د. حسين سرمك حسن : جابر خليفة جابر والكتابة السردية الجديدة (3)

# “بستان الحرير” ؛ وقفة على منبع من منابع عبقرية اللغة العربية :
——————————————
قلنا في أكثر من مناسبة ودراسة وكتاب إن من منابع عبقرية اللغة العربية التي يتداعى الأبناء المعصوبين إلى قتلها بحجة عقمها وهم “المخصيّون” معرفيّا ونفسيا ، هو هذه القدرة الإشتقاقية “الموسيقية” من جذر موحّد من ناحية ، وقدرة هذا الجذر الهائلة على جمع “المعاني” الفعلية (المادّية والمعنوية) وعلى المستويات كافة في “حزمة” واحدة من جانب آخر . والشاعر الأرجنتيني لا يعلم أن الجذر (حرّ – حَرَرَ) يتضمن معاني مادّية ومعنويّة مظفورة في حزمة واحدة تصبّ كلّها في مصب دلالي واحد بليغ صوتيا وحروفيا ، بل لا يمكننا – وفق نظرية العلّامة العراقي الراحل “عالم سبيط النيلي” – فصل دلالاتها عن أصوات حروفها مطلقا (بذلك اطاح بنظرية “دي سوسور” في عشوائية اللغة ، والتي تسيّدت – ومازالت تتسيّد – على ساحة البحث اللغوي منذ قرن من الزمان تقريبا – راجع كتاب “الحل القصدي للغة” ) (21) . فحرّ حرارا العبدُ عُتق وصار حرّا – وحرارا وحُرّية : كان حرّ الأصل شريفه . وحرّر الولد أو الشيء : وقفه لطاعة الله وخدمته ، الحرّ : خلاف العبد ، الكريم  ، الحرّ من كلّ شيء : خياره وأعتقه وطيّبه ، طينٌ حر أي لا رمل فيه ، حرّ الوجه : ما بدا من الوجنة ، وهو أكرم موضع في الوجه وأحسنه . يُقال “لطمه على حُرّ وجهه” . قيل سُمّي به لأن الكرم للأحرار . الحُرة : الكريمة ، خلاف الأمة . الحرّية : خاصة من كان حرّا . حرّ ضد برد . الحرور : النار . استحرّ : من داخلته حرارة الغيظ . حرّ : عطش . الحُرّ : الصقر الحار من الأعمال : الشاقّ . الحَرّة : العذاب الموجع ، الظلمة الكثيرة . والحرير : الإبريسم .
وأتمنى على القارىء الكريم أن يتأمل وبهدوء المشاركة السردية المقبلة “بستان الحرير” التي نشرتها الخيمة الثامنة إنطلاقا من كلمة – وليس “جملة” كما قال جابر – “إقفال” ، وسيجد أن المعاني السابقة كلّها متضمّنة فيها بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة عن طريق التداعي أو الإقتران الشرطي .
ولكن هناك معنى آخر بالغ الأهمية لهذا الجذر (حرّ) سأتركه إلى وقفة قريبة جدا .
# عودة :
————
لكن – وهذا جانب من إيحاءات رأي الشاعر الأرجنتيني – على الحكّاء أن يتمتع بإمكانيات مخيلة شاعر ويستثمرها في مقادير ومقتربات محسوبة ، بل أن إرهاصات أي عمل حكائي تبدأ بصورة “شعريّة” . ولو كانت أواليات جابر في التعامل مع محنة الأندلس “نثرية” مباشرة وجامدة لصارت الحكاية “موضوعية” و “واقعية” فجّة لا تخرج عن إطار “التأرخة” للحدث . و”بستان الحرير” العنوان هو مشروع “مارتينو” المسلم الذي أرعبه المصير الذي أصاب أباه على أيدي رجال محاكم التفتيش في أشبيلية ، فخرج إلى قرطبة ومنها إلى فالنسيا مبتعدا عن كلّ معارفه من الموريسك دفعا للشبهة ، ومقرّرا أن يكون قشتاليا أكثر من القشاتلة أنفسهم (ملكي أكثر من الملك !) ، وذلك عبر الإستقرار هناك وشراء بيت ويستان حرير . لقد انفذ شروط القشاتلة المنتصرين بكل دقة وبكل حذافيرها : لا يتحدّث إلا بالقشتالية ، يجرّح الموريسكيين أبناء جلدته ويزدريهم ، المواظبة على الصلاة في الكنيسة ، الحرص الدائم على الظهور العلني في الأسواق أيّام الجمعة وخلال أعياد المسلمين المعروفة لئلا يُتهم بالصلاة سرّا في بيته ، نقش علامة الصليب على قمصانه بيده ، ومثل دور الحبّ مع شقراء ذات ملامح جرمانية .
# وقفة مع شروط قشتالة :
————————-
(وسعت القوانين والمراسيم التي اصدرتها الحكومة بعد إنهاء الثورة إلى منع عودة الأندلسيين إلى أرضهم وأعادت تشديد القيود المفروضة عليهم. ومن تلك المراسيم مرسوم شرير صدر في السادس من تشرين الاول (اكتوبر) عام 1572 حرّم على الأندلسيين التخاطب بالعربية أو الكتابة بها، وحدد عقوبة المخالفة الأولى للمرسوم بالسجن مع التكبيل بالحديد مدة 30 يوماً، وضعفي المدة في المخالفة الثانية، والخدمة أربع سنوات في القواديس مع 100 جلدة في حال المخالفة الثالثة. وجاء في المرسوم أن العثور على وثيقة عربية أو صفحة مكتوبة بالعربية سيعرّض صاحبها للخدمة في القواديس (نوع من السفن السائدة آنذاك) أربع سنوات بعد توقيع 100 جلدة بحقه. وألغى المرسوم أي قيمة قانونية لأي وثيقة أو صك مكتوب بالعربية، وحدد عقوبة جميع المسؤولين عن مثل تلك الوثائق أو الصكوك بمئتي جلدة والعمل سخرة في القواديس ست سنوات. وتضمن المرسوم عدداً كبيراً من الممنوعات والمحظورات إلا أن أعظم العقوبات كانت بحق الأندلسيين الذين يتركون المناطق السكنية المحددة لهم بعد نفيهم. إذ جاء في المرسوم أن عقوبة القبض على أي أندلسي يراوح سنه بين العاشرة والسابعة عشرة في أي مكان دون عشرة فراسخ (نحو ٥٥ كيلومتراً) من غرناطة سيعرّضه إلى عقوبة الشغل في القواديس بقية أيام حياته. وإذا كان عمره فوق ذلك ستكون عقوبته الإعدام. وألزم المرسوم الأندلسيين بضرورة إبلاغ السلطات بفرار أي أندلسي من المنطقة الجديدة المحددة لسكناه. وإذا تخلّفت أي أسرة عن تقديم مثل هذا البلاغ إلى السلطات فإن عقوبة أفرادها ستكون السجن مدة شهر واحد والجلد بغض النظر عن نوع صلة الأندلسي الفار بهذه الأسرة ) (22).
# عودة :
———-  
.. ولم تنفع لمارتينو الموريسكي كل محاولاته المستميتة هذه لإثبات “براءته” من دينه القديم؛ الإسلام ، من ناحية ، ولإعلان ولاءه لدينه الجديد من ناحية أخرى مكمّلة . لقد أهار كلّ شىء حينما لم يستطع تحمّل رائحة جسد القشتالية في أول خلوة له معها ، فقرّر هجرها قبل أن يعود زوجها . ولأن هذه الحكاية جاءت بلا نهاية – وهنا نمسك بشرط من شروط الفن الحكائي الناجح وهو أهمية “النهاية” – مقنعة ؛ ليست أي نهاية طبعا ، بل نهاية تتسق مع المناخ الاجتماعي والنفسي “المرجعي” العام الذي أحاط بالحكاية وقت إنضاجها . فانبرت “أروى” من خيمة قرطاجنة ، وهي معلمة من تونس أصولها من “بلنسية” ، لرسم تلك النهاية – والتي يمكن أن تكون “نهاياتٍ” شرط أن تكون متسقة مع مسار الحكاية – أو النهايات ، إذ ليس من المعقول ، وفي ظرف الطغيان العنفي المنفلت وطوفان التطهير العرقي الكاره لكل ما هو أندلسي مسلم أن يفلت مارتينو بفعلته بعد أن جرح كرامة تلك الإمرأة القشتالية . إن الحكاية بوضعها الحالي تفقد كل مقومّها الدرامي وتُجهض النهاية المقدّمات . فقد بذل مارتينو المستحيل ليشكّل هويّته النصرانية الجديدة ويمحي هويّته الإسلامية القديمة ، فكيف يعلن عن اشمئزازه من رائحة القشتالية بما يعنيه ذلك من نزوع مضمر نحو الاستحمام والوضوء والطهارة وبالتالي التعلق بطقوس الحمّامات كما حكمت حياته ثقافته الإسلامية ؟ . وضعت أروى  ثلاث نهايات كلها مقبولة لأنها تتسق مع المناخ الحكائي العام وهي :
1- يلقى القبض على مارتينو الحالم – حسب تصوّر القشتالية – بقشتالية أخرى يرتبط بها ليدفع عنه الشبهة ، ويحكم عليه بالعمل سخرة على سفن الأسطول الإسباني لمدة خمس سنوات .
2- تشكوه القشتالية الجميلة الشقراء إلى ديوان محكمة التفتيش بتهمة التحرّش ، فــ “داهمه الجنود ليلا ، ودفعوا الكمثرى الخشبية في فمه لئلا يصرخ … هناك شائعات تقول أن وكيل الكاردينال زمنيز قضى بأن يُزف مارتينو إلى السيدة العذراء الجميلة في تابوتها المرعب . وهناك ، في حفل الزفاف الرهيب انغرزت المسامير من كل صوب ومزّقت جسده – ص 25 ) .
3- يستغل الزوج تهمة التحرّش فيستولي على دار مارتينو وبستان الحرير . وعلى الرغم من تنازل مارتينو عن أملاكه إلا أنه أُحرق حيّا أمام أنظار الناس !
.. وقد يتصوّر القارىء أن هذه النهايات التي “تخيّلتها” أروى هي محض تصوّرات “سردية” تحاول إضفاء نهايات سوداوية على الحكاية . لكن من يراجع المصادر المتوفّرة – وأغلبها غربي يحاول تخفيف حجم المأساة الأندلسية ووقعها – سيجد أن نهايات الحرق وتابوت العذراء ومصادرة الأملاك هي نهايات “عادية” مارسها القشتاليون بصورة روتينية ويومية وبكل بساطة ، وأن هناك ما يفوقها بشاعة بصورة لا يحتملها الخيال وليس العقل .
# وقفة مع الكمثرى وتابوت العذراء :
————————————-
.. والكمثرى هي آلة تشبه الإجاصة ويمكن توسيعها أو تضييقها بمفاتيح خاصة مما يضمن للمعرّفين صمت المتهم حتى لو حاول الصياح بأعلى صوته (23) .
أما العذراء الجميلة أو السيدة الجميلة كما يصفها الكولونيل الفرنسي “لومونسكي” أحد ضباط الحملة الفرنسية على إسبانيا عام 1809 فهي آلة تعذيب عبارة عن تابوت تنام فيه صورة امراة جميلة مرسومة على هيئة الاستعداد لعناق من ينام معها وقد برزت من جوانبها عدة سكاكين حادة وكانوا يطرحون المعذب الشاب فوق هذه الصورة ويطبقون عليه باب التابوت بسكاكينه – بعنف – فتمزق السكاكين جسم الشاب وتقطعه إربا إربا (24) .
# عودة :
———-     
وبنفس الطريقة ، يقوم أعضاء الخيمة السادسة ؛ “خيمة إشبيلية” ، بإعادة كتابة القصيصة أو جملة السرد السابقة من جديد مقدّمين نصّين مختلفين قليلا ، مرسومين بطريقة شعرية هما : صياغة أولى ، وصياغة ثانية ، وكلتاهما تدوران حول إغلاق حمامات قرطبة وعدم تعوّد فتيات قشتالة على الإغتسال والطهارة . ولا أعلم لماذا استفزّت إشارة جابر هذه البعض . إذهبوا وعيشوا في أوروبا أو في الولايات المتحدة مثلا ، ومارسوا الحياة اليومية ومنها عملية التنظيف بالمناديل الورقية بعد فعل الإخراج .. ولاحظوا رائحة أجسامكم . (في قشتالة وغيرها من ممالك إيبيريا لا أحد يبني الحمّامات أو يرتادها غير الموريسكيين . كان الشماليون كلما تراكمت القذارة واضطروا للاستحمام فإن مياه البرك والجداول تكفي . لم يعرفوا الصابون ولا المناشف المنسوجة من القطن ولا الدلاكات . هذا فقط من شؤون المواركة – ص 28) . وفي عام 1567 م أصدر ملك إسبانيا فيليب الثاني قرارا يقضي بإغلاق حمامات المواركة ، فأصبح “كريم” أو “كاسياس” كما عمّدوه في الكنيسة الكاثوليكية ، بطل حكاية “مايوركا” التي أضافتها خيمة أشبيلية ، عاطلا عن عمله الأساسي وهو صناعة الدُمى وبيعها في حمام السيّدة “قمرين” على السيّدات الموريسكيات اللائي كنّ يصطحبن أطفالهن في الوقت المخصص لهن . وقد أخذت هذه الدمى شكل ظبية وادعة وجميلة نحتها من أغصان الزيتون الطرية وسمّاها “مايوركا” . وقد صارت هذه الظبية بالنسبة لكريم وللموريسكيين رمزا للحضور العربي الأنثوي الذي تم تغييبه ومحاصرته . كان كريم يلصق على رأس الظبية عصابة محلاة بالأزهار ، ويضع خاتما أو أكثر في يد كل ظبية .. كان يُظهر المايوركا وكأنها عروس موريسكية أنهت للتو حمامها استعدادا للزفاف (راجع الصفحات 29 و39 و31) .
# ملاحظة : جزر البليار وليس البليارد ايها الناشر :
————————————————–
على الصفحة 31 جاء ما يلي (.. وبلغ ببعض المصادر أن نسبت للماريوكا سبب تسمية إحدى جزر “البليارد!!!” الإسبانية بهذا الإسم لكثرة تداولها . وهي غلطة شنيعة لا تُغتفر للناشر حيث قال جابر في المخطوطة (جزر البليار) وهي الأصح وليس “البليارد” وهي لعبة ، ومنها جزيرة “مَيْورَقة” في أرخبيل البليار . ميورقة كما ورد لدى ابن خلدون في مقدمته وياقوت في معجم البلدان والإدريسي في نزهة المشتاق .
# عودة :
———-
وقد اتسعت دلالات هذا الرمز المايوركي الجمالية لتلهم الشعراء الإسبان قصائدهم الغزلية ، ولتصبح معيارا لقياس جمال المرأة كأن يُقال في وصف جمال فتاة: جميلة جدا كأنها مايوركا .
ولا يوفّر جابر فرصة مهما كانت بسيطة وعابرة إلا ويضرب ببراعة ودقّة مؤذية على وترين متناغمين ومترابطين . الأول هو أن يبيّن الجور الهائل الذي اصاب مسلمي الأندلس على ايدي القشتاليين النصارى ، أما الثاني الذي يزيل أي لبس بريء أو تحامل مغرض فهو الكشف عن حقيقة أن الظلم هذا امتدت أذرعه الأخطبوطية الخانقة لتشمل مسيحيي الأندلس أنفسهم خصوصا على أيدي محاكم التفتيش .
وفي حكاية “المايوركا” يكشف على لسان كريم وواقعه أي ظلم وقهر يصب ويلاته القشتاليون على المسلم من مصادرة أملاك ومحاصرة ومنع حريات وتحريم لممارسات دينية . لقد ضربوا ميرينا الصغيرة (اسمها الأندلسي : مهديّة) فاعترفت لهم أن أباها وأمها يغلقان عليهما الحجرة ويقرآن . فقام عمال التفتيش ببيع ميرينا وأخويها إلى اشخاص في مناطق مختلفة ، وباعوا الأم لأحد ملاكي المزارع خارج أشبيلية وكانت تبكي وتتوسل بأن تُباع مع أطفالها سوية ، وقتل الأب تحت التعذيب . وكانت هذه أوامر الكنيسة . ولمن لا يُصدّق من النقاد “الإنسانيين” الأشاوس فقد كان البابا بنفسه يشرف ويسهر على تنفيذ هذه الأوامر بحذافيرها . ولكن بالمقابل – وكما يقول كريم – فإنه أهدى “باولو” إبن ماتيلدا النصرانية واحدة من مايوركاته لأنه لم يكن يملك نقودا وملابسه بالية ، وقد تيتم بعد أن حُكم على أبيه بالعمل سخرة على سفن الملك لمدة ست سنوات لأنه تشاجر بالكلام مع أحد القسس .
# وقفة :
———–
.. ويكرّر جابر – وبقصدية واضحة – مواقف مختلفة تكشف صمود المواركة في وجه البغي والقهر والمحاصرة القشتالية والأوروبية التي حاولت تجريدهم من هويتهم الدينية ومنعهم عن ممارسة طقوسهم التي تحفظها . لقد اصدر القشتاليون قرارات عجيبة ورهيبة تحاصر المواركة واستخدموا أساليب رقابية تحسب انفاسهم الدينية ، ولكن على الرغم من كل ذلك أخلص المواركة لدينهم وكتابهم وطقوسهم وأظهروا آيات من الصمود المستحيل في سبيل ذلك . ولا أجد أبلغ من هذا الوصف الذي قدّمه رحالة فرنسي يدعى (Antoine de brunel) زار إسبانيا سنة 1655 ، وضمّن مشاهداته في رسالة أسماها (espagne,voyage d) وقال فيه :
(كيف يأمل المرء أن يهدي إلى طريق السيد المسيح شعبا عنيدا قاوم التبشير للنصرانية والإضطهاد قرنا كاملا ، ومازال مخلصا لقرآنه كإخلاص العرب في إفريقيا ؟ الرهبان الذين أنيطت بهم مهمة تعليم “الأندلسيين المواركة” مبادىء الكاثوليكية كانوا يعرفون تمام المعرفة إن المواركة ، وإن مارسوا طقوس النصرانية ، فإن هذه الممارسة لم تكن أكثر من مراءاة يوحيها لهم الخوف من محاكم التفتيش . فمثلا حين يكون عليهم الذهاب إلى الكنيسة في عيد الفصح للإعتراف ، فإنهم كانوا يقدمون أنفسهم بطريقة عالية الإنتظام ، ولكنهم لا يعترفون بارتكاب أية ذنوب . ولم يُعرف عنهم أنهم توجهوا إلى القساوسة يطلبون المساعدة حين يمرض أحدهم خوفا من حضور القساوسة بصفتهم الرسمية ، ولذا تستروا على مرضاهم وتعرض الجميع لموت مفاجىء كما كانت الأسرة تدّعي وهي تمكر . أضف إلى ذلك أن عددهم لم ينقص منذ أن طاردهم فيليب الثاني خارج مملكة غرناطة ، بل حصل العكس وازدادوا عددا لأنهم امتنعوا عن الإلتحاق بالجيش أو حتى الإنخراط في خدمة الكنيسة ، وأكثروا من إنجاب الأطفال وربّوهم على كره النصرانية ) (25) .
# عودة :
———-
وفي حركة “قطع” يتوقف عمار إشبيليو عن الكتابة معتذرا من جابر ومتعللا بالتعب من الطباعة ليعود إليه لاحقا بعد أن اثار تلهّفه ، وكأن الحكي ينبغي أن يتوفر على وقفات “توتّر” وتحسّب وتوقّع ، وهي – هذه التقنية – وإن تُطرح تقليديا كسمة من سمات الرواية البوليسية إلا أن مؤسستها في الحقيقة هي سيّدة الحكّائين “شهرزاد” وذلك حينما “تسكت عن الكلام المُباح” معلّقة وقائع الحكاية وتاركة الملك الأرعن الذي لم يكن يعلم كم طفلا رُزق منها ، مشدوها فاغرا فاه .
وفي عودته يخبر إشبيليو جابرا بأن خيمة “طليطلة” وبعد ن انشغلت بالنص – نص المايوركا – طويلا قد أضافت نهاية ربطت بين جملتهم السردية “الممتعة !” وبين جملة سرد أخرى يذكرها له ليثبت جابر من جديد إحاطته الإنسانية المنصفة بمأساة الأندلس بلا تحيّزات أو تحاملات :
( المارانوش الذين اعتذر منهم خوان كارلوس،
الملك،
كانوا يهودا..
والمواركة الذين نسيتهم حتى مدارسنا
كانوا مواركة ! – ص 36 ) .
ثم يخاطبه مفسّرا :
(أنت تعلم صديقي أنهم عندما نصّروا اليهود أطلقوا عليهم هذا الإسم مارانوش أي خنازير ، كما أطلقوا على مسلمي الأندلس المنصّرين : لشمرشكش وتعريبها موريسكوس أي مغاربة للتصغير والتحقير – ص 36 ) .
ولكن ما يلفت الإنتباه هو أن محنة اليهود في الأندلس التي لا تُقارن بمحنة مسلميها أبدا من حيث حجمها ومدتها وشراستها ، قد حظيت بالرعاية والإحتضان الرسمي والثقافي . فقد حصل اليهود على اعتذار رسمي من حكومة إسبانيا في حين لم تعتذر للمسلمين . ولاحظ أن اعتذار الرئيس البرتغالي “جورج سمبابو” عن جرائم أجداده بحق العرب في أثناء محاكم التفتيش، جاء في خطبة ألقاها في حفل افتتاح ندوة التراث العربي في أيار 1997م ، ومن ثم فإنه بدا وكأنه اعتذار “سري” لم يسمع به أحد ، باستثناء صحيفة “الشرق الأوسط” التي تصادف أن كان أحد كتابها مشاركًا في تلك الندوة !! .
ولكن ما يهمنا هنا هو الإنهمام والمعالجات السردية . فقد انكب قسم من الروائيين العرب وخصوصا من العراقيين على الإهتمام بتهجير اليهود العرب من البلدان العربية أو إلى الكيان الصهيوني وملاحقة أدق تفاصيل حياتهم في “يافا” و “حيفا” السليبتين مثلا أضعاف اهتمامهم بمحنة إخوانهم المواركة في إسبانيا .. بل حتى محنة أشقائهم العرب في فلسطين المغتصبة !! ومثل هذا الإهتمام حظي به يهود المحرقة النازية برغم الشكوك التي أثيرت حولها .
وقفة :
——-  
.. لقد سجن المؤرخ البريطاني الشهير “ديفيد إرفنج” الذي أرخ للحرب العالمية الثانية عندما شكك في العدد الحقيقي لليهود الذين قتلتهم ألمانيا النازية . نسي الغرب “حرية التعبير” وطاردوه وانتقدوه وأخيرا سجنوه في النمسا منذ ثلاثة أشهر بانتظار محاكمته في العشرين من فبراير الحالي على خطاب ألقاه قبل خمس عشرة سنة (لاحظ قبل خمس عشرة سنة !!) اعتبرته دول الاتحاد الأوروبي تحريضا ضد اليهود . إرفنج كان يتوقع أن تقف وسائل الإعلام “الحرة” بجانبه ولكنها لم تكن عند حسن ظنه . فقد هللت لسجنه ولم تتفوه بكلمة واحدة عن “حرية التعبير” التي تزعم أنها جزء من الحداثة الأوروبية . (26) .
عودة :
——–
.. ولكن جابرا الماكر بعدل ، يُلحق بالمقطوعة “الشعرية” حكاية قصيرة عنوانها “مارانوش” تصوّر نهاية أخرى لكريم كاسياس وتتحدث عن وشاية بأطفال موريسكيين أبرياء يقوم بها واحد من المارانوش اليهود لدى مجموعة من الجنود القشتاليين الذين يضربونهم ويحطمون مايوركاتهم . حصل هذا أمام أعين كريم الذي شاهد كيف تُسحق مايوركاته بأحذية الجند الثقيلة ، فقرر التوقّف عن صنعها والخروج إلى الأحراج المحيطة بأشبيلية متأبطا سيفه . وقد يندهش القارىء من كثرة المعلومات التاريخية التي تشير إلى أن المارانوش اليهود المنصّرين كانوا من أهم مصادر الوشاية بالمسلمين الموريسكيين برغم من أنهم يتشاركون معهم في المحنة نفسها !! هل ستستفز هذه الحكاية عشّاق اليهود من نقادنا الأفاضل ؟
لكن نهاية أشدّ مأساوية صاغتها أكاديمية موريسكية وزميلة لها من بلباو وكانتا في خيمة اسمها خيمة الزهراء . ترى هذه النهاية أن كريما ترك نحت المايوركات وخرج بسلاحه إلى الأحراش الكثيفة والجبال متربّصا بدوريات الجنود القشتاليين يصطاد من ينفرد منهم عن جماعته ، وصار – كما يقول جابر أو إشبيليو – يكتب على جسد كل قتيل كلمة مايوركا بحروف الخميادو التي لا يعرف الكتابة بغيرها (ص 39) .
وهنا نتطلب وقفة خطيرة تتعلق بالمقدار المسموح به من الإنحياز العاطفي الذي يبديه الكاتب لبطله والذي قد يشوّش بصيرته ويخل بموازناته المبدئية (راجع استثمارنا لأطروحة الطرح والطرح المضاد من التحليل النفسي قبل قليل) . فالنقش على أجساد الموتى تمثيل تحرّمه ديانة جابر . ولكن الشحنة الإنفعالية ينبغي أن “تُحسب” من قبل الكاتب على الرغم من أنه لن يستطيع في الكثير من الأحوال ، فـ ” لو كان الدين يؤخذ بالمنطق ، لكان مسحُ باطن القدم أوجب من مسح ظاهرها ” كما يقول أبو الحسن علي عليه السلام وصلوات الله عليه في مقولته المفتاح التي تفجّر بكل قوّة علاقة الذاتي بالموضوعي التي اشرنا إليها سابقا في حديثنا عن “الطرح” في التحليل النفسي . وفوق هذا نحن نتناسى – أو لا نعلم أننا نتناسى وهو الاحتمال الأكبر – واحدة من أعظم اكتشافات معلّم فيينا والتي تصب في مآل نهائي مفاده أن شعار “الغاية تبرر الواسطة” راسخ ببنية العقل البشري وفيها . وترى أطروحة معلم فيينا أن الضمير ” هو الإدراك الداخلي لأنتباذ بعض الرغبات التي تساورنا ” ، وله خصائص مهمة منها :
–    الضمير يولد على أرضية الازدواجية الوجدانية – ambivalence وشروطه هي ذاتها شروط الحرام والعصاب الوسواسي. والعصابي تكون صحوة ضميره رد فعل على الأغراء الذي يترصده في اللاشعور .
–     صلة القربى وثيقة بين الضمير وبين الحصر ففي مستطاعنا أن نصف الضمير بأنه ( وعي مولد للحصر) .
–    عندما يأخذ حرام ما صورة نواهٍ في المقام الأول فهذا الحرام يتوجه ( مثل العصاب ) إلى رغبات إيجابية لها يدين بنشأته ، فلا ضرورة لتحظير أو تحريم ما لا رغبة فيه لأحد وتكرار وصية ( لا تقتل ) سببه وجود مقابل لها في اللاشعور .
ان الضمير كلّي العلم ولا قيمة للتمييز بين العدوان بالنية والعدوان المتحقق. وفي شروط كهذه يصبح الجرم الذي لم يتعد نطاق القصد والنية قميئا  بتوليد شعور بالذنب مماثل لذاك الذي يتولد عن فعل عنف فعلي ) (27) .
وباختصار علينا أن نتذكر وباستمرار ” أن الرذيلة هي الذراع الأيمن للفضيلة ” . ولكنها ليست رذيلة جنود قشتالة ولا “فضيلتهم” التي جعلتهم يشعلون الأغصان اليابسة في باب المغارة التي تحصّن فيها كريم ، فيكاد يختنق ويخرج عليهم بسيفه ليقتلوه ويسحلوه ميتا إلى أشبيلية . (وعلى الطريق كانت الأعشاب الطرية تصطبغ بدمه ، كأنها تتحنّى به كما تفعل الموريسكيات ، وأُحرقت جثته ومنذ ذاك لم يُسمح لأي طفل أن يلهو بالمايوركا – ص 39 ) .
وفي هذا التصوير الختامي الفاجع ذي المسحة الأسطورية ، كما في مواضع كثيرة أخرى يستثمر جابر مادة “الحنّاء” التي يوسّع أبعادها لتصبح رمزا لأمور أعمق وأشمل وأهم مثل الحمّامات (حمّام قمرين كما سنرى) والحمام والحرير وأغصان الزيتون .. وغيرها . ومن المهم بمكان أن نذكّر أن واحدا من الشروط التي فرضها القشتاليون على المسلمين هو “كشط” الحنّاء من الأظافر والأيدي وعدم التزيّن بها من قبل الموريسكيات !! .
وتتعدّد نهايات الموت والفجيعة في حكاية كريم حيث تضيف “خيمة البشرات” نهاية دامية أخرى ترى أن “ثورة” كريم جاءت بعد أن شهد مقتل أب موريسكي حاول تخليص ابنته ذات الأربعة عشر ربيعا من أيدي جنود قشتالة . ومع تعدد النهايات وتحت غطائها يمرّر جابر نهايات جمعيّة أخرى كي يضاعف طعنات الألم . فهذه ملاحظة “شعرية” من خيمة الزهراء – طبعا لم تُطبع بصورة صحيحة في الرواية الورقية – :
( أغلقوا المغارة عليهم بالنار والدخان
سمع الجنود سعالهم والصراخ فتضاحكوا
وفجأة، انفلتت راكضة ، أم شابة ورضيعها
لكنهم في الخارج ،
وكانوا يرقصون ..
قطعوهما بسيوفهم – ص 40 ) .
وتجمع المصادر التاريخية على أن واحدة من أهم الأساليب التي اتبعها القشتاليون في إبادة أو اسر الموريسكيين الذين كانوا يلوذون بالمغارات هو إشعال الحطب في مداخلها ، وإما أن يقضي المحاصر خنقا أو يخرج فتتناوشه السيوف !! ويشعلون الحرائق بأغصان الزيتون نفسها التي كان كريم ينحت منها مايوركاته الجميلة ! .
وإذ تحاول خيمة البشرات واعتمادا على مخطوطة تُنسب إلى حامد بن قمرين الأديب الأندلسي البارع وابن قمرين صاحبة الحمّام المشهور ، رسم نهاية أخرى لكريم فإنها تقع في خطأ فنّي تمسك به خيمة غرناطة التي ترى أن هذا الخطأ يجعل النهاية “مُختلقة” ! (لأن كريما أعلم المراهقة القشتالية باسمه : كاسياس ، فلماذا يسأل المحققون عن اسمه ؟ فهو الوحيد الذي كان يُبدع نحت المايوركات ويبيعها …. فلماذا يحتاج القشتاليون إلى تعذيب العبد الموريسكي للبوح باسم كريم ؟ – ص 43 و44 ) .
ويبدو أن أعضاء المخيّم لم يشتغلوا كساردين حسب بل كنقّاد أيضا ، ليس لأنهم التقطوا تلك الغلطة الفنّية في حكاية خيمة البشرات التي اعتمدت على ما ذكرته مخطوطة حامد بن قمرين من أنهم عذّبوا الموريسكي المُستعبد فقط ، ولكن لأن جهد النهايات المتعدّدة يتطلب عقلية نقديّة تحلل مسار الحكاية وتحدّد أي نهاية هي المناسبة لتتويج هذا المسار . يجب أن يكون الحكّاء هو ناقد نصّه الأول . وليست أعظم الآثار السردية بمنجى عن السقطات والأخطاء . يكفي أن سيّدة الحكايات ألف ليلة وليلة تقدّم لنا نهاية غير معقولة حين تأتي شهرزاد بأطفالها الثلاثة في الليلة الأخيرة !! أمضى الملك الرقيع ألف ليلة يضاجع ولا يعلم لا بحمل شهرزاد ولا بولادتها ولا نفاسها ولا انقطاع حيضها .. وحين أؤكد على رقاعة هذا الملك أكثر من مرة ، فلأن ملوكا رقعاء أخر يماثلونه في نواح مغايرة حكموا الأندلس وتسببوا في ضياعها وسقوطها وجابر يغض الطرف عنهم كما سنرى !!
وقفة على مشكلة “النسيانات” الحكائية :
—————————————–
وعلى ذكر السهو والنسيانات في دون كيخوتة خذ على سبيل المثال ما ذكره بدوي في نهاية الرواية (ص 958) حيث يقول في الهامش :
(من هذا يتبيّن أن سرفانتس عدّ الخرجتين الأولى والثانية الواردتين في القسم الأول خرجة واحدة .. أي هذان القسمان اللذان يتألف منهما دون كيخوتة . والواقع أن دون كيخوتة قام بثلاث خرجات لا باثنتين ، الأولى منها وحده ، والإثنتان الباقيتان بصحبة سنشو . وهو نفسه يقرّر في بداية القسم الثاني من هذا الكتاب ما يلي “يروي سيدي حامد بن الإيل ، في القسم الثاني من هذه القصة ، الذي يتضمن الخرجة الثالثة لدون كيخوتة … ”
فكيف وقع سرفانتس في هذا الإهمال الواضح ؟ يرى “رودريجث مربن” أن سرفانتس سها في لحظة سهو فخلط بين خرجات بطله وبين خرجاته هو ، أعني القسمين الإثنين اللذين كتبهما . غير أننا لاحظنا كثيرا من شواهد سهو سرفانتس في ثنايا هذا الكتاب ) (28) .
أمّا على الصفحة 179 من الجزء الثاني وتعليقا على قول سرفانتس (يروي سيدي حامد بن الإيل ، في القسم الثاني من هذه القصة ، الذي يتضمن الخرجة الثالثة لدون كيخوتة ..) يقول بدوي في الهامش :
(لم يشأ سرفانتس أن يذكر لنا كيف وأين وجد هذا القسم الثاني من كتاب سيدي حامد بن الإيل ، ذلك أنه في الفصل 52 من القسم الأول قال إن المؤرخ العربي سيدي حامد ، لم يستطع الحصول على معلومات عن أعمال دون كيخوتة في خرجته الثالثة ) (29) .
ويقول الناقد “شكيب كاظم” :
(في الرواية الكثير من هذا الخلط وهذا السهو في الأحداث وسرودها وسهو عن وقائع بعينها . من ذلك أن سرفانتس يورد ذكر حمار سنشو ناسيا أنه ورد في سرده سرقة حمار سنشو ، مما يؤكد تعاور أكثر من شخص على كتابة هذه المرواة ) (30) .
وقبل شكيب ذكر هذا الموقف النسياني بدوي في مقدمته للجزء الأول من الرواية حين قال :
يقول بدوي : (العجيب هو أن سرفانتس نفسه هو الذي أخطأ حين ادّعى أنه يصحّح هنا خطأين مزعومين ، فهو لا يتذكر أنه قال بصراحة في الفصل الثالث والعشرين من القسم الأول أن خينس دي ياسمونته هو الذي سرق حمار سنشو ، ثم أنه في الفصل الثلاثين يذكر أيضا كيف أن سنشو عثر على خينس لابسا زي الغجر واسترد منه حماره . وهذه الغفلة من المؤلف وهو ينقد نفسه بنفسه تدل على أنه كان لا يعيد قراءة ما سبق أن كتبه ولا يراجعه حتى عندما يقتضي الأمر ، كما هو الحال هنا ) (31) .
لكن في ملاحظة ذكية أخرى يرى شكيب كاظم أن النسيان قد انسحب على الدكتور بدوي نفسه حيث قال (وإلى هذا الراهب السفّاح يُنسب تأليف الجزء الثاني من دون كيخوتة.. ونُمسك عن مزيد من الكلام في هذا الباب لأننا سنتناول هذه المشكلة في مقدمة الجزء الثاني من دون كيخوتة ) .. ولكن الدكتور بدوي – والكلام لشكيب ، وهذا ما صدمني أنا شخصيا في البحث وقراءة الرواية لأنني لم أجد المقدمة – ترجم القسم الثاني ولم يتناول هذه المشكلة (ومن يعاشر سرفانتس النسّاء صار مثله) (32) .
عودة :
——–
.. ولكن ما لا يمكن التسامح فيه ومعه هو عندما يُمسك جابر بطرف واحد من حبل الفجيعة تاركا الطرف الآخر خصوصا وأن كل القرائن تشير إلى أنه جاء إلى ساحة معالجة موضوعه الحسّاس مسلّحا بإلمام موسوعي عنه . بعد حكاية خيمة إشبيلية وتدخّل خيمة البشرات وردّ خيمة غرناطة التي أمسكت بالخطأ السردي في حكايتها على الثانية ، اشتد الخلاف بين الخيم وانسرب لهيبه إلى خيم مجاورة . وكانت خيمة إشبيلية قد ذكرت أيضا أن الموريسكي المُستعبد الذي عُذّب كي يُفشي اسم كريم لم يصغ إليه أحد (شدّوا يديه وقدميه إلى أربعة دواليب ؛ كل دولاب يسحبه إلى جهة ، وشدّوه حتى أغمي على المسكين وتمزّق جسده أربعا – ص 43 ) . وهي نهاية مدمّرة ومفرطة لكنها تتناسب مع الموقف الإنفعالي الذي يسم تدخلات خيمة البشرات التي جعلت مقتل كريم في جبلها ؛ جبل البشرات ، قريبا من غرناطة . هذه “الزحزحة” الجغرافية وفّرت لخيمة غرناطة مبرّر الزعم أنها أحقّ من غيرها بكريم ، وجعلتها “أقدر” على تصحيح نهايته (إنهم عذّبوا الموريسكي المُستعبد ، بتهمة التواطؤ مع كريم كاسياس على إهانة القشتالية ، لكنهم لم يقتلوه ، بل عوضوا السيّد المالك له بموريسكي آخر ، وأرسلوا هذا مقيّدا إلى برشلونة للعمل مدى الحياة على السفن الملكية في الأرمادا – ص 44 ) .
وفي إشارة جابر إلى أن خيمة البشرات اضافت – بعد ساعة – تتمة لحكايتها ، وأن خيمة غرناطة تدخلت للتصحيح ، إحالة شديدة الخطورة إلى أهمية عامل “الزمن” في خلق “إضافات” مُسقطة بفعل عوامل عديدة أغلبها داخلي ولاشعوري لا يمكن أن يغفل “إسترخاء” العملية الإدراكية و”بعدها” الزمني عن “مصدر” الحدث . وفي تجربة شهيرة لعالم النفس الأميركي “ألبورت” عن الكيفية التي تنمو فيها الشائعة – وهي حكاية – درس بليغ . فقد اختار هذا العالم ثمانية اشخاص أجلسهم حول طاولة وهمس في أذن الأول منهم بحكاية مشحونة دراميا وانفعاليا ثم طلب منه أن يهمس بنفس الحكاية في أذن زميله المجاور له .. وهكذا .. الغريب جدا هو أن الحكاية الأولى وصلت إلى اذن المشارك الأخير وقد تغير الكثير من مكوناتها !! هكذا تتغيّر ملامح الحكاية من أذن لأذن حول طاولة صغيرة وخلال مدة زمنية قصيرة جدا .. فكيف هو حال حكاية تتحرك عبر أربعة قرون من لسان إلى لسان ومن أذن إلى أذن ؟! . طبعا فن الرواية يختلف عن علم التأريخ ، لكنها تبقى “وثيقة” تتضمن معالجات تاريخية . وقد يقول قائل إننا في الرواية نتحرك على ساحة الخيال ونحلّق في سماواته . وهذا صحيح عموما ولكنه يجب أن يكون منضبطا عند معالجة شؤون التأريخ . هذا الباب هو الذي جعل روائيا هزيلا مثل سلمان رشدي يأخذ حجما مضخّما لا يستحقه .
وقفة :
——–
… لا إبداع بدون حرية ، هذه حقيقة ثابتة ونهائية ، وأنا معها على طول الخط . عندما يقوم مخرج غربي بإخراج فيلم عن فتح المسلمين للأندلس ويصوره كاستعمار ويعرض الكيفية التي أُرسل فيها الأسرى وخصوصا العذارى إلى عاصمة الخلافة والمدن الإسلامية الكبرى فهذه وجهة نظر يمكن أن تُطرح – وهي مطروحة فعليا حتى من كتاب عرب ومن أبرزهم الراحل الدكتور “علي الوردي” – وله الحرية في ذلك رغم أنه سيصدم الكثير من المسلمين . لكن عندما يقوم هذا المخرج بإخراج فيلم عن الخليفة عمر بن عبد العزيز ويعرضه كشخص غارق في الملذات ويعاقر الخمرة ويضطهد أهل الذمة ، فهنا علينا أن نتوقف ، فهذه ليست حرية ، هذا تحريف للتاريخ وتشويه سمعة إنسان واستفزاز مشاعر الناس الذين يعرفونه ويحترمونه . هنا نخرج من الحرية وندخل في الفوضى والاستهتار بمشاعر الإنسان الذي خلق الإبداع لخدمته وليس لتنكيده وزيادة آلامه . ولنأخذ نموذجا محددا هو سلمان رشدي الذي يعدّونه في الغرب الآن حامل راية الحرّية في الإبداع . اتركوا آيات شيطانية وخذوا روايته ” أطفال منتصف الليل ” بجزأيها (972 صفحة) . اقرأوها وستجدون أن الإساءات التي يوجهها للإسلام والمسلمين وللعرب هي جزء من منهج لاعلاقة له بالإبداع على الإطلاق . بطل الرواية “أحمد سيناء” وعائلته من أب وأم وأخت – بل كل أبطال الرواية – شاذون جنسيا بصورة أو بأخرى ، والأطفال نتاج سفاح ، وأنديرا غاندي تخصي المعارضين السياسيين ..إلخ . لا يهمنا هذا ، هو حر في تصوير المجتمع الهندي . هذه حريته في الإبداع . لكن عندما يصف بطله الفاسد هذا والمنحرف في أثناء تبصصه على أمه في الحمام وهو يمارس الاستمناء بأنه شعر وكأنه مثل (…) في غار حراء سنتساءل فورا : هل هذا إبداع ؟ وهناك مواقف مهينة جدا في العديد من الصفحات أترفع عن ذكرها لأنها في غاية التفاهة وتنم عن عقلية ركيكة وسخيفة لكنها جارحة للآخرين . كل واحد يستطيع الوقوف على السطح ويرمي الناس بالحجارة ، أو يقف في السوق ويبول أمام الجمهور . لكن هذه تصرفات “زعاطيط” في الإبداع ، وليس المبدعين الرصينين الكبار ، خذ مناقشة ديستويفسكي الجريئة لعدالة النبي محمد في الجريمة والعقاب . ثم ألم يجد رشدي أحدا يقارن به أخته الطفلة الشاذة (القردة) كما يسميها سوى الراحل جمال عبد الناصر ؟  يقول أن لديها عادة غريبة هي حرق الأحذية مثلما قام عبد الناصر بإغراق السفن في قناة السويس !! ما هذا التشبيه ؟ وهل هو تشبيه فرضته الضرورات الإبداعية ؟ كلا . هذا (خريط) إبداعي . ولكن هل هو مطلوب من جهات غربيّة معينة ما دام ضد العرب والمسلمين ؟ هل دخلنا دائرة نظرية المؤامرة السخيفة ؟
عودة :
——–
لقد اشتعل الخلاف بين الخيم ، وتشعّب السرد بطريقة شائكة ، وهذا ما لم يكن يتوقعه لا الدكتور رودميرو ولا عمار إشبيليو (وقال رودميرو غامزا كأنه هو من رتّب ما يجري :
ألا يذكّرك تنافسهم بهذا الشكل بملوك الطوائف وصراعاتهم حتى استعانوا بالشماليين على بعضهم ؟ – ص 44 ) .
وبهذه الإشارة السريعة والمُلطّفة ، يقفز جابر على حاجز مرعب مما هو من لبّ الوقائع المهولة التي تجعل الولدان شيبا ، والمتمثل في روح الغدر والخيانة التي وسمت سلوك “بدو” الأندلس “المتحضّرين” . وأرجو أن لا يُستفز جابر ولا القرّاء الكرام الذين قد تكون سحرتهم براعته السردية . وهنا مكمن من مكامن خطورة فن الحكاية خصوصا والفن عموما فهي تمتلك خاصية – أو “سحر” – “ازدواجية النفوذ” في الإنسان : عقلا وعاطفة . لقد تحيّر حتى علم النفس في السلوك الغدّار والنزعة الخيانية لدى عرب الأندلس والتي صارت سمة مميزة لهم . سيُصدم القارىء شرّ صدمة حين يُكشف المستور ونتساءل عن مصير فاتحي الأندلس : موسى بن نصير وطارق بن زياد وكيف تمت تصفيتهما بصورة مذلّة من قبل أبناء جلدتهما العرب الأمويين ؟ كيف قتل الفاتحون العرب قائدهم “عقبة بن نافع الفهري” سنة 683 م في بلدة تهوذه جنوب قسنطينة لأنهم لا يقبلون العصبية الأموية ؟ هذا الحاكم يقتل أباه .. وهذا يقتل عمّه .. وهذا يذبح ابناء عشيرته في مجزرة تلعب النفس .. وذاك يبيع أمته ودينه من أجل نصرانية ساحرة .. والأبشع أن هذا يضع نفسه في خدمة الغازي القشتالي النصراني الدموي الذي يعلم أنه سيذبح إخوته ويتدرج في المناصب حتى يصبح قائدا مبرزا !! عشرات الحوادث الغدّارة والخيانية المفزعة التي تسحق قيم الدين والعروبة بلا رحمة !! أين انتباهة جابر الحادّة منها ؟ .
عن أي عرب أصلاء ومسلمين اقحاح يتحدث جابر ، وعن أي “أنصار” يتحدث المؤرخون (وأمّهات معظم هؤلاء الملوك وعلية القوم المحيطة ببلاطهم واقربائهم من السقالبة أو البربر أو الأسبان وجل ما يمكننا أن نظيفه الى هؤلاء هم العرب ليشكل ربعا من ثلاثة ارباع سكان الأندلس المسلمة الناطقة حتما بالعربية لغة القرآن لا لغة الحكام وحدهم.
وقد شكل هذا الأختلاط العرقي القوي بالعرق الآري الأوروبي تغيرا في الذوق الجمالي عند سكان الأندلس الى حد ان لسان الدين الخطيب كان اذا وصف حاكما من آل نصر بالملاحة والجمال كان يعني :البياض والشقار.قال يصف يوسف بن اسماعيل ابا الحجاج الذي انهى بناء الحمراء(كان ابيض ازهر مليح القد جميل الصفات)وذكر ايرفنغ ان النصارى كانت تكتب اسم يوسف بن اسماعيل أبا الحجاج “هاكسس” وكان (قوي البنية اشقر الملامح ذو لحية طويلة يصبغها بالون الأسود)ولهذا دلالة انه لا يريد ان يبدو شكله كشكل ملوك الفرنجة لأنه يشبههم.
اما مولاي ابو الحسن اخر ملوك هذه السلالة إباء فرغم قسوته ووحشيته التي دفعته بأن يضحّي بأولاده الذكور من نسائه كافة من أجل عيون أولاد محضيته الزرق إبنة سانشو اكزيمنس دي سولي السبية الشقراء الفاتنة التي سماها بشعاع الفجر أو “الزوراء” وعُرفت بين الشعب باسم فاطمة ، فهو يمثل أقصى درجات الخنوع الأندلسي للجمال الغربي والهيام فيه مهما كانت التضحيات على عكس إبائه ورجولته الحربية في ساحات القتال التي دعا النصارى لها بدل الخضوع لمهانة شروط الهدنة الذليلة التي كان يقبل بها أسلافه وتمناها أخلافه .
هذا الهيام بالبياض والشقار عند الأندلسيين ليس تغيرا بالذوق الجمالي عندهم فقط بل دليلا ساطعا على تغير بصفاتهم الوراثية التي حصلوا عليها من الإختلاط بالأوروبيين الى درجة أن الشكل والسمات الأفريقية صارت مع الإجتياح الصليبي أحدى العيوب التي اراد الأسبان أن يخلصوا منها جزيرتهم والتي احضرها الفتح العربي الذي يجب أن يخرج عنهم بها أيضا وكل هذا قبل أن تعرف البشرية معنى العرقية أو الدارونية بأحقاب طويلة) (33).
على جابر العزيز وعلينا جميعا أن نتحدث عن الأندلس كـ “حالة” و”أنموذج” ممتد بعوامله الفاعلة المدمرة وآثاره الأفعوانية المدمرة حتى يومنا هذا . يجب أن نستعيد السلوك الخياني لـ “ملوك الطوائف” الذين مازالوا يعيثون فسادا في حياتنا . وهذه من النتائج الخطيرة التي ستحيلنا إليها هذه الرواية شئنا أم ابينا وكانت ستتعزز أكثر وتكون أكثر فعلا لو أن مساراتها وشخصياتها اشتملت على وقائع السلوك الخياني ورموزه . والأهم هو أن نطرق بصورة مستمرة على عقدة “العصبية القبلية” التي هي أم الآفات برغم أنها أم الحسنات المستترة حيث عدّ الفتح العربي اعظم الفتوحات في تسامحه وعدالته حتى أن القشتاليين عندما أسقطوا غرناطة وجدوا أحياء كاملة وعظيمة مزدهرة للنصارى تتمتع بكافة حقوق الفاتحين عدا الجزية والخراج . هذا الفتح تحقق بعصبية القبائل العربية والبربرية تحت لواء الأنصار وتحت ظل راية الإسلام . (وهي حين فتحت كانت كما سبق ورأينا تعامل المفتوحة أراضيهم بشكل افضل بكثير مما كانت تعامل بعضها بعضا
وهذا ما ظنّه بعض المؤرخين بان التاريخ لم يشهد فاتحا مثل العرب وهو امر في واقعه الإجتماعي البعيد عن الإفتخارات الجوفاء يرجع الى ان بنية ظاهرة العصبية الناتجة عن العشائرية تقبل الولاء وتستخدمه الى ابعد الحدود) (34) . لقد كان تسامح عرب القبائل مع اليهود على سبيل المثال مفرطا حتى أن غرناطة كانت تُسمّى “غرناطة اليهود” ليس بسبب كثرة عددهم حسب بل لسيطرتهم على مقاليد الأمور في الدويلات ، سيطرة تذمر منها العديد من الشعراء في قصائد معروفة .
بينما بنية منطق التهجير الذي ابتدعته محاكم التفتيش لا مكان للولاء فيها لذلك سيفاجأ القارئ لهذه الأخبار – أخبار سقوط غرناطة – بطلب ملكي قشتالة من ببدول وكل من خضع لهم من الحكام العرب لا بأن يكون مولى وموالي لهم فقط بل أن يكونوا  vassals أي خولاً مملوكاً ويتركوا فورا دينهم؟!
هذا هو الفرق بين منطق الفتح ومنطق التهجير كالفرق بين التسامح العشائري بعد الخضوع والفتك المؤسساتي بالخاضعين فاذا اضفت للفاتح قوانين التشريع الإسلامي السمحة بدا اختلافه الواضح عن بربرية المهَجر الذي يستقي تشريعه من محاكم التفتيش لذلك بعد ان أعطى فردناند العهد لأهل غواديكس لفق لهم تهمة الخيانة واخرجهم بطريقة ماكرة من بلدهم ليشتتهم بين افريقيا وشتاء اسبانيا القاسي وسيذهل القارئ من عدم رد الزغل على ما حصل بعاصمته هذه التي حمته من “غرناطة ببدول”و”اشبيليا فردناند”للعجز النهائي الذي كان فيه بل الذي وضع نفسه فيه وهو ينافح من اجل انانيته الشخصية التي اوصلته إليها عصبيته) (35) .
إن عصبية ملوك الطوائف الواحدة والعشرين في غرناطة – وهذا هو الدرس الخطير من جابر الذي لم يأخذ مداه – وليست “خيم” ملوك الطوائف هي التي ينبغي أن نبحث فيها عن جذر السلوك الخياني وعن ظاهرة الخونة “المهرولين” .
في العصبية القبلية والعشائرية تكمن (أصول الخيانة المتجذرة عندنا منذ فقدنا حلم العالمية من الجزيرة الإيبيرية يكررها من لا يريد إلا أن نحدثه عن أمجاد العرب في الأندلس وهي على كل عظمتها لا تزيد إلا في ثمن متاع صفقة الخائن حين البيع . فبعد أن باع قادة بازا حاميتهم لفردناند مقابل إقطاع مارشينا لهم ولأولادهم وتنصروا ، راح اسياد الحصون يبيعون كل حصونهم بكل ما فيها من علماء ومفكرين وقادة وصناع مهرة مقابل أعطيات شبيهة . وكان فردناند يستقبلهم بشكل متميز ويحملهم الهدايا والأموال حسب أهمية المكان الذي كان تحت قيادتهم وسلموه . فأي حديث عن العظمة مهما عظمت ، وهي لم تكن بالشئ النادر ، بل الكثير في الأندلس ، يظل أسير شرور الحقارات مهما قلّت . فطالما أن الشر بكل أصناف الخيانة والغدر والأنانية والتبعية والعصبية فيه ، يفعل فعله ، فمن الخطأ والظلالة الحديث عن العظمة والخير لأنه القادر على تدمير أعظم انجازاتهما بسفالة واحدة من تلك السفالات . فيجب التصدي له أي لشرور تلك الحضارة الرائعة في الأندلس حتى وقبل أن نقدر خيراتها طالما لازلنا نرى أن المطب العربي لا زال يتكرر في الجحر نفسه مرارا وتكرارا لا مرّتين فقط .
إن فساد الغرب كان فسادا مؤسساتيا استعمل المسيحية بينما فساد الشرق من مفاسد العصبية العشائرية التي كانت ولازالت أساس بناه الإجتماعية والتي استعملت ولا زالت تستعمل الإسلام لأغراضها المتنوعة بتنوع أهواء العصائب
وهذا ما يظهر جليا حين نقرأ اخبار سقوط غرناطة بين أب يقتل أولاده إابن يعق أباه وعمه من اجل الملك ولو أدى ذلك الى بيع نفسه لأعدائه وبالتالي بيع أمته لهم . ولكي لا نذهب بعيدا يكفي مقارنة هذا الأمر بقتل ونفي ثلاثة حكام عرب لآبائهم في هذا القرن العشرين لهدف السلطة المشابه . ويكفي القارئ اللبيب تذكّر احداث هذه المنطقة منذ خمسين سنة ليعددهم لنفسه .
فمفاسد العصبية العشائرية ضد فساد مؤسسات الكنيسة تختصر قصة الصراع بين الواجهتين التي احتمت بهما الإسلام والمسيحية ؛ نمطان من الحياة الإجتماعية كانا يختبئان وراء كل هذه الظواهر في كل مقيمها المعقد : الأول نمط اجتماعي عصبي يأتي من كل النظم العشائرية والقبلية في العالم وقد تساوى فيه العرب والبربر في الأندلس لطبيعتهم العشائرية المتشابهة . والثاني نمط اجتماعي طبقي يفرز المؤسسات بدل العصائب انظوى هذا النمط الطبقي تحت جناح المؤوسسات الكنسية ولم يخرج من تحت نفوذها القاتل إلا حين شكل مؤسساته البرجوازية ثم العمالية ثم الإمبريالية .
نستنتج من هذا أن شر فساد المؤسساتية ضد خصومها أولا بينما شر مفاسد العصبية ضد عشائرها وابنائها أولا . فإذا استشرى فساد مؤسساتي في أمة ذات عقلية مؤسساتية استبدلت مؤسساتها . وهذا ما حصل باستبدال الكنيسة بالمؤوسسات الإقتصادية والتقنية التي سمحت وتسمح للغرب بهذا الإزدهار المدمر الخارق اما اذا استشرت المفاسد بالعصبية استبدلت بعصبية اخرى . وهذا هو اساس الركود الإجتماعي العربي والشرق أوسطي كله ؛ هو الذي يبدو فيه التاريخ وكأنه يعيد نفسه ولا يتحرك الى الأمام في اتجاه سواء أن كان مدمرا أم غير مدمر . فجل ما يفعله المجتمع العشائري هو لفظ غير ابنائه ومنعهم من المساهمة فيه الى أن يتزايد هؤلاء الأبناء فيشكّلون عصائبهم التي تتصارع . فإذا كانت في مجال الإقتصاد افقرت بعضها واذا كانت في مجال السياسة قتل الإبن اباه والعم ابن اخيه وهذا ما فعله الزغل حرفيا مع اولاد الطاهرة اخوة ببدول ومافعله ابو الحسن قبله مع اولاده.
ورغم كل ما نميل إلى تقريره من أن العصبية تنحل حين تفرعات أفخاذها كما في الدولة النصرية إلى الأنانية الفردية ، يبقى السؤال عن الكيفية التي تخون بها الإنانية ذات صاحبها لعلم النفس أن يجيب عليه . وقد تكون أسرع إجابة لخيانة الزغل والنيار في نهاية هذه الأخبار بعد كل بطولاتهما في أولها . لعلم النفس بأن يعزوها إلى تقدمهما بالعمر وبالتالي نحو خطرفة الشيخوخة وهذا ما لمّح له إرفنغ ، لكنه لم يستطع أن يجد ببدول أثناء هذه الأخبار ، إلا شابا يافعا وكأني بالأمر يتجاوز علم النفس نحو الظواهر الاجتماعية ثانية به .
لذلك إعتاد كتابنا العرب القدامى على عبارة تقية حسنة المخرج من مثل هذه الورطات التفسيرية نحب أن نستعملها ممن القلب ثانية هي “والله أعلم” ! ) (36) .

شاهد أيضاً

هشام القيسي: بيننا إقامة تضيء
(6) ورد (ثانية الى موسى بيدج)

شيئا فشيئا بكل شوق يشفق هرب من يومه حين سقط الوجد عليه وابتدأ المشوار ، …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (13)

الشاعر هشام القيسي يوقد شموعه بعد منتصف الحريق قمر في غيمة الرؤيا.. ينظر في صفحة …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (20/القسم الأخير)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *