د. منال البستاني : تحولات الجسد في قصيدة ” موسيقى ” للشاعرة.. بشرى البستاني

المترجمة الدكتورة منال البستاني

النص * :

فجأة يسقط الثلج في الصالة المقفلةْ …

فجأة تتداعى الغيومُ ،

تسدُّ النوافذَ

لحن أخيرٌ يرفّ على الشرف المطفأةْ

أمدّ ذراعيَ

أمسكُ ما يتناثرُ من ندف النغمِ

الشمسُ تومضُ،

تنفتح النافذةْ  …

فجأةً ..

وترفُّ البلابلُ ،

يهدرُ موجٌ عصيُّ ،

وتهفو الغصونُ

تغادرُ روحيَ قضبانها…

يتداخلُ بحرٌ بأفقٍ ،

وأرضٌ بنهرٍ

تدورُ الصحارى ،

وأصعدُ

أَصعدُ

حتى التلاشي …

•    مخاطبات حواء ، بشرى البستاني ، القاهرة ، دار شمس للطباعة والنشر ، 2010 ،
تفتتح الشاعرة ديوانها “مخاطبات حواء” بقصيدة “موسيقى” بتجريديتها ، فالعنوانُ هنا بحد ذاته تجريد موسيقي يمتاز بخاصية غموض اللغة وعتمتها، غموض الكلمة، غموض القلب، غموض الروح، غموض فلسفي وميتافيزيقي يحفُّ بالعنوان. فكلمة “موسيقى” تشكل مزيجاً من مشاعر مختلفة بطبيعتها، غموض الفن، غموض العالم، غموض الجسد، غموض الشعر بما يفيض به من تعبيرات عن روحٍ لا يمكن أن يُسبر غورها. فالتنكير بالعنوان يستحضر سلطة غير مرئية وكأنها عنصر من عناصر الحياة الرئيسة، لكنه عنصر هارب، يتجلى فقط بالمشاعر الغامضة، بالفاعلية السرية التي تؤكد الوجود، فهناك قوة غامضة تحرك النص بموسيقى متألقة وسلطوية، بل كأنها قوة سماوية تطوافيّة، حيوّية متجردة من قوى الجسد، تبقى في القلب مثل وميض يثير الروح ، موسيقى كأنها رِعدة أو رَوْع بتأثير عاطفة أو سجن عميق. فالشاعرة تأخذنا إلى الأنوثة الجوهرية التي ترمز إلى الاتساع الكامن في الإنسان بقدر ما هو كائن روحي. فالأنوثة تهِبُ الحياة بكل ما فيها من لواعج نفسية كأنها نفحه سماوية أختصّ الله بها المرأة ودعاها للمكوث في الملكوت السماوي ، وجعل من روحها مريم العذراء التي بها يرتقي الحب إلى أعلى مستواه الروحي لتثير فيه هذه الموسيقى الغامضة التي تطلق ما هو مدّخرٌ في كوامنه من ألوان وثمر. فالأنوثة في هذه القصيدة تتجلى بالثوب الأخضر. إنها الاتحاد الذي يحذب نحو المركز. وهي الأمل الذي يحقق الاتحاد النفسي الذي يتنافى مع الذكورة التي هي تفريق وبعد عن المركز. الأنوثة هي السر الذي به يتحقق التوازن الكوني والإنساني، هي الحماية والشعور بالأمان، فالرجل إذ يعدو بسرعة جنونية، فأنه يعود إلى الأم كواحة أو ميناء للأمان يُضفي عليه الراحة ويعيد إليه بناءه، وهي الترياق، الدواء الكوني الذي يُسكن التوترات العصبية ويوازن ضغط الدم الذي ولدّته الظروف السياسية والاجتماعية والحروب التي تتالت عبر العصور، وهي التي تعالج مرض الأنيميا النفسي، وهي الحقول الخضراء التي تنتشلنا من سجون الحياة إنها السلام الأعجوبي الذي نتغلغل فيه حين يداهمنا الخوف، ومن حضنها نعود إلى الجنة- هي الإيمان والأمل الجميل، وهي ينبوع الماء المتدفق في صحراء الحياة ، الأرض التي تحمينا من الغرق حين تجرفنا أعاصير الحزن.. في سر هذه الأنوثة التي تحمل في مضامينها سر الفضيلة الذي ولدّه اللون الأحمر، لون الدم، والمأساة. فالأنثى هي العدل الأخضر الذي يرتقي بالإنسان إلى أسمى رُقي.. وهي اللغة الخضراء التي تفتح أبواب التأمل الذي يجذبنا نحو مركز اللغة التي تطفح بمشاعر الحب الزاخر بكل ما هو مضيء يبدد عتمة الروح التي تريد أن تفر من سجنها، سجن الجسد والمصير الإنساني الغامض. فالقصيدة تطفح بالخضرة، بالجود الإلهي الذي يحمل إلى الروح الأمل الجميل في صميم المحنة، تحملنا الأنوثة/القصيدة إلى العرش الإلهي.. إلى الإيمان، إلى اليقين، إلى السلام الذي يمس الجوهر الإنساني في القلب في مخاطراته مع الضياء.. وفي القصيدة تجليات لأفول تسلط الفكر المهيمن و (Castration)-إذن فالشمس هي الأنوثة ، والذكورة هي القمر الذي يستمد ضياءه من الشمس- والأنوثة هي الجوهر والأصل، وهي إذ تمثل في الحياة الجانب الإيجابي المضيء فأن الذكورة تمثل الجانب السلطوي السلبي، الأنوثة هي شمس العقل، وهي المستقبل، والذكورة هي الذاكرة.
في القصيدة صراع مأساوي بين الروح والجسد، بين الضياء والعتمة.. فالعمل الإبداعي بكل صوره شعراً كان أو موسيقى ، نحتاً أو رسماً، وكل فن من الفنون نعدّه شمساً إذ أن الشمس هي ظاهرة من ظواهر التجلي الإلهي بغيابها تدور الروح في مدارات الألم والظلمة وتستيقظ الرغبات الجهنمية.
تدور القصيدة في ثلاثة فضاءات زمنية: الماضي، الحاضر، المستقبل. الفضاء الماضي يدور في غياهب مجهولة، تمويه شعري كأنما ترفض الشاعرة أن تعلن عنه أو أن تستقبله، إذ يبدو كأنه ماضِ تدور فيه عاصفة داخلية تربك سكينتها، حب ضائع! حرمان! محنٌ! حروب سجون، قهر وقيود..! وهذا التمويه يضفي على القصيدة جلالاً إذ أن العتمة كما يقول (Novalis)  ” يجب أن تتبدد عبر القصيدة”( ).
في القصيدة صمت وحداد وحزن مقدّس، فالشاعرة حبيسة ومغلقة في الصمت، قبل الخلق كان صمت، وقبل البعث يكون صمت، وقبل كل حدث عظيم يكون صمت وبعد كل حدث جلل صمت. الماضي الذي تريد الشاعرة أن يتوارى يتجلى في الحاضر الذي تتدفق فيه صورة مفعمة بالحزن العميق، مع شعور بالوحدة الباردة، انقلاب مفاجئ:
-فجأةً يسقط الثلج في الصالة المقفلة….
فما سرُّ هذه الصالة المقفلة!؟ وكيف يسقط الثلج في صالة مقفلة!؟ صوت السقوط هنا يلعب دوراً نفسياً يوازي حالة الروح التي تسقط مرتجفة ومتحدة بهذا الحزن الجوهري الذي يغمرها وإذ الـ “أنا” مغيبة غياباً شعرياً لكنها حاضرة في عمق هذا الحداد بفعل السقوط المبهم “يسقط الثلج” “Le verbe impersonnel” “Tombe la neige” سقوط الثلج هنا يشكل إنزياحاً أو انحرافاً ، ويتجلى للذهن أن هناك روحاً ترتجف، لأن سقوط الثلج ظاهرة من ظواهر الطبيعية كالمطر، والغيوم، والعواصف كأن نقول “هبتْ عاصفة” لكن الشعر حول هذه الظاهرة إلى حالة إنسانية تشعرنا بالفجيعة والشؤم، حالة مفعمة بالاكتئاب ومعه تتشكيل صورة جمالية فيها يتجلى الحزن في أعمق صورة. ربطت الشاعرة ظاهرة من ظواهر الأنواء الجوية “Météorologie” بحالة من حالات الروح في أشد احتدام الألم. فاللون الأبيض “لون الثلج” له تأثيراته الروحية على النفس الإنسانية التي هي في حالة حزن وحداد مطلق “صالة مقفلة” حزن ثقيل كأنه جدار يمتد إلى اللانهاية، حزن لا يمكن تجاوزه، حزن لا يُقهر لأنه مُقفل، حزن يأخذنا إلى ما قبل الخلق، إلى ما قبل البداية، إلى ما قبل الولادة، إلى النقاء، إلى الذهب، إلى الجوهر، حزن كينوني .
يغلف القصيدة حزنٌ عميق، يعبر عن أزمة حادة تضبب صفاء الروح التي تريد أن تتحرر من هذا البرد كأنها تبحث عن منفذ، لكن نوافذ الأمل مسدودة بإحكام. صوت السقوط، هنا له تأثيره ليس فقط على المستوى النفسي بل الأخلاقي والميتافيزيقي.. فالسقوط يرتبط بالجحيم، يرتبط بالشيطان الذي يجسد الجسد والخطيئة والمحرّم. السقوط مرتبط بالليل والعتمة. في ليل الجسد تشتعل النيران، نيران الرغبة، السقوط مصحوب بجراحات ونزف وكدمات، السقوط هو ضياع الأمل.
“الصالة المقفلة” كناية عن الجسد. “الصالة المقفلة” تحمل في معانيها قيماً نبيلة، عفة ووقارا ، وهذه إحدى خصائص الشعر العظيم إذ تعبر الشاعرة عن الجسد بـ “الصالة المقفلة” وبهذه اللغة الفائقة يقول الشعر “أنا شعر”( ).     إذ يدفعنا التأمل الشعري في القصيدة إلى تساؤلات عديدة تثير الدهشة والحيرة، ما سرُّ الصالة المقفلة!! أهي صالة رقصِ؟ أصالة درس؟ أهي صالة مخاض؟ أم صالة جنائزية فيها جسد مسجى يغطيه كفن الثلج. وهنا تتجلى صورة القلق الميتافيزيقي “Ľangoisse métaphysique” قلق البحث عن الكائن المطلق، قلق البحث عن المعرفة، عن الحرية، عن الحب المطلق ، عن الحقيقة ، ففي القصيدة تجليات خفية لمزاج أسود، ومرارات، فرح أومض ثم انطفأ، ثم عزلة ووحدة. فعل السقوط مصحوب بجراحات روحية مميتة، سقوط له نهاية عميقة الجوهر. فعلى الصعيد النفسي تبدو الروح رافضة لعبودية وسلطوية الجسد العمياء ،  لكنها ترسم في الوقت نفسه أن هذه الغريزة تلعب دوراً عميقاً في التفتح والازدهار الإنساني ومن أجل أن نتلافى السقوط ونقاومه يجب أن نكون قادرين على قمع  قوة الجسد المخيفة بحيوية ديناميكية ينتصر فيها الروحي على المادي ، جسد مسجى في العتمة والبرد.. ثم تتشكل صورة تتجسد فيها العتمة القاتمة، الغياب الكامل وتنعدم الرؤيا:
فجأةً تتداعى الغيومُ ،
تسدُّ النوافذَ
تشكل هذه الأسطر صورةً للحزن الشديد، الحزن الجاثم، الغياب، كُتلٌ مأساوية، حزنٌ بلا خلاص ، هناك جثه، حزن متخثر، حزن يرنّ ، انطفاء الفرح يتجسد في “تسدُ النوافذ”  ، حزن كأنَّ الشاعرة تريد أن تصل إلى جذوره العميقة لتجتثه، حزن صامت، حزن مغلق اكتملت دائرته لكنَّ هذا الليل من الحزن الأسود لابد أن يبدّده الضياء في كل شعر أصيل، ولا يتجلى الضياء إلا بقتل الرغبة : “تتداعى الغيوم”.
لحنٌ أخيرٌ يرفُّ على الشرف المطفأة ..
وكأنَّ الشاعرة ترمز إلى الرغبة بموسيقى حسية خاصة، إيقاع الرغبة الممل الذي تريد الشاعرة أن تسكته بشعرية متناغمة لكنها جنائزية كأنها لحنُ آلة الكمان- يعزف الحزن عزفه المنفرد، المستوحد- ثم تومض الـ أنا المبهمة لتضيء النص:
أمدُّ ذارعيَ
أمسكُ ما يتناثرُ من ندف النغم،
كيف تمتزج الموسيقى بالثلج ولماذا؟ فالذراع هنا ترمز إلى الفكرة الفعالة، “أمدّ ذراعي” تعني البداية، كما تعني النهاية، تعني التخثر، كما تعني الانصهار والذوبان.. إذ أن الأمل الضائع، أو القيم الضائعة، القيم الشفافة التي تبعثرت في عصر مجنون لا يمكن الإمساك بها لتتجلى في “أمسكُ ما يتناثر من ندف النغم” فكأنَّ هذا الأمل الضائع يكون وسيطاً بين المرئي واللامرئي.. كأن الشاعرة تكشف لنا عن ألم الروح الذي لا يهدأ إلا بالإبداع لأن ما تكسرّ وتشظى من روحها لا يلملمه إلا الشعر بشفافيته، وجوهره المقدس، رعشةٌ تمهد لها العبور إلى العالم المتعالي، إلى فضاء آخر أسمى “أمسك ما يتناثر من ندف النغم” تجسد البحث عن المثال النقي الذي لا يمكن الإمساك به من ندف تتطاير في الأثير البارد الذي يُعمق الشعور بالوحدة والاغتراب الروحي والزوال.. هناك روح تشعر بالسُقم والضنى والذبول، حالة روح تبحث عن الوطن الأم.. شعور بالاكتئاب يثير في الروح رغبة لم تتحقق، رغبة انكسرت وتناثرت، فكأن هناك أنغاماً داخلية تبكي وتؤجج هذا الشعور بعذاب أزلي، روح كأنها في منفى ناءِ، روح تناثرت في هذا الأثير الحزين العدمي.
“الشمس تومض”
تتحول الروح من حالة إلى أخرى ”  من فرح ونشوة قبل تجمد الرغبة إلى كمد وحزن، زهد وتقشف، يباس وتخشن، ثم تخثر وجماد، حالات تحوّل متتالية ثم انصهار. فالشاعرة تقارن الجسد بقوى الطبيعة: حرارة، برودة، رطوبة، يباس. الشمس في الكون هي لون الذهب، اللون الأصفر، لون الضياء. “الكبريت في الجسد لونه أحمر”، بامتزاج اللون الأحمر مع اللون الأصفر يتشكل اللون الجهنمي.. معنى جهنم يدل على الأنانية والكبرياء والظلم وعدم حب الحكمة.. وهذه الصفات إذ تتجسد عند إنسان ما فأنها تصبح مبدأه، وهدفه وإلهه.. وهذا هو الجانب السلبي والشيطاني والمشؤوم الذي يتنافى مع لون الشمس، لون الضياء، لون الذهب. الانغمار في العتمة هو نفيٌ عن الضياء، إذ انطفأت كل الشموع، وآل كل شيء إلى كمد مطلق ، فكأن الشاعرة في حالة من الشعور باللوم والتأنيب لا تريد للنور الذي في داخلها أن ينطفئ.. تريد أن تتنزه من هذا الإثم.
فالإثم مرتبط بالفعاليات البركانية، بقوة النار، دبق، لهب ناري وذكوري. “الكبريت يخصّب الزئبق وعند الكيميائين العرب له دلالات صوفية”( ) الزئبق “يرمز إلى الفاعلية الإلهية، وإلى فاعلية الروح، ذو علاقة بالشمس، الزئبق له تشظيات إعجازية، له علاقة بالكواكب السيارة لونه أبيض فضي لا علاقة له بالحكمة، رطب، أنثوي، قمري. وهو يشكل باختلافه مع الكبريت شمساً وقمراً، ذكراً وأنثى، إنه مكافئ للندى، فرح وعقل، فهو أحياناً شمس وأحياناً قمر، أحمر وأصفر”( ).
فالأنوثة هنا هي المشاعر والحقيقة الكونية التي تعزف على الوتر الحساس من الروح الإنسانية.
اللون الأحمر هو لون الرغبة التي تذهب إلى هدفها.. لون عارم يجسد الهيجان، يجسد الشهوة التي تمتلك خاصية الحرارة والبرودة، القوة والهيمنة، القرار، الفرح، العناد، المشاعر الملتهبة، الفرح والانتصار، موسيقى الجسد التي ترن قوية معبرة، عنيدة ، متغطرسة.. لا تنطفئ إلا بالماء.. لكن هذا الاشتعال يبدو بالنسبة للشاعرة قاسياً ومأساوياً.. إذ يصاحب هذا الاحتراق شعور بالألم العميق والنزف والتقرحات والأنين الروحي: “تومض الشمس”/ أية شمس هذه ومن أين أومضت؟ تبدأ رحلة جديدة للبحث، رحلة تبحث فيها الشاعرة في السماء، تبحث عن زمن روحاني هرباً من زمن حاضر يعدّ من أكثر الأزمنة انحطاطاً، زمن السلطة المهيمنة، زمن الشبق المادي، تبحث الشاعرة عن زمن تشيدّه في العلو المطلق، زمن مبني على القيم الفريدة في جماله وبهائه. ففي القصيدة انتصار متألق على عالم حسي ومادي. وتستحوذ عليها الرغبة في العبور إلى العالم الآخر، إذ تجسد الروح التي تفرُّ من جسدها، وتتحرر من جاذبية الأرض، من ثقل الجسد وأعبائه، تتحرر منتشية، مفتونة، منذهلة بجمال العالم العلوي، متحررة من العالم الدنيوي، وهنا يتجلى الجانب الروحي بأبهى صورة، صورة الفاعلية الفكرية الكونية التي هي معرفة جوهرية نقية.. فالشاعرة تطمح إلى لغة تفيض بالضياء والسلام والوفاء، لغة تتجسد فيها لغة الحياة، لغة الحب، لغة الضياء التي ينتصر فيها الخير على الشر، والنور على العتمة، والحياة على الموت، لغة تعيد للإنسان صورته الإنسانية:
” تنفتح النافذة”
إنها المفاجأة الحادة في هذا المقطع من النص.. رحلة الإنطلاق، رحلة شعرية يتألق فيها لمعان الضياء، رحلة ذهبية اللون يتجلى فيها الطموح إلى بلوغ الاشراقات والمثال المطلق، رحلة الشعر، رحلة الحلم في لغة يتذوق فيها الإنسان حلاوة اللذة الروحية.. لكن هذا التحول لا يتحقق إلا بعد محنٍ وعذابات واشتعال واستشهاد لتعود الروح بعدها إلى جوهرها الأبيض الناصع ، جوهر العفة والفضيلة على مستوى المُثل ومنظوماتها نفسيا واجتماعيا وأخلاقيا .
تجمد ثم انصهار يتماثل مع الإيقاع الكوني، عبور من التخثر، إلى التجمد ثم إلى الانصهار، إحالة الجسد إلى روح، ارتفاع من أسر الدنيا إلى الرفعة. عودة إلى رحم الأم- التي هي الأرض- تحولٌ من العدم والعتمة الجوهرية إلى الضياء والأنغام الفرِحة.. ففي القصيدة فاعليات أرضية وسماوية. النفحة- الجوهر. ماء ونار. النار نار الروح التي تحترق ، الماء ماء البذر- ثم الإزهار والإثمار. فالخروج من الرحم هو الولادة التي هي ولادة الإنسان الحقيقي الذي يماثل في جوهره الجوهر الإلهي.-التحول من الحالة المادية إلى الحالة الروحية- من المعاناة والألم والقسوة التي لا يمكن الانتصار عليها وعلى انعكاساتها السلبية إلا بالممارسات الروحية-تقدم لنا الشاعرة بديلاً عن العالم الحسي وعن الواقع عالماً ايجابياً يُركّز على الروح الشفافة وعلى عالم ما يعد التحولات بنعميمه الدائم المطلق. فالقصيدة تدور في فضاء يصور لنا الحياة الروحية تصويراً وجدانياً يتعالى على ما في الواقع من قبح- تصور لنا الشاعرة هذا التحول بلغة إنسانية تحقق جمالاً مؤيّداً في التعبير عن الروح التي هي في محنة، محنة الروح الإنسانية وحيرتها التي لا يمكن الانعتاق منها إلا بالتشظيات النفسية، بتحطم الجسد وتحويله إلى روح ، الروح التي تدور في محورين: محور الرغبة في الحياة والتعلق بالدنيا، ومحور التجرد من الدنيا والتحرر منها، وهذا التحرر لا يتم إلا بمحو الذات ونداءات الجسد ، والتضحية والعذاب من أجل الإقبال على النفيس والتحليق في الفضاءات النقية المترعة بالأمل، لغة الحلم بإنسان أفضل لأن الإنسان هو جوهر الوجود.. فكأنما تصور لنا الشاعرة بهذه الاحتراقات والاشتعالات والتقرحات رثاءً ذاتياً يعبر عن الاغتراب الروحي العميق في جوهره، العميق في حزنه لكن الشاعرة عبرت بلغة رمزية تنفتح على سمات الحلم والأمل والتحليق ، فهذه الاحتراقات والاغترابات ليست إلا وجوداً روحياً في حضن اللغة. لأن هذا الوميض “تومض الشمس”  تتجلى فيه  صورٌ بصرية وسمعية وروحية إذ تحدث تحولاً “Métamorphose” يترك أثراً عميقاً وغريباً بما يثيره من مشاعر يمتزج فيها توعك، انحراف مزاج، قلق، ضيق، خوف، واختناق تبحث فيه الشاعرة عن ملاذ لا يتحقق إلا بانسلاخ الروح عن الجسد، لكن هذا الانسلاخ رغم دمويته ليس إلا موتاً لذيذاً لا يقاوَم لأنه يتمخض عن الإبداع الشعري فيجعل منه شمساً خصبة، ثم برقاً، وهذا البرق بدوره يتجسد بصورة أفعى ذات رأسين. إنها أفعى الجسد التي تدمّر حين تتحول إلى سلطة مهيمنة، مدمرة. فكأنما الشاعرة تبتهل إلى الله أن يُبعد عنها هذه الأفعى التي تتنافى مع الروح، أفعى الجسد التي تُهيج الغرائز السلطوية، مادية، سياسية ، اقتصادية ومنظومات اجتماعية لا إنسانية. إن الإبداع الذي هو جنين في الرحم الشعري لا ينمو ولا يولد إلا عبر جراحات وتمزقات يأتي بعدها المخاض وتخرج القصيدة إلى الفضاء. فالإبداع ينحبس في سموم الألم والخيال الودي يولّد الإبداع.
“تنفتح النافذة”
صورة المعرفة التي تتجلى لكي تسمح للروح أن تتجاوز الحدود المعتادة للوصول عبر الحلم إلى المعرفة العميقة للأسرار، أمطار من نار، للعبور من الموت إلى الحياة إذ تتجلى ظاهرة جوهرية للانتصار على الأغيار، على المادة، على الموت في الحياة. تنفتح النافذة على شمس الظهر، تتجلى شمس الشرق القوية، وليست شمس الغرب الباهتة، الشاحبة، المريضة، الباردة، تشرق شمس الشرق التي تجسد الضياء الإلهي بتألقه :
“فجأة”
هذه الـ “فجأة” تشكل انقلاباً جوهرياً في تحولات الروح والتجربة الداخلية، التجربة الشعرية. “فجأة” تلفت النظر لأنها لا تشكل حالة عامة من حالات الفصول النفسية، بل حالة خاصة، وعلامة لها وعلامة عليها ، علامة تناقض حالة السقوط.. إذ تنفتح أبواب الضياء، انتهت العتمة وتلاشت، عمّ الضياء الروحي، الـ “أنا” هنا أشرقت كأنها نار انبثقت من عتمة، تحولات روحية داخلية متأججة، كأنها أعياد دافئة ليتجلى الإبداع. إذ أن شمس الفكر تكتمل في الليل وتتنافى مع العقل البايولوجي للجسد.. الليل هو العقدة الغامضة للعتمة والنقطة التي عبرها يتصاعد الإلهام.. ليلة مضيئة تتنافى مع ضوء النهار المعتم.. ليلة الإلهام هي ليلة الضياء المكتمل التي تقود إلى ضوء النهار، ضوء الظهيرة.
“وترفُّ البلابل”
تصور لنا الشاعرة حالة الانفراج من التوتر، من حالة الشد النفسي، ارتباك روحي متجذر، قلق عميق الجذور لا يمكن اقتلاعه، بلبلة كانت معقدة والآن تنفك وترف، حالة كانت تجسد اللاشعور، النسيان، الاكتئاب، حالة توبيخ، تأنيب، كبت، حالة بحث عن شيء تركز عليه الروح، حالة من حالات التوتر الخانق ، التعقد الصعب تدبّره والذي تريد الشاعرة أن تتحرر منه. هذا القلق المتجذّر، القلق الداخلي، وكأنه أشواك غابات، كأنه عُلّيق، كأنها تريد أن تحلق من أجل التحرر من هذا الجحيم إلى الفضاءات السماوية “ترف البلابل” غناء وترانيم تصلها من عالم آخر، عالم مقدس غير مُنتهك :
“يهدرُ موجٌ عصيُّ ”
صورة من صور تفاقم الحزن، أمواج حزن يتدفق بعد أن كان حبيساً كأنها روح غرقت.. اختناق، موت.. حالة من حالات التوقف عن الحياة، خطر مداهم- تصور الشاعرة الحزن في أعمق صوره المأساوية- تصور الزبد الذي يغمرنا به بحر الحياة والانتهاكات التي عصفت بروح الإنسان المعاصر، والضجيج، لطخته، لطخت روحه وابتلعتها. لكن هذا الموج الأسود يتحول إلى فرح أخضر. هذا الحزن سيكون تحولاً جذرياً من الفكرة، في الموقف، سيعقبه تحول جذري من الوجود، كأن هناك غمراً، تطهراً، إنبثاقاً “resurgence” “purification” “immersion”.
“تهفو الغصونُ ”
تأثير الغصون يسكب على الروح غذاءً روحياً لما فيه من قوة سحرية على نسيان الحزن، إذ أن هذه الغضون تبدد وحشة الروح بما فيها من موسيقى غامضة تفوح أنغامها وخضرتها، كأنها عطرُ أغصان شجرة التفاح، عطر الخلود، موسيقى كونية تنبثق وتصدح من أثير علوي تجسد خصوبة الفعل الإلهي بجماله وعطره وحلاوة تذوقه، حلاوة أثمرتها المعرفة والحرية الجوهرية بعد مرارة الألم والنفي الذي أدى إلى انحطاط العقل في الشهوات. فبالارتقاء الروحي يزول كل ألمِ وجوع وبؤس وعطش. إذ تنفتح كل أبواب السجون، وتصدح موسيقى مقدسة تنثال من السماء ، يتجلى بها البهاء الإلهي بما فيها من أنغام سحرية خالدة على المستويين الروحي والجسدي، إنها موسيقى الإلهام، فكأنما تجول روح الشاعرة في معبد مقدس.. إذ تغادر جسدها فأنها بذلك تسمو إلى الحكمة والقوة وتكون في ضيافة الله. فالإبداع  الشعري يشعرها بالشباب الدائم، النديّ المتجدد.. وهو الطريق الذي تسلكه لبلوغ الحكمة والاحتراس والحصافة في هذا العصر المجنون.. فالشعر سيد الأسرار، يعمل في الخفاء من أجل مستقبل يسود فيه العدل والنظام، وهي إذ تتحرر من هذا العالم ومن سُخامه ونتانته فأنها تتحرر من وجعها الداخلي ، فالشعر يشكل بالنسبة لها هذا الفيلسوف الكتيم الذي له علاقاته الرمزية مع الله الذي يلقن الأنقياء.. فالأساس الذي ترفضه الشاعرة هو العهر الروحي الذي يتسم به عصرنا المحروم من القيم الرفيعة وهذا هو البؤس المطلق الذي لا يمكن أن يُسبر غوره تعكسه الشاعرة في صورة الإنسان الساكن أبدياً في عذاباته، والذي أردته الحضارة المعاصرة قتيل صراعاتها وشهواتها غير المشروعة.
تغادرُ روحيَ قضبانها
تصوّر الأبيات تجربة شعرية للموت والحياة ” تغادر روحي قضبانها” هنا يتجلى الحضور الإلهي.. يتجلى الشعور بالسلام.. هنا الوصول إلى حالة من حالات الرقي الفكري، إذ تنفكُّ العقدةُ وتتحرر الروحُ من حالة المتاهات.. هنا التحررُ من عبودية الواقع.. حالةٌ من حالات التعبير الجوهرية من أجل الوصول إلى أعلى المستويات الإبداعية في قلب الشاعرة على المستوى الفلسفي الذي يتعلق بالحب والموت والإبداع فهي في حالة إبداع… إذن حالة متاهات في الجمال المطلق، فالروح هنا هي نقطة الانطلاق، ونقطة البلوغ، حالة تجرد من الحياة.. حالة شفاء بعد بحث ومخاطرات عميقة في بؤرة الفكرة الجوهرية.. فكرة الأبد، فكرة الثراء المعرفية فكرة السعادة، لكنها أيضاً فكرة للخروج من الحدود الكونية بحثاً عن الخلود. إذ في الإبداع الشعري يتشكل الفضاءُ الحيوي. فالشعر بحثٌ عن الحرية الفعالة حرية بلا حدود. فكأنَّ الإبداع يمنحها السكينة ويهدّئ روعها من الموت، إذْ أن الشعر يتحول إلى أحضان أم حنون تهدهد الشاعرة ، لأن الماء يهدهدنا- فالشاعرة تصبو إلى لغة تجري جريان المياه، لغة بلا عقبات، تطمح إلى لغة يلعب فيها معاً: السر والمطلق اللانهائي.. فليس لها من ملاذ إلا الشعر إذ تنغمر فيه. إنها تركض إلى الأم ، إنها تركض إلى البحر. إنها تركض إلى الشعر، إنها تركض إلى الله.. فالشعر صورة للحياة والموت والوجود بكل جوهره ، إنه يصوّر لنا رحلة الشاعرة إلى العالم الآخر، عالم الفرح المطلق ، عالم الحرية، أمل الفنون المنشود، لكنها حرية إبداعية، متحررة من كل عذاب وقيد.
“تغادرُ روحيَ قضبانها”
تصور لنا الشاعرة في هذا السطر الروح سجينة الجسد ، صورة تحوّلِ الجسد إلى روح.. فكأنما الجسد هنا قيدٌ أو قبرٌ تريد الروح أن تتحرر منه بحثاً عن عالم أكثر قدسية إذ أن هذه الروح لا تجدُّ لها ملاذاً إلا في العالم الآخر حيث البهاء الأزلي لتتحرر من سجن الحياة الموغل في العتمة، من حزن عميق.. تصور لنا الشاعرة شفافية الروح التي تبحث عن المطلق، عن المثال، عن الجوهر، تعبر الشاعرة عن انتصار الروح على كل ما يحيط بالواقع من أذى وتخبط وخواء وهباء .. لأن السمو الإعجازي للحياة الروحية يتفوق على كل ما هو مادي وأن كل قوة غيبية لا تطفح إلا من النقاء.. فكأن الشاعرة بعد صراع داخلي محتدم تؤكد لنا أن الذات الشعرية تنصهر إلى حد الذوبان والاندماج مع الذات الإلهية والذات الكونية حدّ أنها جعلت من الشعر هذه القوة الفائقة ذات القيمة التي لا تقدّر إلا بقدر ما ترتقي بالإنسان إلى كل ما هو رفيع ولا محدود لآن روحها الشعرية لا تحب كلَّ ما يعيق حرية الفكر والخيال والفن..والجمال ، ولأن الشعر يشكل بالنسبة لها فعلاً وصوتاً أبدياً مندمجاً مع الذات الإلهية. إذ يبدو كأنها تغني بإيقاع مؤلم رحلتها إلى ذلك العالم الآخر لكن هذا الألم يتحول إلى فرح إذ لم يعد هناك خطر يترصدها وتتدفق صورة حميمة تطفح بمشاعر الحب المتدفقة إذ نجت من الغرق والخوف.. البحر، الأرض يرتبطان بالموت. ولادة تعني الخروج من بطن الأم، فالموت هو العودة إلى رحم الأرض، والأم هي الأمان، الحنان، والغذاء، الملاذ والدفء. فالتجربة الشعرية ليست إلا موتاً يعتصرها لكن الشعر غذاءٌ روحيٌ يحقق لها الانسجام الكامل مع الذات ومع الآخر، وبعذرية الشعر تتخصب الروح، لأن الشعر لا يخضع لقوانين الطبيعة بل يجسِّد فيها الفعل الإلهي ووحدة الذات. فالشعر هو الوحدة الكونية الفعّالة، وهو القوة الروحية الأنثوية، وهو أمواج الطاقة الإبداعية التي تتدفق عليها من علو.. من علوٍّ فائق في جماله.. وكأن الشعر موسيقى تمنحها الانسجام التناغمي مع الكون بكل سعته وكأنما اللغة تشكل عندها فعلاً تأكيدياً متسعاً ومنتشراً تسعى به إلى صورة الإنسان المثال في كل مجالات الحياة.. فالشعر والموسيقى يزيحان الحدود بيننا وبين الله.. وإذ تتمُّ عملية التحول من الحياة إلى الفناء في طقوس موسيقية تخففُ من ثقل التجربة على روح الشاعرة، لأن هذه الموسيقى تخلق توافقاً بين الروح والجسد، وتتزاوج مع الروح والجسد، وتتزاوج الروح مع العناصر الجوهرية للجسد وفي حدة هذا الانسجام تفارق الروح الجسد :
“يهدرُ موجٌ عصيٌّ ”
لحظة هدير الموج العصي لحظةٌ كونية تفتح الأبواب الموصدة كلها فيتلاحم كل شيء بكل شيء :
” يتداخلُ بحرٌ بأفقٍ ”
تتداخل هنا الصورُ الأفقية مع الصور العمودية لتشكل الزمن وكل تجليات الحياة بفرحها وحزنها، الحياة والموت، كل ذلك يدور في محور الزمن..
“وأرضٌ بنهرٍ ”
عملية الدوران زمنية ، تزاوج المادة والروح.. وهنا تتشكلُ صورة العبور من النهائي إلى اللانهائي.. إذ أن الذات الشعرية لا تُعد المادة هي الواقع الوحيد، بل تؤمن بوجود الروح والعالم الآخر والله.. وتهجر الملذات الجسدية-فالعذرية في هذه القصيدة تولد وتتجدد.. والروح الشعرية تجد الحياة في الموت الذي هو الطاقة الجوهرية العليا، وليس النهاية المطلقة. تعطي الشاعرة للموت قيمته النفسية إذ يحررها من القوى السلبية ومن الانكفاء حين تتلاشى المادة وتتحرر القوى الصاعدة للروح وتنكشف أمامها أروقة النور.
“تدور الصحارى” ويدور الكون دورة الحياة حينما تغادر الصحارى، جدبها في ممارسة النشوة المقدسة في رقص صوفي ، وإذ تتحرر من ثقل الحياة فأنها تدير ظهرها لامتداد الواقع الصحراوي العقيم الذي لا يشكل بالنسبة لها إلا منفى. نلاحظ أن هذا البحث عن الجوهر ليس إلا بحثاً عن الفردوس المفقود، بحثاً عن الله الذي يتجلى في هذا الامتداد الشاسع الذي لا بداية له ولا نهاية. الصحراء هنا هي القلب في المحنة ، وهي المكان الذي يعيش فيه الزاهدون في الحياة. فالروح الشعرية لا تجد في تأملاتها الخفية في هذه الحياة إلا وهماً.. وفي هذا التيه التأملي تجد الله:
وأصعدُ،
أصعدُ…
حتى التلاشي
فعل الصعود يجسد صعود الروح بأنفصالها عن العالم الحسي نحو العالم العلوي الذي ندركه بالعقل وليس بالحواس. فالقصيدة تكشف ما هو خفي وسري وباطني.., تتجلى الحقائق، فالروح الإنسانية إذ تصعد فأنها تحقق بذلك عملية البحث عن جزئها المفقود لتتأمل الأفكار النقية بالاتحاد مع الأصل، مع الجوهر الإلهي إذ تجد فيه الجوهر الثابت والقيم الأصيلة التي لا تتغير، وكل ذلك تجده في التجربة الشعرية التي تناديها نحو الصعود.. هناك تجد الوحدة والاتحاد والهوية واللغة الحريرية التي تمتزج فيها رمال الصحارى مع أمواج البحر.. ومع فعل الصعود تتلاشى المادة، وتحلّق الروح بلا حواجز، وتتيه في شفافية اللا متناهي، تتلاشى الأصوات والأشكال والحركات، وتغرق الروح في الفضاء الأزرق كأنها في مدنِ عجيبة وشيئاً فشيئاً تترك الشعور للاشعور، هناك فضاءات غير واقعية بل فوق اللا واقعية، وبروح جسورةٍ تخترق الروح الشعرية هذا العالم الميتافيزيقي الذي ليس هو عالمنا، إنه عالمٌ يجذبها نحو المطلق باعثاً فيها نشوةً غيبية ، لأنه عالمٌ مهدئ ومسكن، كأن احتفالاً يجذبها وطقوساً تستحضر الموت بحثاً عن الحقيقة، كأن هذا الفضاء رحم أبيض يصعدُ بها إلى الفضاءات البيضاء، إلى عالمها الآخر- إلى الله. هناك يتم لها ما تصبو إليه من عالم شفاف بهيّ ومتطور هرباً من عالم لا متطوّر، وإذ تتجرد من كل شيء، تشعر وكأنها في عيد صعود، يداها تمتد نحو السماء كأنها تصلي، مجسدة صورة الإنسان الإيجابي في ارتقاءاته الروحية، كأنما في صعودها احتراقات تسمو بها عن كلِّ يباس وجوع وحرمان، وسمو يعلو على كل رغبة سلطوية إذ تتحرر من الاغتراب الروحي الذي يتناغم مع الحزن الإنساني الذي لا نهاية له.. حالة من التجلي تتفجر فيها كل غرائز الحياة التي لا تطمح إلا إلى رمي ازدواجية الزمن.. حالة من الهيجان المستعر للاندماج بالوحدة الأصلية، حالة اللازمان واللامكان، حالة بلا نهاية من التحويم والدوران يتم فيها الشعور بالتحرر والانعتاق، حالة الانتقال من الفناء إلى الخلود، حالة من الحالات الروحية المنتقاة، حالة من الانصهار فائقة الجمال، مؤثرة، حالة من حالات العشق، النشوة، الوجد، الذهول، الخطف، الشطح، وتصدح موسيقى فرحة، موسيقى التحرر من الألم، من العناء، من جاذبية الأرض، من عبودية الجسد، وهنا يتحقق الاتساع الروحي والتأمل الذي تعيقه الفعاليات الخارجية للحياة والرغبات الجسدية، البحث عن المثال، عن الحريز، عن المنبع المتعذر بلوغه، وهذا التحول الجوهري إلى حد الشفافية التي تخترق أبواب السماء وتتلاشى بالذات الإلهية، هذا العطش الذي تتوق شفافية الشعر إلى إروائه والذي لا يرتوى إلا بمعرفة الله، هو بحث عن الكنوز المعرفية التي تغمر الإنسان بالسعادة والرخاء الروحي الذي يكتسح أعاصير الجسد،.. فالإبداع الشعري هو المكان والوسيلة التي تبلغ بها الشاعرة حدّ الانتشاء والتجدد والبعث، يمكن القول إنها تحولات جسدية عميقة لكنها تجسيد أيضاً لتناقضات وجدانية تفتتحها الشاعرة بموسيقى جنائزية، موت مفاجئ ينادي بالارتقاء الروحي للوجود الإنساني. هذه التجربة الرمزية للتسامي والنقاء لا يمكن نكرانها لأنها تعبر عن معناها الأعمق بقدر ما يرافقها من طقوس جنائزية تعبر عن الروح المعذبة التي تريد أن تفلت – عبر عملية الانجماد والغرق –  من الجسد الذي ساح في وحول الحياة محلقة نحو السماء برقص صوفي وأغان وابتهالات وصلوات وتضرعات وبكاء واشتعالات عائدة إلى جوهرها بعد تطهرها، وبهذه التضحية، وبهذا الاحتراق الداخلي تحترق أفاعي الجسد فيتحول الجسدُ إلى روح. فالأبيض والأزرق ألوان مريمية، عذرية تعبر عن الانفصال عن هذا العالم وإطلاق الروح المتحررة نحو الله.
تسبح القصيدة في أثير اللغة الكونية التي تخاطب إنسان كل العصور، لغة الجوهر التي تعطي للشعر صوته القوي، صوته الغنائي-لغة لا تعبر عنها إلا الطبيعة، لغة الجمال الحميم الذي يتجلى بالأنوثة، بشعرية الأنوثة، شعرية البوح الأنثوي المطلق الذي يرنّ في الداخل، شعرية الكون الأنثوي الذي يفتح لنا كوناً من الكلمات. يأخذنا إلى البؤرة العميقة التي تكشف لنا السرَّ الخفي الذي يبوح به الشعر، إذ تصمت الشاعرة في محنتها الوجودية، محنة الإنسان، محنة الجسد والروح، محنة الموت والمصير .
ففي القصيدة عصور متدرجة في سلم الزمن تأخذنا الشاعرة في الشتاء إلى عصر الفكر الإنساني المزدهر-العصر الذهبي للإنسانية فالألوان الذهبية تحمل في ثناياها أسرار الكلام الذي يبوح به الشعر القوي المقتدر الذي تربطه الشاعرة بالخضرة والخصوبة وبأعياد ليلية مَلغية في حياتها تلقي ظلالاً من الشعور العميق بالاغتراب النفسي الذي يؤدي إلى الموت في عصر هيمنة الحروب والفكر الاقتصادي ثم عصر الدناءة والخنوع وذل المغلوب تحت هيمنة سلطة جبارة انتهكت الإنسان واغتالت الحلم بأيدٍ مسلّحة.
هذه هي وظيفة الشعر الأصيل الذي يرسم بالكلمات صوراً اجتماعية وكونية تتراسل مع الفضاء الداخلي لإنسان كل العصور. وإذ تصعد الروح فأنها تحقق بذلك عملية البحث عن جزئها المفقود لتتأمل الأفكار النقية بالاتحاد مع الجوهر الإلهي، تصعد الروح صعوداً تدريجياً عبر الفضاءات الكونية التي يمكن اعتبارها درجات للتطهر الذاتي ولا تجد ذلك إلا في التجربة الشعرية، فبعيداً عن الشعر لن يكون إلا عالمٌ وهميٌ ، في الشعر يتجلى الله، وتتجلى القيم الأصيلة التي لا تتغير..
في مخاطراتها الشعرية جرأة روحية متغلغلة في الجمال الإلهي والسرمدية، تأخذنا معها إلى عالم روحاني “monde spirituel” إلى عالم آخروي “escathologique” يبدّد الاغتراب.
تأخذنا في شعرها إلى الصوت الخلاّق، صوت الفعل، صوت الله، صوت الظاهرة الكونية، الذي ينطلق إلى المركز الأصلي الدائم للحركة. فعل، ولادة، إرادة. تأخذنا إلى حيث تتلاشى الحدود والقيود، إلى التحقق الروحي الفائق العلو. الـ “أنا” في شعرها هي الـ “أنا” الكونية- الـ “أنا” هي السهم الذي ينطلق إلى الهدف وهي البذرة التي تخلق المستقبل الوضّاء تركض الكلمة إلى الكلمات-البداية ألم- النهاية فرح سرمديٌّ يمتصُّ الألم والعجز الذي يتجلى في صورة عصرنا المظلم، الصورة التي يجب أن نتأملها لنرتقي من الصورة الشكلية التي لا تشكل إلا وهماً يغمرنا بالبرد الذي يأتينا من ريح الشمال.,. ريح الغرب، ريح الشر، حضارة المادة، حضارة الجسد، لنرتقي إلى الفضاءات المشرعة، الفضاءات الملكوتية والإشراقات الجمعية.
تأخذنا في شعرها إلى عصر الفروسية، عصر القيم التي يتجسد بها الوفاء المطلق بالإيمان والالتزام الذي يجب أن تخضع له كل حياة. فالقصيدة تعبر عن رفض الفساد المحيط الذي يكتنفه الغدر والخيانة والمكر والمعصية. فكوكبنا الأرضي يمر بحقبة معتمة تسوده القوة والعنف والخشونة، تغلبت به المشاعر الحسّية على المشاعر الروحية. فالشاعرة بشعرها تخفف من هذه العتمة وهنا تتجلى القيمة التي تتشبع بها لغتها بما تحتويه من استشهاد روحي مقدّس، يتميز بروح صوفية ترتقي بالقيم التي ضاعت إلى مستوى فائق. أنها تصارع قوى الشر التي تهدم الجمال وتنتهكه ، مع ضياء الصباح المشرق تجذبنا نحو الأعلى بلغتها التي تطمح إلى الفرح الإبداعي.. فهي تغني في القصيدة أغاني الصعود الذي لا يتوقف إلا أمام العرش.. فهناك يتدفق الفرح الجوهري، فرح الإبداع المضيء، الملّون بلون الذهب الذي يحررها من القلق والخوف الميتافيزيقي، ويتجلى الضياء كظاهرة من ظواهر الروح الإنسانية التي تنشد العودة إلى الجوهر، إلى الأصل، إلى الله.
تلعب الصورة في شعرها دوراً جوهرياً تنتصر فيها الروح على العناصر المادية، إذ تبقى متحررة من الإطار الذي يسجنها معبرة عن الأشياء الهاربة. لغتها لغة ضياء وبهاء، ولغة الموسيقى.. ففي شعرها تتشكل اللغة صوراً بصرية تتمركز في “سقوط الثلج” “والصالة المقفلة” “النوافذ المسدودة”، “الشرف المطفأة” “الذراع الممدودة” “ندف الثلج” “الشمس التي تومض” “النافذة المفتوحة” “الأمواج” “الغصون” “القضبان” “البلابل” “البحر والأفق” “الأرض والنهر” “الصحارى” ثم تندمج هذه الصور البصرية مع الصور السمعية إلى حد أن السمعي يغدو جزءاً ينبض في صميم البصري: “ندف النغم” “هدير الموج” “لحن أخير” “ترف البلابل” “تهفو الغصون” لغة الموسيقى والغيوم والثلج المنساب المفارق لجموده، لغة الأمواج والمياه، لغة تتلاشى فيها المادة الكثيفة لتضفي على الواقع لغة المثال النقي الذي يسبح في أثير نقي الهواء.. وتبقى الصورة عندها هذا الإعصار المنتظر الذي يجتاح بعصفه الفكر الساكن لتحوله إلى خاصية الفكر اللانهائي، اللازماني، اللامكاني. تلغي الصورة السلبية في العدم وتحولها إلى حقيقة مطلقة، إذ تتشكل صوراً بهيّة يلتقي فيها البحر بالأفق، الأرض والسماء، القبح والجمال، الأسود والأبيض في تناغم يخاطب العصب الدقيق من الإنسان. ويبقى الإنسان في شعرها معجزة المعجزات كما جعله Heidegger في فلسفته إذ قال أن الإنسان هو معجزة المعجزات:                     Ľ homme est la merveille de toutes les merveilles.( )

وإذ يرى Bernard Andrieu أن الجسد “هو هذا الشكل الجذاب، الأنيق والمستغرق في الوجود، وهو الوسيلة الوحيدة للحياة”( ) أو كما يراه Chirbaz François “علامة من علامات الحضور، ينتمي إلينا بلا مسافات، بلا اختلافات، ينتمي إلينا وننتمي إليه، وأن الجسد هو إشارة الإشارات، وأن الزمن والجسد هما نسيج حياتنا، وأن الجسد هو إيقاع الحياة”( ). فأن الشاعرة ترى في الجسد وخاصة في الجسد الأنثوي هذه الفاعلية الممتدة التي تملأ الروح الإنسانية والكون بالدلالات الحية. فالجسد الأنثوي يعطي الحياة التي تتجلى بها كل معاني السمو الرفيع، فهو النعمة والاستقبال والديمومة، وبحضور هذا الجسد يغادر عالمنا القهر والعنف ليسوده السلام بصوره المتسعة البهية للعقل الإنساني الذي أنتج القنبلة الهيدروجينية التي تقتل الإنسان وتحمي المادة. تأخذنا الشاعرة في هذه التأملات إلى الحضارة الغربية، حضارة الحروب والاغتصاب، حضارة الدم والنار، والتي صورها الشاعر الفرنسي بودلير Baudelaire في قصيدته “الموسيقى”( ) التي تبدأ بصعود الروح نحو الفضاءات الأثيرية العلوية ثم تنتهي هذه الروح بالسقوط إلى الحفرة، إلى هاوية العدم واليأس، في حين أن الشاعرة بشرى البستاني في هذه القصيدة المسماة “موسيقى” تبدأ بالتعبير عن ألم الروح والسقوط وتجمد الجسد والرغبات، ثم تصعد بهذه الروح وترتقي بها إلى فضاءات الأثير العلوي المضيء. فالشمس تشرق في الشرق، وتغرب في الغرب. الغرب اليوم عموماً يرتبط بالجسد والمادة في حين أن الشرق هو أصل الضياء، وهو الربيع الذي يفوح بعطر القيم الإنسانية الرفيعة والمعرفة المضيئة. أما الغرب فهو الخريف وهو منفى الروح، وبيت الألم والعذابات والمكابدات، والمؤامرات الليلية والروح التي جثمت عليها المادة وأرهقتها وكبلتها.. فالشرق والغرب في هذه القصيدة يشكلان ازدواجية الحياة والموت وتأمل الفعل.
إن هذا التميز في شعر الشاعرة بشرى البستاني يتجلى فيه سمو الأنوثة وبهاؤها في همس صوفي يبجّلُ جسد المرأة إذ يكثّف فيه الكون ثم يعود ليبثّ إشارات هذا الجسد في عنفوان الوجود ليمثل الشجر والأنهار والبحار والغابات بنشوة إلهية متعالية على المادة . بشرى البستاني شاعرة تهزم اللذة الحسية للجسد باللذة الروحية فتخلق بهجة جديدة هي بهجة الانتصار للروح ممتزجة بالعقل والحواس والذوق الرفيع والإحساس الجمالي الطافح بنشوة الحرية وفتنة الحب والمعرفة والدهشة الخالقة للإبداع الشعري ، وبذلك تحوّلُ الجسد الأنثوي الى شجرة للحياة وارفة ، وتسمو بفاعليته الجنسية من خلال الترميز إلى تجريد يحرره من اللحظوية الزائلة متساميا به نحو الخلود في عالم الجلال .

bibliographies

•    *مخاطبات حواء ، بشرى البستاني ، القاهرة ، دار شمس للطباعة والنشر ، 2010 .
1.    ANDRIEU Bernard, La Nouvelle philosophie du corps,
Paris, Erès. 2002.
2.    BAUDELAIRE, Les Fleurs du mal, Paris, Gallimard, 1972.
3.    CHIRBAZ François, Le corps, Paris. PUF, 1977.
4.    COHEN Jean, Structure du langage poétique, Paris, Flammarion, 1966.
5.    COURTINE Jean-François, Ĺ Indroduction á la métaphysique de Heidegger, Paris, Vrin, 2007.
6.    HUGO Freidric, Stucture de la poésie moderne, traduit de Ĺ allemande par Michel François Demet, Paris, Librairie Générale, 1999.
7.    PHILIBERT Myriam, La Pierre, Paris, paradès, 2004.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عواطف نعيم.. سرديات مسرح الاحتجاج!

* كلما توغلت في اعماق المسرودات التجسيدية ، في المسرح هم وجودها الاول، والتلفزيون، والاذاعة، …

روايات مترجمة: (7) النفق ( من الأدب الأرجنتيني ) أرنستو ساباتو
ترجمة: مروان ابراهيم صديق
قراءة: ناطق خلوصي

يستهل الروائي الأرجنتيني ” أرنستو ساباتو ” روايته الأولى ” النفق ” بقوله “يكفي أن …

ثالوث الإبداع في قصيدة “أثاث حديقتي النائية” للشاعر العراقي علاء حمد
رباح النوري – العراق

لا أعرف لماذا ذكرني هذا النص بلوحة التكوين. ثالوث الإبداع في النص فتح آفاقا غير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *