الرئيسية » مقالات » علي البزاز: ثلاثة قرود« للتركي نوري بلجي جيلان : زمن المطر وزمن القطار وما يضيع بينهما

علي البزاز: ثلاثة قرود« للتركي نوري بلجي جيلان : زمن المطر وزمن القطار وما يضيع بينهما

ali_albazazالمطر في التعبير اليومي واضح وجليّ، وفي الدلالة متعدّد الرموز، بحسب الإشارة الداخلية التي يطلقها، والتي تكون أبعد من تصوّر الماء أو الخصوبة. يقصد أحياناً من استعمال المطر الالتباس أو الوضوح، النفي أو إثبات الواقعة، على الرغم من أنه ظاهرة مرئية لا يرتقي الشك إليها.

هذان الضدّان يصنعان دلالة رمزية للدخول إلى معاني الحركة والمطر، اللذين يُشكّلان مغزى فيلم »القرود الثلاثة« (جائزة أفضل إخراج في الدورة الأخيرة لمهرجان »كان«، وعُرض في »مهرجان كارلوفي فاري« في دورته الأخيرة، بين ٤ و١٢ تموز الجاري) للمخرج التركي نوري بلجي جيلان.
في مشهد البداية، يدهس ثروت عابر سبيل وسط جو ممطر. يُثبّت المطر هنا إشارة الالتباس، أي عدم وضوح الرؤية التي قادت إلى حالة الدهس. هكذا نستدرك من دون لبس أن الحادثة غير مقصودة، وأنها ذات علاقة سببية مباشرة بما يثيره الجو الماطر من التشوّش. في المقابل، يقود هذا الإثبات إلى إعلان الخيانة الزوجية بين هاجر وثروت، الذي يطلب من سائقه أيوب (زوج هاجر)، بعد حادثة الدهس مباشرة، أن يعترف بمسؤوليته بدلاً منه، لينقذ مستقبله السياسي. فهو سياسي، يريد المشاركة في الانتخابات. يدخل أيوب السجن، لقاء مبلغ من المال يدفعه ثروت له.
لولا المطر، لما وقعت حادثة الدهس، التي قادت إلى الخيانة الزوجية بسبب دخول الزوج السجن، وتودّد ثروت لهاجر. بعد خروجه، يكتشف خيانة زوجته التي تقتل ثروت (ترجيحاً) ثأراً لحبها، عندما يقرّر الأخير الابتعاد عنها بسبب رجوع الزوج ثانية إلى بيته. هذا المفصل حيوي في الفيلم، الذي يبني حبكته بشكل منطقي من دون زخرفة أو تلاعب بالتسلسل الدراميّ، مع كاميرا هي الأخرى متناسقة وغير خارجة عما يريده الفيلم من التقنية السينمائية: الإدلاء بحادثة جدّ واقعية تحدث يومياً في المدينة، والمطلوب إنقاذ الأسرة التي تتغيّر سلوكياتها نتيجة احتكاكها بالعالم الماديّ، وما ينتج عنه من مظاهر التفكّك الاجتماعي، والنفاق في ممارسة العواطف اليومية بين الزوجين. المعضلة التي واجهها أيوب هي، في الواقع، معضلتان متداخلتان في الأسباب والنتائج: كيف يحافظ على سرّ خيانة زوجته، مع عدم الوشاية بقاتل ثروت؟ معضلة تهدّد كيان الأسرة، وتقودها الى الانهيار في مجتمع تركي محافظ، يحتلّ شرف العائلة مكانة متميّزة في حياة ناسه. في مشهد النهاية: ينظر أيوب إلى المدينة، ويغطيهما المطر معاً، متزامناً مع صوت قطار. بعد أن تم حسم معضلة الحفاظ على سرّ القتل، إذ يُقنع أيوب شابا فقيراً يعرفه بالاعتراف بأنه قاتل ثروت لقاء مبلغ معين، يتم التستّر تلقائياً على خيانة الزوجة، مجتمعياً على الأقل، وهو المطلوب ضمن حفظ الكرامة. أما عائلياً، فالزوج والابن اسماعيل يعرفان خيانة هاجر.
بعد أن ثبّت المطر صفة القتل والخيانة في البداية، ها هو يؤدّي وظيفة أخرى غير البوح والتحقّق وهو الصفح في هذا المشهد الجميل، إذ يغسل المطر كل الذنوب والخيانات بمائه المنهمر على تفاصيل القصة كلها، جالباً الراحة للأطراف المتنازعة على شرعية ما حدث. مع هذه التسوية التي حسبها أيوب مع نفسه أخلاقية وهي غير ذلك، يتستر المطر على الوقائع، ويحسّن من صورة القاتل والخائن. »ثلاثة قرود«، فيلم مطري بلا منازع، لا يخرج من إطار الماء الذي يعني الطهر.
خسر أيوب عائلته ورب عمله، عندما وافق على دخول السجن بدلاً منه. ساهم في إنقاذه مؤقتاً من عقوبة الحبس، لكن هذا القبول مهّد لموته في النهاية. ولكي يتم حبك الغش بصورة مقنعة، يعرض أيوب على صديق قديم له أن يتواطأ معه ويتبنّى قتل ثروت ويدخل السجن درءاً لافتضاح الخيانة وجريمة القتل، بالضبط كما فعله مع سيده في بداية الفيلم. هكذا أصبحت للضحية أدوات احتيال، وقدرة فائقة على تدوير أدوارها بين الزيف والصدق من جهة، والدهاء من جهة أخرى، بعد أن تعافت من الظلم، وتمكّنت من الإيقاع بضحية تشترك معها في الفاقة.
تركيا الحديثة
بفطنة محسوبة بدقة، يُعاد توليف الظلم والغش والمطر عند مشهد الخاتمة ثانية. كأن الدراما صنيعة حركة تبادلية في الأدوار، وحركة فعلية من نتاج التكنولوجيا: قبول الزوج بهذه المساومة غير الشريفة، له مبررات أخلاقية جديدة طرأت على بنية المجتمع، بسبب التطوّر التكنولوجي الذي لم يشعر به أيوب في سجنه. وكدلالة على جهله بالمتغيّرات التي حصلت في المجتمع، يستعمل الفيلم تليفون المحمول مثلاً: حينما يرنّ تليفون هاجر، يطلق أغنية حب تتغنّى بالعشق وتصف لوعة انتظار المحبوب. يحتار زوجها من أين تنطلق الأغنية. عندما يعثر على المحمول، يهزّ رأسه كناية على المفاجأة. تطوّرت الحياة الاجتماعية وهو في السجن غير عارف بالذي يحدث من حوله. الهاتف المحمول له علاقة بالحركة التي تشكّل والمطر بوّابة لفهم غاية الفيلم: تركيا الحديثة بعد التطوّرات الاقتصادية والاجتماعية، قبول الخيانة كبديهة مجتمعية، وربما كمسايرة للظرف الجديد تضمن البقاء، اندحر »غسل العار« في مجتمع محافظ لجهة البقاء في مجتمع جديد. هذه الحركة التي ترمز إلى التطوّر، تتكّرر كثيراً في الفيلم: تنعكس حركة السفن جيئة وذهاباً على نافذة غرفة العائلة، وصوت القطار غير مرّة يعضّدان مع المطر فكرة التغيير، ثم إن هطول المطر هو حركة أيضاً.
تتواصل الاشارات الدلالية في الفيلم معوّضة السكون في المؤثرات الصوتية وحركة الكاميرا الهادئة. يستشف منها عدم شغف الفيلم بالتقنية الضخمة، بل بالموضوع المسيطر على التفاصيل، في حين يندحر التقشف بالاشارات التعبيرية، التي تحضر من دون اختزال في حركة القطارات والمطر. واستكمالاً للغوص في جوهر الاشارات، يصوّر الفيلم تماسك العائلة على هذا النحو: يزور الأب حال خروجه من السجن مباشرة قبر ولده الصغير، الذي يزوره فيما بعد في مشهد سريالي على هيئة شبح انسان ويعانقه في السرير، وسبق للشبح أن زار شقيقه اسماعيل. هناك مواءمة متينة بين الاشارات والرموز المنبعثة منها. هكذا يستمر التعبير الفني حرّاً ضمن مفاهيم الاشارة الغنية بالرموز. تركيا اليوم هي نتاج التطور الصناعيّ، واللافت في الفيلم ليس حماية غدر المرأة من الثأر فحسب، بل القبول به كبديهة فرضها المجتمع الصناعي الجديد. وفي جانب ذي صلة، تتم معاقبة خيانة الرجل التي تتجسّد في قتل ثروت. هل يريد الفيلم من رأي كهذا التصريح بوضع جديد للمرأة في تركيا المعاصرة، بجعل عبء الخيانة مناصفة بين الرجل والمرأة؟ يعزّز دخول أيوب السجن الحرمان الجنسي والعاطفي عند هاجر، محبّذاً لها فكرة معاشرة ثروت. فالجنس أقوى من المحافظة على الشرف. بمعنى آخر، ساهم ابتعاد الزوج في وقوع الخيانة. هناك تبرير ينطوي في قبول الغدر في العلاقات الزوجية، يتساوى في حكمه الرجل والمرأة على حدّ سواء، وهو رأي جديد ومعاصر في رسم مفاهيم جديدة للعلاقات الإنسانية في العالم الصناعي الحديث.
مراجعة المفاهيم
لا يقبل الزوج بهذا المسوّغ حفاظاً على وحدة العائلة فقط، بل تماشياً مع مواكبة المتغيرات في نسيج المجتمع. كأن الفيلم يدعو إلى مراجعة المفاهيم القديمة: الخيانة، الشرف، العائلة، وصوغ مفاهيم غير راكدة، متنقلة بحسب الظروف، تتماشى وسرعة حركة القطارات وهطول المطر. والسؤال هنا: ما الذي سيحل بالبلاغة السينمائية، عندما تسود دلالة على أخرى (المطر أو حركة القطار) أو تختفي واحدة منهما، وتبقى الثانية محور الفيلم؟ عندئذ، لا يتمكّن المشاهد، مهما بلغت نباهته، من اكتشاف الحالة الاجتماعية لتركيا الحديثة أو لمجتمعات تشبهها في التطوّر، حيث السياسي يمارس سطوتي المال والجاه لتمرير مآربه. لأن تأثير التطوّر التكنولوجي في تغيير عادات وبنية المجتمع، تم الافصاح عنه بصورة جلية بحركة القطار والسفن والهاتف المحمول، والصفح عن خيانة المرأة نتيجة مساهمة الرجل المقصّر بواجباته العاطفية، دخل في غاية المطر وهي غسل الغدر وترطيب تربة »العار«، تمهيداً لخدمة الواقع الجديد المفروض عنوة، والمتماسك أمام محاولات مقاومته أو الوقوف ضدّ حركته. أنقذ قبول مفاهيم جديدة أسرة أيوب شكلياً، بينما تفكّكت أواصر أخلاقياتها الموروثة. لعل الدواء يكمن في الاستسلام للخضوع الهائل الذي يحمل في جنباته أخلاق المجتمع الجديد، حيث النسيان سلطان على الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *