدٍ صار فيه الموت يحتل تفاصيل عشرين عاماً متصلة من تاريخه تصبح الذاكرة والهاجس والمخيلة تعج به بحيث يتحول مثل هذا الحوار إلى كابوس يسد النفس فيهرع السارد هارباً من المطعم يلاحقه مشهد قلب صديقه القتيل، الحوار في مدخل القصة يبدأ هكذا:
ـ أتريد أن أشوي لك أحد هذه القلوب؟ وأرعبني السؤال لأنني جردته من براءة الممارسة وبلادتها ص 56 .
في نص ـ عن العالم السفلي ـ يغور القاص عميقاً في روح ضحايا الحرب وهو يقص علينا على لسان معوق حربٍ يسير على كرسي حدث لقائه بحبيبة طفولته التي فارقها منذُ أن كان في الصف السادس الابتدائي في المستشفى التي تعمل فيها ممرضةً. يخبرنا السارد في لغة حميمة شفافة تفاصيل ذلك اللقاء الحزين العاج بالذكريات الصاخبة وقت الصبا، والعجز زمن السرد حيث أصاب الشلل نصفه الأيسر كاشفاً حرقته ولوعته الداخلية ووجهها يلتصق بوجهه عندما تجرده من ملابسه في الحمام، وأسفه على حياته التي ضيعتها الحرب وهو يسرد لها كيف أصيب بطلقة مدفع عمياء:
ـ وقلت هذه الحرب يا لولي شيء غامض ليس له أقدام أو أذرع وليس له عيون أو ملامح من أي نوع وقلت لها يا لولي أنها بلا قلب وإنها لا ترفق بأحد وإنها قادرة على الفتك وإنها تبتلع العمر والذكريات ـ ص 41
في ـ قلق الروح ـ و ـ إطار اللوحة ـ يخوض في ثيمة أخرى من ثيم الحرب إلا وهي سحقها للبشر الآمنين من خلال تناول حدث القصف العشوائي على بيوت الناس سواء على الأم المستيقظ من كابوس القصف هاجس سكان المدن العراقية زمن الحرب والتي تحتضن ولدها فرحةً من كون الأمر مجرد كابوس، ليموتا بعد لحظات قليلة عند سقوط القذائف على غرفة النوم في ـ إطار اللوحة ـ أو عما جرى من قصف كيماوي لحلبجة في كردستان العراق في أواخر الثمانينات من القرن المنصرم في ـ قلق الروح ـ .
في خمسة نصوص أخرى يحاول القاص الغور في تفاصيل الحياة اليومية واستجلاء الطقوس الشعبية العراقية وما يجري في بحر اليوم وذلك في اقتطاع حدث استثنائي من اليومي لكنه ذو دلالة عميقة تشي بمحنة العراقي المركبة في مجتمع طبعته القسوة ورسمت ملامحه في تفاصيل الحياة فهذا الحوذي في نص ـ الحصان ـ من أهم النصوص المجموعة يوسع حصانه الذي حرن وسط الجسر ضرباً بعد أن حله عن عربة النفط وسط جمهرة الناس المتجمعين على صوبي الجسر ولا يكف فينتفض الحصان ويمزق صاحبة رفساً. أما في ـ قطرات متصلة بيضاء ـ فيكثف لنا السارد في أقصوصته العميقة جانباً أخر من مظاهر القسوة في النظام التعليمي عندما ينهال معلم التاريخ ضرباً مبرحاً على التلميذ الشارد الذهن والمذعور من كتاب التاريخ النائم على الرحلة الذي لم يستطع الإجابة عن سؤال:
ـ متى سقطت بغداد بيد المغول؟
فبدلا من الجواب نجده يتخيل جحافل المغول وهي تجتاح المدينة وتقتل الناس. يزداد عجزه والمعلم يتساءل عن سبب عدم إجابته، يطلب من الخروج من الصفوف إلى فسحة اللوحة مع كتاب التاريخ. لينهال عليه صفعاً حد أن التلميذ يبدأ بالتبول.
يخلق الكاتب في هذه الأقصوصة الجميلة معادلة عميقة عن الواقع العراقي المعاصر تجد صداها فنياً في القسوة المركبة التي وقعت تحتها الشخصية العراقية، تاريخياً صور الاجتياح المغولي في مخيلة التلميذ، وفي زمن السرد المعلم يجتاح كيان الطفل الذي يتبول رعباً
ـ ويقول تعال ومعك كتاب التاريخ، وتنوء خطاي بي وبالتاريخ وأنا أمشي نحو اللوح الأسود. ويقول ألا تعرف متى؟ وأذكر فقط أن يده ارتفعت وأنني أغمضتُ عيني على ألم في الروح يشل خدي وقلبي وأن التاريخ قد سقط لحظتها بين قدمي ورأيته مفتوحاً يغطي حذائي اليسرى، وأنه أمعن في ضربي وقال أجب؟.. وأحسست ببلل حار يلامس ساقي اليسرى ومن أسفل بنطالي تساقطت قطرات متصلة بيضاء انتشرت على صفحات الكتاب المفتوح ـ ص84
في ـ خطى الملاك ـ و ـ أنشودة الريح ـ يحاول الغور في تيمة التحول التاريخي في أعقاب تموز 1958 بشحوب زمن الإقطاع واندثار سلطة الشيوخ حيث يصور في الأخيرة مشهد نقل رفات شيخ من سرداب إلى مدفن أخر. أما في ـ رؤيا الغريق ـ فيتناول طقس من طقوس مدن الجنوب العراقي الواقعة على حافة الأنهار حيث يأخذ كل عام وفي كل مدينة صبياً إلى أعماقه في طقس يشبه طقوس التضحية في الموروث الخرافي والديني.
البنية القصصية لدى نعيم شريف مبنية بأحكام شديد يناسب وظيفة القصة القصيرة الأساسية كونها تنشأ من حدث يومي غير طبيعي يخرج من مجرى الحياة الطبيعية ـ أي أن النص يكثف الحدث دون الخوض في سياقات تتعلق بالشخصية القصصية تحليلاً وتعليقاً فلسفياً أو الذهاب بعيداً في الظروف السابقة واللاحقة، بل يركز اهتمامه الكلي على ـ المحتوى الموجز ـ في قالب معد مسبقاً بحيث يصبح لكل مفردة موقعها وحسابها في هذا التكثيف الشديد. التركيز مثلا على حدث مقتل الحوذي في ـ الحصان ـ مثلاً. كما أن القاص نَوَعَ في استخدام ضمائر السرد وطرائق القص بما يتناسب مع موضوع القصة فمثلاً أستخدم ضمير المخاطبة الحميم في ـ الركض خارج الزمن ـ بكل ما يضفيه هذا الضمير من دفق حسي شفاف على الابن وهو يخاطب جثة أبيه الذي قضى لعدم توفر الأدوية في المستشفى. كما أنه مزج بين طرق السرد التراثية، الحكاية ألف ليلة وليلة بطرائق السرد العربية الحديثة بنماذجها المتقدمة كما في ـ رؤيا الغريق ـ التي يبدأها هكذا
ـ حدثنا سعدون العتابي قال:
في رواية: قيل أن يونس لبث في بطن الشط ص31
وينهيها هكذا:
أنفض سامرنا، عندما ابتلع سعدون العتابي كلمات حكايته، وكان بمقدورنا أن نكمل نحن الحكاية بكل البدايات المختلفة التي ابتدأت بها ونختمها بكل النهايات أيضاً ( قصة غرق أو اختفاء يونس بن ضيوّن ) المعادة منذُ عشرين عاماً أو قرناً خلت أو عشرين عاماً أو قرناً ستأتي ـ ص36
أو في ـ الحصان ـ التي تبدأ هكذا:
ـ عن جندي كان يريد العبور إلى الضفة الأخرى، عن امرأة تحمل فوق رأسها صرة، عن عمال المسطر الذين لم يجدوا عملاً، عن طلاب فقراء، عن رواد المقهى أنهم قالوا ص19
ثم يبدأ بسرد الحدث بعد أن رسم لنا حدود المكان والجمهور.
أما لغة القاص فهي لغة سرد غنية طيعة تستخدم ببراعة الفصحى بكل رصانتها ممزوجة بالمحكية المحلية مما أعطى لبنية قصصه نكهة مميزة يستطيع من خلالها القارئ بشم رائحة ـ الديوانية ـ إحدى مدن جنوب العراق المنسية على ضفاف الفرات. هذه المجموعة هي الأولى للقاص تبشر بمولد قاص من جيل عاصر الحرب والحصار يتوقع أن يضيف أبعاداً جديدة للقصة العراقية القصيرة التي لم تقف على أسلوب واحد وظلت في تطور أسلوبي متميز عربياً رغم ظروف الحرب والإرهاب والحصار.
ــــــــــــــــ
* دار الشجرة للنشر والتوزيع ـ دمشق 2003

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: داود سلمان الشويلي… وضوح الأشتغالات المعرفية

*عند خط الفصل بين سومر بكل ارثيتها العجيبة، وامتدادات زقورة اور، واللاله الجالس في العلو، …

صباح هرمز: بنيات السرد في روايات “محسن الرملي”

1- الشخصية: يقول رولان بارت معرفا الشخصية في الحكاية بأنها: (نتاج عمل تأليفي) كان يقصد …

التعايش مع واقع النصوص في مجموعة (ما أقولهُ للنحات ) للشاعر أنمار مردان البياتي*
قراءة: محمد جودة العميدي

عن دار الفرات للثقافة والاعلام – العراق- بابل وبالاشتراك مع دار سما للطباعة والنشر والتوزيع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *