لينا شدّود : حينما تغدو الأحلام.. “قطعان حيوانات ضالّة في صحارى الرأس”

إشارة : تحتفي أسرة موقع الناقد العراقي بالشاعر العراقي المبدع “اسعد الجبوري” الذي طبع بصمته المميزة والباهرة على جسد الشعرية العراقية ، ومازال وبمثابرة عزوم يغذ الخطى على طريق العذاب الآسر هذا .. فتحية له .

* شاعرة ومترجمة من سوريا
مع نهاية كل أسبوع  نقرأ ممحاة  شعرية جديدة للشاعر أسعد الجبوري،  فيها يُمهد  للانقلاب على النسق شكلاً ومضموناً لخلق شعرية مختلفة تستند على رؤية مغايرة لشعرٍ جديد من خلال اشتغاله على اكتشاف الذات والتأسيس لما يُشبه  نهضة رؤيوية  قادرة على ابتكار ما يُطيل أمدها  بشحن أسباب وجودها  كي نصل معه إلى ثَمالة شعرية حقيقية. ثمة شعر لا يكتفي بالتحليق العادي، وثمة شعر يُسكِر بلمسات خاطفة، وفي زحمة هذا وذاك لا أحد يُنكر قوة النثر في خلق حالة تفيض شعراً، وهكذا يأتي المقال مُلْقياً بظلاله  على غموض يشفّ عن تمرين للمعاني على استيعاب تقنية خاصة في اختيار تراكيب مُذهلة ومُربكة في آنٍ معاً، حيث يجتمع في كل ممحاة أسبوعية، كلاً من المقالة والشعر وبنك الخيال، وحوار يدور بين سانشو ودون كيخوت؛ لإكمال فكرة تنشعب ومن ثم تلتئم، لتنتهي شعراً أو سطراً صادماً من بنك الخيال. من ممحاة “سبيرتو” :
الأجسادُ الأهراماتُ..  تنهضُ في فضة الحقول الدونجوانية. والطائرُ النفسي مخضبٌ باللقاح. فيما الحبّ يمضي متعمقاً في آخر النقاط. يحدث ذلك بجرأة مرآة، تحفظُ بصماتَ العابرين بين ثيابها المرتوية بالبصر.
ووحدها لا تتألم.. تلك الثيابُ الملقاة على الرمال في اللوحة.
يُركز الجبوري على ضرورة إبراز ما يُسميه بطقوس الإغواء ما بين روح القارئ والأرواح المقيمة في النصوص، إذن لا بد من مسالك سحرية تصهرها ليتطاير الشذى فيما بعد. كما يُشير إلى قرابين تُقدّم طواعية بغية الوصول إلى هكذا حالة صحية من شعر مُستَلِب ولكن دونما الوقوع في حالة من التبجيل المَرضي للنص، مع أن القارئ  في توق دائم إلى النص

/الشرَك ليقع في أسره. يعتبر الجبوري أن الأحلام ” قطعان حيوانات ضالة في صحارى الرأس”، ونحن معه في أن هذه الأحلام تحتاج إلى شاعر يثور على أية حالة ساكنة، بل وعليه أن يحرّض على الالتهابات السامية  التي يعتبرها من أهم المصادر الشعرية المثيرة للنيران..نيران الخلق والوجود. إذاً الغاية، هي البحث عن ألق متصاعد يُغذي القصيدة ويضخ المزيد من التوتر كي نلامس حدود الشعر في نص جارف لكل فخاخ التسمية عبر اكتشاف مسار خاص له. لن نختلف على أننا نعاني من ضيق شعري، وأننا لن نتعافى منه  إلا بامتلاك أدوات الخيال الوثّاب دون أن يجرحنا شوكه النابت في صور نافرة. ليس الهدف  تحقيق الأمان لصور شعرية بل فضح الشعر الكسول. برأيه أن الملائكة لا توحي بالشعر وليس هناك ما يمنع النزول عن العرش، طالما نستطيع أن نحقق فتنة رائقة وقلق فني محبّب في صدمات صغيرة موحية، تؤسس لحالة روحية متمرّدة، ولكنها ذات أسلوب داخلي ومنضبط حتى ولو بدت ساخطة إلى أبعد الحدود.
“نحن الهديل الذابل في النوتة” “الشعراء الذين ينتظرون جوائز القراء، فلن يحصلوا إلا على المرارة”
يُبرّر الجبوري ويُشرّعن افتراس العقل من قبل كائنات الحداثة…كونها طوق نجاة..الطوق الذي يصنعه المهرة من الشعراء المعجونين بماء الذهب؛ المالكين لعين شيطانٍ تمكنهم من الاغتسال من النصوص الرديئة، وهذا حتماً سيحوّلهم إلى شعراء خصومة بسبب دعوتهم إلى التحرر من الهياكل القديمة، وتقوية مناعة العقل قبل تحوّل الكائنات البشرية إلى شاشات. فعلاً، غياب القارئ مهّد لصنع القتلة. “صار الإنسان حطباً تُنتزَع طاقته لقتله”. ولا ينسى الجبوري أن يلفت النظر إلى ديكتاتورية الأقسام الثقافية، وتلويثهم للحبر وتخريب الذاكرة، بتكريسهم لنمط قهري لا يتبدّل وفكر سديمي يقود إلى ما نشهده من إعاقات روحية بعيداً عن مطاحن البصيرة. أيضاً يُشير إلى طقوس النشر وما تفرضه من مناخ مستبد يتبدّى في استياء الشعر وشعرائه من ناهبيه. كما يدعو الجبوري إلى تفكيك الآلهة بعد تراجع درجة حرارة الأساطير والحاجة إلى إيجاد أبعاد أسطورية أخرى.
” لابأس في أن تأكلنا النمور حتى يتطاير غبار ريش الأساطير”  و”كل تفكيك لأسطورة هو تفكيك لإله، وهو يعني كسراً لنظام العبودية”.
هذا يستدعي محاربة الظلام اللغوي بلغة النور.  حقاً، قد آن الأوان لتنظيف العقل واللغة.
يسعى الجبوري في كل ممحاة إلى خلق ميثولوجيته  الشخصية المتماسكة والدّالّة عليه بغرائبيتها المُبهرة؛ شعر يُحفِّزك على تحرير ذاتك بإغناء الوعي وضرب الإيقاع، وبدون حتى أن يفرض إرادته عليك، مع أنه أحياناً يسير بنا إلى سخرية شعرية ولكن واعية، بإدخال كلمات فجّة تُقلق أمان الصورة التي اعتدناها.
“الأمل كلب سلوقي” لا يقصد الجبوري من خلال انهماكه اللغوي  أي تشويش، بل الإخلاص  لفضاءات شعرية  تحملُ في طبقاتها ما يُغني القارئ ويبدد ما حوله من سواد، حتى لا تفنى النصوص قهراً من استسلامها لتراكم لغوي مكرور ومستهلك. حتى أنه  يُشير في بعض قصائده  إلى تصاعد الدخان من مخلوقاته الهائمة في النصوص على شكل سحب، وهنا تكمن براعة إنضاج العملية الشعرية بتحقيق حالة من البهاء والدهشة.

شاهد أيضاً

الشاعر كاظم الحجاج يتألق مرة اخرى
بقلم عبد الهادى الزعر (ملف/22)

إشارة : تحية مخلصة من أسرة موقع الناقد العراقي للإبداع الأصيل والحداثة الملتصقة بالتراب العراقي …

نجاح الجبيلي: العقرب (ملف/45)

إشارة: جماعة “البصرة أواخر القرن العشرين” جماعة فريدة ليس في تاريخ السرد العراقي فحسب بل …

سلام إبراهيم ..العزلة ـ الآيروتيك- وغاز الخردل..جزءٌ ثانٍ
هاتف بشبوش/شاعر وناقد عراقي  (ملف/132)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *