الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » ميسلون هادي: الكاتب ينسى..القارئ هو الذي يتذكر

ميسلون هادي: الكاتب ينسى..القارئ هو الذي يتذكر

اهداء: الى أمير القصة العراقية…جليل القيسي

maisalon_hadi2شرائحة المصباح المشتعل هي رائحة مصباح مشتعل.. رذاذ أشعته يلسع أصابعه.. يقرّب إصبعاً إلى المصباح فيلذعه ثم يضع الإصبع في فمه ليتذوق الضوء.. ولكل إصبع مذاق مختلف:‏
جايكوفسكي حلم راقص.. وكافكا حلم مخذول.. وديستوفسكي حلم عصابي..ورينوار حلم طفولي .. وهاملت حلم مجنون .. وفارتر حلم عاشق ..ودون كيشوته حلم مغامر.. وموتسارت حلم مغدور.. وزوربا حلم أزلي .. وأنا.. أمير الأحلام كلها.. لا أحد في العالم يعرف هذا الكوكتيل من الأحلام مثلي.. قال جليل لنفسه وهو يستمع إلى فريد الأطرش يغني:‏
-عشك يا بلبل ده جنة..‏
-وأنت على بابها رضوان.‏
طرب جليل مع النغم وراح يردد مع الأغنية مترنماً:‏
-يه.. ييه.. ييه.. يا بلبل..‏
ثم ضحك وهو يضع كأسه جانباً ويمسك بالقلم ليكتب قصة جديدة بطلها زاره قبل أيام على عجل فوجده وهو يدخل عليه بمظهره الهادئ الوقور ليس إلا هيرمان هيسة الذي كان، كجليل، يحب غوتّه كثيراً جداً ويُعيب في ذئب البوادي على صورة فوتوغرافية رآها في أحد البيوت ولم تكن تظهر غوّته العبقري في شمس شبابه وإنما تظهر غوتّه المسن في لحظة عمر منطفئ.‏
المقطع بالضبط لا يتذكره، فنهض إلى رف الروايات العالمية في مكتبته ليتأكد منه ولكنه لم يجده. حاول أن يتذكر أين وضعه أو لمن يكون قد أعاره.. تلفت من حوله عله يتذكر ثم راح يبحث بين الكتب مرة أخرى. طُرِقَ الباب..طاق طاق طاق.. فصاح الأمير:‏
-من؟‏
قال الطارق‏:
-أنا جارك‏ .
تساءل جليل مع نفسه: جاري؟ لا أعرف لي جيراناً!؟‏
ثم قال بصوت عال:‏
-وماذا تريد؟‏
قال الجار بصوت مرح:‏
-أريد علبة كبريت.‏
قال جليل لنفسه وهو ينهض من منضدة الكتابة: هكذا إذا.. لدي جيران حقيقيون ويطلبون أشياء حقيقية؟!‏
قال الأمير وقد تملكته نوبة مرح:‏
-وما حاجتك إليها؟‏
قال الجار:‏
-أريد أن أشعل لفافة تبغ‏ .
خرج جليل يتبعه ظل وستارة من الضوء.. ماءت قطة كانت تستلقي على دكة الباب ثم تبعته لمسافة قصيرة قبل أن تعود إلى مكانها وتسترخي بدلال. كاد جليل أن يتعثر بالستارة الضوئية الهفهافة التي تلاحقه.. طافت على فم الجار ابتسامة عريضة وهو يضع اللفافة في فمه.. مد جليل إصبعه إلى اللفافة فاشتعلت.. نظر الجار منذهلاً إلى ما فعله جليل ولكنه أخفى ذهوله بضحكة مرفهة واعتبر الأمر خدعة من خدع جاره الأمير الذي أصبح ميالاً إلى إتقان الألعاب السحرية في الآونة الأخيرة. قال وهو يهم بالذهاب:‏
-أنت ساحر ماهر.‏
فضحك جليل مرة أخرى وسأل:‏
-أتعرفني؟‏
قال جاره:‏
-أو لست جاري:‏
نظر جليل مرة أخرى إلى وجه الرجل الذي يقف أمامه.. فوجده عريضاً يتوسطه شارب شرقي حافاته مدببة قليلاً إلى الخارج وفم قريب الشبه بأفواه الشعراء الذين لا تخلو حياتهم من مأساوية كالسياب ورامبو وادغار الن بو.‏
قال الأمير:‏
-جارك..همم.. حسن إذن.. كن ضيفي هذه الليلة.‏

قال الجار وهو ينظر إلى الأضواء المشتعلة في الداخل:‏
-أثمة احتفال؟‏
قال الأمير وهو يضحك بتواضع:‏
-تقريباً.. تقريباً.‏
ثم أفسح له المجال للدخول.‏
في داخل البيت كانت ثمة خادمة تقف بمئزر أبيض تنتظر معاطف الضيوف وقبعاتهم وعندما وجدت الضيف الجديد بلا معطف ولا قبعة انصرفت وهي تقول للأمير:‏
-العشاء جاهز سيدي‏ .
قال جليل:‏
-سأنادي عليه بعد قليل‏ .
وكان فريد الأطرش لا يزال يحتضن عوده ويغني من خلف عينيه المغمضتين:‏
-عشك يا بلبل ده جنة وأنت على بابها رضوان.‏
فدعاه جليل إلى العشاء.. ودخل الثلاثة إلى غرفة الطعام التي كانت تغص بالمدعوين.. قال جليل:‏
-حسناً أيها الأصدقاء. أقدم لكم جاري..‏
ثم التفت إليه وقال:‏
-عفواً. ما أسمك؟‏
قال الجار وهو يضحك نفس الضحكة الواثقة المرفهة:‏
-عبد الباقي مقصود.‏
قال جليل:‏
-وطبعاً فريد الأطرش تعرفونه جيداً.‏
ثم راح يقدم ضيوفه للجار واحداً بعد الآخر:‏
-أقدم لك أصدقائي الأعزاء وضيوفي لهذه الليلة:‏
الشعر الأبيض فما دون لديستوفسكي وتولستوي وبورخس وهمنغواي وغوته وهوغو وهيرمان هيسه وبيكيت وكفافي وسعدي يوسف والشعر الرصاصي فما دون لإيزابيل الليندي ولطيفة الدليمي وسارتر وبيكاسو وكونديرا وفلوبير ويوسف إدريس وحنا مينة وفؤاد التكرلي ومحمد خضير وريمارك وشتراوس وجايكوفسكي وخاشودريان وفوكنر وعبد الخالق الركابي والشعر الأسود فما دون لموتسارت وتشيخوف والسياب والشابي والبريكان وجيمس دين وكافكا ولوركا ولورانس وادغار الن بو وعبد الحليم حافظ وعبد السلام النابلسي وفاتن حمامة.‏
توقف يفتقد أحداً ما مع نفسه وعندما تذكره قال: بصوت عال:‏
-ولكن أين حبيبي سلفادور دالي؟‏
قال له بيكاسو:‏
-ضجر من الجلوس على الكرسي فنام تحت الأريكة.‏
نظر جليل إلى الأريكة فظهر له من تحتها شارب معقوف كذيل العقرب. قال: وأين ماركيز؟‏
فقالت إيزابيل الليندي:‏
-ضجر هو الآخر من الجلوس على الكرسي فطار إلى الثريا‏ .
نظر إلى أعلى فوجده يجلس في حضن الثريا ويكتب.. .‏
قال فريد:‏
-زي النهارده كان حبك.‏
تراقص جليل فرحا وصاح:‏
-الله.. الله.. الله.‏
ولكن عبد الحليم حافظ قال لفريد:‏
-كل أنت وأنا أغني.. فليست لدي شهية للطعام‏ .
فسأل جليل:‏
-وماذا ستغني!‏
قال عبد الحليم:‏
-بلاش عتاب.‏
فابتهج جليل للاقتراح ثم قال:‏
-ليت شادية كانت معنا‏.
نهض عبد الحليم من مكانه وجلس على مقعد جلدي يجاور الأريكة التي ينام تحتها سلفادور دالي.. وراح يغني:‏
-حبيت الحب عشانك‏
-وكرهت الحب عشانك‏
-أبداً مش حاأقدر أسامحك‏
-ابعد خليك في مكانك‏
-أنا بترجاك تستنى هناك‏
-تستنى بعيد علشان أنساك‏
قال جليل وهو يضحك:‏
-أما أنا فلن أنسى ..
ثم تلفت حوله وقال:
– ولكن أين محمد عبد الوهاب‏ ؟
فقال عبد الحليم حافظ بصوته الواطئ اللاهث:‏
-ذهب إلى الحمام ليغسل يديه.‏
قال الجار بصوت احتفالي مرح وهو يضع اللفافة بين شفتيه:‏
-لقد جئت من أجل علبة كبريت فانظر ماذا وجدت؟‏
قال جليل:‏
– وبعد.. وبعد‏ …
ثم صاح على الخادمة لتأتي بالعشاء.. فتململ عبد الحليم حافظ في مكانه عندما شاهد محمد عبد الوهاب يدخل إلى غرفة الطعام وبدا عليه التعب قليلا. صاح جليل بابتهاج وهو يقف:‏
– أين كنت يا دكتور؟‏
فقال محمد عبد الوهاب ساخراً بصوت مفخم وفصيح:‏
-لست أدري.‏
ضحك الجميع ولكن محمد عبد الوهاب لم يضحك بل اكتفى بابتسامة صغيرة ثم وضع ساقاً فوق ساق وجلس إلى مائدة الطعام وهو مطرق. انتهى عبد الحليم من الغناء فصفق له الجميع ثم جاءت الخادمة بآنية الحساء ودارت بها على المدعوين. صب جليل قليلاً منه بالمغرفة لهيرمان هيسة الذي كان يجلس بقربه صامتاً طوال الوقت وعندما أصبح الآخرون صامتين أيضاً ومشغولين بالطعام راح يسأله عن المقطع الذي يذكر فيه غوّته في كتاب ذئب البوادي قال هيرمان هيسه:‏
-لا أذكره‏.
قال جليل‏
-حقاً؟‏
قال هيرمان هيسه:‏
-حقاً نسيته تماماً‏.
قال جليل بمحبة:‏
– لا تقلق يا أستاذي هذا طبيعي.. الكاتب ينسى… والقارئ هو الذي يتذكر.‏
ثم نهض إلى المكتبة وأخذ يبحث بين كتبه عن كتاب ذئب البوادي ليتأكد من ذلك المقطع الذي نسيه هيرمان هيسه.. بحث عنه في رف الروايات العالمية فلم يجده.. ثم بحث عنه في رفوف الكتب الأخرى فلم يجده أيضاً.‏ حاول أن يتذكر أين وضعه أو لمن يكون قد أعاره.. تلفت من حوله عله يتذكر ثم راح يبحث بين الرفوف‏ مرة أخرى . طرِق الباب …طاق طاق طاق . فصاح الأمير من مكانه أمام المكتبة:‏
-من؟‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *