سلام إبراهيم : الإرسي (الحلقة العاشرة والأخيرة)

إشارة : تقوم أسرة موقع الناقد العراقي بنشر رواية القاص والروائي العراقي “سلام ابراهيم” : “الإرسي” على حلقات .. تعقبها مجموعة من الدراسات والمقالات التي نشرت عنها بعد “إرسي الخراب العراقي” الدراسة الطويلة التي نشرتها للناقد “حسين سرمك حسن” عنها ، والملاحظات التي وصلتها من القراء الكرام بصدد عدم اطلاعهم على نص الرواية . وستكون“الإرسي” مفتتحا لنهج جديد تتبعه أسرة الموقع مع الروايات العراقية المهمة ..         

ساحة الحشر   

استيقظت طالعا من حلكة دوارة، فوجدت نفسي راقدا تحت كلة سوداء مخرمة وبجواري رفيق لم أتعرف عليه للوهلة الأولى، فقد كنتُ خارجاً من عالم آخر غريب أخذني إلى الجذر من طفولتي وأمكنة عمري فرأيت أحبة قتلوا في المعتقلات والحروب أو ضاعوا إلى الأبد في الدنيا. أخذت نفسا عميقا فجرحَّ الهواء أحشائي. فتحت عيني بعناء. الكلة السوداء المخرمة نصبت أمام تلك القاعة. وجدت نفسي شبه عارٍ وإلى جواري يرقد على فراش الرفيق ـ أبو رزكار ـ شبه عارٍ أيضا. أسعدني جواره تلك اللحظة وكأنني ملكت الدنيا، فهو رفيق حميم يشبهني كان أول من وشجَّ علاقة خاصة بيّ في أول لقاء لما عرف اهتمامي بالأدب فدأب على جمع الصفحات الثقافية لجريدة الثورة والجمهورية وصحف النظام الأخرى كل يوم إذ كان يعمل في التنظيم المدني ويجلبها لي حينما يزور المقر الذي كنت فيه، لكن ما أتعسني هو عدم سماعه لما أقوله وكأنه غائب في عالم بعيد عن مدى رؤيتي.. حاولت الحوار معه. كان غير قادر على الكلام.. كررت محاولتي.. دون أن أتمكن من جعله يقول شيئًا.. أي شيء، كنت أهتف مع نفسي:
ـ يا إلهي..لو يقول كلمة واحدة.. لو أسمع صوته!. كان يبدو مثل مخدر بعينين نصف مغلقتين يبرك في صمتٍ عالم آخر مختلف، وكأنه يشرع في الشهادة وقول المستحيل. صرخت به رغم الجحيم المستعر في جسدي:
ـ رفيق.. يا رفيق.. قل لي كلمة واحدة!.
كان كلامي دون جدوى.. أحسسته يجود موشكا على الهبوط أو الصعود إلى عالم الرؤيا والخلاص.
حلمت بكلمة واحدة منه.. كلمة واحدة كانت تفضي بنفسي وقتها إلى مسافة حميمة جمعتنا في لهفة اللقاء المتباعد، وجديته بجمع ما يقع بين يديه من قول السلطة الثقافي وقتها في صحفهم اليومية.. حلمت رغم وضعي القريب إلى وضعه، إذ كنت أيضا على وشك الولوج إلى العالم الآخر من خلال قماش الستارة الأسود المخرم المحيط بنا.
لم أستطع حصر الأيام التي قضيتها جواره تحت الكلة السوداء. كان يلزم الصمت عاريا، وجسده مليء بالفقاعات، وكان كلما فتحت عيني أجده يسعى في شهيق عميق بحثا عن الهواء.
فيما كنت أغور في نوم يشبه الإغماء سمعت صوتها القوي الناعم يشدد على مخارج الحروف بحزم:
ـ أريد أخذه يَمْي!.
فاستيقظت من كوابيس الألم. كانت تتحاور مع أحدهم، عرفته على الفور لما سمعت صوته كان ضابطا بجيش الثوار:
ـ رفيقة.. حالته صعبة دعي الرفاق يعتنون به!.
كنت أنصت للحوار المتصاعد إلى أن انفجرت صارخة:
ـ لا راح أخذه هسه.. وما لي علاقة بأي قرار!.
قالتها بحزم.. وحدي من يعرف عنادها الجميل وتصميمها الذي لا يقف في وجهه شيء، لا عائلتها التي رفضت زواجها بيّ، ولا القيم وهي تلتقي بيّ كل يوم في بيتنا في ـ الحي العصري ـ أو بيوت الأصدقاء، ولا إصرارها على العمل في التنظيم السري رغم اعتراضي قبيل صعودنا إلى الجبل.
سمعته يردد:
ـ رفيقة ما يجوز.. رفيقة!.
باعدت أجفاني مغالباً ألمها فرأيتها تنحني وترفع حافة الستارة المنسدلة، وتهمس:
ـ ها حبيبي.. أش لونك؟!.
ساعدتني على النهوض. أغمضت عيني مستسلماً ليديها الحانيتين. قادتني لتصعد بيّ المسلك المجاور لساقية النبع الذي بدا ضجيجه يتعالى، فأدركت أننا نقترب منه. أنساني للحظات ملمس أصابعها الناعمة جحيمي.
ـ إلى أين تريد بيَّ؟!.
هذا ما لم أفكر فيه وقتها، فأن أكون قربها حتى ولو في الجحيم فذاك حلم الليالي التي افتقدتها منذ اللحظة التي سمعتها تصرخ:
ـ رفاق.. عميت!.
كنت أسير شاعرا بوهج الشمس المشرقة ذاك اليوم، فأزيد من ضغط أجفاني إلى بعضهما علَّ ذلك يخفف من سعير النار فيهما، مخترقا أجساد تخيلتها منبطحة، جالسة، مكورة على جانبي المجرى وهي تسعل ذلك السعال المخنوق وتطلق صراخ الألم والشكوى:
ـ ولكم اختنقت!.
ـ ولكم أحترق جسمي
ـ ولكم عيوني راح تطلع من وجهي!.
من المؤكد أن رفاقي المساكين ليس لديهم من يعني بهم كما هو حالي، وحبيبتي تأخذ بيدي إلى جوارها. حسدت نفسي رغم بؤس حالي. وصلنا إلى موقع فيه ضجة الماء شديدة، فقدرت أنه جوار فتحة النبع تماماً. طلبتْ مني الاستدارة نحو اليمين ورفع قدمي كي أصعد. فعلتُ ما طلبت مني. لما أصبحت فوق المكان المرتفع بمقدار نصف مترٍ عن الممر باعدت أجفاني فوجدتني داخل ـ كبرة ـ ( مكان مسقف بأغصان البلوط يرتكز على ثلاثة أو أربعة أعمدة من سيقان الأشجار المتينة يستخدم في الصيف قرب القمم لتفادي الحر ). المكان مفروش. طلبت مني الاستلقاء. فجلستُ بمساعدتها وانطرحت على ظهري.. حتى تلك اللحظة لم أكن أعرف ما أصاب جسدي. لم يكن يؤلمني مكان محدد عدا اللهيب الدائم في عينيَّ، إذ كان الألم متساويا في كل قطعة فيه وكأنه صبَّ فيه.
سقطتُ في نومٍ ليس مثل نوم البشر. دخلت مرة أخرى في عالمٍ آخر.. عالم غريب كان دوي النبع المجاور لرقدتي مفتاح ذلك العالم..
سقطت في نومٍ جعلني لاحقا أعتقد بأن ثمة عالماً ينتظرنا بعد هذا العالم الذي نعيش فيه. باتت قناعتي راسخة بذلك، لكن ما انتشلني منه هو صوت إطلاق نار قريب، فبينما كنت ألهث في ذاك الظلام المرئي سمعت زخات من الرصاص فوجدتني على الفراش تحت مظلة ـ الكبرة ـ. وصوت زوجة طبيب أسنان الموقع الموشكة على الوضع تصرخ:
ـ مات.. مات!.
رحت اسأل:
ـ من.. من.. من؟!.
فأجابتني – ناهدة – بصوت مكسور:
ـ أبو رزكار استشهد!.
صحوت تماما وكأن جسدي ليس به شيء. نهضت بنصف جسدي الأعلى صارخا:
ـ لا.. لا.. لا..
ونشجت بصوت مسموع بحرقة. أحاطتني بذراعيها وضمت رأسي إلى صدرها مرددة:
ـ حبيبي بك ما يكيفك.. أرجوك أهدأ!.
شبعت نحيبا على صدرها، وصاحبي لن أراه إلى الأبد.. ظللتُ محتميا بصدرها الساخن النابض إلى أن خف نحيبي فسقطت من جديد في رحبة ذلك العالم الزاخر بكل رموز عمري. لم أكن نائما كما كانت تعتقد.. لم أكن أبدا.. كنت في محنة مختلفة أناضل في الصمت والرؤيا.
المرة الثانية التي فتحت فيها عيني خارجا من بهمة ذاك العالم الضاج بصمت وجدت وجهاً يطل عليَّ محدقا فيَّ بصمت. وجه أليف لكنني لم أستطيع تذكره في اللحظة الأولى حتى إنني ظننت أنه وجه من وجوه ذاك العالم الذي كنت فيه فسألته:
ـ من أنت؟!.
فارتسمت على ملامحه الخلاسية ظل بسمه وهمس:
ـ أنا إبراهيم ـ أبو خوله ـ!.
كان صوته خافتا يقترب من الهمس كمن يخشى أن يسمعه أحدٌ. سحبت جسدي قليلا رافعا رأسي وفاتحا عينيّ فهبطت ملامحه الودودة في نفسي، سألته:
ـ ما الذي أتى بك؟!.
كنت أعرف أنه في موقعٍ يبعد ثلاثة أيام مشيا على الأقدام.
ـ سمعت بما أصابك!.
قالها ومسح بيده السمراء على رأسي. أغمضت عيني مبتهجاً رغم وضعي المتأرجح بين الصعود إلى السماء والبقاء، فإبراهيم حبيب حميم مضى على معرفتي به في ذلك الوقت أكثر من عشر سنوات، كان صديق أخي الشهيد كفاح، يدرس معه في نفس المرحلة بالجامعة التكنولوجية ببغداد. تعرفت عليه في زيارة للجامعة. من أهالي البصرة.
ـ كيف مضى الوقت بعد ذلك؟!.
هذا ما لا أعرفه؟!.. إذ وجدتني بغتةً أهوي من جديد، مشطوب الذاكرة في هوة فراغ أملس معتم تحول قليلا.. قليلا إلى لزوجة سميكة رحت أغط فيها وأطفو، أرتفع، أتقلب مشطوب الذاكرة لا أحمل في قلبي إلا أثر طعنةٍ داميةٍ، وبقايا من أنصاف وجوه، أشلاء أمكنة، جثث أشجار، أبواباً محطمة، شبايبك مردومة بتراب الليل وكسر أزمنة، ثم ابتدأتُ بالهبوط.. ببطء شديد وبقامة منتصبة أهبط.. وأهبط.. وأهبط.. حتى ظننتُ أنني سأبقى إلى الأبد في رحلة الهبوط التي انتهت بسكوني، فوجدتني لصق جدارٍ رخامي أملس يضج برأسي دوي قادم من عمق زقاق جدرانه عمياء، بلا نوافذ ولا أبواب. أنهضت جسدي وأنصتُ. أردت العناد والتوجه عكس مصدر الصوت لكنني عندما تلفتُ لفحني ما يشبه الأنفاس مصحوباً بلغطٍ وهسهسة وهمسٍ ينقطع ويتعالى بين اللحظة واللحظة.
ـ أين أنا؟!.
شددتُ على أطراف ردائي الأبيض وشممتُ من نسيجه ضوع الكافور. كنت مشغولاً تلك اللحظة بالصمت والرخام وأصداء الهدير، وبلوعة تشطر روحي لا أعرف سببها. أدارتْ جسدي قوة مجهولة نحو وجهته. فخطوت محاذياً حائط الرخام العالي، مطعون النفس، أحدق بأحراش الظلام عليّ أعثر على ما يدلني على بقايا نفسي المبددة في هذا التيه العظيم.
ـ علامَ أنا ملتاع؟.. علامَ أحس بقلبي ينزف؟.
أدوّر حدقتي الدامعتين.
ـ  علامَ يا ترى؟. ما الذي ضيعته في اصطخاب الظلام والدوي فجعلني ملتاعاً مكسورا؟.
الهدير أضحى طاغياً عاصفاً ضيعَّ حفيف الرداء والهسيس.
الزقاق راح يضيق قليلا.. قليلا ليتحول امتداده إلى شقٍ مقوس من الأعلى بالكاد يسمح بمرور جسد بشري. اجتذبني الشق بضجيجه الصاخب وامتصني بيسر. ليلقي بيّ على دكة عالية جاثياً على ركبتي، وأمامي ترامت ساحة بيضوية هائلة، محشودة بأشجار سيقانها عالية وفروعها سوداء تمتد صفوفاً متجاورة، وبينها تكتلت الجموع البشرية عاريةً في صفوف خيطية تتماوج في إيقاع ألمٍ حتى بيبان عظيمة لا عد لها تستدير مقوسة في نهاية البيضة الرخامية وتضيع حافاتها العليا بسماء رصاصية صدئه دانية، يصدر من خلفها دوي مخيف. دوي هادر يجعل البيضة تهتز بكتلتها العظيمة اهتزازاً إيقاعياً مهيباً يتردد صداه بتموج صفوف الكتل البشرية العارية. خذلتني ساقاي فهويت منطرحاً على بلاط الدكة. لم يطل أمد تكومي إذ سمعتُ بعد لحظات خفقًا يرشقني بدفقات هواء حار. رفعتُ رأسي المدفون بين ذراعي المعانقتين بلاط الدكة، فرأيتُ كائنين مجنحين يطيران صوبي قادمين من فضاء الساحة البعيد. تحجرت حدقتي رعباً وهما تقعان على الجناحين العظيمين، الرأس الصغير المنتصب على العنق الطويل. القسمات أضحت واضحة، مُجًّسَمة. أنف طويل بارز. بوز مستدق. أزواج العيون الخرزية داكنة الخضرة. آذان رفيعة منتصبة. والجسد المغزلي الضخم. الشكل يبدو مثل رخام حي يطير في تجويف البيضة الهائلة. صارا فوقي تماماً، حوما حولي بارتفاعٍ منخفضٍ مولدين تياراً ساخناً أذهب نضحي. ثم هبطا على جانبي. ارتعدتُ لضآلتي بينهما، وتطلعتُ في الوجهين الحجريين المتجهمين الصارمين. أعمتني زرقة العيون البارقة، فأغمضت عيني شاعراً بأيدٍ تحيط بساعدي الميتين. فاجأتني ليونة وطلاوة الأيدي وهي ترفعني حتى وقفت مستسلماً، غير قادر على فتح عيني هولاً. والأيدي تخلع عني ردائي الأبيض وخفيّ، ثم تحملني. شعرت بجسدي خفيفاً يعوم في الهواء. باعدت أجفاني فرأيت الدكة بعيدة تحتنا. كانا يهبطان بيّ نحو الحشود العارية حتى وضعاني في آخر صفٍ وسط تلك الصفوف. خفقا بأجنحتهما، وغابا في عمق فضاء البيضة. رميتُ بصري إلى امتداد الكتل المرصوفة بصفوفها، المنحدرة انحداراً طفيفاً حتى فسحة تبدو صغيرة تفصل بين مقدمتها وبيبان الدوي العظيم. اجتذبتني مؤخرة الكتلة فاندفعت لألتصق بالجسد المعروق الراجف. صرت جدار الكتلة الخلفي لفترة وجيزة فسرعان ما اندرستُ بجسدٍ عارٍ حضنني من الخلف، وأدغمني في طلاوة اللحم الساخن. استشعرتُ بألفة غريبة وأنا أندمج في رتابة اهتزاز الرجفة المتموجة على إيقاع الدوي. عبقتني أبخرة الأجساد وألقت بيّ في خدرٍ أرجحني فهومتُ بوقفتي المسنودة سكران على ضفاف الغفوة سادراً عن صخب الهدير.. فرأيتني ألوذ خلف نافذة غرفة معتمة تطل على باحة بيت الجيران المكشوفة، المليئة بالنسوة المتلفعات بعباءات سود، كنّ يحبسنّ النشيج اللائح في القسمات المتغضنة الواجمة الحزينة، ووسطهن جلست أمي المتماسكة صارمة الملامح جوار رأس جارتنا الطاعنة في السن تسقيها قطرة.. قطرة من قطعة قماش تغطسها في طاسة نحاسية صغيرة موضوعة جوار الوسادة. كنتُ أختلس النظر مرتعداً من خلف الزجاج المغبر متتبعاً أصابع أمي وهي تعصر القماشة عصراً محسوباً بحيث تسقط قطرة واحدة فقط من ذلك السائل الغامض الذي أرهبني وظل يرهبني بقية العمر كلما تذكرت المشهد ذاك، والقطرة الساقطة في جوف الفم الفاغر المختلج. أحملق بعيون عشرات النسوة الدامعة الملاحقة أصابع أمي الخبيرة. لم أدرك ما تقوم به أمي، وسر سلطتها الطاغية على الحضور الحاشد، فما إن دخلت الباحة الضاجة بالبكاء والعويل حتى عمَّ الهدوء بانتظار كلمتها التي ألجمت الأفواه:
ـ أسكتن.. أسكتن.. ما يصح.. ما يصح.. تسمع.. ما يصح الواحد يودع أحبابه آخر مرة هيج!.
احتبس الصراخ وحلَّ صمتٌ مضطربٌ أثقلَ من حر الظهيرة الخانقة، وجعل لانهماك أمي، المتربعة في جلستها، جوار الرأس المنتفض في مركز الحلقة، وقعاً مرعباً ظل يرافقني طوال العمر، رغم أنها حاولت أن تخفف من وطأته، حينما انتبهت لصراخي خلف النافذة رغم صخب صراخ النسوة حال إعلانها صعود الروح إلى بارئها. لم أعرف كيف ميّزَتْ صرختي وسط ذلك السيل الجارف من العويل والهذيان واللطم. سحبتني من تكومي تحت النافذة، وعادت بيّ إلى البيت قائلةً:
ـ ليش لحگتني.. قلت لك ألف مره جوز من هذي العادة.
لم أكف عن العويل ومحاولة التملص من أصابعها المخيفة التي أتخيلها كلما دنت مني تعدل رأس العجوز المحتضرة عند انزلاقه عن الوسادة الواطئة وتستمر في إسقاط قطرة من ذلك السائل الذي حيرني، ولم أعرف أنه مجرد ماء إلا في الأيام التالية، عندما اضطرت وهي تراني أرتعد بحضورها ولا أدعها تلمسني بالمحافظة على مسافة تفصلني عنها في غرفة البيت أو الحوش أو السطح أو الشارع، إلى الخلوة بيّ بعد أن وقعت بذكائها الحاد على السبب، فحدثتني عن الحياة والموت والعالم الآخر، عن دار الفناء ودار البقاء، الخير والشر، الثواب والعقاب، الفضيلة والرذيلة، عن ملائكة ساهرة لا تنالها سنة أو غفلة تسجل السيئات والحسنات، رحلتُ وقتها مع وجوه وأجنحة الملائكة، وتراءى لي عزرائيل الذي قبض روح العجوز تحت ناظري. تجسّد في مخيلتي القبر المعتم مضاءً بشامات الجسد، البرزخ المظلم الفاصل بين الدارين، منكر ونكير، يوم الحشر حيث لا يعرف الأخ أخاه، والأب ابنه، والابن أمه، يوم تلطش العيون فتسير الجموع عيونها في السماء، عارية إلى ميزان أفعالها. تخيلتُ الله طيراً هائلاً يسبح في زرقة الأبد، يطل منها على ساحة الحشر الفسيحة، الملائكة تفرز البشر كلٍ حسب موازينه، والمحشورون يغوصون في الصمت سائرين نحو الميزان وبابيّ الجنة والنار المتقابلين. ومن خضم ذلك العالم الذي اقتحمني ملتُ برأسي لأسأل أمي:
ـ يعني ما أگدر أشوفك يوم القيامة؟!.
ـ لا يا ولدي.. كل واحد سيكون وحده. كل واحد مسئول عن أفعاله.
فأجفلتُ من وحشة ذلك اليوم، وجعلتُ أبكي مردداً:
ـ ما أريد أموت يُمه.. ما أريد أموت!.
ضمتني إلى صدرها الدافئ، فاستنشقتُ رائحتها العذبة ورائحة ثوبها المضمخ بأريج ماء الورد والحناء. هدأ روعي قليلاً:
ـ كن صالحاً يا ولدي.. ولا تخفْ!.
أيقظتني نبرتها الحنون، فرأيتني مغروساً بجدار الكتلة المنحدرة على بلاط البيضة الرخامية الضاجة بالدوي. أردتُ أن ألتفتَ لأرى ما يجري خلفي، لكن هيهات فرقبتي متحجرة المفصل. لم يعد باستطاعتي سوى التحديق بقفا الجسد الذي التصق به من الأمام وامتداد طوابير العراة وقامات الأشجار العارية. قلتُ لنفسي:
ـ هذا ما حكته لي أمي بالضبط في طفولتي البعيدة.. هاأنذا وحيدًا رغم إدغامي بأجساد بشرية حية.. هاأنذا لا أرى وجه أحدٍ.. هاأنذا أساق في صف المولولين النادبين بصمتٍ، بعدما قطعت مسافة البرزخ الفاصل بين الدارين
ـ أكنتِ درويشه يا أمي ترين الغيب؟.. أأكون في طريقي إلى فسحة الميزان؟!.
غدا الأمر مؤكداً.. وإلا ما تفسير وجودي عارياً ملطوشاً في الطابور الأعمى.. وما معنى قدرتي السالفة على العوم والتقلب والغوص في أحشاء الظلمات، وما دلالة الأمكنة المدفونة بتراب الظلام بغرابة سلالمها وغرفها وشمعداناتها وبئرها وأواوينها، ومنحوتاتها الحية السوداء الساجدة في زوايا الغرف، وألق رسم وجوه المعلقين بجدرانها، وقيامة المعارف والأصدقاء الغياب والقتلى والموتى المشرقين من عتمة المشاكي العالية، النائدين، المسبحين، الغارقين بظلال الزرقة الشاحبة، وما معنى خرسي وعدم قدرتي على الوصول إلى المشكاة الفارغة.. والسلالم التي أخذتني من الصحن العميق إلى أحشاء البوق الحجري الشاهق، وصراطه المتحول إلى نقطة في عمق السواد، والنافذة السفلية الطالعة من الأسفل السحيق، الكاشفة عن أشياء غرفتنا في الجبل.. إنه البرزخ إذن.. صراط نهايته المطلة على الدار الفانية حيث ألقيت نظرة أخيرة على الأحباب.. وأي نظرة.. لِمَ يا رب جعلتني أطل على عناق معشوقتي ورفيقة عمري لرجل آخر.. هل لتمعن بتحطيم بقاياي قبل أن تزج بها في أتون جحيمك؟!.
ـ هل أنتَ قاسٍ إلى هذا الحد؟!.
ـ هل يلذّ لكَ عذاب الأرواح التي خلقتها؟!.
أنتَ الذات المطلقة.. القادرة.. وأنا ذرتك الحقيرة. لا.. لا أستحق منك هذا العذاب.. لا أستحقه.
أبَعْدَ عذابي بالدنيا.. تحشرني في صف المذنبين؟!. أبعد سعير البسيطة تسوقني صوب فرنك السماوي.. نحو سعيرك الأبدي؟!. أي عدالة هذي!. وأنت العارف برحلة عمري الخاطفة.. عذابٌ في عذابٍ.. ذلٌ في ذلٍ.. حرمانٌ في حرمان. عذابٌ جعلني مضطرباً. وحرمان أَكَثَرَ من ذنوبي.. كل ذنوب الحرمان جذرها فيك.. فيك أنتَ.. أنت من زرع بيّ جذوة شهوة متأججة، عنيفة، انضغطتُ تحت وطأتها وسطوتها في بيئة قاسية وتقاليد صارمة.. قامعة، لا مجال فيها للتنفيس عن نوازع الغريزة إلا بالسر.. التلصص والسطو. الهيام في الظهاري الحارقة وأنصاف الليالي على جسدٍ ينكشفُ في منامه لا فرق بين الأقارب والأغراب وليل الجنوب الساخن يأخذني عبر السطوح. أجوب ليل باحات البيوت لأتلصص من نوافذها على فخذٍ عارٍ، نهد، مضاجعة، تكويرة ردفٍ سقط عنها الغطاء، لكنني يا ربي عانيتُ بسبب ليل شهوتك مشاعر خزي وعارٍ أذاقتني مرَّ الذل. عدا ذلك لم أرتكب إثماً.. فلماذا.. لماذا؟!. كأنك برؤيا نافذة الجبل المدفونة في سديم ظلمتك العظيمة أردت القول:
ـ خذ جزاء هتكك أسرار الغرف والأثواب ونوافذ البيوت والحمامات، أسرة الأزواج وأفرشة الباحات.
أتلوعّني عقاباً على شدة جذوتك التي زرعتها في دمي، الجذوة سر الوجود ودافعه.. لماذا يا ربي.. لماذا؟!.. أنا الضعيف المُحب غير القادر على الكره. أنا الذي لم أحقد حتى على الأعداء.. ألم ترني كيف كنتُ أصوب بندقيتي في كمائن الجبل إلى السماء.. إلى الصخور متحاشياً خلقك الحي؟.. ألم ترني كيف عانيتُ من عزوفي عن الضرب ذاك.. ألم تر؟. تهامسوا رفاقي حولي ساخرين، وصاروا يرمقونني باحتقار. فلماذا.. لماذا.. لماذا؟!.
أتعبني ضجيج رأسي ودوي البيضة وامتداد الطوابير والأشجار المتفحمة. أتعبني المجهول الكامن خلف الأبواب. تعبتُ فنعستُ متأرجحاً
ـ أي رحلة ذليلة قطعتها في مسافة عمري اللاهث؟!. وبعد عناء ومشقة العيش الخاطف أجدني محشوراً في صف المذنبين المارقين.. أهذي عدالة يا رب الخلق؟. بعد جحيم الفانية تسوقني إلى جحيم الباقية!.. إلهي.. إلهي.. قضاؤك لا مرد له، لكن أين حكمتك؟!.. أتوسل إليك.. أرجو عطفك ورحمتك كي تضيء لي اللحظة السابقة لهبوطي المريع.. ساعدني يا إلهي.. ساعدني فهاأنذا أقترب من الفسحة الفاصلة بين الطابور والأبواب، وقطار اللحم الآدمي المصطف في نسقه الدقيق يتآكل، والبوابات المتجاورة التي لا عد لها ولا حد، أشعرتني ليس بضآلتي فحسب بل بضآلة الطوابير البشرية التي بدت كصفوف من النمل جوار جبل شاهق لا تطال قمته مدى الرؤية. أصبح بمقدوري تشخيص مفردات الباب المرصعة بأزرار كقباب الأضرحة المقدسة تنطلق من أسفلها حتى إطارها العلوي المتماهي برماد السماء البيضوية، وتتفرع في أنساق مختلفة لتشكل كتل وجوه مبهمة تقدح على جانبي أنوفها الطويلة البارزة عيون من نار مضطرمة، ومن كتل الرؤوس المفلطحة قرون ملتوية تصوب بروزها الناصل نحو الطوابير المنتظرة. لمحت طيور الرخام الضخمة ترفُّ في سماء البيضةِ غاديةً رائحةً كأنها تشرف من علٍ على تفاصيل ما يجري في الساحة. من موقعي المرتفع قليلاً تجّسد مشهد الفسحة الفاصلة، فرأيتُ الأول في الطابور ينفصل عن الكتلة العارية، ويخطو نحو سلمٍ يؤدي إلى ناصية يتوسطها ميزان ذهب بكفتيه المتدليتين وإلى جواره يقف عملاقان عصيان على الوصف متجهمان يحدقان بالجسد الذي أتمَّ ارتقاءَه السلالم. الجسد الراجف، المولول، المبلول بنضحه، فيحملانه إلى كفة الميزان التي تهبط حتى سطح الناصية في نقطة تؤدي إلى سلالم أخرى تنتهي بموازاة ربع قامة الميزان بدرفة صغيرة تنفتح بغتة في لحظة وقوف الجسد العاري المرتعد. درفة ضيقة تسمح بالكاد بولوج جسد الإنسان متكوراً بوضع الجنين، فأسمع أو يخيل إليّ صرخة ماحقة تطغي لأعشار اللحظة على الهدير العظيم مرعدة الأجساد المتلاحمة برجفة تخرق جوف الأحشاء وجذور العظام. رجفة حيرتني رتابة قدومها وعنفها عندما كنت ملطوشاً في نهاية ووسط الطابور.
ـ أهذي كوة الجحيم؟.
ـ أهذا صف الضالين، المغضوب عليهم؟.. فلا أحد رجحتْ كفته!.
احتدمت من جديد ملتاعاً.  أحتد… مـ …تْ . .. لو .. لو .. أتذكر كيف وأين ومتى أقفلتُ رحلتي؟!. أفي الجبل أم في مكان آخر؟. هل جرت أحداث أخرى شُطِبَتْ من حافظتي؟.. أأكون قد غادرته إلى أماكن لم أعد أتذكرها؟.. لا.. لا.. لا رائحة لأمكنة أخرى غير رائحة الجبل وذلك المزيج من رائحة الأعشاب البرية وروث البغال وزهر النرجس والرمان وزناخة الكراتين والبارود. من المؤكد أنني انزلقتُ إلى يمِّ السواد من هوة ما في جبلٍ من سلسلةِ متين المظاهرة لقلعة العمادية، وإلا ما رؤيا مشهد مَنْوَر الغرفة المضيء أسفل السلم الحجري الصاعد نحو مطلق العماء، والتي أطللتُ منه على أشياء غرفتنا الصغيرة التي بنيتها دون مساعدة أحدٍ أسفل السفح، منفردة في علية تجعلني مطمئناً لخلوة الليل والعناق بعد عناء فترة النوم المنفصل أنا في قاعة المقاتلين، وهي في غرفة الرفيقات. تلك كانت غرفتنا، والمرأة كانت حبيبتي الحاضنة جسدًا غير جسدي.. لابد أن مصيرها كان ذاك بعد فنائي.. وتلك كانت إطلالتي الأخيرة على بحر الدنيا؟!. تذكرت كيف تساقط الثلج بجنون ساداً المسالك طوال ستة أشهر، فحصرها امرأة وحيدة وحيدة وسط فصيل من رجال العصابات.. أرى الآن لحظة عودتها وما جرى في تلك الليلة من مشاعر متناقضة عنيفة شدة شوق لم يبرده الفراش ثم شدة غضب ورغبة بتمزيق العالم وهي تخبرني بصوتها الخافت المبرح عن محاولاتهم الإيقاع بها. عن.. عن.. تفاصيل جعلت رأسي يصطخب بالشكوك. فشبت روحي إلى الأعالي وذوت. شبت وهوتْ، ثم انطفأت لتلتهب من جديد. شعرت بشيء ما يتسوس في نفسي. شيء جعلني أمعن بحملقتي الساهية في تضاريسها شديدة النحول، المستسلمة، والفاقدة صفاءها القديم. شيء معذب لم أستطع إدراك ماهيته. شيء جعلني أدور في فسحة الغرفة مثل ثور هائج على وشك الذبح. أخطو في الصمت المتفجر في إيقاع مجنون إلى أن جمدت إزاء الجدار. أبحرتُ في فراغه للحظة قبل أن أتأمل جلستها في ظل ضوء الفانوس الكثيف، ثم أنهال لكماً على الجدار حتى أدميتُ قبضتي. وخرجت إلى الوادي المظلم وصمت الجبل لأعود بعدها وأجلس جوارها على السرير الحجري وأمد أصابعي البائدة المجروحة إلى وجنتيها وكأنني أمس هيكلها وبشرتها القديمة. كانت ساخنةً. اختلجت تحت راحتي وارتمت إلى حضني ناشجة ..
ـ هل غادرتها في تلك الليلة.. في الصبيحة التالية.. لا.. لا هذا الذي جمعته بعناء لم يكن أطرى مشهد.. ثمة أحداث تتخايل وتتبعثر في سديم ذاكرتي.. كيف لي التذكر يا ربَّ.. كيف لي؟!.
انطويتُ في يأسي مباعداً أجفاني، فإذا بالصف العاري قد تآكل فأزددتُ دنوًا من الأبواب العظيمة، تطلعتُ إلى الفسحة والسلالم الناعمة المتأرجحة وسطها والصاعدة إلى دكة معلقة في الهواء، عليها ميزان من الذهب، وإلى جانب كفتيه يقف عملاقان ممسوحا الملامح. رأيتُ أحد العراة ممن خفت كفته يسلك سلمًا آخر محفورًا في الباب ينتهي في تجويف محاط بإطار من الفولاذ. تكور الصاعد. صار مثل جنين وشفطه التجويف.
ـ أي كوة لا تشبع من أجساد البشر هذه؟!. وأي معنى يتوارى خلف هذه الأبواب العظيمة؟!. ماذا في أحشائها الهادرة؟!. أنارٌ مثل نار الدنيا أم نارٌ أخرى أم صمت ظلامٍ داوٍ أبدي؟!.
أرعدني غموض المآل، فرحتُ أختض هلعاً من فكرة الإقامة الأبدية خلف هذه البيبان. اتحدت رعدتي برعدة الطابور الملتحم.. برعدة الطوابير المتكتلة خطوطاً لا عد لها والمتراجعة عميقاً حتى النقطة التي جردوني فيها من ثوبي وخفيّ. اكتظظتُ بنواح لوعة، ومنور غرفتي في الجبل المطمور في غياهب الحلكة يرتسم في مخيلتي فأرى عناقها لمقاتلٍ آخر جوار الباب التي نجرتها بيدي. أنوح حرقةً على ذاكرتي المعطلة عند لحظة مغادرتي الماء والتراب، الحبيبة والهواء. أنوح.. وأنوح حتى أفرزتني الكتلة إلى الفسحة. خطوت نحو السلم المتدلي. تسلقته. ارتفعت كفتي، فانقذفت نحو ناصية السلم المحفور في الباب العظيم. تكورت جنيناً في أعلاه، لتمتصني الكوة الفاغرة الهادرة. لفحتني سخونة خفيفة. ملأتني بالسكينة. أذهبت رعدتي وخففت من هولي، كنت أنحدر في دكنة أشد كثافة في هبوط وئيد جعلني أسترخي وكأنني أنزلق على منحدر رملي. أحسستُ بأنامل ناعمة تمسح جسدي العاري بحنان. تنزلق من رقبتي إلى صدري وظهري وبطني ووسطي وفخذيّ. تدلك دلكاً خفيفاً ممتعاً. هل أنا في حمام طفولتي وسط الطست النحاسي في غرفة الطين المنزوية بطرف حوش أهلي الفسيح، و.. هذي أصابع أمي.. أو أنا تحت الغطاء في غرفة الرفيقات الغاطة في الحلكة بعد نفخ الفانوس، و.. هذي أصابع حبيبتي الخبيرة بمنابع البهجة في عريي.. أم أنا في مكان آخر؟!. ثمة من يسكب عليّ ماءً ويتمتم بما يشبه البسملة.. هل أنا في حمام الدنيا الأخير، على دكة الإسفلت الناصية و.. هذي أصابع الشيخ الملتحي الذي طالما ساعدته في غرفة التغسيل في مقبرة النجف في نقل جثث أصدقائي القتلى في جبهات الحرب من التابوت إلى دكة الغسل وقتها كنت أتخيل جسدي عارياً ممدداً على البلاط المبتل جوار حوض الماء الضحل الذي يغرف منه الشيخ بطاسة نحاسية مردداً بخفوت آيات تتعلق بطقوس الغسل.. لا.. لا.. لم أمتْ بعد، هاأنذا أستمتع بالأصابع الحانية المنزلقة على جسدي القائم في عتمة رطبة مضمخة برائحة طين مبلول. أصابع من هذهِ؟. أردتُ مناداة أمي.. حبيبتي.. لكن الأصابع انسحبت إلى جوف الحلكة، وتركتني أهوي على المنزلق الناعم الهابط إلى أحشاء العتمات. تذكرت أنني عبرتُ الباب العظيم، لكن أين ذهب الصف الطويل الذي أمتصه تجويف الباب قبلي. هل لكل داخلٍ مساره الخاص؟.. لكن إلى أين؟.. وما هي نهاية المطاف؟ أيتوجب عليّ قطع مسافات أخرى قبل الوصول إلى قاعٍ ما؟.. هذا إذا كان هنالك ثمة قاع أصلاً. الحلكة هنا أشدَّ أو هكذا كنتُ أحس، لكنني استعدت القدرة على الرؤية. هل أستطيع الرؤية حقاً أم أنني في هذا العماء العظيم أرى بعيون مخيلتي؟!.. لا أدري، لكنني أكاد أشخّص مجرى المنزلق الهابط والحاوي جسدي العاري الناحل في انزلاقه البطيء والمناقض تماماً لذلك الركض اللاهث على ممر الرخام الأصم الطويل، مما أتاح لي الاستكانة والقدرة على محاولة تجميع كسر الذكريات المتناثرة، فعساني  أقع على لحظة مغادرتي الضوء والحبيبة كي تقر روحي في قيعان الظلمات أو الجحيم أو في ما لا أعرف من نواحي هذه المَجاهِل. وبغتةً تصاعد دوي من الأسفل.. دوي رتيب له نفس وقع الدوي الذي انبثق من جوفي.. من جوف السماء ودفعني نحو مطلق العتمة.. دوي هدر في غروب صيفي ساكن.. دوي اخترقني وأنا في جوف حمام فصيل الإدارة.. خيط نار جعلني أرتج هلعاً.. ألم يكن ذلك الدوي انقضاض طائرات حربية؟!.. نعم.. نعم.. إنه كذلكَ.
كنتُ أفرك جسدي بالصابون في عتمة الحمام، بعد فراغي من لعب كرة القدم وسط ساحة الفصيل حينما هبط الدوي المجنون أعقبه هدير رعد رجّ الغرفة. ارتديتٌ سروالي وهرعت راكضاً إلى الخارج غريزياً. ألقيتُ نفسي في أقرب ملجأ. كان مكبوساً بالأجساد المتكتلة. ظل نصفي العاري ظاهراً في العراء، مما أتاح لعينيّ رؤية ذروة الانفجارات وهي تصعد من قعر الوادي حتى عنان السماء. خطوط سوداء عمودية تصعد رفيعة لتنفتح على هيئة ورود من الدخان الأسود تنتشر هابطة من سماء قمم الوادي الضيق. عشرات منها غطت أطراف الوادي وعمقه وأسفل السفوح. غابة أشجارها نسخة من أشجار البيضة الرخامية السوداء التي أدت بي إلى هذا الانزلاق البطيء. ظل دوي الانفجارات يتوالى. ومن نصفي العاري المغطى بالصابون وسط الحرائق التي شبتْ في غابة السفح وبعض غرف القاعدة لمحتُ آخر إله من آلهة الحديد المزمجر يتوارى خلف قمة الجبل المقابل. أظلمتْ سماء الغروب الكابي، ودخنّ الوادي برائحة البارود والفواكه المتعفنة. وفي الهرج والمرج الذي أعقب ذلك اشتد الحوار بين من يقول بأنه قصف بالغازات السامة وبين من ينفي ذلك.
ـ هل غادرت الدنيا في ذلك المساء المدخن الخانق؟..
لا.. لا.. هاأنذا أتذكر إنني في الليل ومن وسط الآلام المبرحة سألتها عن التاريخ، فقالت بأننا في  5 ـ 6 ـ 1987، يوم يسميه العرب نكسة 1967
فعلّقت بأنه توقيت موفق، معنى ذلك أنني مررتُ بأحداث أُخر. أمعنت في استرخائي في المهبط الرملي الناعم هاجساً بدنوي من مسافة اللحظة التي أولجتني في أحشاء العماء المطلق. اللحظة قريبة.. أتلمس حوافها.. ألتف حولها. لم أصب أنا.. لم أصب بل هرعتُ إلى الحمام لأكمل ارتداء ملابسي. شاركتُ في حمل الجرحى إلى غرفة الطبابة، ومواراة القتلى في حفرٍ ضحلة، ثم صعدت مع مقاتلين إلى المقبرة في فسحة مشجرة وسط السفح لإطفاء الحرائق.
ـ ماذا أصابني بعدها؟
هاهي الذاكرة تتضبب من جديد. والمشاهد تضطرب، تبرق وتنطفئ متناثرة مثل كابوس متقطع، فأراني مستنداً إلى كتفها الناحل كاتماً الألم المستعر في أنحاء جسدي المشوي كمن غطس في سائل بركاني وأخرج إلى البر. تلف ساعدها تحت إبطي في ليلٍ داخنٍ دامس خانق، وتقودني على دربٍ ضيق يصعد بين أشباح أشجار بلوط شاهقة محترقة لها قامة وشكل أشجار الساحة البيضوية ولونها. مررنا بسقوف غرف تكاد تلاصق حافة الدرب الذي أفضى بنا إلى هضبة صغيرة محاطة بأشجار تنفث من سيقانها المحترقة بقايا دخان مخلوطٍ بالماء، ووسط الهضبة، في المساحة المستوية تحلق المقاتلون حول موقد نار أشعلوه من سيقان أشجار يابسة كبيرة. رغم آلامي المبرحة وحرقة عينيّ المتصلبتين تأملتُ قسماتها على ضوء النار، كانت ساحرة، صارمة. شملت المحدقين الصامتين الحائرين. وجوه سادرة مضاءة برعشة النار وكأنها تمارس طقساً بدائياً شاخصة نحو وجه شيخ منير، تنزل خصلاته الشيباء من تحت ـ الجمداني ـ حتى أسفل الكتفين. الكل ينتظرون مشورته وكأنه ساحر القبيلة. أمعنت النظر في وجهه رغم حرقة عيني وكان ـ توما توماس ـ بوجهه الهادئ الرصين المتماسك في كل محنة من محن الجبل. العيون منتظرة في الصمت المقطّع بطقطقةِ حطب النارِ والسعال والأنفاس المخنوقة. في اختلاط ألوان غبشة المساء، بتلٍ من الجمر، باللهب، بالدخان، بالخضرة المحترقة، بالوجوه التي عدت لا أستطيع رؤيتها لتفاقم حرقة عيني. في فواصل الصمت ما بين الطقطقة والسعال وآهات الألم كنت أسمع وجيب قلبها النابض لصق إبطي عنيفاً، وجلاً من الليل وما يضمره.
ـ كيف مرّ ذلك الليل؟.. وهل مرّ حقاً؟.
تخيلته أبدياً وأنا أتقلب في أتون مستعر، في سيل أنين وصراخ يطفو في ما أتخيله نور فانوس غرفة واسعة. كانت جواري، لصقي، تصّبرني، تعانقني، تقبلني، تسقيني. تحاول تخفيف سعير ألم جسدي المشوي بوضع كمادات باردة على عيني المطبقتين، صدري، أنحاء جسدي الصارخ في الحمأة الكاوية التي بدت لا أول لها ولا آخر. كيف مرَّ الليل؟، والصبح أمسى حلماً مستحيلا. أيكون هو المعبر الذي دفعني إلى باطن هذا الليل الساكن الأبدي؟!، فأنا منذُ أن أصابني العمى في خضم بحر أنين المصابين المتضورين الناحبين حولي في غرفة مجاورة لغرفة السجن وقاعدة منام الفصيل، لم أر نوراً، بل سكنتُ حلكتي. إذن متى كان صعودي الثاني على بغلٍ؟، ذلك الصعود الشاق حيث كنت أسمعها بين الحين والحين تناديني باسمي وتسأل عن حالي. أكان مجرد هلوسة ألم، أم أن ليل الصراخ تعدى فعلاً وألقاني في صبيحتي الأولى بنهار العماء؟!.. نعم.. نعم.. استقبلتهُ بسمعي، ضجة عصافير، وتنادي، ودوي مجرى أو فرن بعيد. تنفست نسائم الفجر الدافقة من باب مفتوح. أحسست بجسدي خفيفاُ، نظيفاُ، طاهراً وكأنني اغتسلتُ تواً بماء النبع الأول. زحزحت جسدي المحشور بين أجساد إخوتي الغافين منصتاً لتغريد بلبل في حديقة الدار. تمنيتُ أن تدعني أمي وشأني، فلا توقظني ككل غبشة لشراء الخبز من فرن ( حاج جاسم ). خلدتُ مطبق الأجفان، منتشياً بهدجة صوت جدي الضارع في أدعية الصباح التي يرتلها بنغمٍ ساحر. تخيلته جالساً على سجادة صلاته المفروشة جوار عتبة غرفة الطين التي يشغلها وحيداً بعد موت جدتي، رافعاً ذراعيه نحو سماء الله العالية. هل تتركني الغالية في استرخائي النشوان. هل؟.. لكن هاهي تقتربُ. شممتُ رائحتها المعجونة بأحشائي. هاهي تنحني عليّ وتسكب أنفاسها الساخنة على قسماتي المترسبة في نشوتها. أناملها الناعمة تندس تحت قميصي لتفرق الأزرار، وهمسها المسكر النعسان يتغلغل في مهجتي:
ـ صباح الخير.
مثل طفلٍ ماكر تصنعت النوم العميق طمعاً في المزيد من ليونة النبرة الناعمة، الصاعدة من جب الأحشاء التي تخلقتُ منها وفيها.
ـ .. ها.. شلونك يا روحي.. دعني أساعدك حتى تشرب كوب حليب.
اقتحمني الأنين والصراخ ونداءات الاستغاثة، فمنهم من ينادي أمه، وآخر ينادي أباه، من يشتم، من يتفوه بنابي الكلام، ومن يصرخ صراخاً مبهماً. وبينما كنت أريد الوثوق من المكان والزمان مدركاً بأنني لست طفلاً في حوش دار أهلي، سمعتُ صوت رجلٍ مذعور ينادي لاهثاً:
ـ أحضروا الطبيب، الرفيق يحتضر!.
هزتني بحنو:
ـ كيف تشعر يا حبيبي؟
سألتها بصوت بدا كأنه ليس صوتي:
ـ أين أنا؟
سمعتها تشهق وتغص قائلةً بصوتٍ مذعور:
ـ ما الذي يؤلمك؟..
كنت حتى تلك اللحظة لا أشعر بأي ألم.
ـ لم تسكت يا بعد عمري؟.
وذكرتني بواقعة الليلة الفائتة وأصابعها تجوب بأنحاء جسدي العاري باحثة عن موضع الألم. كنتُ أحس بخفة طير محلقٍ في أغوار سماء ساكنة صافية.
ـ لماذا تسكتْ يا حبي؟. أخبرني عما يؤلمكَ!.
خرج صوتي أجشاً:
ـ لم أنتِ خائفة.. لا.. لا.. أ .. شـ.. ـعـ..ر.. بـ..شششش.. .
تحشرج الكلام وتعّسر، وثمة شيء يتضخم ويتخشب في قعر فمي يمنعني عن النطق. وبغتةً هجمت عليّ آلامي مبرحةً، فهببتُ جالساً. قفزت واقفاً أود مبارحة المكان. قادتني في الزحمة، أدوس ليونة اللحم الصارخ المتكدس في الغرفة. أدوس على أطراف الفجر. أتلوى بأحشاء فضته الناعمة، وتحت دوي النهر الهادر أسفل الوادي، منفصلاً عن صرخات الوجع الملاحقة خطونا، منفصلاً عن الأرض.. عن السماء.. عن الكينونة أحلق وحيداً في فضاء ألمي مستنجداً بذراعيها العاريتين الراجفتين. أتشبثُ بجسدها الدليل وأسير، أتشبث وأطير، وأسمعها تصبرني:
ـ اهدأ يا حبيبي.. أهدأ.. استرح قليلاً.
لا أستطيع السكون لحظة. فما إن أسكن حتى يصعّدني الألم إلى عنان سماوات جحيمٍ طافحة بذرى النيران.
ـ د.. عيــنــي.. أتحرك.. د..!
ورحت أهتز وألوب دائراً حول مركزي. وهي تمسك ذراعي بكفين مرتجفين، تحاول تخفيف أوجاعي المجنونة:
ـ تماسك.. تماسك يا حبيبي.. أتوا بالبغل
ـ ..
كنت أنتفض من شدة الألم ناسياً المحيط والزمن.
ـ تمالك نفسك يا روحي. سنصعد إلى القمة.
وجدتها تلحُ كي أتماسك واحتمل الألم. هل كانت تخشى من شماتة الناجين من القصف، قلتُ لنفسي:
ـ في كل الأحوال سأقضي نحبي. سأجعلها تتذكرني قوياً وشجاعاً!.
صككتُ أسناني متظاهراً بقوة تحمل هشاشة يفضحها صمتي الفوار وتصلب ملامحي المتوترة. جهدت من أجل أن أبدو متماسكاً من أجلها. أي مشقة عانيتها في ذلك الصعود وأنا أميل وكأنني سأسقط مع كل خطوة يرميها البغل، لكن كان ثمة من يوازنني بيديه من الجانبين، وصوتها الملتاع يسألني بين الخطوة والخطوة عن حالي. في خضم الألم المطلق وفقدان النظر كنتُ أفكر في اندثاري الوشيك ومآلها بعدي، فكان ذلك الهاجس يذكي سعيري، فتفلت آهة ندم وحسرة أكتم طرفها بعناء متضوراً على ظهر البغل في صعوده البطيء على المسلك المرسوم في مخيلتي شبراً.. شبراً، بالغ الضيق يتلوى بين ساقية النبع وحافة وادٍ عميقٍ جاف.. كنت أسأل نفسي بيأس عن ماذا ينتظرنا في القمة؟.. ماذا؟. لا أدوية.. لا أطباء.. لا أدوات طبية.. ماذا غير غرفٍ ثلاث بائسة لفصيل مقاومة الطائرات وحوض النبع وصخور القمة القريبة.. ماذا؟. أعرضت عن رعب السؤال منشغلاً بعناء التوازن القلق على ظهر البغل العالي المتحرك، ظهر عالمي الحالك الجديد، متمنياً أمنية صغيرة جداً، بدت وقتها مستحيلة إلا وهي قطع المسافة إلى النبع والتي لا تزيد على ساعة زمنية، مدّها سعير الألم إلى ساعة مطلقة، أتأرجح فيها إلى الجانبين، فتسندني أكف قوية. تخيلتني سأبقى هكذا كل الدهر، وحلم الوصول ينأى.. وينأى.. الوصول إلى الأرض.. إلى النبع.. إلى القمة.. أبعد منها.. إلى السماء.. إلى راحة ما.. إلا من مخلصٍ من هذا الصعود الأبدي؟.. من البغل المتعثر المُنهك.. من أتون النار المشعل جسدي.. من هذا العماء والتشبث المجنون برسن البغل وكأنه عروة الدنيا.. من الضجيج.. من نفسي.. من.. ومن.. ومن. إلا من استكانة أخيرة إلى صدرها العذب، النابض جوار البغل.. القريب المستحيل.. لو ألتفُ بها مرة واحدة دون ألم.. لو في السماء.. في جوف الأرض.. لو..
أخرجني صوتها المستنجد من دوامتي وهي تنادي:
ـ عميت يا رفاق.. ألا من يقودني؟!.
كنت عاجزاً، لم أجد ما أقوله.. فماذا أقول؟.. ماذا؟.. وماذا بوسعي؟!. كنتُ أصغي مترقباً ما سيحدث منشغلاً عن آلامي. وحوار محتدم شب بين الشخص الذي يسندني من اليسار وآخر يبدو أنه هرع ليحمل عنها حقيبتها ويأخذ بيدها. وهذا ما فهمته من الحوار اللاحق. قال الذي ما زال يسندني:
ـ رفيق احمل حقيبتها واصعد قبلنا لتبليغ الرفاق
أجاب الأخر معترضاً بعربية مكسرة:
ـ والرفيقة من يقودها وهي لا ترى الطريق؟!.
ـ دع الأمر لي!
ـ كيف تستطيع إسناد الرفيق الأعمى على البغل ومساعدتها؟!.
ـ هذا ليس شغلك!.
قالها بحزم وحرقة أثارت ريبتي وكنت أنتظر جواب الآخر على جمر.
ـ لا هذا شغلي أيضاً.
احتدم الآخر صارخاً:
ـ كفى لا تجادل. قلت لك أسرع في الصعود.
ـ لا.. لا.. لن أترك الرفيقة.
وتطور الحوار إلى شتائم. وهذا الذي يسندني الساعي لإبعاد الثاني سمعته يردد همساً:
ـ رب الكلب.. كردي.. رأسه ناشف.
ثم نفث حسرة طويلة أيقظتني تماماً من نوبات السعير التي أصبحت مطعمة بخدرٍ خفيف حال انشغالي بإصابتها. إذن كان يريد الخلوة بها وإلا لماذا ألح ومازال يلح كلما قطعنا مسافة طالباً من الرفيق الكردي الابتعاد.. لماذا؟. أكلتني الغيرة.. غيرة عاجز، أعمى، مسلوخ الجسد لا يستطيع الكلام. غيرةٌ أصلتني بسعير مضاف أكثر أواراً وأشدَّ وقعاً. نُهِشتُ وأنا أتخيل أصابعه المحيطة بخصري تجوب جسدها بحجة قيادها الصعب كونه وحيداً بيننا. حرزتُ بدمي حقداً ملتهباً، حقد عاجزٍ يوشك على الرحيل ولا يستطيع دفعاً لانتهاكٍ وشيك. أتضور بغيرتي. أتقلب. أتوتر كلما يحتدم الحوار المتكرر والمتحول في كل مرة إلى شجار. لم أهبط إلى لظى الجسد المسلوخ وعذابه المكين إلا بعد بلوغنا نحن الأربعة فسحة ـ الدوشكا ـ المزدحمة بالصارخين والعميان والناجين، وأنا أنزلق من ظهر البغل وددتُ صفع، لا بل سحق وجه الرفيق الذي تلقفني بين ذراعيه، وتقبيل الرفيق الكردي الذي أصرَّ حتى أَوصَلَها. أما ماذا حدث بعد الوصول؟.. لا أدري!.
*   *   *
أبركُ في طشت معدني. أبرك عارياُ. أبرك في عتمة رطبة، في صمت مكين، في حلكة تفوح بروائح كتب قديمة، ديرم، تبن، حناء، آس، كافور، زعفران. أبركُ وأنامل ناعمة تنزلق على جسدي بطيئة، بحذرٍ وعناية وكأنها تحاذيه.. تدغدغه. أتسمع نبضاً أليفاً وأنفاساً ساخنةً، وحفيف طاسة تغرف الماء في الصمت الفائح برائحة التراب المبتل، ودوي ضعيف يأتي من قريب. يُسكَبْ على عنقي الماء متقطعاً يميل إلى البرودة قليلاً وتنتشر منه رائحة أعشاب.. أين أنا.. أين؟!. أهذي أصابع أمي؟. نعم.. نعم.. إنها أصابعها. نحنُ إذن في غرفة الطين التي حولناها إلى حمام بعد موت جدي. وهذا الدوي الضعيف الرتيب صوت موقدنا النفطي القديم. أطبقتُ أجفاني بشدة شاعراً بحرقة تشعل عيني. هل دخلت فيهما رغوة الصابون؟. فتحت عيني للحظة وجيزة فواجهني الفانوس معلقاً بمسمار في الجدار، يرش ضوءاً نارياً أرمد يجعل كتل الأشياء تتلامح بغموض وتنطوي في الدكنة. تخيلتني سوف أهرع إلى اللعب في الشارع مع صبية المحلة حال فراغي من الاستحمام. أبهجني خاطر اللعب وأناملها السارية مسرى النسيم بثنايا جسدي، همست من خدري:
ـ يمه.. يمه.. خلصي بسرعة گبل الظلام حتى أطلع ألعب بالشارع.
ـ ..
أجابني طشيش الماء المنهمر على عنقي والسائح على بروكي وسط طشت النحاس العميق العريض الذي طفح بالماء حتى الحافة مغطياً أصابع يدي الماسكة بمحيطها.
ـ يمه.. يمه!.
ناديتُ مرة أخرى.. وانتظرتْ.
ـ اهدأ.. اهدأ!.
غمرتني نبرة رجولية، لكنها حانية، هادئة.. من يكون هذا الرجل؟. الصوت المنسكب أليفاً.. شفافاً أسكن نبضي، لكنه ليس صوت أبي.. ولا أخي. من هو إذن؟.. ولم يقُم  بغسل جسدي؟. رغم حرقة عيني فتحتهما.. لم أميز في العتمة الموحلة برذاذ الفانوس الذاوي سوى كتلة وجهٍ أشد عتمة من ظلام الغرفة. استعرت الحرقة فأغمضتهما سائلاً:
ـ من أنتَ؟
ـ اهدأ.. اهدأ.. أنا إبراهيم!.
إبراهيم.. أيكون هذا جدي،.. أأكون حالماً.. أم أنني في زمن آخر؟.. جدي مات في طفولتي. فأصبح يتشكل من دخان حكايات أبي عنه التي كان يقصها عليّ في طريقنا لزيارة قبره في النجف.. عن عشقه للنساء، كان مختار الديوانية الصغيرة وقتها. وكانوا يودعون في بيته النساء سيئات السمعة المهددات بالقتل.. عن.. وعن..
ـ كيف قمت يا جدي؟!.
ـ ها.. أش بيك.. لا تخّرْفْ. أنا إبراهيم ـ أبو خولة ـ.
ـ أين نحنُ؟.
ـ في حمام الدوشكا.. اهدأ شدة وتزول.. اهدأ.
هذا صديقي الخلاسي الذي عرفني عليه أخي الغائب ـ كفاح ـ قائلاً:
ـ أقدم لك إبراهيم من بقايا ثوار ثورة زنج البصرة.
في لمحة أبصرت المشهد كله فصرخت به:
ـ إبراهيم.. أين هي.. أين؟.
ـ اهدأ موجودة ـ بالكبرة ـ فوگ بصف العين!.
ـ أش لون صارت؟
ـ تحسنت.. وفتحت عيونها.
قادني من جب الحمام إلى جب الدنيا. أمسك بيدي وصعدنا على ما يشبه السلالم الحجرية. أفضت بنا إلى فسحة ربوة ضاجة بصريخ الجرحى والمصابين. كنا نبتعد عن هدير ماء يسقط من علٍ ونحن نرتقي سلالم أخرى. كنت أتأرجح وكأنني أتسلق سلم الساحة البيضوية. وصلنا إلى حيث يجري الماء بخرير وانٍ. وسمعتها تنادي بخفوت وتمسك يدي بأصابعها المرتعشة. لفحتني أنفاسها اللاهثة ساخنةً. أحكمتْ طوقها على أنفاسي، فانحدرتُ على المنزلق الرملي ناسياً آلهة الحديد المزمجرة، المنقضة بسمومها، دوي فرن الخبز بمدخل شارعنا، خرير الماء المتدفق من أحشاء الصخور. انحدرتُ في الحلكة والصمت وأنفاسي المتخافتة. انحدرتُ باحثاً بجنون أصابعي في كثافة الظلام عن مناحيها الساحرة، فوقعتُ على كتلتها الناعمة التي انبثقتْ من رحم السواد العظيم. انغمرتْ أناملي بشعرها الهابط حتى الخصر. وابتدأتُ بنحت القسمات الناعمة بأطراف أصابعي، الجبهة الناصعة، والأهداب الطويلة الكثيفة، العنق الأتلع، قبة النهدين الصلبين الصغيرين، منخفض الخاصرة النحيلة المتأججة باللهب، فنجان الصرة الدقيق، ربوة الردفين المدملجين، واستدارة الفخذين المكتنزين من الخلف و الأمام، ومهبط الروح بينهما، تكور عظمة الركبتين الغائصتين بطلاوة اللحم اللدن المشدود، الأملس الزلق، بطة الساقين المليئتين، والقدمين الصغيرتين، والأصابع الطفلة. أجوب تضاريس الكون المنبثقة عند اللمس، والتي تضيع في الصعود والنزول، ثم حضنت طولها الذي تمدد جواري على المنحدر الرملي الأملس. كنا عاريين في انزلاقنا نحو المجهول. كنا نهبط وقوة غامضة تسحبنا نحو مقاصدها. قوة كلية القدرة، كامنة في روح الظلام. أنصت إلى أنفاسي المتخافتة المتذاوية، إلى أنفاسها اللاهثة. أنصت لنعومة جسدها الخائض معي في السكون الفوار، في أحشاء الظلمات. أغور بصحبتها في الصمت المريع. أغور مفتوح العينين، تام الصحو، سليم الحواس، نتسمع لدوي السكون الهادر القادم من لزوجة السواد العظيم. ننزلق على المنحدر الرملي الهاوي خلف أبواب الساحة البيضوية العظيمة.
ـ هل سنبلغ قاعاَ ما..؟!.

1996 –  1999
الدنمارك

صدر للمؤلف :

1ـ رؤيا اليقين ـ مجموعة قصصية 1994 دار الكنوز الأدبية ـ بيروت
2ـ رؤيا الغائب ـ رواية 1996 دار المدى ـ دمشق
3ـ سرير الرمل ـ مجموعة قصصية 2000 دار حوران ـ دمشق
4- الإرسي – الطبعة الأولى 2008 دار – الدار – القاهرة
5-الحياة لحظة- رواية 2010 الدار المصرية اللبنانية – القاهرة –
6-في باطن الجحيم- رواية 2011 العدد 48 مجلة الكلمة اليكترونية

شاهد أيضاً

عيال الظالمي: نصوص

مَدِينٌ للبَردي لِحُصْرانِ القَصَبِ لِطينِ أكواخِنا القَديمةِ أَتَحَسّسُ وجهي في مرايا الرّيحِ لا لونُ أفاقَ …

سامية البحري: لست ربي

تصدير: في عصر تتناسل فيه الآلهة. . في عصر خرج علينا بعض المخلوقات التي تشبهنا …

مقالات عن وباء الكورونا ابداعا: (2) حافظوا على حياة أمّي
تأليف: غياني سكاراغاس
ترجمة: خضير اللامي

ثمة صبي في اليونان قد عاد إلى منزل أمه للعناية بها خلال إصابتها بوباء Coved …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *