علي السوداني : فانوسٌ لك وفانوسٌ عليك

وأعرفُ ناقداً فحلاً شاعراً ، جلستُ إلى مائدته غير مرةٍ ومرات . كان كئيباً متجهّماً عبوساً يائساً تالفاً قانطاً منهَكاً منهِكاً ، مهدوداً حيلهُ ، قافلاً بيبان قلبه والحشى ، على قهرٍ عظيم ، لو قُدَر لقادرٍ جبّار ، أن ينزلهُ فوق ذروة جبلٍ راسٍ ، لتصدّعَ وتشقّقَ وتفتّقَ ، وصار إلى تراب ، تذروه ريحُ ربٍّ رحيم . كان صامتاً أزيد من ناطقٍ ، وهو من آباء الكلام ومن نحّاتهِ وطغاتهِ . قوياً لا تكادُ تسمعُ منه شكوى . مكابراً شديداً ، آهاته وأنّاتهُ ، تتنزّل في عبّهِ الجبّ ، فتصير سكراباً من مطمورات الأيّام . لا تنمو في حدَقتهِ دمعة ، ولا ” تمضُّ ” في مائدته نكتة ، فإن رقَّ عليه قلبُكَ الأخضر ، ورششتَ على أعتابهِ ، ألفَ طرفةٍ وملحةٍ ، من كيس ما سمعتَ وقرأتَ وشفتَ واشتهيتَ ، قام من قعدته ، وطبع على وحدتك ووحشتك ، أثرَ ابتسامةٍ ، أكلتْ من يمين حلقهِ ، عُشراً من قيد أنملة ، هي كفّارة حبٍّ ساكت ، سدَّ مسدّ ضحك وجلبة سبع قبائل عاتيات . كنتُ وقعتُ مرّة ، على بعض غلظتهِ ، صحبة عبد الزهرة زكي ، ومحمد تركي النصار ، إذ دعبلتْنا واحدةٌ من ظهيرات بغداد العباسية ، صوبَ بابهِ الحصين المسدود ، تحت مقبّبات دار الشئون والشجون الثقافية . كان هو خلقة مخلوقة من جلاميد ، وكنتُ أنا ، ومحمد وزهرة ، مثل غضاضة تلاميذ نُجُب ، ينطرون شوفة أوراق القراءة الخلدونية . كان على هذه الحال ببغداد ، وزادت الأيام السود ، بلَلَ طينهِ بعمّون ، بلّةً ، حتى صرتُ على يقينٍ من أنني لو تأبّدتُ فوق الأرض ، أبدَ آبِدين ، لَما وقعتُ على كائن كئيب مثله . ولقد جئنا على ذكرِ وذكرى هذا الرجل ، وصحبي ، ونحن ندلف إلى العشرة الوسطى من رمضان ، ونرى عشرته المتأخرات ، على طريقة تقويس الكفِّ وتحديبهِ ، وزرعهِ فوق الحاجبين المعقودين ، والجبهة التي خدّدتْها المصائب . وقع هذا الأمر بمقهى لطيف من مقاهي عمّون ، إسمه مقهى فوانيس ، وقد أعادني هذا الإسم المشعّ الصائح ، صوب مطعم فخمٍ بشارع السعدون ، من أعمال بغداد الحلوة ، تواجهك طلّته البهية ، حال خروجك من حلقِ سينما بابل ، وقطعك الشارع من غير استعمال خطوط العبور الآمن ، صوب أبي نواس وشميم مسكوفهِ ، وعلى مبعدة خمس شبخات ، سترى إلى يسارك ، مطعماً بأضواء خافتات ، مثل طمأنينة مفتقدة ، اسمه مطعم فوانيس ، الذي كنتُ دخلتهُ مرة واحدة أثناء حياتي ، فأكلتُ من طيب طعامه ، وشربتُ من عذب شرابه ، ضيفاً عزيزاً على مائدة الكريم ، مريوش الطبّاع أبو رمزي ، قبل خراب آخر ما تبقّى من البصرة والبلاد . أمّا صاحبيَ في الذكرى والتذكُّر والتذكير ، فأولهما كان حميد سعيد ، الذي قصّ علينا مستأنساً ، قصة قصيدته ” مقامات بغدادية ” وهو نصّ شعري مدهش ، رشَّ أبو بادية جسده ، بسلة بديعة حنينة ، من مقامات وبسْتات عراقية شجية مؤنسة . أما ثالثنا في الموقعة ، فكان علي جعفر العلاق ، الذي جاء على الشعر والنقد والنشر والناشرين ، وخلّان الأيام البوائد ، فضحكنا بقوة ، حتى صار الناظر إلينا ، مستريباً شكّاكاً ، بأنّ هؤلاء الضَحَكَة ، ليسوا من صنف ” الموريسكيين ” أو مواركة جابر خليفة جابر ، الشاردين من بلاد ما بين القهرين !!
  alialsoudani2011@gmail.com
عمّان حتى الآن

شاهد أيضاً

فاسكو غارغالو أجرمَ إذ رسمَ العدلَ وصَوَّرَ الظلمَ
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

اعتادت الحركة الصهيونية ومن والاها، ومن خافها وخشي منها، وارتبط بها وارتهن لها، والمسيحيون الانجيليون …

حوار الأجيال التربية بين ثقافتين
أولادكم ليسوا لكم، أولادكم ملك الحياة
سليمان كبول

لهيب هائل من الحنين يقض مضجع الإنتماء، يعبر حدود الغربة لجهة وطن يسكن فينا أبدًا، …

لمَ تصلح الفلسفة المعاصرة؟
لوك فيري Luc Ferry
ترجمة الحسين أخدوش

“مؤخراً هناك اعتراف بأنّ الفلسفة أصبحت شكلاً من أشكال الموضة” يقال عادة إنّ الفلسفة ليست …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *