الرئيسية » نقد » ادب » د. مرتضى الشاوي : شعرية المواطنة والبوح الذاتي
قراءة فنية في ديوان( ضوء الماء )* للشاعر علي مولود الطالبي

د. مرتضى الشاوي : شعرية المواطنة والبوح الذاتي
قراءة فنية في ديوان( ضوء الماء )* للشاعر علي مولود الطالبي

علي مولود الطالبي

توطئة
تهدف هذه القراءة بجزئياتها الموضوعية إلى إبراز الجانب الدلالي والفني العائم على ديوان ( ضوء الماء ) باكورة الشاعر العراقي المتألق في سماء الإبداع  الشعري في مستويات متعددة من منجزه الشعري .
ويضاف إلى ذلك ما رسمت تلك المخيلة من جوانب أسلوبية فنية في جوانب مختلفة ، منها جانب الإيقاع المتناغم بأشكاله من وقع داخلي وخارجي وبنية التكرار وجانب التصوير الحسي وأبعاد الصورة الحسية وارتكازها على البعد الحسي والمظاهر الطبيعية ، فضلاً عن مجازيتها الإستعارية ورمزيتها الكنائية ، وقد بينت هذه القراءة نبذة من هذه الجوانب الدلالية والفنية وهي كالآتي :
شعرية المواطنة والبوح الذاتي  :    
تنتفض الحروف وتستجمع هويتها العلائقية من هوية كونية انطلاقاً من تصوير حالة ارتباط عميقة بين ذاتية معمقة في بواطن الأرض المعطاء ؛ لتشعل من حباتها شاعرية المواطنة عشقاً واشتياقاً ؛ ولتطرز قطرات المطر أنغاماً في إثارة عجائبية فريدة هكذا يبدو لي سحر المفردات عند الشاعر علي مولود الطالبي ، وهو يتغنى في باكورة أعماله الشعرية الموسومة بـ( ضوء الماء ):
” حبها الأسمر … قدر
النجوم الزهر .. تنثال كحبات مطر
إنني أهواك أرضاً
مزجت فوق ثراها
صرخة الجرح … وأنغام الوتر ) ( ضوء الماء : 7 )
ذلك السامق بزهوه يرسم في مخيلته ملامح المرأة المعشوقة على وجه مدينة مؤنسنة ، لطالما كانت له ضوء وشذى ، يهمس فيها حب أزلي ؛ ليشاكل ما بين صورة المدينة الحاضنة والمرأة المعشوقة عبر نتاج للقلب والروح والوجود :
” إيه يا بغداد
يا أنثى على خصلاتها صلّى النهر
فأريج الضوء فاح
وشذاك اليوم لاح
إنّ هذا السيل في قلبي قدر ” ( ضوء الماء : 9 )
لكنّ الشاعر آثر موضوعاً يرتفع فيه صوت وقع الحوافز من إيقاع متصاعد ، وهو مركز الجذب في التعبير عن العواطف ؛ ليهجر بؤرة المكان العالق في نفسه ؛ لإضفاء جوّ من الشحن العاطفي في تفاؤل عميق في صورة حلمية ممزوجة بواقع الحال :
” حقائبي تحمل الآمال تنشرها
وللصباح ربيع بين وجداني
هجرت مدرستي …أبحرت في قلقي
ورحت أمزج أفراحي بأحزاني
يشدو التفاؤل حلماً انّه قلقي
للسائحين وهذي بعض أحزاني  ” ( ضوء الماء : 10 )
وعلى أية حال فيها هو كذلك العاشق  الواله ؛ لأنّ هذه المواطنة لا تكتمل إلا بثلاثية ليست خيالاً ، بل هي حقيقة وجودية في حياة الجنس البشري على الأرض انظر إلى قوله :
” يا أميرة المرجان
عبر الأسوار استمعي لندائي غسقاً
أنا أسقيك نظرة الورد
وأعطيك أمصار العصافير على كل الأزقة
اصنعي من جلدي ما تشائين
بيت ، فراش ، ولباس …” ( ضوء الماء : 12 )
فضلاً عن ذلك تبدو المفردات مشحونة بإسقاطات ذاتية  ؛ لتعلن الاستجابة الابتهاجية بصوت منفرد مكرر ، وهو ينادي ( أبي ) في أكثر من سبع مقاطع من قصيدة ( رجل في سماء الحكاية ) ، يتجلى الدافع النفسي بتسجيل المشاهد العالقة في الذهن ؛ لأنها صورة الأب أكبر من كلّ حجم بحنانه ، مثلاً  يقول في ( أبي –1):
” أبي … على قدر عرض الفضاء
يزداد اتساعاً وحجماً
ليستريح في الكوكب الثامن
وضوء القداسة على جبهته
يتقد ” ( ضوء الماء / 19 )
فالعدو الجماعي فاعل حقيقي في الاتحاد ، وهو شيء فاعل ومتحرك في الامتلاء في عوالم مختلفة بحركة جدلية ؛ لتبوح بأبجدية عذابات تتشظى ، وينكشف الرمز من هذا التقارب الجسدي بمثابة قدّاس ابتهالي  :
” قررنا
الإعلان
اليوم يكتب في جدران النجوم
سنكون واحداً  .. بلا … بلا انقسام
كلانا جائعان
لم نقترن في أيّ شبه
إلا في صلواتنا العشقية
السماء بها ، و لها ، وعليها ”  ( ضوء الماء : 26- 27 )
وهو في هذا الاتحاد يبرهن عن صورة الانتماء والامتزاج النفسي في جسد معشوق اسمه الوطن يسفر عن تفاخر يتباهى في صوت قناع الأب ذلك المربي الروحي :
” أبي كحل كلّ مساء التمني
ومالي من بوحه مهرب
هروباً يرى الكون أنّ العراق
بلاد بها الصبر لا يتعب
توسد ثناي أنّي – العراق –
وهل مثل جرفي هنا ينجب
دموعي تراق على الرافدين
لكي لا ينام ولا يحجب “( ضوء الماء : 16 )
فالأمكنة على الرغم من تعددها تعطي دلالة نفسية ببعدها الحضاري ، وهي منظومة علائقية يرتبط فيها المكان مثل ( هناك ) للبعيد يستدعي وقفة تأملية لحياة الشاعر؛ ليعيش الغربة النفسية حتى ولو كان في وطنه الأم في مخاطبة لغير العاقل ؛ لأجل المؤانسة :
” فيا هدهد الحب
طف بي هناك
وطف بي في زورق العشق حيناً
تغرد … دمت والطيور تردد حزني
وتحكي له قصة الاشتياق ” ( ضوء الماء : 36 )
هذا التلازم الحيوي دليل الوحدة في مصير عشق متجذر ، يتوالد  يوما ًبعد يوم في جسد واحد في الأبدية الانتمائية ، ويتناغم في تسجيل ألم ووجع العراق المتأصل فيه :
” ولا بد أن تصبحي لي
أنا كقلبي أنا
كصرحي
نحب ونهوى ونرقى
كاثنين في جسد واحد
لكي نحرق الحب في نبض قلب
يزلزله بعض ذاك الحنين
فعودي فما أروع الاشتياق
ليستيقظ الوجد حدّ العناق
فلا .. للفراق
أنا حزن تلك الحروف التي
تسامت لتكتب حزن العراق ” ( ضوء الماء: 39 -40 )
وتبدو صورة المعشوقة في مخيلته واضحة ومرسومة بملامح الوطن الواسعة بأنهاره المشهورة :
” أراك عشقاً رائعاً
يستقطب الأحباب
يبرر الجواب
والشمس يا حبيبتي
تكون ليلاً بارداً …أو جدولاً رقراق
لأنّكِ العراق
يا دجلتي .. يا زاب أحداقي .. ويا حضارتي
هذا شعوري ساطع ” (  ضوء الماء : 47 -48 )
لكنّ هذا الشعور يتعالى ليطالب المعشوقة بأن تتعلم لغة هذا الحب  الآسر الممتدة انسياباً مع النهر والأخاذة عطراً مع الورد والمزدانة نوراً مع الشمس ؛ لأنّها الحياة بمتعتها وهمسها :
” فتعلمي لغتي
مثل هذا النهر
أو كالورد
أو كالشمس
أو أنت الحياة
هلا استمتعي لهمستي ” ( ضوء الماء: 51 )
حتى وصل به الحال إلى أن يصبح رساماً يرسم وجه الحبيبة  في لوحة زيتية تشتمل في دلالتها على الأمل ؛ لأنّه يمثل الوطن وحده :
” إنّي مسكت بريشتي
ورسمت وجهك لوحة زيتية
ذا الوجه .. كم رام الوصال
على جبين الأمنيات
وطن ساكن فيه
في عين حبيبة ” ( ص / 52 )
وهو جارٍ في البحث عن حبيبته في الطبيعة بجزئياتها ويؤكد وصفه الحسي ذلك البحث عنها :
” وأنا أبحث عنك في رداء القمر
وأغفو كنجم جريح
فوق تجاعيد المساء ” ( ص / 56 )
وتتعالى النفس العاشقة في ترجمة البوح الذاتي ، ويتعامل بطريقة النحت بوصفه فناناً له القدرة الإبداعية في الرسم بالكلمات كما ينحت الفنان ويسجل معالم القصيدة برسم ملامح ذلك الوطن بعطره  الجاري في الأحداق كما في يقوله :
” وحفرت في جسدي لأجلك يا عراق
قصيدة
وشمّتها بحروف  الحب
سال نهر الشعر من كل الثنايا
وعراق هذه الأرض
سيد هذه الدنيا
وعطر البيلسان
يا أيها الوطن المسافر بين أحداقي
أبقى احبك
أنت سيد هذا الزمان ” ( ضوء الماء : 108 )
التصوير الحسي :
إنّ الغالب على ديوان الشاعر شاعريته في التصوير الحسي ، فالطبيعة عنده هي سحر الشاعر التي يتعامل بها بحرفية عالية في جذب المتلقي ، وهو في ذلك يرجح لنا الصورة الحسية على المعنوية ؛لانّها مطاردة  نابعة من تجربة الشاعر في أجوائه الحيوية التي عاشها ، فهو يبرز لنا أنموذج الأسلاف في تصويره ، ربّما يعدّ هذا تقليداً ، لكنّه يتعامل معه في سبيل التجديد والتطوير عبر تراكيب لغوية متماسكة وانساق متعددة وصور شعرية ملونة تمتزج الحسي بالمعنوي أو بالعكس من ذلك أحياناً كما في قوله :
“ضوء الماء
يبرق
بريقك
أصابيح قداح
تلوّن أنت أشراقتك
فستان عرس دائم
ماطر
برد مؤدب
وحاملنا
جسد واحد
كقدح من ليمون ” ( ضوء : 21 – 22 )
وكذلك ما نجده من وصف دقيق يجمع ما بين صور مفردة ، لتكون لوحة جامعة لأكثر من مشهد كما في قوله :
” انثري على جسدي صغار النجوم
ومن قشعريرة الصبح اغزلي أسلاك الوصال
بين لوح الخضار
ورجف النهار
أنت امرأة محالة ..
أناقة تمثال موشح بالحرير
نهر حليب يغطي الجسم
أركض فوق شفاهك بثغر واحد
أكتبك في دفتر الماء أضحوكة
أعيد بك نغمة الوتر المسروق” ( ضوء الماء : 13 )
أنسنة الأشياء الطبيعية :
يمتاز شعر علي مولود الطالبي بفاعلية التخيل في توليد الصور الشعرية ؛ لما لها من أبعاد تأطير الأشياء الطبيعية الصامتة بحراك الفعل الإنساني صوتاً وحركة ونمواً تصل به إلى اتخاذ لغة منتخبة متضمنة إيحائية فريدة في حوارية درامية متشابهة لكلام الوحي عن واقع مؤلم ينقل فيه صورة من صور عذابات وطن جريح كما جاء في قوله :
” نطق
اقرأ
لست بقارئ
اقرأ العراق وهج طفولة مبعثرة
بين سطور شعر مبين
نقّب عن سلالاته بين أوردتي
ستجد نخيله ينطق
سعفي لا يهوى ريح المحتل …والظلمة ” ( ضوء الماء : 103 )
نقل الصورة الإستعارية من المفردة إلى المركبة :
وهذه من الأطر الجميلة التي يتميز بها الطالبي ، وهو في هذا العمل يجذب المتلقي من حدود الدلالة السطحية إلى أعماق الدلالة المعمقة ؛ لتكسب الصورة أكثر غموضاً وإيهاماً كما في قوله :
” إنّي امتطيتُ فم الزمان
وهربت
نحو أزقة الأحلام
وإذا
بعرشك
يجرف الإحساس
من هذي المدائن فوق لبّ الياسمين
في كفي ” ( ضوء الماء : 106 )
الرمز الأنموذجي :
يستدعي الشاعر رمزاً عالياً في الدلالة للتطعيم الصوري وهو الرمز الأنموذجي ، وهذه نقلة فريدة في ديوانه فهولا يستهلم المعاني إلا من رموز تحمل دلالات إنسانية عامة ، وفي هذا يبتعد عن الرمز السلبي ، وفي ذلك دليل على قدرة الشاعر على إبراز الصورة الكنائية بفعل إنساني أكثر جاذبية ويتمظهر ( هابيل)  النبي المظلوم مثلاً بوصفه رمزاً أنموذجياً ذي صفات إنسانية عالية في السلوك والأخلاق ، لكنّه يتخذ من رمز الغراب دليلاً ؛ لكشف الحقيقة  فقد اشار الى رمز ايجابي  وهو هابيل ولم يأت بمضاد له  مثل مفردة ( قابيل ) الرمز السلبي المعروف لدى المتلقي إلا بحدود الإشارة إليه من ذلك الطير وهو الغراب  في مواراة الجريمة ؛ لكي لا يحدث التنافر والتضاد في الصورة الشعرية ربما تكون ثقيلة على أذن المتلقي  كما جاء ما في قوله :
” مذ هابيل
والغراب لم يزل يحفر
يتعب من كثرة القتلى
يمزج بين الدم والنحيب
يراه إنسانا
يولد .. يتنفس .. يعيش “( ضوء الماء : 109 )
خطابية التناغم والتشكيل الصوتي :
على الرغم من امتلاكه الموسيقى العالية المطرزة بخطابية التناغم في التشكيل الصوتي الداخلي إلا أنّه يمازج بوقع خارجي على مستوى القافية كما ورد في قوله :
” يا سيدتي
أنا عاشق
إنّي في إحساس غارق
باسم العشاق .. أنا الناطق
فأنا
أول من يعشقك
وأنا آخر من يعشقك
وأنا السابق وأنا اللاحق ” ( ص : 94 )
بل يستدعي من مكملات التشكيل بنية التكرار التي ترتفع فيها النغمة الصاعدة والمستمرة ، وهذا التكرار جاء على مستوى الأداة الواحدة مثل ( يا ) أو على مستوى الكلمة مثل ( كوني ) أو على مستوى التركيب مثل(  كوني برقا ً .. كوني رعدا .. كوني دمعاً  .. كوني شمعاً .. كوني غيماً ) ، وهو تكرار معتمد إذ أدى دوراً متوازياً ؛ لأنّه من الروافد التي تغذي التراكيب اللغوية  وتثري الدلالة ، لأنّ التكرار ظاهرة أسلوبية كما ورد في النص الآتي :
” يا سيدتي
يا مرآة الليل
ويا أضواء الفجر
غوصي في أحشائي
نارا
وابني قرب فؤادي دارا
كوني برقا ً … كوني رعدا
كوني دمعاً  .. كوني شمعاً
كوني غيماً .. أو مطرا
هزي روحي والأوتارا
فأنا واحد
لتكوني أنت الأصفارا ” ( 95- 96 )
وفي مسك الختام تتجلى الأبعاد الفنية البارزة في هذه القراءة على على الرغم من قلتها إلا أنّ المهارة الفنية قد نجحت في مخيلة العمل الإبداعي ؛ لأنها كامنة وراء فلسفة إنسانية تحمل جملة من الدلالات العميقة لدى الشاعر المبدع وله الحرية في تصويرها بعد اصطفائها من عالمه الحسي مستعيناً بأدوات ووسائل البناء الشعري .
وفي هذه القراءة النقدية نسجل للشاعر علي مولود الطالبي طبعه الحسي الغارق في التصوير الشعري ، ليعود بنا إلى الصياغة الفنية القديمة للشعر العربي القديم بأدواته الحسية ، على  الرغم من التجديد والتطور الحاصل في شكل القصيدة عنده ، وفي منجزه الشعري ، وهو في ذلك يقتفي أثر الشعراء الحسيين القدماء والمعاصرين   .

* ضوء الماء – شعر علي مولود الطالبي ، ط1 ، مطبعة تموز ، دمشق ، 2011م .

د . مرتضى الشاوي
جامعة البصرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *