د. حسين سرمك حسن : جابر خليفة جابر والكتابة السردية الجديدة (2)

# المؤلف لا يموت :
——————–
ولكن قد يسأل قارىء ذكي ومعاند : وإن لم يعرف قارىء ( إسباني مثلا ) بأن مؤلف الرواية هو جابر خليفة جابر ، هل ستفسد متعته وتضعف دقّته في التأويل والإستجابة ؟
وللإجابة عن هذا التساؤل الكبير نتحوّل إلى موضوعة مركزية حاولت مدارس نقد استجابة القارىء ، بل مدارس ما بعد الحداثة ، تدميرها ، ألا وهي موضوعة (قصدية المؤلف أو المبدع – intentionality ) . فـ ( حينما تعمد إحدى المدارس النقدية إلى تجاهل المعنى أو الدلالة ، كما فعلت الشكلية الروسية والبنيوية الأدبية في تركيز واضح على آليات الشكل وجمالياته في الأولى ، وكيفية تحقيق الدلالة في الثانية ، يصبح الحديث عن القصدية من باب العبث الصريح . والقول نفسه ينطبق بصورة أكثر إلحاحا حينما تعمد مدرسة أخرى مثل التلقي إلى نقل السلطة كاملة إلى المتلقي الذي ( يقرأ النص الذي ينتجه هو ) أو حينما تعمد رابطة مثل التفكيك إلى تأكيد الغياب في الحضور ، وغياب أي مركز للإحالة والمراوغة الدائمة للنص ) (13) .
ولسنا من السذج بحيث نطلب من هذا القارىء الإسباني مساءلة جابر عن (قصده) وهو في البصرة .. وقد يكون ميتا لا سمح الله . لكننا مثل الكثيرين من النقّاد الذين اتخذوا مواقف مخالفة لفوضى المناهج النقدية ، بعد الحداثية ( ما بعد البنيوية / التفكيكية / استجابة القارىء .. إلخ ) نرى ( أن قدرة اللغة على الإيحاء لا تنفي مفهوم القصدية وارتباط اللغة ذاتها بغرض قائلها ، على الأقل حسب نظرية فعل الكلام المعروفة – speech act theory ، التي تربط فعل الكلام بقصد قائله . ولو تخيّلنا للحظة ان كاتب (مخيّم المواركة) ليس جابر خليفة جابر ، بل قرد نشط ضغط على مفاتيح الآلة الكاتبة ، أو لو أننا عثرنا على كلماتها وسطورها محفورة على صخرة على شاطىء البحر بفعل الأمواج أو عوامل التعرية ، فإن النتيجة ستكون اختفاء القصدية بسبب غيبة الفعل المقصود / فعل السرد المقصود . ولن يبقى أمامنا غير تفسير وحيد أقرب إلى الصحة هو التفسير الذي يتفق مع قصد المؤلف / الروائي ، والذي يوجد فقط لو أننا سلّمنا بأن (جابر) هو كاتب الرواية ، وليس القرد أو أمواج البحر ، أي أننا نستطيع أن نرفض فكرة قدرة اللغة على تحقيق معنى ، مستقلة عن القصد البشري . ويمكننا تطوير الأفكار السابقة حول أهمية القصدية في النص بالقول : إننا لو عثرنا مصادفة على قسم من الرواية منقوشا على الرمال ثم شاهدنا موجة تغطي الكلمات لتمحوها ، مخلفة وراءها القسم الباقي ؛ فسوف يتأكد لنا أن الرواية لم تنتجها قريحة إنسان بل جاءت إلى الوجود مصادفة وبصورة عفوية ، وشتّان بين الحالتين : حينما اعتبرنا الآثار على الرمال سردا كنا نفترض صفة القصد فيها ، أما حينما اتضح أنها بلا مؤلف فإنها لا تصبح كلمات على الإطلاق ؛ إن حرمانها من مؤلف يعني تحويلها إلى تشابهات عفوية للغة ؛ فهي ليست ، على رغم كل شيء ، نموذجا لمعنى من دون قصد ، وفي الوقت الذي تصبح فيه (الكلمات) بلا قصد تصبح أيضا بلا معنى … إن العلامات التي تخلّفها الأمواج وراءها في انحسارها ليست لغة على الإطلاق ، بل شبيهة باللغة . إن المعنى دائما مقصود ، وإن اللغة لها طبيعة قصدية ، ومن ثم فإن محاولات تفسير نص لغوي في عزلة عن المؤلف أو القصدية محاولات عبثية عديمة الجدوى . إننا حين نطلب من النادل فنجان قهوة فإنه لا يرفض ، لا يصبه فوق رؤوسنا ، بل يحضره إلينا ، ما ندّعيه أن التفسير في حضور منتج قول ما والذي يرى أنه تفسير ملائم هو النموذج الصحيح لتفسير قول في غياب منتج ذلك القول ) (14) .
و (رحم الله عبد القاهر الجرجاني الذي قدم ضوابط التفسير الجوهرية وفي مقدمتها تحمّل النص اللغوي والنص الأدبي للتفسير المختلف ، وكأنه كان يتنبأ بفوضى القراءة في القرن العشرين قبل حلول ذلك القرن بما يقرب من تسعمائة عام :
( فأما الإفراط فما يتعاطاه قوم يحبون الإغراب في التأويل ويحرصون على تكثير الوجوه ، وينسون أن احتمال اللغط شرط كل ما يعدل به عند الظاهر ، فهم يستكرهون الألفاظ على ما لا تقله من المعاني ، يدعون من السليم من المعنى إلى السقيم ويرون الفائدة حاضرة قد إبدت صفحتها وكشفت قناعها فيعرضون عنها حبّاً للتشوّق أو قصداً إلى التمويه وذهابا في الضلالة ) (15)
# حكاية المواركة تخترق حدود الزمان والمكان :
————————————————
وفي حركة مقصودة يقول جابر إن عمار إشبيليو قد أرسل إليه الرواية كاملة ، ولكنه نقلها عن أحد أسلافه ويحمل الإسم نفسه وهو عمار إشبيليو الأول وذلك قبل أكثر من أربعة قرون ليجعلنا ندرك ان “الحكاية” قادرة على اختراق حدود الزمان والمكان بفعل القدرة “السحريّة” للكلمة . وكلما أوغلنا في أعماق مجاهيل الزمان ، شحبت القدرة على تحديد “المصدر” السردي حيث لم يستطع عمار إشبيليو الأول أن يحدّد بوضوح هويّة مؤلف الرواية الأصلي المسمّى بـ “حامد الأندلسي” . وكأن المهم أصلا “وصول” الحكاية مع الحفاظ على “حكائها” حتى لو اختلفنا في هويته .
وتبدأ الرواية برسالة تتحدث عمّا لا علاقة له بـ “الرواية” في الظاهر حيث يحدّث عمّار صديقه جابر عن الدكتور “أحمد رودميرو” أو “أمادو” كما يُسمّى بالإسبانية ، ذي الشخصية الجذّابة الذي يدعوه إلى التعرّف إليه . هو إسباني كاثوليكي ، تعرّف إلى الإسلام منذ عشرين عاما وأسلم وحجّ إلى بيت الله الحرام . وكان مقتربه إلى الإسلام هو الموسيقى فهو فنان (يبدع الشعر والقصص ويعزف الكيتار) مولع بالموشحات الأندلسية . وقد حفز ذلك تلك البذرة “الموريسكية” التي كمنت لائبة في أعماقه موروثة من جدّه الذي وصفت أمّه نزوله إلى القبو والحركات التي يقوم بها بأنها تشبه حركات إبنها أحمد / أمادو ، حركات لصلاة المغرب كان الجد يخشى القيام بها علنا بسبب محاكم التفتيش إإ(وأعتقد أن حماسة جابر لموضوعته جعلته لا ينتبه إلى عامل الزمن هنا فمن المفروض أن الجد عاش في زمان محاكم التفتيش والحفيد في القرن الواحد والعشرين !! ) .
وفي ختام هذه الرسالة الأولى يخاطب عمار جابرا بلقب “الموريسكي” الذي لم يره . وهو ما يثير دهشة الأخير لأن الأول يعرف تفاصيل كثيرة عنه بعضها يعود إلى أيام الطفولة منها أنه يعرف اسم مدرسته “مدرسة الأندلس الإبتدائية” – ولاحظ دلالات الإسم ارتباطا بأصل أحمد رودميرو الذي يعود إلى إشبيلية جنوب الأندلس – الرابضة على ضفة شط العرب قرب جامع الفضلي في الفاو . وعمار يثير تساؤلات جابر بهذا الوصف حول أصوله هو . هل هو من أصول موريسكية جاءت إلى الخليج العربي والبصرة بعد أن أبحر الآلاف من المواركة متخفّين تحت قناع النصرانية إلى الهند والساحل الأفريقي وأميركا اللاتينية حيث اكتشف الباحثون أن مقابر العديد من القرى في أميركا اللاتينية تتجه إلى القبلة ! .
وقفة ضرورية :
—————–
علينا هنا أن نحدد مصطلحا هو “المواركة” ومفهومين هما “الأندلس” وقوى الغزو الإسبانية لأنما ستؤثر تأثيرا بالغا في فهم القارىء لمسارات الوقائع في الرواية .
نقصد بالأندلسيين “المواركة” العرب الذين بقوا في قشتالة ومملكة غرناطة إثر صدور مرسوم التنصير سنة 1502 ، والأندلسيين البلنسيين الذين نصّرهم الرعاع بالقوة سنة 1521 . وكلمة مواركة تعريب لكلمو “moriscos” القشتالية التي تعني “النصارى الجدد” أو “المغربي الصغير” . وسبب اختبار “المواركة” محاولة التفريق بينهم وبين الأندلسيين الذين سكنوا شبه جزيرة إيبرية قبل سقوطها جزءا خلف الآخر طوال عدة قرون . واستخدم بعض المؤرخين وصف “المتنصرين” على الأندلسيين الغرناطيين ولكن هذا الوصف لا يتمشى مع واقع الأمور . واستخدم البعض الآخر وصف “الموريسكيون” ولكن هذا الوصف يعطي انطباعا بأن الحديث يشمل شعبا لا يمت للعرب بصلة ) (16).
و قد تحولت كلمة (moros) اليوم إلى وصف قدحي يُنعت به جميع المسلمين بربرا كانوا أو عربا أو حتى سكان الجزر الفيليبينية التي كانت تحتلها إسبانيا , حيث أطلقت على سكان تلك البلاد من المسلمين “المورو” .
أما ( وصف القوى التي حملت السيف ضد الأندلسيين طوال سبعة قرون بأنها “إسبانية” فيعني الوقوع في مغالطة تاريخية كبيرة لأن المدلول السياسي الواضح لهذه الكلمة لم يُستخدم إلا في نهاية القرن السابع عشر . أما قبل ذلك فكانت الكلمة ذات مفهوم غامض شاع استعماله بين العامة كإطار جغرافي شمل قشتالة ، كما شمل أرغون وليون وقطالونيا ونافار والبرتغال ، وورثته عن الرومان الذين أخذوه ، كما يبدو ، من الفينيقيين . أما “الأندلس” فكانت تعني في البداية كامل شبه جزيرة إيبرية ثم تقلص مفهومها مع استمرار انحسار السلطة الإسلامية ، وباتت تُعرف باسم “الأندلس الصغرى” في المراحل التالية قبل أن تقتصر السلطة الإسلامية على مملكة غرناطة . أما تسمية “الأندلس – أندلوثيا” اليوم فلها مدلول جغرافي واضح يشمل المنطقة الواقعة بين مرسيه شرقا وحدود إسبانيا مع البرتغال غربا ، وهي مقسمة إلى ثماني مقاطعات رئيسية هي : المرية وغرناطة وجيان وقرطبة ومالقة وقادس وإشبيلية وولبة . وتضم وادي النهر الكبير والرقعة الجنوبية التي أطلق عليها الرومان اسم ، بيتكا (baetca ) ) (17).
# عودة : التحسّب من سوء التأويل :
————————————
ولعل أخطر ما في هذه الرسالة الثانية “عمّار إشبيليو” ، هو تحسّب جابر من سوء التأويل الذي يتوقع أن تتعرّض له روايته بفعل نوع من “العمى النفسي – psychological blindness ” الذي أصاب ليس قسما من القرّاء حسب بل قطاعا من النقّاد ، وهذه مصيبة . وسوء التأويل سيتعلق – كما سنرى في الرسائل المقبلة التي تصوّر تنامي الحوادث العاصفة في سقوط الأندلس – بالنظرة العنصرية التي قد – بل هذا ما حصل فعليا من أحد النقّاد – يتصوّر البعض أنها حكمت موقف جابر وهو “يحكي” تلك الأحداث ويسردها – لا يؤرّخها – . وبدافع تحسّبه نجده يجعل عمّار إشبيليو يؤكد له في رسالته على أن ما جمعه بالدكتور أحمد رودميرو أو “أمادو” الإسباني هو أن الأخير لديه توجّه أساسي يتمثل في ضرورة تخليص إسبانيا الملكية الديمقراطية من الظلال السود المخجلة لعهد الجنرال فرانكو وسياسات قشتالة القديمة من مجازر وإبادات جماعية للشعب الأندلسي وللعديد من الشعوب في الأميركيتين وآسيا وأفريقيا . ويرى أن الإعتذار الملكي من اليهود – أصدره وريث فرانكو “خوان كارلوس” – أمر جيّد . لكنه نوع من النفاق السياسي المصلحي أو البراغماتية السلبية كما يسمّيها ، لأنه كان يجب أن يشمل شعوبا محطمة أخرى ، فما تحمله اليهود أقل بكثير مما تجرعه الأندلسيون وهنود المايا والأزتيك وغيرهم على يد الإمبراطورية الإسبانية . بل حتى قطاعات واسعة من الشعب الإسباني على أيدي محاكم التفتيش المرعبة وتحقيقاتها الدموية . والدكتور رودميرو يؤكد لأصدقائه وتلاميذه وزائريه دائما ؛ إن مقولة الجنرال فرانكو الشهيرة ( في إسبانيا عليك أن تكون كاثوليكيا أو لا تكون أي شيء ) باتت من الماضي ، وعلينا أن ننبذها تماما وندع فنان إسبانبا العظيم وهو الشعب الإسباني يرسم لوحته الأروع ؛ مجتمعا تتلاقح فيه كل الأطياف وتتعايش كل الثقافات (ص 12 و13) .
وعليه فإن مفتتح مشروع جابر في حكايته هذه محكوم برفرفة روح إنساني شفيف سيظلّل الحكاية بأكملها ؛ روح يدعو إلى المحبة والإخاء والتسامح ، ولكنه – ويبدو أن هذه الشجاعة والصراحة الاقتحامية هي التي جعلت أولئك النقاد “النباتيين” يُستفزّون – لا ولم ولن ولا يمكن أن يتسامح مع أخطاء التجربة التاريخية الظالمة التي اقتُرفت بحق شعبه وأمّته على أرض الأندلس ، والتي تصر إسبانيا الرسمية عليها بتجاهلها حتى يومنا هذا (بالمناسبة لم يكن هناك أي مسجد في إسبانيا حتى بداية الثمانينيات) ، وآية ذلك هو اعتذارها الذي قدمه مليكها لليهود الذين لا تقاس معاناتهم نوعا أو كيفا بمعاناة شعب الأندلس المسلم كما سنرى . ومن أجل العودة إلى مرارات تلك التجربة المهولة وعذاباتها الجحيمية التي يحاول البعض طمسها من الذاكرة البشرية الجمعية عموما والعربية خصوصا ، وباستقبال مازوخي من رعاديد المعرفة العرب الذين استمرأوا شتائم سرفانتس وبراون ونايبول ورشدي وليفي شتراوس وغيرهم الكثير وحملوهم على الرؤوس النقدية ، ينهض جابر بدوره المنتظر ليعالج أبعاد هذه الجريمة التاريخية الفاجعة حكائيا ، فينقل إلينا في رسالة “أول المخيم”، “فكرة المخيّم” ، الفكرة التي ولدت بين عمّار إشبيليو وأحمد رودميرو عبر لقاءاتهما اليومية الطويلة والمتكررة ، والتي سعى رودميرو إلى تنفيذها في اليوم نفسه الذي وُلدت فيه ، وجوهرها أن يقوم محموعة من المواركة الشباب (فتيانا وفتيات) بإنشاء مخيّم في الأول من أيام 2009 – بعد أربعة قرون من قرار التهجير والإبعاد الدامي – هو في حقيقته مخيم حكائي .. بل هو “حكاية” كبرى ستتولى كتابتها “الخيم” – وهذه خطوة فريدة من جابر – التي ستعبّر عن ألسنة وهموم “جماعات” لا أفراد .
ولأن فاجعة الأندلس لم تكن فاجعة عربية واسلامية خالصة ومعزولة الحدود ، وكان لها ذيول وارتباطات شديدة الوثوق بمعاناة أمم أخرى مزّقتها مخالب مملكة قشتالة ثم الإمبراطورية الإسبانية لاحقا فقد إلتحق بالمخيم أديب أرجنتيني ومثقفون من أميركا اللاتينية ، وكاتب هولندي وزوجته . وسنمسك قريبا بالأغراض المبيتة التي خطط الكاتب لتحقيقها من وراء ذلك .
# جنس مركّب للعمل الروائي :
——————————–
ثم – وفي هذه الرسالة الثالثة أيضا – وكأنني بجابر يبغي تحديد جنس لعمله الحكائي هذا ، فجعل عمّار إشبيليو يخبره بأنه كان – في الجلسات التمهيدية لعقد فكرة المخيم – يقرأ على رودميرو قصاصات سرد تتضمن ما يُشبه الشعر :
( حين قرأها سألني : شعر ؟
قلتُ : كوكتيل من الشعر والسرد وربما الرسم أيضا ؛ من كل باقة وردة أو أكثر .
وأسمعته العديد منها ..
أفرحني انشداده ،لا تتصوّر كم فرحتُ وأنا أراه منشدّا لما أقرأ . وكان دامعا – ص 15 ) .
وفي المقبل من صفحات حكاية جابر لن يتردد في استخدام هذه الأجناس الثلاثة : السرد والشعر والرسم ، في تجسيد مضامين حكايته ومعاناة شخوصه ورؤاه الشخصية هو نفسه .
ولم يكشف لنا عمّار عن محتوى القصاصات ، لكن إعلانه – في الرسالة الثانية – عن انهمامه الحارق بمأساة شعبه الأندلسي تكشف المحور المركزي لها :
( شعب الأندلس أحبّه يا أخي ؛ أحب الموريسكيين ، رضعتُ حبهم وحكاياتهم طوال طفولتي . لم يترك أبي أي حكاية أو حدث يعرفه إلا وقصّه علي . ولا شيء أحبّ إليّ من سماعها ، بل لا حياة لي الآن من دون استرجاع تلك الحكايات وتنفّسها .
هذه الحكايات تقطر ألما ومرارة وإنسانية ، وهي التي جمعتنا معاً كصديقين ؛ أنا والدكتور رودميرو ، حتى أننا بعد تعارفنا لا نكاد نفترق إلا لنلتقي ثانية – ص 12 ) .
وقد تثير إشارة عمّار إلى الكيفية التي غرس فيها – وعميقا – أبوه في ذهنه مأساة شعبه الأندلسي ، تداعيا ولو بسيطا ، إلى تقصير “الآباء” السرديين ، الحكّائون الذين عليهم أن يحافظوا على ذاكرة أبناء أمتهم متّقدة ويعصموها من النسيان . “صراع الفرد ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان” .. هكذا يقول الروائي “ميلان كونديرا” . إن الفلسطينيين الذين شُرّدوا من أرضهم على أيدي الصهاينة الكلاب في عام 1948 قاموا باعظم حركة “سرديّة” في تاريخ الثقافة العربية عندما حملوا مفاتيح بيوتهم الكبيرة مربوطة في أعناقهم حتى يومنا هذا . لم يعلّمهم واحد من عتاة المسرودين والساردين . وهي نفس الحركة الوجدانية التي قام بها “أبو جابر” والتي يسائله عنها عمّار :
( ألم تسأل نفسك لماذا أدخلك أبوك في مدرسة اسمها الأندلس مع أن مدرسة أخرى كانت أقرب منها إلى داركم ؟ لاشكّ أن أباك كان موريسكيا مخلصا رحمه الله – ص 12 ) .
وارتباطا بدور الآباء الساردين ، وفي لفتة ذكيّة في هذه الرسالة الثالثة ، يضع جابر المعادلة الحكائية المتقابلة بينه كراو أخير وبين عمّار إشبيليو كراوٍ وسيط من ناحية الملاحقة العزوم لـ “مصادر” الحكاية التاريخية – ليس الورقيّة المخطوطة ، ولكن ما يخطه السلوك اللاشعوري الجمعي – والتي وفّرت لعمّار – مثلما وفّرت له – هذا الإستعداد المعرفي لمعالجة الحكاية الفاجعة :
( .. حتى أنه ذكر الكوسج المحنّط والمعلّق قريبا من مكتب مدير مدرستنا ، أدهشتني معرفته بهذه التفاصيل عني ، لا أدري كيف عرفها ، إلا أنني لم أستغرب كثيرا تحدّثه عن الكتب التي قرأتها عن تاريخ الأندلس وشعبها ؛ مدجّنين ومواركة تحت سطوة قشتالة وأراغون وغيرها من الممالك الكاثوليكية الشمالية . من الواضح أنه عرف ذلك من دخولي للمواقع المهتمة بالشأن الأندلسي – ص 11 ) .
ولنضع في حساب ذاكرتنا القرائية والنقدية خيط الإيهام هذا الذي سيلعب عليه جابر كثيرا لاحقا ، والذي ينسب فيه شيئا من ” القدرة الكلّية – omnipotence ” إلى عمّار إشبيليو الذي يعرف عنه ما لا يمكن معرفته .
.. وبعد أن “يسرد” عمّار لجابر بدء مشروع المخيّم ، تأتي رسالة سريعة (الرسالة الرابعة – المطرودون إلى البحر ) تصف لحظة الطرد التاريخية الفاجعة ويتدخل في “رسمها” الشعر – وجابر يكتب الشعر وأصدر مجموعة شعرية (قصائد نثر) عنوانها “الفاو تُحتضر” – :
( المطرودون إلى البحر
تسحلهم إليها ، شمس فالنسيا
وبما تبقّى من ثيابهم
سيتماوج البحر ..
ثمة وهران في الأفق
والطريق إليها ، سيغرق أيضا
خلفهم ، في نهر الوادي الكبير – ربّما – ستغرق الأندلس – ص 17 ) .
# شكل طباعي شوّه المضمون الحكائي :
————————————–
ومن الأخطاء الطباعية التي شوّهت هذا النص هو سقوط كلمة (وبما) . ولكن الغلطة التي لا تُغتفر هو قيام الناشر بطبع هذه الرسالة – الرابعة – بطريقة النثر ، سطورا متلاحقة ، الأمر الذي ألغى “قصدية” الروائي التي أوضحناها أعلاه . ومن يراجع مخطوطة الرواية الأصلية سيجد أن جابر قد كتب هذه الرسالة بطريقة قصيدة النثر . وعندما قارنا المخطوطة بالرواية المنشورة وجدنا أن هناك خمسة مواضع أخرى شوّه فيها الناشر بعمله النثري قصديّة المؤلف الشعريّة وهي :
* ص20 “اقفال” 3 اسطر
* ص21 “فرح” 3 اسطر
* ص21 “ختم” 3 اسطر
* ص40″عندما اختطف….الى الابد” 3 اسطر
* ص121-122 السطور الاخيرة ص121 وكل ص122 “كانوا يتطلعون….
وغيرها الكثير .
# المكان .. وحرارة التجربة :
——————————
ويُدخل جابر عنصر المكان – وهو فائق الأهمية في الرواية عنه في القصة القصيرة عموما وفي هذه الرواية خصوصا – في الرسالة الخامسة التي حملت عنوان الرواية (مخيّم المواركة) ، ولكن بتوظيف مدروس يعكس جانبا من مخططه الحكائي المسبق , وهذه الرسالة تكشف المقدار الكبير والضروري من المعرفة الجغرافية عن مسرح الوقائع ، وهي معرفة تنبغي الشهادة بأنها دقيقة جدا :
( أقمنا مخيّمنا الجوّال في أماكن عدّة . عسكرنا أولا في غرناطة ثم أبعد قليلا على سفوح جبال البشرات . وانتقلنا إلى ضواحي إشبيلية ؛ جنوبها إلى جانب الطريق إلى قادس ، وعلى ضفاف نهر شنيل عدّة مرّات ، هنا وهناك ، وتوقفنا – من دون أن نخيّم – عند نهر حيدرة على مشارف غرناطة . رغب بعضنا بالنزول تجاه المربة أو قرطاجنة … إلخ – ص 19 ) .
.. وهكذا يقدّم لنا الكاتب مخططا لتنقلات المخيم الذي تم تغيير مكانه ثمان أو تسع مرّات والغاية الأساسية التي أرادها الدكتور رودميرو من ذلك هي محاكاة حالات الطرد المختلفة التي عانى منها الأندلسون . لقد أفلح دستويفسكي في وصف عالم السجن في روايته “ذكريات من قبو الموتى” بصورة مذهلة بعد أن عاش التجربة الجحيمية بنفسه ، كما أن هنري ملفيل لم يكن قادرا على كتابة “موبي ديك” بهذه الدقة لولا رحلاته البحرية الشائكة . ومن الطريف أن نذكر أن أن لسان الدين بن الخطيب وواشنطن إرفنغ قد وضعا كتابيهما “الإحاطة في أخبار غرناطة” و”أخبار سقوط غرناطة” على التوالي وهما يسكنان قصر الحمراء بالذات . (فقد كان ابن الخطيب خلال هذه الأعوام التي سطع بها نجمه يعيش بقصره في الحمراء واحيانا بقصره بعين الدمع بجوار غرناطة حوالي عام1359م . أما ايرفنغ فقد أنهى جمع كتاب “أخبار سقوط غرناطة” من مخطوطات “آغابيدا” و “الأسكوريال” الأخرى التي ذكرها في مقدمته عام 1826م بعد أن سكن أيضا في قصر الحمراء ، كما ذكر في كتابه المعنون باسم “الحمراء”) . . وبالمناسبة وكتذكير للعزيز جابر فإن الأخوة العرب المسلمين قاموا بسجن ابن الخطيب وقتله ثم حرقه !!
أن تعيش أجواء التجربة هو واحد من أهم مفاتيح مصداقية الكاتب في تجسيدها . وأعجب من الكاتب الذي يتحدث عن “استعادة” التجربة التي حصلت في الماضي وهو يكتب عنها في الحاضر . إن المطلوب هو “العودة” إلى تلك التجربة تخييلا وإرهاصا لاشعوريا للإحساس بحرارة اجوائها وتلبّس ارتجافات مشاعر شخوصها والتشارك النفسي معهم في عذاباتهم . وقد وصف الشاعرالراحل “محمود درويش” الترجمة بأنها “قبلة من وراء الزجاج” ، كما وصفها “رسول حمزاتوف” بأنها “الوجه الخلفي للسجّادة” . وأعتقد أن الوصفين بما يعنيانه من فقدان حرارة الإتصال وضياع نبض المفردة وهي تخرج من فرن اللاشعور كرغيف خبز محمرّ ، يعكسان معضلة الكتابة عن التجربة من خلال القراءة عنها وعدم معايشتها :
(.. وللإقتراب أكثر من مشهد البحر ، عبرنا بالقوارب نهر شنيل ونهر حيدرة وعمل الجميع بالمجاذيف . صدّقني لقد تمّ إلقاء اثنين منّا في الماء وهم في دهشة وغضب . لكن المخيّم كلّه أدرك السرّ لهذا . قدر الكثير من المواركة ان يُلقوا في البحر . هكذا علّق أحدهم وانتشرت المشاعر المختلفة من ضحك وانشراح إلى وجوم وحزن واستحضار للمأساة . إحدى الموريسكيات كانت تبكي ؛ إسمها على ما أتذكر “مارتينا” ، وكان إثنان من الضيوف أحدهما إسباني يقومان بتصويرها ؛ بكت وسط اضواء الكاميرات . مشهد مؤثر فعلا . ليتك كنت معنا يا صديقي – ص 19 و20 ) .
# جابر لم يعش التجربة :
————————-
وارتباطا بجملة التمني الأخيرة التي وجهها عمّار إشبيليو إلى جابر ، قد يعلق قارىء خبيث على ما قلناه على ضرورة معايشة التجربة بالقول إن جابرا لم يعايش هذه التجربة خلاف الشرط الذي وضعته قبل قليل عن المصداقية . ثم أن التجربة التي يعالجها جابر هنا وقعت قبل أربعة قرون فكيف سـ “يعود” إليها ، وكيف سيعايشها ؟ .
هنا يسعفنا اللاشعور بواحدة من أوالياته التي تشكل جانبا من أعظم مكتسبات التحليل النفسي وإضافاته الفذّة إلى المعرفة الإنسانية وتتمثل في “التحويل أو الطرح – transference ” و”التحويل أو الطرح المُضاد – countertransferance ” التي نستعيرها هنا من العلاقة التبادلية بين المحلل ومريضه . و (التحويل هو كل سيرورة سيكولوجية ، مرتبطة بآليات التكرار ، تنزع إلى أن تنقل إلى اشخاص أو اشياء ، حيادية في الظاهر ، انفعالات واتجاهات كانت موجودة في الطفولة .
التحليل الذي يقيمه المريض مع المعالج في العلاج التحليلي ، علاقة وجدانية خاصة ، لا تلائم الوضع الراهن ولكن البنيات السيكولوجية القديمة هي التي تحدّدها . ونقل عواطف الحنان إلى المحلل يُسمّى التحويل أو الطرح الإيجابي ، وتحويل عواطف عدائية يُسمّى التحويل السلبي . والتحويل ، من حيث هو تكرار دقيق لاوضاع وانفعالات مرتبطة بـ الصور الذهنية المثالية ، صور الأب والأم والأخوة .. إلخ ، يتيح للمريض – مع إبانات المحلل – أن يفهم تصرفه ويسوّيه مجددا ليأخذ العناصر الراهنة بالحسبان . إنه يكون إذن ، بالنسبة للمحلل “أقوى الأدوات العلاجية كما يقول معلم فيينا . ويقوم بين المحلل ومريضه ، في العلاج بالتحليل النفسي ، تبادل نفسي وجداني يمر فيه التواصل . فالمعالج ، على الرغم من رغبته ، ليس أبدا المرآة الأمينة التي يريد أن يكون . وإذا كان المريض يُظهر له عواطف صداقة ، فمن المحتمل أن يستجيب المحلل على نحو مناسب ؛ كذلك إذا كان تحويل المحلًل سلبيا ، فإن من الممكن أن يرتكس المحلِل بضرب من النبذ . فمواقفه التي يستجيب بها لمواقف المريض تُسمّى “التحويل أو الطرح المضاد” . وإذا لم يع المحلِل عواطفه ، فإن المعالجة لن تتقدم أو هي تُخفق . ولهذا السبب تشكّل رقابة الميول إلى التحويل المضاد جزءا من الجوانب الأكثر أهمية في تكوين المحلل النفسي ) (18).
وبالإستفادة من روح هذا الاكتشاف الفذّ لمعلم فيينا يمكننا عمل مقاربة نعدّ فيها العلاقة بين المبدع ونصّه علاقة طرح . وستتطلّب منا هذه المقاربة نظرة فريدة إلى هذه العلاقة التي لا تتأسس إلا إذا نظرنا إلى النص ككائن حيّ فاعل ومنفعل ، وإلى العلاقة بين المبدع ونصّه  كعلاقة بين “شخص وشخص آخر” ، وعن هذه الطريق سوف يثير النص في نفس الكاتب الكثير من الإنفعالات والإسقاطات “الغير بريئة” ، التي ستفرض انفعالات وإسقاطات “غير بريئة” مقابلة في نفس المبدع . وستلتحم هذه “التحويلات” في عمل جدلي متبادل التأثير . فلا يمكن لمحنة الإبادة الفعلية والتهجيرية لعرب الأندلس إلا أن تثير في نفس جابر – وهو العربي المسلم الغيور – إنفعالات واحتدامات مشاعر يصعب لجمها فهو ليس مؤرّخا كي نطالبه بـ “تحييد” عواطفه . وحتى في مجال تأريخ الحوادث المجرّد لا يمكن لأي مؤرخ أن “يحيّد” عواطفه . وهذه من معضلات وسمات – في نفس الوقت – البحث في مجال العلوم الإنسانية التي لا نجد لها مقابلا أو مكافئا في العلوم الفيزيائية (وهذا عامل آخر يجعل “المؤلّف” عصيّا على الموت) (فالباحث في علوم الطبيعة يكون على مبعدة عن مادة بحثه بحكم استقلاله واختلافه كباحث عن مجال بحثه وتميّز طبيعته عن طبيعة موضوعات هذا المجال . ففكر الباحث في علوم الطبيعة ينشغل بمادة بحثه على حين تكون تلك المادة في ثبات أمامه مهما انقضى الوقت ، ولا تشاركه فكره بل تستجيب إليه مهما تغيّر حالها . أما في مباحث النفس (والأدب منها) ، فإن الشقة بين الباحث والنفس – مدة بحثه – أضيق منها في أي مبحث آخر ، إلى حدّ تكاد فيه أن تنعدم – كما هو الحال في مبحث التحليل النفسي على وجه خاص . فالباحث في النفس ينشغل ببحث موضوع له القدرة والقابلية لأن ينشغل بدوره بالباحث ، وأن يشاركه فكره في الوقت نفسه الذي يستجيب فيه إليه . بعبارة ثانية ، إن عالم النفس (والأديب في حقل إبداعه أيضا) لا يتميّز عن موضوع علمه تميّزا نوعيا كما هو الحال في علم الكيمياء أو الطب ، لذلك يصل الأمر حدّ إلزام المحلِل بالخضوع لبحث مماثل لما يُزمع إجراءه على مرضاه فيما بعد ) (19) .
وإذا كانت هذه العلاقة التبادلية الجدلية الخلّاقة تثري عمل المبدع فكرا وتصويرا وانفعالا فإنها من الممكن أن توقعه في “سقطات” الإنحياز والحماسة – كما راينا وسنرى – التي تضع غشاوة على بصره وبصيرته في الإمساك بالعوامل الحقيقية الفاعلة في موقف ما ، وهذا ما حصل لجابر في بعض المواقف كما سنرى .
.. إذن لقد رسم الدكتور رودميرو خريطة ( المخيّم بشكله وتنقلاته وطريقة توزيع الخيام القريبة إلى الفوضى والتشتت ، لتحاكي عمليات الطرد الوحشية التي تعرّض لها شعب كامل بمختلف انتماءاته وأطيافه – ص 20 ) .
# التأليف الجماعي :
———————
لكن تبقى الثيمة الأساسية من المخيّم وآلية اشتغاله الأولى والأساسية هي “الحكي” . هو مخيّم حكاية المواركة المعذّبين المقهورين . ويتلخص روح آلية الإشتغال هذه – كما يقول عمار إشبيليو – على ( أن يطرح أيّ مشارك ما يعرفه من حكايات المواركة بجمل مكثّفة ، كتلك التي تبادلتها مع الدكتور رودميرو ، يمكن أن أسمّيها قصاصات سرديّة أو حبّات قصصية .
أربعون حبّة أو قُصاصة أو قُصيصة ؛ لنقل أربعون جملة سرد مركّزة وأزيد عُرضت على المشاركين ، ليقوم أحدهم أو أكثر بالإنطلاق من أي جملة والتوسّع فيها ضمن آفاق الخيال المنتمي إلى واقع كان معيشا ، وبمعنى آخر ، بسط الواقع الموريسكي المتخيّل ورسم مشاهده .
وزّعها الدكتور رودميرو على جميع الخيام بعد أن جمعها منها ، وقال لهم ليختر كل منا جملة ، جملتين ، لا يهم ، ولنعبّر عنها بحكاية . ويمكن الإستعانة بأية وسيلة إبداعية ؛ الشعر أو الرسم وحتى الموسيقى ، الإبداع هو المُبتغى وخصوبة الخيال – ص 20 ) .
أي أننا سنقف أمام حالة من التأليف السردي الجماعي في الظاهر ، تقوم فيه كل خيمة أو أحد افرادها – ممثلا لها – بطرح “جملة سردية” تتضمن فكرة أو حدث أو ذكرى مرتبطة بالواقع الموريسكي الذي يتخيّلونه ، لتقوم خيمة أخرى أو فرد منها بالتعليق على جملة السرد تلك أو بناء “حكاية” على اساس ثيمتها المحورية . وكل حكاية في الحياة تبدأ بقصاصة أو قصيصة ثم تنمو لتكبر وتأخذ شكلها الأفعواني الناضج الذي ستضيف إليه الأقدار والإرادات سطورا “تُرسم” على لوحها . وعندما تقاوم اي حكاية عجلات الزمان المسننة فهي تخرج من دائرة “نثرها” لتدخل في خانة الشعر . فالشعر وحده القادر على الإنتصار على غول الزمان المارد ومنطقه المتعسّف الجائر . وقد أتاح الدكتور رودميرو لأعضاء المخيّم الإستعانة بوسائل تعبيرية أخرى غير النثر كالشعر أو الرسم أو الموسيقى لتصوير محنة المواركة . ولكن مادمنا في حقل الحكاية المهيمن فإن كل الأجناس هذه سوف تكون تحت عباءة “الكلمة” . والحكاية التي يكتبها جابر هي في الواقع حكاية “حيّة” إذا جاز الوصف ، إنها تنسج في مشغل بأذهان وبأيد خيالٍ حيّةٍ وبجهد راهن ومستمر . إنها في الحقيقة لا “تُكتب” بل “تُعاش” ولعل هذا هو الدرس التربوي الأعظم الذي يريد الكاتب تمريره .
وكمثال تمهيدي على “الستراتيجية” الحكائية التي سيشتغل المخيم وفق أحكامها ينقل عمّار إشبيليو “بذرة قصصية” له أو للدكتور رودميرو أو لآخر من روّاد المخيّم معلّقا :
(ينبغي أن تتذكر أننا جميعا شاركنا في إعداد وكتابة هذه الجمل المكثّفة . لقد اشتركنا حتى في كتابة الجملة الواحدة ، كلمة من هذا أو ذاك ، حتى نستقر على الصياغة الأخيرة لها – ص 21 ) .
ولعل استخدام وصف “البذرة” هو الأكثر توفيقا من الناحية التعبيرية “الحيويّة” لأنه يتضمن معني الفعل الإرادي والكمون والنماء والمسؤولية الحياتية . تبدأ الحكاية بفكرة “غرس” حدث ما في تربة الذاكرة ، لكنها تُستبق وتُلحق بمرحلة “كمون” تختمر فيها الرؤى والصور والغايات .. في هذه المرحلة التمهيدية تكون بذرة الحكاية في “الظلام” ؛ تتململ في أعماق اللاشعور لتخترق تربته نافذة إلى فضاء الشعور حيث تمتد إليها أنامله المسلحة باللغة للرعاية والتغذية والتشذيب لتنمو وتزدهر وتستوي على سوقها . لكن لا نبتة خالدة .. خلودها في موتها وتجددها . وكأنها دفاع الذات الإنسانية الهشة في وجه الفناء .
وكان عنوان هذه “البذرة القصصية” هذه هو “إقفال” :
( القذارة على جسر قرطبة،
وحمامات الموريسك التسعمائة أغلقت..
ثبتي شمعك الأحمر جيدا
يا قشتالة..
نساؤك وحدهن لن يغير الإغلاق،
في أجسادهن حالا )
وتاريخيا بدأت الحملة على عرب الأندلس بغلق حماماتهم التسعمائة . وهي في الظاهر إجراء تحسّبي من القشتاليين لإلغاء فرصة على المسلم للوضوء والصلاة ، ولكن في باطنها هي حرب الآخر المُستفز بالطهارة النقيضة . وقد استثيرت حفيظة أحد النقّاد فشمّر عن ساعديه ليلغي حقيقة تاريخية وسلوكية لدى الإنسان الغربي قائمة حتى يومنا هذا وتتمثل في عدم استخدام الماء لتنظيف العورة بعد العمليات الإخراجية (التبرّز والتبوّل) . إبحث عن المخفي في أعماق هذا الناقد .
وقفة :
——-
.. نبحث عن المخفي في أعماق الناقد الذي يجعله يُصاب بالعمى النفسي أو التعامي عن حقائق خطيرة صادمة عن موقف الإنسان الغربي من الطهارة ، مثلما بحثنا عن المخفي في سلوك الراحل الدكتور علي الوردي الذي أصابته الدهشة – كما يقول – وهو يرى الأمريكان يستخدمون المناديل الورقية لتنظيف أعضائهم بدلاً من الغسل بالماء، وكان يرسل الإسطوانات المسجلة بصوته إلى أولاده في بغداد ينصحهم فيها بعدم التبرّز في الشوارع ، والذي كان يؤكد – وهو يتحدث عن مرض الوسواس – على قضية التبرّز بصورة مفرطـــة، تاركاً المظاهر الكثيرة لهذا المرض، فعلى سبيل المثال، وفي لقاء من ثلاث حلقات نُشر في جريدة (الجمهورية) عام 1991، كان أغلب حديثه عن هذا الموضوع، قال الوردي ردّاً على سؤال (هل أصيب بالوسوسة وكيف تخلص منها وهل يستطيع المصابون التخلص منها مثله؟): (يجب أن لا ننسى أن هناك ظروفاً ساعدتني على التخلص منها. فقد أتيح لي أن أسافر إلى الخارج، كما أتيح لي أن أطلّع على ما ورد في المصادر العلمية عن الوسوسة وأن أستشير الأطباء النفسيين عنه؛ أضف إلى ذلك أني في أواسط عمري شعرت بشيء من النفور من القيود الفقهية المتزمتة واتجهت نحو التحرّر الصوفي على وجه من الوجوه…) . ينسى الوردي أنّ هذا المرض موجود في المجتمعات الغربية بنسبة (2 – 3%) من مجموع السكان؛ وهو المرض النفسي الرابع من حيث الانتشار في أوربا بعد الرهاب والإدمان والكآبة – فيقول: «من الممكن أن نعزو السبب في ذلك إلى كثرة التفاصيل المذكورة في الكتب الفقهية في أمور الطهارة والنجاسة والوضوء وما أشبه، فهي تفاصيل تجعل الكثير من الناس يحاولون الالتزام بها بدافع الحرص على القيام بالشعائر الدينية كما ينبغي، وإذا كان الفرد بينهم لديه استعداد وراثي للوسوسة فإنه لابدّ أن يصاب بها قليلاً أو كثيراً» .
ثم يضرب مثلاً على التعقيد الذي قام به الفقهاء في الطقوس الدينية فيأتي بمثال في مجال الوظائف الإخراجية؛ فيقول: «دعني أقدم لك مثلاً بسيطاً على ما فعله بعض فقهائنا من تعقيد في أمور الطهارة والنجاسة. فالمعروف عن المسلمين الأوائل أنهم كانوا يستنجون بالأحجار عند التغوط في بعض الأحيان. ولكن بعض فقهائنا لا يجيزون الاستنجاء بالورق وهي الطريقة السائدة الآن في البلاد المتقدمة، وقد أدى ذلك إلى كثير من العنت والأذى لدى الموسوسين من المسلمين الذين يسافرون إلى الخارج، فترى الواحد منهم إذا دخل مرحاضاً أجنبياً عمد إلى الاستنجاء بالماء فيه مما يؤدي إلى تقذير المرحاض وإلى إثارة التذمّر والتقزز لدى أصحاب المسكن الذي يقيم فيه» . (راجع كتابنا الإزدواجية المُسقطة) (20) .
عودة :
———
.. وقد علّق أحد شباب المخيّم على بذرة “إقفال” الحمّامات القصصيّة بقطعة عنوانها “فرح” :
(بعد سلامة الوصول إلى البر المغربي
نقطة الفرح الوحيدة
للموريسكيات الجميلات
هي حمام بعيد – عن الأنظار- ليغسلن أدران قشتالة
ولو بماء البحر.. ) .
في حين علّق مشارك آخر عليها بمقطوعة عنوانها “ختم” :
( على شمع الباب الخشبية – والصواب هو الخشبي لأن الباب مذكّر كما ورد في القرآن الكريم – الناقد)
كان الختم بهيئة المسيح المصلوب
وكانت الأقفال أكبر..
حين تمر المورسكيات – بباب الحمام – يتلفعن جيدا بعباءاتهن،
ولا يتذكرن..
سوى انتعاشة الماء،
وغير خوابي الحنّة .. ) .
ولم يسمّ جابر هاتين المشاركتين مشاركتين “سرديّتين” اللتين – وهذه من علائم إرتباكات الفن السردي لدينا – سيسمّيهما بعض كتاب القصة من الشباب خصوصا قصصا قصيرة جدا ! وذلك لأنهما لا تتوفّران على أهم عناصر السرد الحكائي وهو أن تقوما على حكاية لها بداية ووسط ونهاية ولحظة أو لحظات تنوير لا تمنع بنيتها من أن يتلاعب بتسلسلها الكاتب المجيد . إن هاتين المقطوعتين يمكن أن تسميّان أي شيء إلا أن تُسمّيا بـ “حكايتين” . إنّهما – وهذا أقرب وصف لهما – “صورتان” في الواقع ، ووصف الصور يجعلهما أقرب إلى روح وطبيعة الشعر منها إلى النثر . وما يجعلهما أكثر قربا هو طبيعتهما “الباطنية” التأملية التي تتطلب عادة “لغة” شعر لا لغة نثر . أضف إلى ذلك أنهما قائمتان مبنى ومعنى على حالة وجدانية “جزئية” عابرة للمكان : لحظة الفرح المُرتجاة بعد الحرمان ، وتداعيات قهر الختم والإغلاق ، والحالات الوجدانية الجزئية التي لا يحدّد شكلها المكان وبعد الشخصية الموصّف لا تنتميان إلى فن الحكاية . إن ما ينتمي إلى “العقل” إذا جاز الوصف ، من الحوادث يرتبط بالسرد ، أما ما ينتمي إلى الوجدان فيحتضنه الشعر ويتكفل به . والقسم الأخير هذا هو الذي يتيح لنا في مجال النقد وصف الرواية بالسمة الشعريّة اينما توفّرت مثل هذه المواقف .
وما يؤكد استنتاجنا هذا هو أن جابر ، وبعد ذكر هاتين المقطوعتين الشعريتين ، قال فورا :
(أما المشاركة السردية الأولى فكانت من الخيمة الثامنة التي تضم خمسة أشخاص أصولهم من مدن متقاربة ؛ تيرويل وكوينكا وثلاثة من فالنسيا، وهي ميناء على المتوسط- ص 21 ) .
وهذه المشاركة لم تدخل خانة السرد في البداية حسب اشتراطات جابر لأنها كانت قصيرة وأحداثها مختزلة حين نشرها أعضاء الخيمة الثامنة أول مرة . لقد عادوا مرارا لتطويرها ، واشترطوا أن تُنشر بنسختها الأخيرة ، وليس مجزأة كما هو الأصل (ص 22) . لقد كان عنوان هذه المشاركة السردية هو “بستان الحرير” التي جعل جابر أحد الضيوف وكان شاعرا أرجنتينيا اسمه “خوليو سوريس” يعلّق على المقطوعة الأصل : “إقفال” ، وعلى الحكاية النتيجة : “بستان الحرير” بطريقة تكشف الفارق بين رؤيا الشاعر ورؤيا الحكّاء :
(إن الإقفال ؛ وهو عنوان القصاصة السردية ، تثير عند القارىء انثيالات شتّى ؛ منها السجن والمطاردة ومصادرة الحرّيات وتكميم الأفواه ؛ ومنها أنها تعني هنا ، القبض على الحمّامات وإلقاءها في السجن ؛ تخيّل حمامات بأبنيتها ومغاطسها وروادها ملقاة داخل الزنازين . تخيّل ذلك . هذه قراءتي كشاعر ، أمّا كلمة الحرير فقد أسرّ في أذني صديقي أمادو ( يقصد الدكتور أحمد رودميرو ) أن حروفها وصوتياتها قريبة من كلمة حرّية بالعربي ، وهذا يؤيّد قراءتي . إن بستان الحرير وفقا للعربية يعني بصورة ما السعي للتحرّر من الأقفال بصناعتها القشتالية الثقيلة على القلب والمتقنة – ص 22 ) .
ولو تأملنا رأي هذا الشاعر في واحدة من تداعيات معنى كلمة (إقفال) وأنها تتضمن أيضا وضع الحمامات المُقفلة كاملة في الزنازين لأمكننا أن نعود إلى التحذير الذي نؤمن به ونتشارك فيه مع نقاد آخرين والمتمثل في عدم خلط لغة الشعر بلغة الرواية (وقبلها مخيال الشاعر بمخيال الروائي) إلا وفق حدود ومقادير محسوبة . فعندما ينجرف جابر – وهو من المؤمنين بالتحذير السابق كما نعلم – إلى منزلق ما يُسمى بالرواية الشعرية مثلا ، وهو منزلق مغوٍ ، فإنه لن يستطيع توفير “مصداقية” حدث محوره وضع حمّام كامل في سجن وسترتفع أقدام الحكاية في الهواء فتصبح شعرا !! .
وتنطبق وجهة النظر هذه على ربط الشاعر لمفردة الحرير في “بستان” الحرير بمفردة “حرّية” حروفيا وصوتيا ، فيصبح بستان الحرير رمزا للسعي للتحرّر من أقفال قشتالة والإنعتاق من ضغوط قهرها نوعا من الربط الشعري بالنسبة لشاعر أرجنتيني لا يعرف أسس وأسرار اللغة العربية ، وعودة ذكية إلى منبع من منابع عبقرية هذه اللغة بالنسبة للدكتور أحمد رودميرو .

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (19)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (12)

هشام القيسي / الشاعر في وجه الأيام الجهمة فاروق مصطفى مايميز صديقي الشاعر ( هشام …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (18)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *