سلام إبراهيم : الأرسي (9)

إشارة : تقوم أسرة موقع الناقد العراقي بنشر رواية القاص والروائي العراقي “سلام ابراهيم” : “الإرسي” على حلقات .. تعقبها مجموعة من الدراسات والمقالات التي نشرت عنها بعد “إرسي الخراب العراقي” الدراسة الطويلة التي نشرتها للناقد “حسين سرمك حسن” عنها ، والملاحظات التي وصلتها من القراء الكرام بصدد عدم اطلاعهم على نص الرواية . وستكون“الإرسي” مفتتحا لنهج جديد تتبعه أسرة الموقع مع الروايات العراقية المهمة ..         

 جحيم في غروب رائق
                                   
كل شيء كان هادئا في ذلك الوادي العميق الواقع على مجرى نهر ـ الزاب الأعلى ـ، فالوقت جاوز وقت قصف الطائرات الذي عاد روتينيا، إذ لا يكاد يمر أسبوع دون قصف، وكان لدينا كل ما يحمينا منه، مدافع مقاومة الطائرات تربض على القمم المحيطة بالوادي، ملاجئ، كهوف، يضاف لصعوبة تضاريس المكان، فالحوض عميق وضيق يحاذي الحدود التركية. الغروب كان رائقا، وكنا نلعب كرة القدم في الساحة الصغيرة التي رتبناها على فسحة حقل زراعي أمام غرف وقاعات القاعدة المحاذية لحواف سفوح وسط الحوض. كنت ألعب عندما نادتني حبيبتي كي أذهب إلى الحمام. قالت أنها سخنت قدر الماء وجهزت كل شيء وذكرتني بقرب وجبة العشاء. تركت الساحة مقتربا منها، حامدا في سري خالق الكون على وجود هذه المرأة الحانية الساخنة جواري في وسط موحش، صعب، يعج بالمخاطر. صرت جوارها، وغرت في عينيها الواسعتين الضاحكتين قبل أن تستدير أمامي وتخطو نحو الحمام. كنت أتأمل قامتها الرامحة النشطة شاعرا بغبطة سرية تجعلني أسير خلفها شبه سكران.
دفعت الباب الخشبي الواطئ وولجت، اضطررت إلى الانحناء قليلا فاحتوتنا العتمة الدافئة الرطبة ببخار الماء. حضنتها وقطفت من شفتيها قبلة، تمنعت بغنج، ودفعتني قائلة:
ـ مجنون والله مجنون!.
تعرّيتُ فيما كانت تعبر العتبة قائلة:
ـ سأجلب لك ملابس نظيفة!.
أطبقت الباب، فسقطت في عتمة مباغتة، راحتْ تخف قليلا.. قليلاً بالضوء الخافت المتسرب من نافذة مستديرة صغيرة مسدودة بالنايلون لا تضيء سوى مسافة كف عن حافتها. كنا نعرف هذه الغرفة جيدا دون الحاجة للضوء، إذ نستخدمها منذ أكثر من سنتين ونعرف بأصابعنا مكان القدر، والطاسة، والتختة الخشبية الصغيرة، والصابون. عددت ست خطوات من الباب وهبطت متلمسا التختة، وقعدتُ عليها. غرفتُ الماءَ من القدرِ ودلقتهُ على جسدي الناضح.. وقتها كنت في أعماقي سعيدا أشد السعادة، لا أفكر في الغد.. بل أعيش اللحظة.. أدلق الماء وأتخيل صحن العشاء وخلوة المساء مع حبيبتي في غرفتنا المنزوية أسفل سفح تلة خلف طبابة الموقع. أفرك جلدي بالصابون راحلا عن ضجيج الرفاق في الساحة إلى مساحة متعة شعورٍ بالحرية وجواري حبيبة تحنو عليَّ دون خوف من هاجس خطف من شارع أو بيت أو مقهى وضياع إلى الأبد في أقبية وزنازين كما حدث مع أعز أحبابي.. كنت غارقا في تلك المتعة الخالصة، وبغتةّ أجفلني ضجيج طائرات تنقض قريبة وكأنها تمس سطح الحمام الواطئ، ضجيج مثل جدار اخترق جسدي، جعلني أقفز مذعورا من التخت الخشبي حتى ضَرَبَ رأسي السقف، لأندفع غريزيا ما أن لمست قدمي الأرض فاتحا الباب وراكضا بجسدي العاري المصّوبن بالرغوة صوب أقرب ملجأ شقي لأقفز إلى جوفه. وجدته ممتلئا إذ هبطت على لحم حار ينبض. لم يخفِ الشق سوى نصفي الأسفل. جلست فوق الأجساد مفزوعا مجبرا على التحديق نحو الوادي المواجه للملجأ والفاصل بين غرف الضيافة وقاعات القاطع، أتتبع بعيني خيطًا رفيعًا  من الدخان يتصاعد من القاع عالياً حتى جاوز قمة الجبل لينتشر هالة سوداء بلون الفحم راحت تهبط رويدا.. رويدا. حدث ذلك في لحظة خاطفة هي لحظة رؤيتي وأنا حائر بجسدي العاري الظاهر نصفه من الملجأ. كنت أحملق بخيوط أخرى من الدخان الرشيق بدأت تنتشر خلفي وإلى يميني وإلى شمالي، وضجيج الطائرات صاخبا دانيا وكأن جسد الطائرة سيلتصق بجسد الوادي حيث نختبئ، لكن لما يخف ونبقى أحياء نعرف أن الصاروخ سقط في مكان بعيد.. لاحقا عرفنا أن الطائرات نشرت قذائفها بشكل دائري غطى صحن الوادي بالكامل. حدث القصف للحظات خاطفات!. فما أن غاب ضجيج الطائرات حتى هرع الجميع من الملاجئ والغرف والكهوف لرؤية ما حدث. عدت فورا إلى الحمام. غسلت جسدي من الصابون. نشفته، وارتديت ملابسي. خرجت شبه مجنون.. أبحث عن حبيبتي  لم أفكر في شيءٍ سواها. كنت أتأرجح من حافة العقل باحثا بعيني الملهوفتين عنها وسط الهرج والمرج الذي أعقب القصف بلحظات، فبين مغادرتها الحمام وانقضاض آلهة الحديد الشريرة من سماء الله ليس غير دقيقة.. مثل مخبول أقف في الفسحة أمام مطبخ وقاعة فصيل الإدارة أدور عيني في الأركان، في الوادي، في الساحة خلفي، في القاعة، المطبخ، فوهات الملاجئ، ولما لم يقع ناظري عليها تشنج جسدي واختض كمصابٍ بالصرع، وفيما كنت موشكا على السقوط سمعتها تنادي بصوتها الفريد:
ـ .. حبيبي.. خو ما بيك شي!.
التفتُ نحوها، كانت تركض مقبلة من تحت شجرة الجوز الشاهقة على حافة الساحة. هرعت إليها مستعيدا حيويتي. ارتمينا بأحضان بعضٍ ورحنا نتلمس جسدينا بأصابعنا قطعة.. قطعة بلهفة وجنون ولما تأكدنا من سلامتنا.. ابتعدنا منفصلين منتبهين لما حدث. أول ما وقع بصري عليه وأنا أنفصل عن جسدها مشهد رفيقين يحملان جريحا. اللهاث حار متواصل يقترب منا. لهاث.. لهاث الجريح المحروق، ولهاث من يحمله. كانا يركضان قادمين من الجهة التي سقطت بها القذيفة وسط مجرى الوادي والتي رأيت عمودها الدخاني وأنا أهبط على اللحم الطري في الملجأ. تسمرت مذهولا في مكاني أتتبع لهاث الراكضين وقدم ـ الجريح ـ اليسرى متدلية وكأنها مفصولة عن الساق، ووجهه الذي أسّوَدَ تماما وذراعيه الملتفين حول عنقيهما. مروا خطفا من أمامي ليستديروا صوب بناية الطبابة القريبة من حافة السفح. حملقتُ بذهول في وجه الجريح، في قسماته التي بدت ضائعة، فأيقنتُ بموته. عضضت شفتي لوعة. عيناه بدتا فارغتين وكأنه لا يرى شيئا، كانتا تحملقان في البعيد، في عالم غير عالمنا، وفعلا ظهر أنه أصيب بالعمى على الفور لقربة الشديد من عمود القصف الذي أشرت إليه. لحظة خاطفة أخذتني إلى قصة هذا الإنسان المحمول مدلى القدم أعمى. نشجت بغتة في وقفتي القصيرة وأنا أستعيد لحظات التحاقي الأولى إلى الجبل بصحبة حبيبة عمري. فهو من أوصلنا من قاعدة للأنصار في ـ كلي مراني ـ بسلسة كارا إلى قاعدة في ـ كلي حصبة ـ بسلسلة متين. كان مرحا عنيف العاطفة، شجاعا خفف قلقي لما دخلنا قرية تقع على الشارع العام تحت هضبة فيها مواقع للجيش.. هدأ روعي وهمس:
ـ رفيق لا تخف! أنا معك!.
كان صوته يجلب لنفسي السكينة أنا القادم من هول الجنوب العراقي وشدة السلطة وكلابها. لَم أره منذ ذلك اليوم إلى أن جاءنا بعد سنة ونصف بالكاد يستطيع الوقوف، منهكا، يسعل بين لحظة وأخرى، عسيرا عليه النفس، لم يجب لما سألته:
ـ ماذا بك؟!.
عرفت بعد رحيله في طريقه إلى إيران للعلاج أن رفيقا كان عميلا للسلطة قدم له طعاما مسموما لما حلَّ ببيته.
كان رجال مخابرات الدكتاتور تبث السموم لقرى ومواقع الأنصار والمقاومين عن طريق عملائها طوال الوقت، بتسريب مواد غذائية مسمومة، مثل حليب النيدو، وصفائح السمن النباتي وغيرها، أو تبعث بعملاء أو رفاق يقعون في قبضتهم كي يسمموا حبوب الماء والمواد الغذائية المخزونة، وقد قضى الكثير من الثوار بهذه الطريقة.
كان المسكين عائدا من رحلة علاج قضاها في مستشفيات إيران للقاء عائلته بعد أكثر من سنة. وعائلته سكنت  في قرية جوار قاعدة  ـ كلي مراني ـ أقيمت حديثا  لعوائل الرفاق اليزيدين الأنصار التي هجرتها السلطة من قراها في دشت الموصل، لكن ذاك اللقاء صار مستحيلا..
لا أستطيع نسيان مشهد الجريح التالي، سوف يتجلى أمامي يذكرني بشعور رجّفني حينما وقع بصري على لوحة لمريم وهي تحضن المسيح في لحظة وجدٍ في كنيسة قرب ساحة الطيران أيام كنت أدرس في جامعة بغداد. أمام غرفة الطبابة جلس رفيقه ـ متربعا على الأرض واضعا رأسه الضائع الشاحب في حضنه ومنحنيا عليه يهمس بشيء ما كأم تحنو على وليدها.. بينما قسمات الجريح بدأت تسّودْ شيئا فشيئا وكأنها حرقت بفرن.
كل شيء كان مرتبكا. الجميع يركض في شتى الاتجاهات. سمعتُ ضجيجاً يأتي من عمق الوادي الجانبي حيث فصيل ـ المكتب السياسي ـ. كان أحدهم ينادي من هناك طالبا المساعدة. هببتُ نحو المنادي فوجدتُ رفيقا آخر شديد النحول يتلوى على الأرض ماسكاً بساقه اليمنى المدماة. مزقنا السروال على عجل بحربه فظهرت بطة القدم ممزقة بشظية. حملناه على عجل نحو الطبابة. وضعناه على مسافة قريبة من الجريح المحروق ـ كانت  حبيبتي ورفيقة من حزب – تودة الإيراني ـ َتقومان بقص الشعر المحروق. بينما هرع رفيق له معرفة بسيطة بالتطبيب وطبيبة الموقع بدت شديدة الارتباك فهي من ناحية لم تواجه مثل هذه الإصابة من قبل، ومن ناحية أخرى ليس لديها اللوازم الطبية. كنا نمسك بالساق الممزقة بينما شرع الرفيق بخياطتها بعد أن أخذ الإذن من الطبيبة. كنت أتابع الإبرة المعقوفة النهاية وهي تُغرز في الساق السمراء بدون تخدير، فأشخص نحو وجه الرفيق الأسمر الناحل الذي يتصلب محاولا إخفاء ألمه بشجاعة رادا على نظراتي المتعاطفة وعيناي توشكان على البكاء وهو يردد:
ـ ولا يهمك يا رفيق.. ولا يهمك!.
لما أكمل خياطة الجرح الممتد من تحت الركبة إلى ما فوق الكاحل، لف الساق بلفافة طويلة ظلت تنز دما رغم متانتها. كنت في داخلي غير مقتنع بالطريقة التي عالجا بها الجرح، فقبل التحاقي كنت في جبهة معارك ـ مجنون ـ شمال شرق البصرة ورأيت عشرات الحالات المشابهة لجنود أصيبوا بشظايا. وكنت قريبا عند الإسعاف الأولى. كان الطبيب المسعف ينظف الجرح ويعقمه ويملأه شاشاً نظيفا معقما كي يوقف النزف قبل أن يخيط الجرح لكن لم يكن بوسعي التدخل في ذلك المناخ المتوتر أصلا. أسفت في داخلي لرفيقي الشجاع الذي لم يبدِ أي علامة ألم أو شكوى وكأنه قُدَّ من حجرٍ لا من لحمٍ ودمٍ.
سمعنا رفيقا كان ضيفا من قاطع أربيل، يبدو إنه عاش أولى تجارب قصف طائرات الدكتاتور بالأسلحة الكيمائية لموقع وادي ـ بليسان ـ يصرخ:
ـ هذا قصف كيماوي يارفاق، كيماوي!.
لم ينصت إليه إلا القلة، كان يشرح مؤكدا:
ـ ألا تشمون رائحة التفاح المتعفن والثوم!.
راح يصرخ بهستريا ومثل مجنون بدأ يهرول خلف الرفاق الراكضين يميناً وشمالاً  مرددا نفس الجملتين دون جدوى. أنا من الذين لم يأخذوا كلامه مأخذا جديا، بينما حبيبتي قالت لي:
ـ  اكو ريحة مو طبيعية!.
سخرت من كلامها وهرعت لجلب جريح آخر، فقامت بِبَلِّ منديل ووضعته حول فمها وأنفها.
مازال ذلك الرفيق الذي لا أتذكره و لا أعرفه يصرخ وسط دخان الغبار والغروب ورعب الموقف، ما زال يصرخ وأنا أضع القدم المصابة على البطانية المنقوعة بدمه مفكرا في مساعدة جريح محتمل آخر.. في تلك اللحظة بالضبط سمعت جلبة أقدام  تهبط على الممر النازل من ربوة فصيل الإسناد التفت فطالعني وجه شديد الوسامة، ناعم التقاطيع، أبيض يميل إلى الاحمرار قليلا، متوسط القامة، نشيط الحركة وحوله أربعة أو خمسة أشخاص يحملون حقائب سوداء ويسعون في دائرة هو مركزها. ألقى التحية دون أن يحدق صوبنا. كان يشخص نحو الجريح وسأله بعربية ناصعة عما أصابه، فأخبره مؤشراً نحو ساقه التي لم ينقطع نزفها رغم لفة الشاش المتين. تبادل مع طبيبة الموقع كلاما مختصرا بالكردية قدرت أنه سألها عما فعلته.
ـ هل ثمة بشر هم أصلا ملائكة هبطوا من السماء ليخففوا من وجع الدنيا قليلا؟!.
تبين أنه طبيب من الاتحاد الوطني الكردستاني كان في زيارة لقواعدهم في منطقة ـ بهدينان ـ. التفت نحو المصاب وقال شيئا لمساعديه، فتحلقوا حوله. أزالوا لفة الشاش، وغرزوا أبراً حول الجرح وأعلى الساق. رأيت بعدها الوجه الأسمر المعذب يسترخي طوال وقت تنظيف الجرح وترتيبه دون الحاجة للتجلد وكتم الألم.
قلت مع نفسي:
ـ رفيقي الخالق لم ينسك.. هبط ملاكك الحارس!.
المساء بدأ يرش عتمته قليلا.. قليلا. كنا لم نزل في اللجة مضطربين بين اليقين وعدمه كون القصف كمياويا أم عاديا كما هو في الأيام السابقة. كنت أتمتع بقوة جسدٍ رياضيٍ متينٍ يضاف لرغبة متأصلة في مساعدة الآخرين لحظات المحنة، لذا تطوعتُ لإطفاء الحرائق التي شبت في المقبرة الكائنة على ربوة فوق فصيل الضيافة مع رفيقين. صعدنا مخلفين تحتنا الموقع الذي بدا من على تل المقبرة مغطىً بالدخان ورشيش المساء الخافت. بدأنا بإطفاء الحرائق التي لم تكن حرائق بالمعنى المألوف، إذ كان ينبعث من مكان اللهب الشبه خافت دخان كثيف يثقل أنفاسنا. كنا شديدي الاندفاع نتنادى في حمل التراب بواسطة معاول يدوية لإلقائه على تلك المواقع الملتهبة. بقينا أكثر من ساعة. شاهدت صاروخاً لم ينفجر استقر في حفرة قبر. مددت كفي عميقا في الهوة وتلمسته بفضول لم أفهم سببه:
ـ هل كنت مجنونا؟!.
ـ هذا ما بِتُ لا أشك به أبدا!.
قبيل الانحدار صوب القاعدة. كنت أفكر بتلقائية حياة الثوار اليومية ولم أدرك أن ذلك المساء سيشكل مفصلا حاسما في حياتي كلها وحياة الثوار أيضا. لذا حملت على كتفي ساق شجرة بلوط قطعها القصف، فغدا 6 ـ 6 ـ 1987 دوري في طبخ وجبات الفصيل. كانت ثقيلة. وضعتها جوار غرفتنا المنزوية عند السفح، وبحثت عن حبيبتي فوجدتها تساعد الطبيبة في معالجة رفاق جرحوا جروحا خفيفة. عدنا إلى غرفتنا الضيقة والظلمة هبطت بكثافة على صحن الوادي وأشياء الثوار الرثة.
كنت متعبا فاستلقيت على فراشنا الذي يشغل أكثر من نصف مساحة الغرفة. تركتني قائلة:
ـ سأذهب لمساعدة الجرحى!.
بقيت وحيدا. إلى تلك اللحظة لم أشعر سوى بضيق في التنفس وما يشبه الاحتقان في وجهي، وهذا يحدث لي غالبا قبيل النوم لكثرة التدخين والإنهاك من متطلبات يوم الثوار في الجبل. تناولت كتاب وحاولت القراءة. بعد عدة سطور شعرت بحرقة شديدة في عيني، فرحت أفركهما فيزداد سعير الحرق، قلت معي نفسي:
ـ لأنام قليلا!.
وضعت الكتاب على المنضدة الخشبية الصغيرة الواطئة بارتفاع متر، وأغمضت عيني. سكنت الحرقة قليلا، لكنها بعد دقائق هجمت عليَّ بشدة. فعدتُ لا أستطيع مباعدة أجفاني إلا بصعوبة. أنهضت جسدي وتربعت على الفراش. تناولت مرآة صغيرة، وفتحتُ عيني بعناء وجدتهما  كقطعتين ساخنتين من الدم. تفحصت وجهي. كان محتقنا، منتفخا. أغمضتهما مرخيا رأسي إلى الجدار المغطى بالنايلون. شعرت بهما تتصلبان لحظة بعد لحظة لتتحولا إلى قطعتي حجر. غَمْدتُ رأسي بالوسادة وبقيت هكذا مدة، لكن الألم بدأ يزداد وينتشر في أرجاء جسدي قطعة.. قطعة. لم يعد بمقدوري الاستمرار مستلقياً على بطني. ارتكزت على كوعيَّ وجلست طاويا ركبتي تحت ثقل جسدي.. تَلَويّتُ. نهضت واقفا. حاولت أن أخطو نحو باب الغرفة، لكن شدة الألم عطلت قدميَّ. هويت ثانية إلى الفراش. لا أدري كم بقيت هكذا.. أصارع بصمت الحريق الذي شب في كل قطعة من جسدي.. بدأت بالأنين الخافت.. أقوم أخطو خطوتين.. أقعد.. أستلقي. أقوم من جديد.. أحاول فتح عيني فتهب عليَّ أبواب جهنم. كنت أقول مع نفسي:
ـ متى تعودين يا روحي؟!.. متى؟!.
صارت حبيبتي مثل حلم في بحر الألم الذي ضعتُ فيه. تصورت وقتها أن مجيئها وحده سيسكن آلامي، وبينما كنت أدور في تلك اللجة دفعت الباب، وصرخت:
ـ أش بيك حبيبي؟!.
وراحت تتلمس جسدي. كنت أصرخ من ملمس أصابعها. راحت تتوسل وتناديني باسمي الحقيقي:
ـ أفتح عينك حبيبي!.. أرجوك أفتح عينك!.
كنت أردد من بين أنيني:
ـ ما أقدر.. ما أقدر نار بعيوني!.
ـ حاول حبيبي.. حاول.. أرجوك.. أرجوك!.
كانت توشك على البكاء، وكنت أتلوى من أجلها متحملاً جسدي. حملت نفسي بكل ما تبقى بيّ وباعدت أجفاني كمن يرفع صخرة هائلة الحجم. على ضوء الفانوس الشحيح، في اللحظة الخاطفة تلك رأيت مدى الرعب الذي طعنَ قسماتها الجميلة التي حرزتها في عينيّ لما أغمضتهما ثانية. سمعتها تقول:
ـ اهدأ دقيقة وراجعه!.
سمعتها تفتح الباب. وتغلقه خلفها.. فسقطتُ في بحر ألمي الذي استعرَ من جديد ما أن اختفت، .. لا أدري كم من الوقت طوّلَ غيابها؟!.. لا أدري فالزمن صار غير هذا الزمن.. الثانية فيه تساوي دهرا، بقيت وحدي أجود بنفسي وسط النار ولا من منقذ أو أمل.. بقيت مثل ضال تُرك في جهنم إلى أن فُتِحَ الباب. كانت بصحبة الطبيبة التي أزاحت قميص سروالي وتفحصتني بصمت لتقول:
ـ خذيه إلى فصيل الإسناد!.
وخرجتْ.
قالت حبيبتي:
ـ أصبر حبيبي.. أصبر.. سأجمع وثائقنا ونصعد!.
ألبستني الحذاء، وقادتني من يدي. كنت مغمض العينين. عند العتبة قالت:
ـ أرفع قدمك حبيبي!.
رفعتها. وضعتُ قدميَّ خلف العتبة، فهجمت رائحة الحرائق والدخان الخانق. ازداد ضيق تنفسي، فجعلت أشهق بعمق باحثاً عن الهواء دون جدوى. سرنا على ممر ضيق أعرفه جيدا يصعد بمحاذاة صف من الأشجار يفضي إلى ربوة حيث غرفة السجن، وقاعة فصيل الإسناد، وغرفة رفيق وزوجته ـ. المسافة لا تتعدى الخمسين مترا، لكنها كانت طويلة جدا، كنت أتضور فيها بألمي واختناقي. أنقل خطوي بجهد متوجعاً ويداها الحانيتان تمسكان بيدي وتسحباني بأناة وببطء شديد. كنت أحس أنني سائرٌ نحو المجهول.. فلا مشفى ولا طبيب، وليل دامس طويل وأنا أتلظى في بحر جهنم. أحسست الأرض تستوي تحت قدمي، معنى ذلك أننا بلغنا الفسحة الواسعة التي هي عبارة عن حقل محاط بالأشجار من ثلاث جهات تحول إلى ساحة للعب كرة الطائرة. لم أسمع شيئا كان الصمت مقيما لا يعكره سوى وقع أقدامنا وحفيف أرديتنا ولهاث حبيبتي. قطعنا عدة أقدام، ثم أوقفتني قائلة:
ـ أجلس هنا!.
بعناء باعدت أجفاني. فطالعني المشهد. حول لهب نار مضطرمة تحلق الثوار في دائرة كبيرة. أول وجه وقع بصري المضطرب عليه كان وجه ـ توما توماس ـ وهو من أهم شخصيات اليسار العراقي قاوم السلطات المتعاقبة منذ 1963 باللجوء إلى الجبل وحمل السلاح، بقسماته الشائخة الحمراء، وشعره الأشيب الطويل المنسدل حتى منتصف الكتف. كان ساكنا يجلس لافا ساعديه حول ركبتيه ويحملق في الشعلة بصمت، وإلى جانبيه أصطف جلوساً الثوار وكأنهم في طقس بدائي. كنت أغمض عيني وأفتحها بين ثانية وأخرى والحرقة تزداد شدة. تركت يديّ وقالت:
ـ سيموت يا الله.. سيموت!.
رغم ألمي سألتها:
ـ من.. من؟!.
فقالت:
ـ أبو ماهر!.
وأبو ماهر هو ـ ثابت حبيب العاني ـ من شخصيات اليسار المعروفة وكان صاحب امتياز صحيفة طريق الشعب العلنية خلال فترة السبعينيات، فتذكرت أنه كان يقيم في غرفة جوار قاعة الضيافة. أي في مكان يبعد عن تلك القذيفة التي أعمت الرفيق وأحرقته عشرين متراً. وهو شيخ كبير اختلف مع قيادة حزبه ورفض مغادرة كردستان إلى الخارج. فعزل عن العمل وبقي في مقرنا. كان مريضا في القلب. فتحت عيني ناسيا جحيم الحرقة وحدقت نحوها وهي تخطو مقتربة من ـ أبو ماهر ـ الذي كان مستلقيا على بعد ثلاثة أمتار. على ضوء النيران لمحتُ ملامحه المحتقنة وهو يحاول التنفس دون جدوى فبدأ بالشخير وكأنهُ يعالج سكراته دافعا بذراعيه إلى الجانبين رافساً برجليه المتصلبتين. آخر ما أتذكره من ذلك المشهد هو أنها هرعت مع رفيق آخر لتجلس جوار رأسه وترفع جذعه الأعلى وتسنده واضعةً رأسه المتشنج إلى كتفها فبدأ بالتقيؤ والسعال بينما هرع رفيق آخر لمناداة الطبيبة. شعرت بالموت دانيا منه ومني ومن هذا الجمع من الثوار الحالمين الذي عاشرتهم سنين طوالاً  . خنقتني العبرة وذرفت الدموع ناسيا جحيم جسدي تلك اللحظات. كنت أبكي بصمت والسعال بات يأتي من أطراف ووسط الدائرة يصحبه أصوات هواع.. وكأنهم يحاولون التقيؤ دون جدوى.. نار ووجوه ساكنة في ألمها تحدق بصمت وأخرى تسعل وأخرى تتقيأ واللحظات تمتد وكأنها الأبدية. صرختُ مع نفسي:
ـ كيف الخلاص من كل هذا؟!.
عندها بدأ الجحيم من جديد يستعر في كل قطعة من جسدي حد لا أتذكر من مشهد دائرة النار شيئا. إذ وجدت نفسي أحبو متمرغا مثل طفل على حصير غرفة مكتظة بالرفاق الصارخين الناحبين فانتحبتُ أنا أيضا بصوت مسموع ورحت أصرخ مستنجدا مثل الجميع:
ـ أخ سأموت!.
ـ إني أحترق!.
ـ يا يمة!… يا بويه!.
ـ  بويه تعالي بويه!
ـ ولكم أريد شويه هوه!
ـ عيوني يمه عميت
الهذيان مصحوب بصراخ ألم، وسعال وقيئ. كنت أفتح عيني بين الحين والحين فيقع ناظري على أجساد مطروحة جالسة نصف واقفة مضببة تحت ضوء فانوس عليل معلق على الحائط جوار الباب. لم أستطيع التعرف على أقرب رفيق يتلوى جواري.. وكأنني دخلت طورا جديدا من الألم والعذاب، إذ أن الشعور بدنو الآجل صار شديد الوضوح، كنت أجود بنفسي متمنيا لو أن أحدهم يجهز عليّ ويخلصني من ذلك الجحيم، شعور راودني قبل هذا الموقف لما كنت معتقلا في الشهر السادس من عام 1980 في الأمن العامة ببغداد، إذ خطفوني وصديقين أحدهم كان متخفيا عن أنظار السلطة يدعى ” ميثم جواد ” من أهالي كربلاء، خريج إدارة واقتصاد جامعة المستنصرية أعدم لاحقاً. لما يأخذونني إلى حفلة المساء، ويبدأ التعذيب يتصاعد من الفلقة إلى رجة السلك الكهربائي، كنت أتحمل ذلك وأصرخ، لكن لما كانوا يغطسون رأسي في حوض الماء ويطيلون المدة رويدا.. رويدا فأشعر بأن روحي تكاد تخرج من حلقي في جحيم الماء الذي يشبه جحيم الحرق في هذه الغرفة المكتظة بالصارخين وكأنهم ينتظرون أمام بوابة الجحيم، لكن دون أن ينالوا تأشيرة الدخول حيث القرار. كنت معصوب العينين في غرفة شاحبة الضوء ممسوكا بأيادٍ غليظة قاسية أصرخ طالبا الموت في متاهة أقبية الأمن العامة،، رحت أصرخ طالبا الموت أيضا فيضيع صوتي في ضجيج صراخ وهذيان الرفاق. في تلك اللحظة أحسستها تمسك بذراعي بقوة كي أكف عن التلوي والصراخ والبكاء، هامسة بصوتها العذب باسمي الحقيقي:
ـ  حبيبي.. كن قويا.. أرجوك!.
ـ  لا تضعف حبيبي!.
وقعت في حيرة.. فهاهي زوجتي تدعوني لأكون  قدر الألم وهو لا يطاق. عضضت على أسناني بكل ما بيّ؟!. فتصلبت قسماتي وأنا أحبس صراخي كاتما جحيم النار في نفسي، منصتا لصوتها العذب المتوسل كي لا أقول شيئا وأتحمل وأصبر. كانت كأنها تقول ليّ:
ـ الموت لابد منه، لكن ثمة فرق كبير بين أن يموت الإنسان وهو يصرخ بضعف وآخر يموت بصمت.
رغم الجحيم حمدت الدنيا التي منحتني نعمة جوارها، فهي ساعدتني كثيرا لما كنت مختفيا في المدن، إذ كانت تلتقي بيّ سرا وتشد من أزري، وعندما كاد يلقى القبض علينا في شباط 1985 رتبت عملية التحاقنا بالثوار في الجبل بكل هدوء وتركت كل شيء خلفها حتى ابننا الوحيد.
كيف انقضت الليلة التي تشبه الأبدية؟!.. لا أدري
كانت تتركني بين الحين والحين.. تغيب وتعود بينما كنت احبس صراخي وألمي منصتا لهذيان وصراخ الكتل البشرية المحشودة المتلاصقة في الغرفة. كانت تتلمس جسدي المشتعل كاشفة عن ظهري وصدري وساقيَّ، وتقول كلاما تصبرني فيه وتشّد من عزمي. كان الألم يبلغ بيّ حده الأقصى بحيث أعود لا أحس بشيء فأسقط في شبه إغماءه لأصحو على صوتها الناعم العذب وأصابعها الحانية تجوب لامسة جروحي. ستخبرني في الصباح عما صار مع رفيقنا المحروق، إذ كانت تتركني وتنزل إلى الطبابة لتساعد الطبيبة وهي تحاول أن تفعل شيئا قالت:
ـ كان محترقا أعمى يتقيأ كل لحظة. فيما وضعت الطبيبة صحنًا كبيرًا وعميقًا في حضنه كي لا ينثر القيء على ملابسه. اختفت أهدابه. فرغت عيناه. تشنجت قسماته. كان يحاول أن ينهض بجسده دون جدوى فيرفع يديه المسودتين إلى أعلى وكأنه يحاول الإمساك بشيء. خنقتني الرائحة المنبعثة من كتلته، فبللت منديلي ووضعته على أنفي وفمي. مسحنا جروحه بالشاش المعقم، لم ينطق بحرف واحد، لم تصدر عنه سوى أنة واحدة طويلة قبيل لفظ أنفاسه الأخيرة ليستقر رأسه بلا حراك على كتفي!. عندها صرخنا أنا والطبيبة ورحنا في عويل طويل فهرع نحونا الرفاق القريبين ليحملوه ويضعوه على فراش منزوٍ في طرف الغرفة!.
استيقظت على صوتها يناديني:
ـ ها حبيبي سلام أش لونك؟!.
وجدتُ الصمتَ مقيما ومن بعيد يأتي صوت زقزقة عصافير. فتحتُ عينيَّ رغم النار التي شبت فيهما وأجلت الطرف. على ضوء الفجر رأيت الأجساد التي كانت تتضور طوال الليل صارخة هاذية تغفو أيضا أو تسقط في غيبوبة الألم كما حدث معي.. ذكرتني بأشلاء الجنود في جبهة الحرب العراقية الإيرانية التي تخلفها معركة ليلٍ ضاريةٍ. أغمضت عينيَّ منصتا لزقزقة العصافير. حاولت أن أسحب نفسا عميقا. لم أستطع فالهواء يشعل بلعومي فأسعل سعالاً جافاً طويلاً. همستْ بصوت منكسر النبرة لم يستطع إخفاء ألمها:
ـ حبيبي سنصعد إلى موقع ـ الدوشكا ـ.
تخيلتُ الموقع القريب من القمة، والمجاور لنبع الماء والذي يبعد ساعة في صعود وعرٍ بالنسبة للسليم فكيف بحالي؟!.  حاولت مساعدتي في النهوض. تمكنتُ متمسكا بذراعيها، لكنني لم أستطع السير سوى خطوات قليلة إذ شعرت بحريق يشب في خصيتي وبين ساقي وتحت إبطيَّ مع كل حركة. همست:
ـ تحملَّ حياتي!.
رميت خطوي مستندا على كتفها. كان النهار صحوا والشمس متلألئة مما زاد من حرقة عيني كلما حاولت فتحهما. أتذكر الآن مدى العناء الذي تَجَشَمَتْهُ وهي تحاول بمساعدة رفيق إصعادي فوق البغل. جلستُ على السرج. أشتعل ما بين فخذي، فولجتُ في صلب الجحيم. لم يكن أمامي سوى الصمت وكتم الألم في حضرتها.
كنت أتأرجح على حافة العالم السفلي والظلام حيث الصمت. قلت مع  نفسي والبغل أثناء صعوده العسير يجعلني أحس وكأنني موشك على السقوط مع كل خطوة يخطوها لاهثا من عناء الارتفاع وثقل جسدي:
ـ لو كُتِبَ لي الحياة ونجيتُ من هذه المحنة فسوف أجهر بحقيقة حواسي في التجربة دون أي رادع فكري أو أخلاقي أو اجتماعي أو قيمي
الرحلة من قاع الوادي وحتى نقطة النبع القريبة من القمة بدت وكأنها دهرا!.
كان أحدهم يسندني في جلوسي على السرج من اليمين وهي من اليسار وثالث يقود البغل. كانت تسأل بين الحين والحين عن حالي، فأطمئنها مضطرا كوني بخير. وفي لحظة من ذلك الزمن المطلق سمعتها تصيح:
ـ رفاق لقد عميت!.
عندها شب ألمي وعراك شب بين من كان يسندني إلى اليمين وكان عربيا والذي يسندني على اليسار وكان كرديا من السرية الخامسة. أصر الرفيق الكردي على البقاء لمساعدتها رغم غضب العربي الذي كان يريد إبعاده.. لا أدري كيف بعد ذلك بلغتُ موقع الدوشكا، لكنني أتذكر بوضوح وجه رفيق كان  طبيب أسنان رفض في كردستان ممارسة مهنته كونها تشبه ما يقوم به رجل الأمن لما يعذب المعتقل لا سيما وأن المخدر لم يكن متوفرا فأصبح مقاتلا عاديا ما ميزه أنه عاشق مدله بالمغنية ـ فيروز ـ حتى إنه أقام عدة محاضرات عنها شارحا أغانيها ومحلقا في عالمها الحالم. وجدته يستقبل المصاب الواصل صارخا بحرقة وهو يشير إلى مجرى النبع الضيق الهابط نحو الوادي:
ـ رفيق أنبطح.. أفتح عينيك وغط رأسك في الماء!
فعلت ذلك مرات لا تعد. كان ذلك يخفف قليلا من ألم عيني المحترقتين. صف من الأجساد المنبطحة على بطونها يرقد جوار مجرى النبع تغط الرؤوس في الماء البارد الجاري وكأن ذاك الماء هو الخلاص!.
ذوات مسكينة حالمة تتضور بألمها وتغط في ساقية ضحلة رأسها متأملة العودة إلى وضعها البشري قبيل القصف. كان الصمت حكما فيما عدا صوت ـ طبيب الأسنان ـ المتحمس في صراخه كي نقاوم ونفتح أعيننا في الماء الجاري.
ـ إفتح عينك.. غط رأسك.. غط رفيق غط وإفتح عينك!.
صراخ يأمر بقوة كانت تجلب للنفوس ذلك الوقت ثقة بأنها سوف تتعافى مباشرة بعد ذلك الغط وجاري الماء يمر ملامسا حدقات عيونها المحترقة المفتوحة عنوة.
كنت أظن بأنني سأبلغ مسافة التعافي بعد التبرك بالماء، لكن هيهات. كان الوقت قبيل منتصف النهار. أتذكر أن الشمس كانت ساطعة بحيث لما كنت أرفع رأسي من الساقية الضحلة الضاجة وعيناي لم تزل مفتوحتين يجتاحهما الضوء الحارق الذي لا يتيح لي سوى النظر للحظة لذلك المشهد المؤثر، أكثر من ثلاثين مقاتلا ينبطحون على بطونهم.. الرؤوس غاطة في الساقية الضحلة الجارية، يرفع أحدهم الرأس ويغطه على الفور لما يواجه الضوء الساطع مستنجدا بالماء.
لا ماء الله كان خلاصا
ولا شمسه.. ولا الهواء
كانت آلهة حديد ـ الدكتاتور ـ قد أدخلتنا في الجحيم!.
وكنا كذلك نتضور ولا من يخلصنا من أجسادنا لنستريح!.
لا أدري كيف مضت سحابة ذلك النهار. لكنني أتذكر أنني كلما أخرجت رأسي من الماء أراها متجسدة في اللحظة الأولى التي أُباعد فيها أجفاني وهي تصرخ:
ـ رفاق عميت.. عميت!.
وقبل أن أسأل نفسي أين تكون الآن؟.. يهجم عليّ الضوء والشمس فأغط بوجهي في الماء هربا من جحيم عيني!.
لا أدري.. ولا أتذكر متى انسحب الضوء من الدنيا، فما أن كففنا عن الماء حتى عمينا تماما. ثمة مسحٌ في الذاكرة لدي إذ أنني استيقظتُ في المساء لأجد نفسي في قاعة من الحجر والطين محشودة بصفين متقابلين من الثوار المصابين الصارخين، المتوجعين، الهاذين على ضوء فانوس عليل معلق على الحائط جوار الباب. لما فتحت عيني ووعيت بكينونة جسدي شبَّ الألم من جديد، فندمت قائلا مع نفسي:
ـ لِمَ لمْ تأخذني يا إلهي؟!.
كنت وفيا لوصيتها في الليلة السابقة فجعلت أكتم ألمي منصتا لهذيان الثوار وهم يهبطون في هوة اليأس والألم والعدم:
ـ يمه تعالي ابنك عمه!.
ـ يمه راح أموت وما أشوفك!.
ـ بويه وينك تعال بويه تعال!.
ـ يابوية عيوني!.
ـ يا ياب احترقت ولك ياب طفيني!.
ـ لعلى أبو اللي ورطني بالكفاح المسلح!.
ـ ولكم الهوه يا الله الهوه!.
أفتح عيني بعناء فيطل المشهد للحظات. الأجساد تتلوى على أفرشتها، تتقلب، تستقيم بنصفها العلوي، تلقى نفسها بيأس إلى الفراش هاذية. ليلة كانت أشد عليَّ من ليلة الأمس، كنت وحدي بدون حبيبتي ضائعا في عدم الصراخ وجحيم الكيمياء الذي نزل علينا من السماء في غروب رائق!.
قضيت ليلة يأتي النوم فيها بعد إعياء الألم، والصحو يلقي بك إلى ساحل الهذيان والتقلب وحرقة العينين وضوء الفانوس والصراخ المبهم
ليلة الدوشكا بدت لي كأنها ليلة من حكايات الرعب وليالي سوداء من كتاب عراقي. كتاب لم يدون بعد.
ـ كيف مضت تلك الليلة؟!..
ـ لا أدري!.
فبينما كنت أغط في ظلام وضوء باهت وصراخ وهذيان ينتاب لحظات يقظتي النادرة حيث تحولت فيه حبيبي إلى مجرد خاطر عابر مرَّ في العمر وغاب. وجدتني بغتةً أسقط في باحة صمت تطفو في عتمة مرئية. صمت صلد حي مرئي غيب كل شيء وكأنني وحدي في الخليقة. لا أدري كم مكثت ساكنا في الباحة العائمة دون ألم وأوجاع،
إلى أن بدأت أهبط.. وأهبط.. وأهبط.. ببطء شديد.. أهبط  في أحشاء ظلماتٍ كثيفة..منحدرا.. أدورُ في صمتٍ مريع، مفتوح العينين، تام الصحو، سليم الحواس.. أتسمّع لدوي السكون القادم من لزوجة السواد العظيم.
لا أدري أ أنا أطفو أم أسير، أستلقي أم أطير!. في انمحاقي الأريب هذا أحس بثمة قوة غامضة، كلية القدرة كامنة في روح الظلام تأخذني إلى مقاصدها في مَجَاهِل هذه الحلكة السديمية الغامرة جسدي الصاحي والسائب في تحليقه وتقلبه، هبوطه وارتفاعه، نكوصه واندفاعه نحو جهات تغور في آباد حلكة سائلة أبدية الانهمار. التبست عليّ نفسي واستبهمتْ.
ـ ما معنى وجودي الممحوق؟
ـ أين كنتُ.. وإلى أين أريد؟!.
من أنا؟.. أي كائن؟.. وما هذه القدرة على التقلب والطيران، العوم والغوص في فضاء لزجٍ سميك. من أي الأمكنة قَدَمْتْ.. أحاول استذكار أي شيء.. لكن.. هيهات ثمة من شطبَ ذاكرتي وطمسها معي في بطون الظلمات، فضاعت أمكنتها، وأُدغمتْ في سديم مضفور من أنصاف وجوه، وأشلاء أشجار وعصافير وطيور وهوام وكسر أزمنة، وحشود من شظايا أبواب وشبابيك وحيطان الدائرة معي في ضباب السديم الرطب السابح أمام عيني المفتوحتين أينما يممت وجهي في تيه الظلمات هذا.
لا أدري كم من وقت مرَّ عليّ وأنا هائمٌ في محيطات الصمت والظلام صفر مطلق مندغم في السواد الذي أيقظني فورانه المباغت وصبّني من أحشائه لأنزلق من فتله الدوار هابطاً بقدميّ الحافيتين على سطحٍ هش من ظلام أبهت قليلاً. بركتُ على التراب ورحتُ أقلب بأصابعي ذراته الناعمة.. أأكون قد خلصتُ من لزوجة سائل العتمة الكثيف؟
أدخلت فضاء تكون فيه للكتل أوزان؟
حضنتُ التراب. تنشقتُ عبقه الآسر.
ـ أي أشواق تضمرها نفسي لك.. أي وَلَه مستعر بالأحشاء.. وَلَه بدائي.. راسخ.. وَلَه لا يخفت أواره إلا في ملمس ذراتك الناعمة اللصيقة، بعد عناء التقلب بذلك البطء الذي بدا لي سرمدياً.
عفرتُ عريي بالتراب، ثم تربعتُ في جلستي غارزاً ناظري في حدٍ فاصل بين سوادٍ سميك مثل الفحم، وسواد أبهت مثل ليل غائم. أتكون تلك الكتلة السميكة هي التي أفرزتني إلى هذه البقعة؟.. كل شيء مبهم!. لكن ما هذا المكان؟ وأين أنا؟. أضيع في الأسئلة وكسر الأزمنة والوجوه، الروائح وضجيج الأمكنة الأخرس يعصف برأسي، أشلاء لا تني من الحراك الدوار. أردت الصراخ:
ـ من أنا؟.. من أنا؟.. من أنا؟..
و.. و.. مات لديَّ كل فضول ورغبة، عدا رغبة جارفة في غفوةٍ أبدية تنسيني كل هذا الخواء والخلاء وألوان الظلام. ضممتُ رأسي بين ذراعي، وأطبقتُ أجفاني مبحراً في الصمت الصلد القائم في اللامعنى والتراب، فالأمر سيان إذا غفوت أو بقيت مستيقظاً.. أطبقت أجفاني أو باعدتها.. ظلامٌ في ظلام، خواء في خواء، لا ضوء ولا رغبات، لا عطش ولا جوع، لا إحساس بالتعب أو الراحة، بالألم أو اللذة، لا شيء خلفي ولا أمامي، لا أشعر بشيء سوى بالسواد الطاوي كينونتي، وبصلابة التراب الناعم تحت جلستي المتربعة ورأسي مضموم بتجويف ذراعي المتعانقين. صمتٌ جبارٌ مقيم. ظلام أخرس مطلق، وكتلتي المتكورة على تراب قديم.
ـ هل أمكث الدهر كله هنا.. هل تخّلقتُ هنا منذُ الأزل.. أم أن ثمة من أطفأ ذاكرتي ورماني في فضاء الخرس والظلمات؟!.
وبينما كنتُ سادراً في تكوري، اخترقني دوي انبثق من جوف السواد. أيقظني من غفوة المطلق، للدوي وقعٌ أليف، محفور في ثنايا الروح. وقعٌ طالما أنصتُ له في صمت ظلامٍ ليس كهذا الظلام. ظلامٌ يستطاع فيه تحديد الأشياء والذكريات، لكن أين كان ذلك يا إلهي.. يا رب المَجاهل العظيمة؟.. أين.. أين.. أين؟!. أتأرجح على حافة الوضوح.. وشبح عالم أعرفه تتخايل حدوده وتغوص في السواد.. أتأرجحُ.. أ.. تـ.. أ.. ر.. جـ.. حُ. استولت علي رغبة في النهوض وتتبعْ مصدر الدوي البعيد لعلّي أفلحُ بإمساك بارقة تشي بمعني وجودي في هذا القرار الداكن. استندتُ براحتي. أنهضت جسدي. وما أن انتصبت بكامل قامتي حتى خفقني حفيف كحفيف أجنحة، وأحسستُ برذاذ خفيف يرش جسدي العاري. أعقبه ضوع عشب بري ومطرٌ راح ينصب صبا، أسمع ما يشبه الخفق وكأن طيور الظلام تدلق من أعناق أباريق خليط من ماء باردٍ وأعشاب، ثم انقطع الصبيب لتهب ريح دافئة أيبست البلل. لبثت في وقفتي الحائرة عارياً ناشفاً إلى أن أُلقيَّ عليّ رداءٌ أبيض ستر عريي. استحكم الثوب على كتفيّ وحول خناقي فصار باستطاعتي الرؤية بالرغم من الظلام. وجدتُ نفسي على دكةٍ، تطل على مدينة شاسعة تبركُ في ظلالٍ داكنة كليل الدنيا، أشجار باسقة سود، ساحات مدورة مرتفعة ومنخفضة، أزقة متداخلة مقفرة، مغلقة مفتوحة سوداء تتلوى في متاهة تتصل بمتاهة أخرى، وليس غير مسلك واحد يؤدي إلى بواطنها المرئية من دكتي الترابية العالية. من أقصى امتداد المتاهة الملتحمة بأفق السواد العظيم يجيء الدوي الأليف.. لو.. لو.. لو أتذكر يا رب الأمكنة الغامضة.. لو.. أين سمعت هذا الدوي الذي انتشلني من رثاثة الظلام والصمت، من دكة العدم، من نعومة التراب الساخن إلى الماء وثوب الرؤية. انحدرت حتى آخر درجة، فوجدتُ عليها خفين من نسيج أبيض متين على مقاسي، وطئت بهما نعومة البلاط الزلق المرصوف بين جدارين رخاميين عاليين يضيقان وينفرجان، أصمين لا باب فيهما ولا شباك. رخام لامع مصقول مثل مرايا أحاط بيّ من ثلاث جهات، وسماء منخفضة مثل سقفٍ معتم يربط ما بين شهقة الجدارين. يلاحقني أو يخيل إليّ ما يشبه حفيف خفيف لا أدري أهو خفق أجنحة أو احتكاك خفيّ بانحدار البلاط، أم هسهسة كائنات الظلام؟!. لم أعِر اهتماماً بالزقاق الأصم، بأخيلة الحفيف. كنتُ مشدوداً للدوي الهادر. أحومُ حول مجراه الغائر بروحي.. أحوم.. وأحوم.. وأهفو إلى أن وقعت فيه.. أنه دوي فرن الخبز الكائن في مدخل شارعنا.. فرأيتني مستلقياً قبيل انبلاج الفجر على فراشي بحوش دارنا، أتأمل مصابيح السماء. أمي تركع على سجادة صلاتها غارقةً بأطياف السحر والظلال، بلغط الأدعية المهموس. إخوتي العشرة مبعثرين حولي يغطون في السبات.. سوف توقظني أمي حال فراغها من الصلاة.. فأتصنع الغفوة.. ستلح فأضطر إلى القيام لاعناً كوني أكبر الأولاد، سيطالعني صاحب الفرن ـ الحاج جاسم ـ بلحيته الشيباء الكريمة وملامحه الوديعة، شكل قديس يعد الأرغفة قبل أن يناولها إلى يدٍ من أيادي الجمهرة الممدودة من النوافذ ومن الباب المفتوح. تخدرني رائحة الخبز وصفاء وجه ـ الحاج ـ وخاطر الدفء المنبعث من باطن الفرن، أهم بالنهوض.. أهِمُ.. وجدتني أخطو في الممر الأصم والدوي قوياً.. قريباً بعيدًا..
ـ أين أنا؟.. أفي حلمٍ أم في كابوس؟!.
فركتُ عينيَّ بسبابتي المثنيتين، وعاودتُ التحديق في رهافة الجدار، في امتداد الزقاق الملتوي والضائع ببحر الرخام، في البلاط السائح مثل الماء، في سقف السماء المعدني. تحسستُ ردائي الشفاف، تقاطيع وجهي، صدري، بطني، لستُ في حلمٍ أو كابوس إذن!.. ما هذا الصمت المبرح.. والدوي المبرح.. وما هذه الجدران العالية، الغائرة بسقف السماء المنكفئ، الأصم، الداكن؟!.
أغمضت عيني شاردًا عن مجرى الرخام السائح.. مركزاً على لحظة نهوضي من الفراش.. نعم.. نعم.. إنه دوي فرن الخبز.. غادرت الدار قبل لحظات.. لا.. لا ليس قبل لحظات، منذ زمن.. زمن بعيد.. لا.. لا لم أعد أتذكر متى بالضبط، ولكن رأيتني أنسلُ من دفء الفراش في سكرة السحر، وأُلقي نظرةً على إخوتي الغافين وأمي التي كانت تطوي سجادة صلاتها قبل أن أخطو نحو الممر المظلم متتبعاً الدوي الهادر في الظلام الشاحب، في مناحي السماء الصافية، في خدر بقايا النعاس العالق في جسدي، في خطوي المتثاقل. أخطو نحو ضجيج الفرن الذي رافقني منذُ أن وعيت غبشة الله.. نعم غادرت الدار متأبطاً القماشة القديمة التي سألفُ بها الأرغفة العشرين. المسافة بين بابنا والمخبز لا تزيد على ثلاثين متراً لا أحتاج فيها عبور الجادة الترابية العريضة، فبناية الفرن تقع في جهة دار أهلي. إذن كيف ضعتُ في المسافة القصيرة تلك؟!. وكيف اتسعت الأمتار المعدودة لكل هذه الأبنية الغريبة بجدرانها الشاهقة الصماء، السادرة في صمتٍ مصبوب بالرخام. صمتٌ مرئي في الامتداد المتعرج دون أبواب أو شبابيك. لا ضوء، لا نأمة، لا بشر، لا كلمة، لا نجمة في السماء الصدئة الخفيضة. وحده دوي الفرن يهدر.. علامة مفردة. أيكون هذا الدوي منبعثاً من رأسي؟.. أيكون وهماً من أوهام الصمتْ؟.. أأكون في باطن كوابيس الطفولة التي لازمتني منذُ رؤية جثة زوج عمتي وسط باحة الدار.. أم أنني أضعتُ فعلاً طريقي إلى فرن الحاج جاسم؟!.. تلمستُ جسدي.. إذن ليس الأمر كابوساً، وهذا الامتداد المقفر سيضيعني.. سأعود أدراجي من حيث أتيت عساني أعثر على باب بيتنا وأسلك الثلاثين متراً الفاصلة عن ضجيج النسوة والأطفال والرجال ودوي الفرن. تلكأتُ في خطوي ناوياً الاستدارة. شعرت بأنني لستُ وحيداً، فمن خلفي تناهى ما يشبه حفيف أقدام بات واضحاً عند وقوفي المباغت. التفتُ.. تجمدتُ هولاً. ثلاثة كائنات عملاقة تسد سبيل عودتي، برؤوسها الكبيرة، وأذرعها العديدة، الطويلة، الخارجة من الأكتاف والصدر والبطن والعنق، تتدلى متأرجحة أمام كتلة الجسد العالية بعلو جدار الرخام. كانوا يقفون على مسافة عني. كلما خطوت خطوة تقدموا. كانوا يرمون أرجلهم الطويلة المتينة العارية العصية على العد ببطء محافظين على قدر المسافة بيننا. توقفت مرة أخرى واستدرت هذه المرة بكامل جسدي. رفعت ناظري إلى حيث الوجوه العالية المنكفئة وكأنها تهبط من السماء. لكل وجه  ثلاث عيون. اثنتان جانبيتان كعيني الحصان، والثالثة الأوسع تحتل نصف الجبهة المفلطحة. رأيت بأعماق العيون التسع أتون نيران صافية متأججة. حملقتُ بالأذرع المتأرجحة، المتسلقة جداري الرخام، الممدودة نحوي، الرامحة صوب رماد السماء، بمتانة السيقان المتراصة الجامدة واثقاً من هلاكي. صبنا السكون صباً حتى ظننتُ أن هذه الكائنات منحوتات خرافية اخترعتها مخيلة الإنسان القديم. حدقتُ إلى خزف بشرة الكائنات الساكنة، طلاوة الرخام، صدئ السماء الدانية. يفور في صمتنا دوي الفرن قادماً من خلفي . أتكون مخيلتي هي من أبدعت هذه الكائنات الغريبة؟.. أتكون مجرد تجليات رعبي؟.. سأعود أدراجي.. سأعود. ونفضت رأسي عازماً الرجوع للعثور على الاتجاه الصحيح المؤدي إلى الفرن. بارحتُ سكوني رامياً خطوي نحوها. لم تتزحزح. نفضتُ رأسي مرة أخرى لطردها من مخيلتي لكنني رأيتها تمد أذرعها نحوي وتعيدني برفق إلى مكاني ووجهي باتجاه مصدر الصوت. أيقنت أن الأمر ليس خيالاً ولا كابوساً، وهذه ليست منحوتات حجرية خلفتها حضارة دارسة.. سقطت في اليأس واستسلمت لقدري ميمماً صوب الدوي الهادر في المسار نفسه الذي لا محيد عنه يلاحقني حفيف الأذرع والأقدام الساعية خلفي..
ـ إلى أين تدفعني.. إلى أين؟.. أتبغي طمري في عمق هذه المتاهة الرخامية؟
أرعدني خاطر الطمر. شبت روحي من الجذر، فركضتُ بجنون.. تصطحبني أشباحي المعكوسة بمرايا الرخام. أتلفت كلما قطعتُ مسافة، فأجدني لم أبتعد قيد خطوة منها. المسافة الفاصلة نفسها. ركضتُ دهراً.. مشيتُ دهراً.. تعبت دهراً والدوي نفسه قريب بعيد، الصمت نفسه مكين دفين، الرخام نفسه سائح صلد لين ناعم، والسماء نفسها خفيضة كالحة برصاصها المشوب بظلال العتمات.
*     *
بينا كنتُ سادراً في أبدية المسار أبصرتُ ضوءاً  هزيلاً ينوس في مدى الرخام. وجدتني أنجذب نحوه مثل كتلة عمياء. امتصني. اختنقت من ضيق الخرم قبل أن أتكوم في عتمة سحر ساكناً جوار ما تخيلته عتبة باب خشبي قديم، وخلفي سديم من الأغبرة الرصاصية السابحة في كثافة السواد. تلمست بأناملي الجسد الغاط بالظلام، نعومة البشرة الملساء التي أراها بأصابعي تحت الغطاء. أعتنق جسدها الذي ينبثق كل لحظة من جوف السواد. تظّهرهُ أصابعي الجائبة في تضاريسه العارية الساخنة، النابضة، المرتعشة، الطيعة بين ذراعيّ. أجوبُ.. وأجوبُ في صمت محشود بأخيلة العيون. أدلكُ الاستدارات الممتلئة للكفل والفخذين. نغوص في مطاوي العتمة تحت بطانية عسكرية قديمة.. أين كان ذلك يا إلهي؟.. أين؟ كنت أسمع همساً مكتوماً، ذيول آهات حبيسة وكأنني أعانق الجسد المتجدد في ثوب السواد العظيم محاطاً بلهاث نسوة. كنا عاريين.. عاريين في غرفة من طين، نكتم لهاث أنفاسنا السائحة بالرغبة الطافحة. وفي غمرة الإيلاج والغور في أحشاء بعضنا.. في غمرة التجلي والانمحاق أهجس بأصابع النسوة المجاورة لموقع فراشنا تندس ملامسة ظهري الناضح.. أين كان ذلك يا إلهي؟.. أفي الحلم أم في أسفار مخيلتي المشبوبة؟. والأنثى المتوقدة في أحشائي واللهاث والظلام من تكون؟!. أمرغ جسدي بجهنم اللحم في عمق العماء.. يا إلهي.. ماذا أصاب ذاكرتي.. ماذا؟. أنا واثق أنني الآن في جوف حلكة غرفة رطبة، وهذه الأنثى الباهرة تلفني وألفها تحت الغطاء وسط نسوة مؤرقات بالشهوة.. أسمع فحيح أنفاسهن المضطرم.. لكن أين.. أين.. أين.. وعجنت النهد المتكور، الصلب الناعم، المشتعل في باطن راحتي الحادبة.. قضمت حلمته وأنا أبلغ ذروتي، فوجدت نفسي أعانق خشب باب قديم نصف موارب. أحسست بسائل دافئ يتدفق مبللاً وسط ردائي الأبيض. ضايقتني اللزوجة الدبقة. خطوت إلى الخلف خطوتين مباعداً ما بين فخذي، ساحباً ردائي الملتصق بعضوي الذي لم يزل على توتره. مددتُ ذراعي نحو الباب ودفعته إلى أخره، فأزّ أو خيلّ إليّ أنه أزّ أزيزاً أرعدني فجمدتُ.. ولكن ليس ثمة صوت أو صدى.. ما هذه الدار؟ شعرت بالمكان يأخذ روحي.. أليفاً.. حميماً.. معجوناً بدمي. كنت في المسافة الضيقة بين الباب المفتوح وستارة من قماش مسدلة. أزحتها وخطوت في عتمة ممر يعبق بمزيج من روائح قديمة أحيَتْ أمكنة مبهمة في ذاكرتي، رائحة جوري، زهر الرمان، قداح، تمر، ماء ورد، زعفران، مسك وعنبر. روائح أشعرتني بالنشوة ورأيت فيها بساتين وسواقي، أفياء وحقولاً، أسواقاً ومقاهي. خضتُ في عتمة الممر الموحلة باتجاه نثار ضوء يتصاعد من باحة الدار غير المرئية من موقعي العالي. استطعت تشخيص فتحة سلالم صاعدة إلى يميني، وباب غرفة خشبي تعلو إطاره العلوي نافذة زجاجية تتصل بالسقف العالي. عبقني ضوع الآجر. دنوت من الجدار. تحسسته، وعببت أنفاساً متلاحقة.. خدرتني وجعلتني أطبق أجفاني لهنيهة. ليسطع ضوء خاطف في رأسي..
ـ أليس هذا بيت عمتي الأرملة؟!..
نعم.. المدخل وفتحة السلالم والغرفة وشباكها العلوي، معنى ذلك أنني سأكون بعد عدة خطوات في صحن الدار. تهالكت باركاً. قبلتُّ أرض الممر. تيممتُ بغباره، ونهضت مقرور القلب لخلاصي من أمواج الرخام وممره الوحيد وأشباح الكائنات الخرافية.. يبدو أنني غفوتُ على العتبة، كما كنتُ أفعل في طفولتي العنيفة حينما ألجأ إلى حضن عمتي هارباً، فلا أجدها في البيت فأنام على العتبة إلى حين رجوعها. لم تستمر بهجتي بالخلاص من كابوس الظلمة والرخام طويلاً. فالممر وجدته طويلاً.. طويلاً على غير عهدي بقصره، أفضى بيّ إلى رواق مسيَّج يحيط بمربع صحنٍ أوقعني في الذهول، فهو واسع ينخفض أكثر من خمسة أمتار. محشودٌ بأعداد لا تحصى من الغرف المتجاورة المتقابلة بنسق دقيق، يتقدمها أواوين ضيقة يُرتَقى إليها بسلالم معدودة. الغرف مفتوحة الأبواب يتسلل من جوفها ضوء شموع مرتعش لا يضيء، بل يزيد من عتمة الإيوان. تمسكت بحافة سياج الرواق المرتفع إلى نصف قامتي. انثنيتُ، ملتُ، تنقلت من مكان إلى آخر محاولاً رؤية ما في الغرف، فلم أقع إلا على ظلال أشكالٍ مبهمة ترتمي وتنحسر جوار العتبات. هويتُ على ركبتي معانقاً مشبك السياج، يصفر برأسي أزيز صمتٍ مدوخ ابتدأ يتصاعد من قاع الصحن. كنتُ يائساً أفكر في بهمة المكان وغرابته، ما تحتويه غرفه من أسرار. التفت إلى عمق المدخل فضاعت عيني في حلكته. للمكان الرائحة نفسها. لآجر الجدران.. الملمس نفسه، لكن ليس لصحن عمتي غير غرفتين متجاورتين وإلى جانبهما حمام ومطبخ واطئ السقف، وفوقهما الإرسي القديم وسلمه المنزوي والدرجات المعدودة، أما المدخل فقصير لا يتعدى أمتاراً ستة. فكرت في الهروب من كل هذا، لكن إلى أين؟! قلتُ لنفسي أرجع من حيث أتيت، لكن من أين أتيت أنا أصلاً.. من أين؟ وتذكرتُ هبوطي المريع من فضاء بلا جاذبية إلى مدينة الرخام ودويها البعيد الذي أوهمني بالطفولة، وممرها المتعرج بجدرانه الرخامية الصماء، وحفيف خطى لاحقتني بأطياف أشباح كائناتها المرعبة التي دفعتني إلى عتبة هذا البناء الغامض.. أي جنون بفكرة العودة هذهِ!. ليس أمامي سوى النزول ومدخل الممر وجدته مندملاً بحائط الرواق. ليس أمامي غيره فبدون الهبوط إلى الصحن لن أعرف.. أين أنا؟.. ماذا يدور حولي؟.. وما يحتويه جوف الغرف من أسرار؟. قادني الرواق والتف بيّ نحو نقطة أحسست وكأنني سوف أسقط في فجوة مظلمة لرخاوة السواد. هوتْ قدمي اليمنى مما جعلني أتشبث بمربعات سياج الرواق الحديدية. تحسست السطح الصلب الذي استقرت عليه قدمي، فأدركتُ أنني أهبط على سلالم حجرية تنتهي إلى قعر الصحن. وجدته أوسع مما اعتقدت. تقدمت نحو مركزه منجذباً لعبق ماء. بلغت سوراً خفيضاً يتدور حول بئرٍ. باغتتني رائحة ماء تفوح من جوفه. رائحة تجري بدمي أعرفها. شعرتُ بدوار. ترنحتُ حاولتُ التمسك بسور البئر. أفلتت أصابعي، فتشبثتُ بحبل الدلاء واضعاً صدغي لصق بكرته. بالكاد استعدتُ توازني، فرميتُ بصري في جوف غرفة مقابلة. أقشعر جسدي من عينين بارقتين تشخصان من جدار الغرفة المقابل للبئر، عينين باسمتين ترمقاني من خلف أضواء شمعدان موضوع وسط صينية وحوله طاسة حناء مغروز في طينها أعواد بخور. الصينية موضوعة بدورها على دكة أسفل إطار الصورة المعلقة، عينين واسعتين سوداوين هدباوين تصبان فيضاً من الود، أبحرتُ في غورهما، في زغب الوجنتين، في ظلال البسمة المأسورة بعمق الورق. أمعنتُ في تشبثي بحبل الدلاء، بسياج البئر مردداً في أعماقي.. يا إلهي.. إنه حبيبي ـ علي عبد الباقي البناء ـ ابن عمتي الكبيرة الذي اختفى في ظروف غامضة.. قيل إنه صفي جسدياً في أقبية الأمن العامة ببغداد، وقيل إنهم أفرغوا دمه لمعالجة جنود الجبهات الجرحى. وقيل إنهم أبلغوا أباه بقتله ودفنه فأغمى عليه في دائرة أمن الديوانية، وعندما أفاق ترجاهم كتمان الأمر على عمتي التي قتل لها ولدان في الجبهة. قيل وقيل.. وقيل.. لكن ـ علي ـ الضائع يشخص من صورته الفوتوغرافية وسط الشموع. تصفحت أرجاء الغرفة. جدرانها القديمة المتينة. إطار الصورة المحاط بإكليل ورد. سجادات كاشانية تغطي مساحتها الصغيرة. وجوه أئمة تحدق بعيونها الواسعة العارفة في أشياء الغرفة والصحن. وجوه ساكنة جليلة تبعث في النفس السكينة والسلام. وفي الزاوية المجاورة للدكة رأيت كتلةً سوداء لها شكل امرأة في وضع السجود، ساكنة في تكورها.. جامدة وكأنها أيقونة قديمة.. من تكون؟.. من؟.. أهي عمتي.. أم أنها قطعة من رخام أسود؟. هممتُ بالخطو صوب إيوان الغرفة. عزمتُ على كشف ستر الجسد الساجد تحت العباءة السوداء. انفصلتُ عن سياج البئر، وفي الخطوة الأولى فقدت ساقيّ ووجدتني أعتنق حجر الصحن المرصوف وكأنني دون ساقين. حاولتُ لمَّ بعثرتي والقيام، كان الأمر عسيرا. تقلبت. تعفرتُ بغبار البلاط القديم. تقلبتُ وقلبتُ أمري، فبتُ واثقاً من أنني لستُ طفلاً غادر البيت في سحر من أسحار ـ حي العصري ـ لشراء الخبز بالنسيئة من فرن المحلة كما أوهمني الدوي الهادر في غفوتي جوار عتبة دار عمتي، بل أنا في زمن آخر. زمنٌ لا ساعة فيه، أغبش.. أظلم، فمتى قُتِلَ ـ علي ـ يا إلهي.. متى؟. لم يكن أمامي غير الزحف وسيلةً. زحفت بعناء وسط الصحن والمسافة الفاصلة بين خط زحفي والغرف المفتوحة ثابتة مهما غيرت اتجاهه في معادلة محيرة. مررتُ بجوف الغرف المتجاورة المتقابلة العصية على العد. في كل جدارٍ يواجه فسحة الصحن يطالعني وجه أليف يوقظُ في نفسي حفنة من الذكريات والشخوص والأحداث، وجوار كل دكة شمع وبخور ثمة كيان يجثم في وضع السجود. ليس بمقدوري سوى الحبو والتقلب وسط الصحن. أصبح من المستحيل عليّ الوصول إلى سلالم إيوان الغرف السابحة في دخان البخور، والمنارة بألق الوجوه المرتوية. أتكون أمي هي الساجدة في زاوية الغرفة التي طالعني من جدارها المواجه لحبوي وجه أخي الصغير ـ كفاح؟!.. أتكون النسوة الساجدات سجود الحجر الأسود أمهات الساكنين ورق التصوير المصقول خلف زجاج الإطار.. أتكون.. أم أن ذلك وهم آخر من أوهام مخيلتي؟.. ما معنى كل هذا؟.. ما معناه؟.. أأكون في زمن مطلق لا ساعة فيه؟.. أأكون في كابوسٍ جديد؟.. لا.. لا.. ها أنذا أستخدم كل كتلتي كي أتحرك. أتعفر بأغبرة البلاط ولجسدي أبعاده الفيزيقية الملموسة.. ما الأمر إذن..؟!.
*     *
على البلاط، في دكنة الظلال الغبراء.. أتطوى.. أتلوى وأطرافي محتدمة في صراعٍ مع منابتها. كل طرف يبغي ناحية، كل طرفٍ يعاند شبيهه فيخمد عاجزاً ليعاود الكرة. أنقلب حابياً على بطني، زاحفاً على جنبي. أرمق السلالم، الإيوانات، جوف الغرف، الوجوه الساهرة تحت ضوء الشمع، بقسماتها الحية الرانية من ورق التصوير القديم، كتلة المرأة الساجدة السوداء. وفي غمرة السديم الذي أنا فيه رأيته، فأخذني من الصمت إلى  الضجيج.. الوجه.. الوجه شديد الألفة بعينيه الضاحكتين البارقتين المحدقتين نحوي من خلف دكة الشموع.. وتهشمت ملامحه في النزف والصراخ.. إنه الجندي ـ عبد فرج ـ الذي لملمت أشلاء جسده الممزقة المقطعة، الملوثة بتراب برية سهوب شرق البصرة والدماء، ووضعتها جوار بقاياه الملفوفة في بطانية نقعت بصبيب دمه المتدفق رغم اندماله بجدار الأبدية. جمعّتها باضطراب واضعاً كل قطعة بمكانها وكأنني أريد وصلها من جديد، الكف الصغيرة، الساعدين، وقدم واحدة فقط. ظللت أدور في أنحاء موقع ـ البطرية ـ بحثاً عن القدم الضائعة دون جدوى، ترن ضحكته في رأسي، فبالأمس عدنا من الإجازة إلى الجبهة بسيارة تموين الكتيبة القادمة من البصرة. كان يحدثني مرحاً عن قدر الإنسان ضارباً مثلاً في نفسه:
ـ  الأعمار بيد الله يا أخي صار لي بالجبهة من أول ما بدت الحرب.. يعني قبل خمس سنين.. تدري كم جندي مات بصفي. صرت أضحك من واحد يخاف من الموت.. فلا تهتم.. ذبها على الساطور.
لم نعثر على القدم الأخرى إلا في اليوم التالي، فدفناها خلف الساتر الترابي وسط نحيب الجنود.
.. إذن كنتُ جندياً.. جندياً في سهوب البصرة.. لكن متى؟.. تلك هي المشكلة.. متى.. وأين صارت زوجتي الحبيبة.. أهي في شقتنا القريبة من دور ـ الإسكان ـ بطرف الديوانية التي كنا نقضي فيها أجمل سبعة أيام مدة الإجازة الشهرية.. أم في مكان آخر؟.. هل أنا في كابوس جديد من كوابيس ليل الجبهة أم ماذا؟.. ما هذي الغرف الملتفة، المشكلة مربعاً شاسعاً يشبه قاع حفرة عظيمة؟.. ما هذي الصور الجامعة لكل معارف العمر؟.. من علقها على جدران هذه الغرف الضيقة التي لا تتجاوز مساحتها 2×3م؟.. ولم أنا محلول المفاصل، بائد الأطراف أتقلب حابياً، زاحفاً على بطني، ظهري، جنبيّ تحت أنظار الشاخصين نحوي من أجواف الغرف.. متى أستيقظ من هذا الكابوس؟
أعياني الزحف، فاسترخيتُ ممدداً على ظهري، أحملقُ في قبة السقف الزجاجية المفتوحة على سماء خاوية معتمة. أحملقُ في التباس أزمنتي وأحوالي، غموض وجودي في هذا الصحن القديم، أحملق في صفحة السماء العميقة الصلدة التي امتلأت بأطياف وجوه شاحبة راحت تظهر وتغيب خلف زجاج القبة. هبط من بينها طيف ولدي ـ كفاح ـ ابن السنتين.. رأيته يقف في طرف الباحة يحدق باستغراب نحوي.. أناديه بصوت مخذول:
ـ بابا.. بابا.. تعال بابا.. تعال حبيبي.
يجمد جوار قامة أمه، يتشبث بساقها كلما هممتُ بالدنو منه، فأتوقف لأعود إلى مناداته:
ـ أنا أبوك يا ولدي.. أنا أبوك.
فيقطب حاجبيه، ثم يغمد وجهه بثوب أمه الأسود الفضفاض، أين كانت تلك الباحة الشبيه بهذه وبباحة بيت عمتي.. أين.. كنتُ في بغداد وكانت تأتيني كل خميس به. كنت مختفياً لدى بيت صديقي ـ عبد الحسين داخل ـ في بيته بحي الصحة بمدينة الحرية، شغلت غرفة عليّة واسعة عند مقارنتها بإرسي عمتي، كنتُ أقضي غالبية النهار في الغرفة تلك، و ـ حسين ـ يبكر إلى معسكر الرشيد حيث سيق جنديَّ احتياط بعد حلولي في بيته بيومين. كانت تنحني نحوه، تقبله وتهمس بأذنه برقة عن كوني أباه. فيخطو خطوة وجلة نحو قرفصتي وسط الباحة. كنتُ أسمع خلفي زوجة صديقي وأخته يحبسن نشيجهن بصعوبة. يقترب وما أن أحضنه عاباً من عطره الفريد حتى تنفجر النساء الثلاث بالنحيب.. لقد أنساه غيابي قرابة السنة والنصف قضيتها في.. .. ..، أين.. أين قضيت تلك الفترة.. أين.. لو أتذكر لسلسلتُ الأحداث وعرفت كيف وصلت إلى هنا؟!.. لو.. ليس بمقدوري التذكر إطلاقا، لكن أتذكر بوضوح أنني اختفيت في دار عمتي الأرملة الجميلة.. إذن أنا الآن في صحن دارها ساقط في جب كابوس آخر يضاف إلى كوابيس الكائنات الحجرية بوجوهها الثعلبية التي أخذت زوجتي العارية وحجرتها في فرن تلك القاعة الرخامية، ورحلتي بصحبة نادية جارتنا الشهوانية التي ساعدتني على الارتقاء إلى قمة برج المدينة، ثم منحتني جناحين متحولة إلى أمي لحظة الطيران، كوابيس تحتلني ليلة الجمعة وأنا أتحنط في عتمة الإرسي دون حركة أو صوت، أتبول في آنية من الخزف، وأتغوط في أكياس نايلون أضعها قرب قدمي بعيداً عن رأسي والخبز وترمس الشاي حابساً شخيري وسعالي، لأهبط بعد منتصف الليل من فتحة بحجم الكف إلى الباحة المقمرة محتدماُ بالشهوة. أتقلب على بياض جسد بنت العمة العاري الملتف بجسد زوجها الأملس في لحمة تتقلب مطلقة صرخات وآهات وأنات تدفعني في نفق الرغبة الحبيسة بغرفها السفلية المتناسلة بالكتلة الملتفة المتموجة الصاخبة في أتون الأفرشة. تدفعني لعذاب الغريزة وسعيرها حتى حدود الرماد مع بكرة الضوء حيث أسقط خجلاً ناضحاً مبلل الوسط.. أين موقع الإرسي؟. أطبقتُ أجفاني متخيلاً فراشي الممدود من بابه الصفيحي حتى الجدار المقابل. تمنيتُ لو أنني فيه حقاً.. لو أستيقظ من هذا الكابوس، فأكون في دفئه، في غبرته، في جبه المعتم حتى في عزِّ النهار.. أنصتُ بشرود إلى وقع الجص المتساقط من السقف المنخور. حلمتُ في إغماضتي بذلك السلام الذي كان يغمر كياني أوقات الضحى وأنا سادر مع أصداء ضجيج المدينة. أنصت وأحلم. أحدق في الباحة الخالية وأحلم. أطل من نافذة الدار على المارة وأحلم. أتتبع الفيء المنحسر وأحلم. أتمدد في الظلال المنبسطة وأحلم.
وأخيراً أفلحتُ بالجلوس متربعاً. أجلتُ بصري باحثاً عن موقع المبردة التي أنسل من تحت حاملها إلى السلم القصير المؤدي إلى الإرسي، فلمحتُ في الظلال الكثيفة جوار باب قريب سلماً حجرياً يتحلزن في صعوده إلى تجويف مستطيل محفور في الجدار يرتفع مقدار ستة أمتار عن انحناءة الإيوان. تجويف له شكل مشكاة من مشاكي البيوت القديمة. أدمتُ النظر في جوفها الحالك. ثمة شيء ما شدني إلى أنفاس الحلكة الحية النابضة في غورها. شيءٌ سرعان ما استبان والسواد غشت حوافه بظلال زرقةٍ خفيفة كشفتْ كتلة شيخٍ ملتحٍ ينود في جلسته برتابة، ويسقط حبات مسبحته السوداء الطويلة المكومة في حضنه خرزة.. خرزة ببطء رامياً بصره بين الفينة والأخرى نحو السماء الخاوية. تفرست في القسمات الناصعة، الناعمة، النائدة، النائرة أثناء دخولها حيز الزرقة الباهتة، المتلاشية عند تراجعها إلى كثافة الظلال العميقة، في الشفاه المتمتمة بصمت أجوف دوار، باستدارة الوجه الساكن، بالصدر الناحل الأملسَ العاري. جعلتُ أنود مع نوده الرتيب. أنود.. و أنود نود  سكرانَ بالملامح القريبة البعيدة، الأليفة الغريبة إلى أن هزتني رعدة انبثقت من جذور عظامي، وراحت تجوب في أرجائها صاعدة نازلةً.. يا إلهي.. يا إلهي.. إنه زوج عمتي القتيل.. هو بلحمه ودمه! كيف يحصل هذا.. كيف؟!. كيف وأنا أطللتُ في طفولتي البعيدة على طوله المسفوح وسط هذي الباحة. كنتُ وأخي الصغير نتخفى خلف نوافذ القبة الزجاجية العالية مذعورين من وحشة البكاء ولطم النسوة، غير مدركين معنى الموت والفقدان. أدرت رأسي ناظراً إلى موقعي القديم فرأيت وجهي يلاصق وجه أخي الغائب خلف زجاج نافذة القبة، رأيت ذعر العيون الطفلة المحملقة في موقع جلستي المحتلة موضع التابوت المتوسط سورة النساء النادبات وعمتي وسطهن مفروكةً بلوعتها تمزق الرداء وتقص جديلتها الشقراء، أحسستُ بنعومة الضفيرة الممدودة على جسدي المسفوح. وعمتي تخمش بأظافرها الخدود، تشق الزيق، وتدميَّ النهدين الأبيضين المرتجين الحزينين. أتربعُ في البقعة ذاتها عاجزاً في خواء الصحن الخفيض. أتربعُ في مساحة تابوت النائد الآن في تجويف الجدار العالي محاطاً بأواوين وغرفٍ لا تحصى، وعيون بشرٍ تشخص من صمت الجدران، من غور ورق التصوير، ونحت أجسادٍ أنثوية ساجدة في زوايا الغرف الضيقة، جامدة تحت العباءات السود. انتبهت إلى ما فوق الأواوين. في منتصف المسافة بين تدوير القبة وقوس الإيوان العلوي تجويف يرشح من مدخله ضوء أزرق ضعيف، وينود ظاهراً مختفياً بين ظلال التجويف الداكن وضباب الأزرق الباهت جسدٌ عاري. تجاويف بعدد الغرف المتناسلة في متاهة المتوالية العددية المفتوحة على المطلق. تجاويف تفضي إليها سلالم حجرية تتدرج في ظلال المسافات الفاصلة بين أقواس الأواوين.
تصفحت من موقعي قدر ما تسمح به مدى الرؤية والأضواء. تصفحتُ الوجوه النائدة في حركتها اللولبية بين عمق المشكاة الظليل والأزرق العليل برهبة وجهاً.. وجهاً. وجوه أصدقاء قتلوا في جبهات الحرب، في الأقبية، في الساحات، في غرف البيوت، في الشوارع، في المساجد، في صحون الأضرحة المقدسة، في ليل الجبل الدامس، في أسرة النوم والبارات، وجوه أعرفها ولا أعرفها، وجوه أليفة، وجوه تلاشت وكأنها حلم أو لم تكن، وجوه صادفتني في المدن والمحطات، المقاهي والمدارس، المساجد والبارات، في الكتب القديمة والروايات، وجوه انطبعت في أعماقي، وجوه ضممتها إلى صدري، قبلتها، خاصمتها، صالحتها، سهرت معها، نمت جوارها في الملاجئ.. في قاعات الجيش وقواعد ثوار الجبل.. في الفنادق الرخيصة والشقق وأقسام الطلبة، وجوه تخطف في الخاطر وتخدش الروح فرط جمالها ورقتها، وجوه رافقتني في أسفاري، وجوه تظهر وتغيب في نودها الرتيب المتأرجح بين دكنة التجويف وشحوب زرقة الحافة. من غمرة ذهولي انتشلتني غرفة منفردة تعلو قليلاً بعتبة إيوانها عن غرف الجوار، في الجدار فوق انحناءة إيوانها رأيت تجويفاً معتماً هامداً لا أحدَ ينود فيه. أرعدني جوفه الفارغ:
ـ أيكون في انتظاري؟!.
نفضت رأسي من الخاطر الماحق، وحاولت الرجوع إلى خدر الذهول المنبث من إيقاع النود الصامت للأجساد العارية المعلقة لكن قوة غامضةً أنهضتني وأخذتْ تدفعني نحو السلالم الحجرية الرابضة في الظل الكثيف:
ـ ما هذا يا إلهي؟!.. أأكون قد مِتُ؟!. لا.. لا.. ها أنذا أخطو ناقلاً ساقيّ.. لم أمتْ.. لم أمتْ بعد، لكن ما هذي التجاويف الحافرة جسد الحيطان ببشرها العراة النائدين، المسبحين في إيقاع رتيب دقيق لا يمس صفو الصمت الراسخ. أيكون هذا مدخل العالم الآخر؟.. أأكون في الفسحة الكامنة خلف أبواب الظلمات الأولى؟.. أهذا البرزخُ ما بين.. تجويف الانتظار!.. لا.. لا يا ربي.. لا.. متى متُ وكيف؟.. متى؟.. وأين؟..  لو أتذكر يا إلهي ما حدث لي، لو أتذكر المكان الذي منهُ أولجتني ظلمتك، لو أتذكر لحظة مغادرة الأعالي.. لو أتذكر أين تركتْ محبوبتي.. لو.. لو.. يا للوعتي الحارقة. أردتُ النكوص على أعقابي لتسلق السلم المؤدي إلى الممر، فباب عمتي، فأزقة ـ الجديدة ـ الضيقة، فشوارع الديوانية العريضة، سوقها المسقوف، نهرها، بشرها، ترابها، حوانيتها، طيورها، أشجارها، حقولها، حدائقها، صحرائها، بساتينها، بردها، حرها، مقاهيها، غبارها، طينها. أردتُ معانقة كل شبرٍ فيها، كل نفسٍ فيها، كل شجرة، كل باب.. أردتُ.. أردتُ ولكن كنتُ كمقيدٍ بسلاسل مضفورة، وأيادٍ غير مرئية تدفعني برفق نحو مصاطب السلالم الحجرية المستديرة خلف الجدران، المؤدية حتماً إلى الكوّة الخالية. جوار السلالم إلى اليسار في الغرفة الفارغة رأيت وجهي يطل من إطار صورة فوتوغرافية قديمة، معلقة في الجدار، خلف دكة الشموع، صورة تذكرت أنني التقطتها في شارع الرشيد ببغداد في خريف 1973، سنة قبولي في الجامعة، كم من السنين مرت بعد ذلك العام؟.. كم؟.. لو أستطيع تنظيم سلسلة الأحداث المبعثرة.. لو أستطيع لَمَّ شظاياها. الشاب اليافع بملامحه الناعمة وشعره الغزير المنسدل حتى الكتفين وعينيه العسليتين.. الشاب الناعم الغض الذي كان أنا في لحظة ما يحدق نحوي باسماً. تجمدتُ مستغرباً من البهجة التي في عينيّ القديمتين.. من إقبالي على الحياة بذلك النهم الذي توحي به الصورة. شملت الغرفة بنظراتي.. لا يوجد شيء في الزاوية عدا سجادة صلاة وقرص التربة المقدسة. التفت إلى يمين السلم، إلى جوف غرفة دانية تجاور غرفة رسمي، فاخترقتني عينيان واسعتان سوداوان تصبان وداً. أرخيت ظهري إلى باطن الراحة الرقيقة. طاوعتني فاستكنت. الوجه الطفولي ليس غريباً.. ليس.. ليس. بل أقرب من قريب. تأرجحت من جديد في سديم الأمكنة والوجوه وكسر الذكريات واليد المجهولة دفعتني خطوة أخرى. فحملقتُ بكل كياني نحو الوجه الناعم الذي تبسّم رامشاً بعينيه.. يا إلهي.. يا إلهي.. إنه ولدي ـ كفاح ـ.. يا بوية.. يا بوية.. متى كبرت يا بوية.. وما الذي أتى بك إلى هنا؟.. وعبقتني رائحة جسده التي كنتُ أعب منها عميقاً طوال السنة الأولى من عمره وكأنني كنت أعرف أنني مفارقه لا محالة. كنتُ أحاول المكوث في موقعي معانداً الكف اللصيقة بظهري داوياً بالأسئلة. أهو الآخر ينود في تجويفه الأبدي؟.. أهو الآخر؟.. حاولتُ رفع رأسي نحو الكوّة العالية، لكن ثمة قوة ضاغطة من الأعلى تشل حركة عنقي. لا.. لا.. مستحيل.. وانفجرتُ بنواح أخرس.
ـ يا رب الظلمات
يا رب الأمكنة المطمورة في أعماق الظلمات!.
يا رب الصمت والمشاكي!.
لو أستطيع الاستدارة.. لو أستطيع الانحراف نحو هذي الحجرة لكشفت غطاء الكتلة الساجدة في الزاوية المرئية من موقعي، ولأدركتُ أسرار القصة، وجودي، ما يجري، الزمن، وما هذا المكان الغريب الأليف.
ـ يا كومة ملفوفة بطلاوة عباءة ساكنة وكأنها صبت من رخام.. أتكونين زوجتي الفاتنة.. أمي الدافئة..
يا أيتها الملتمة في أروقة سجادتها.. فارقي تربتكِ ولو للحظة.. ارفعي وجهك علّيَ أراك.. علّيَ أمسك بخيطٍ يدلني..!.
ودفعتني الراحة العظيمة.. خطوة أخرى.. خطوة مؤلمةً غيبتْ ألق عيني ولدي الضاحكتين، حافة الإطار، حافة الشمعدان، المسافة الفاصلة بين الصورة والكتلة المصبوبة في سجدتها، ثم حافة العباءة المسفوحة جوار السجادة الكاشانية التي خيل إليّ أو تصورتها أو رأيتها فعلاً تنسحبُ وكأن الساجدة تهم بالقعود. ابتلع قوس الإيوان باب الغرفة وأحالني إلى أشباح الضوء المرمية على جداره المقابل. وجدتُ نفسي جوار السلم الحجري المؤدي إلى التجويف الفارغ:
قبل أن أضع قدمي المتأرجحة على أول درجة، رفعتُ رأسي فإذا بالسلالم تستدير متحلزنة خلف الحجرة، لتغور في جوف جدارٍ مقعرٍ من المستحيل رؤيته من بئر الصحن.
ـ إلى أين سيأخذني هذا التجويف الشبيه بالبوق؟. ألا زلت في باطن كابوس من كوابيس أرسي عمتي؟.
مرة أخرى تحسستُ صدري، عنقي، جبهتي، فابتَلتْ أصابعي بنضحي
ـ .. لا.. لا.. هاأنذا يقظٌ، أرتقي السلالم المتدرجة تدرجاً طفيفاً يضيع بثقب البوق الضيق البعيد. أأكون قد متُ في عتمة مستطيل الإرسي المغبر ذاك، وعبرت نهر الظلمات نحو الضفة الأخرى للوجود. أيكون الباب الذي ولجته ليست باب عمتي بل بوابة الآخرة، والصحن مفتاح معانيه ودلالاته، وإلا كيف اجتمع حشد أصدقائي ومعارفي القتلى والغائبين في تجاويف الجدران عراة ومتفرقين كلٍ في غرفته، ساكنين أواسط الجدران، طالعين من روح الورق الصقيل، باسمين بوجه القادم. أيكون هذا الصحن صالة استقبال الهابطين من ضجيج الأعالي؟. أيكون لكل كائن بشري مدخله الخاص المزين بصور معارفه وأجسادهم الحية الناهضة من رمادها والجالسة في تجويف انتظارها لملاقاته في أول خطوه بعالم الظلمات؟.. لكن أين قضيت نحبي؟.. وكيف؟.. تحت أغبرة الإرسي أم في مكان آخر. أطبقت أجفاني للمرة التي لا تعد، وخضتُ في سديم وأشلاء ذاكرتي المنثورة.. لا.. لا.. لم يكن الأرسي هو الأخير من الأمكنة.. لا.. لا.. غادرته بعد أن ساء وضعي البشري. انسللتُ في غبشة ليلٍ إلى دار أهلي القديم في ـ الحي العصري ـ قضيت فيه ليالٍ صعبة ضاجة بأخيلة الموت الحائمة في سكون الأسحار، في مجرى النهار، والقادمة من وقع أقدام، صوت محرك سيارة يتخافت، قرع جرس الباب، أخيلة شلت حواسي، فرغم نومي الليلي لصق جسدها الساخن وإلى جانبي يغفو ابني الذي تعودّ عليَّ وصار يناديني بابا، صارت نعومتها الفاتنة مصدر عذاب جديد، وبدلاً من الاسترخاء البهيج عقب ذروة المضاجعة، صرت أزيحها عني بعنف متكوراً بطرف الفراش، مخبئاً وجهي بين ذراعيّ الملتفتين حول ساقي المضمومتين إلى صدري العاري، مسحوقاً.. مذعوراً، هارباً من نظراتها المستغربة من وضعي الجديد.
ـ فأين إذن قضيتُ نحبي؟!.
لا يحضرني سوى ذلك الإحساس المربك الذي ماد بأيامي إذ أصبحتُ مذعوراً من فكرة موتي الداني أنا الذي كنت قبل تجربة اختفائي لا أهابه، بل كنتُ أهزأ ممن يخاف من لحظة لابد من حلولها عاجلا أم آجلا. أصبحتُ مرتاباً من كل ما يحيطني، من الوجوه.. من السماء.. من الأصوات.. من الآخرين.. من الدنيا.. من الشجر، وحتى من أطفال الجيران.. فلو وقعت أعينهم عليّ،  سينكشف للسلطات مكاني. وكنتُ أعاني لاستنهاض ما بداخلي من مقاومة وشجاعة كي أتوازن مع المحيط. أتذكر ذلك جيداً الآن لكن متى كان ذلك بالضبط.. وأين تقع هذهِ الأحداث في السلسلة المقطعّة.. هذا ما لا أستطيع ترتيبه.. ولكن لماذا أصبحت ذلك الوقت هشاً إلى تلك الحدود.. لا.. بل جباناً. صرتُ أرتعد، وخاطر الموت يبددني هباءً في متاهة الهواجس والظنون.. لماذا تردى حالي إلى ذلك الدرك؟. لم أخف على نفسي يوماً بل خضت في دروب المهالك دون خشية.. فلماذا إذن.. لماذا؟!.. يا كون الظنون.. متى عبأت رأسي بالمخاوف.. متى؟.. أتذكر هذه اللحظة أنني كنتُ أخشى عليها، مستميتاً لحمايتها من الآخرين.. لكن أين كان ذلك؟.. لا يحضرني سوى هاجس فقدانها، أو خاطر تركها وحيدة في باطن مكان موحش سقيم، أين كان ذلك المكان الذي هزّ استقراري، وأَذْهَبَ لا مبالاتي المعروفة، التي كانت تثير استغراب ودهشة الجنود في الخنادق، كنتُ أغفو ملء جفوني رغم القذائف المتساقطة طوال الليل حول الملجأ، بينما يسهر أفراد الحضيرة متوترين. أسمعهم وأنا في عزّ نعاسي قبل السقوط في الغفوة:
ـ شوف.. شوف راح ينام.. شوف ما تكلي هذا شنو من بشر!.
كان ذلك الكلام لا يثيرني، بل يجعلني أنفصل عن كل ما حولي متلاشياً في الغفوة، وعندما يسألونني في الصباح عن سر قدرتي على النوم أجيبهم ضاحكاً:
ـ الموت واحد، أحسن يجيني وأني نايم.
أقول ذلك عن قناعة عميقة، وعن يأس تام لا يدركه زملائي الجنود في الخندق. أقول ذلك رغم أنني أفارقها كل شهرٍ مرةً وكأنني أودعها الوداع الأخير، لكن أعود في الإجازة التالية، لأجرفها في شوقي، وأنحدر في أشواقها غائرين في الامتزاج والحلول طوال الأيام الستة التي تسبق السابع الأخير. في ذلك الوقت كنتُ مطمئناُ رغم احتمال مقتلي في كل لحظة، كنتُ أتخيلها بعد موتي وهي وسط أهلها وأحبابها. لكن أين.. أين حللنا يا رب الأمكنة بحيث أصبح لخاطر فقداني أو فقدها لوعة تشعل الجوانح، ولم أنا في خوف ماحق من غيابي ووحدتها؟.. أين.. أين.. يا رب الظلمات.. يا رب الظلمات أين.. أين.. أين.. أيــــــن؟.
لا.. لا.. لا.. لا.. لا.. لا.. لا.. لا.. لا.. لا.. أ وقع ما كنتُ أخشاه؟!. أوقع مصابي الأعظم؟!.. أأكون قد قتلتُ في الجبل وتركتها وحيدة بين رجال العصابات؟ أوقع المحذور؟. ما كان يشغلني في الخلوات والليالي.. في أحلام اليقظة والنوم، في الكوابيس، في لحظات المرح والرقص، في الفراش والذروة، في الأرق وشرود نوبات الحراسة، عند خروجي في مفرزة تجوب مجاهل الأودية المنسية.
أتلظى بلوعتي على السلالم الحجرية. أصعد متضوراً بنيران غيرتي..
ـ يا رب الظلمات.. ماذا حل بها.. ماذا.. ماذا؟!. يا ليتني في كابوسٍ وأستيقظ، فأراها، أضمها، أشمها، أحميها.
انتهت السلالم بدكه مدورة في باطن البوق. أدت بدورها إلى ثلاث درجات تهبط نحو مسلكٍ ضيقٍ محصور بين جداري البوق المقوسين، المستدقين قليلاً.. قليلا حتى شرخ فم البوق الطولي المرئي من موضعي على الدكة وكأنه مستطيل يتراقص في أغوار حلكته نثار أضواء باهتة مثل نجوم بعيدة. تريثتُ قليلا، والتفتُ راغباً في إطلالة أخيرة على جوف الصحن، فواجهني جدارٌ خانقٌ من الظلام الأخرس. أدرت وجهي ومددتُ بصري متتبعاُ ذرات الضوء المتناهية الصغر. اتخذت السبيل الوحيد. أرمي خطوي على بلاطٍ له قوام الهواء، خائضاً في الصمت الأصم الكاتم كل نأمة، يلاحقني الظلام الزاحف بصخره الأجوف إلى أن دخلت شق البوق العميق، لأحاصر بجدران السواد من الجوانب والخلف، من الأعلى والأسفل. ليس أمامي سوى السبيل الذي أسير على صراطه. ارتبك خطوي وأنا أدوس متأرجحاُ على مسلكٍ أبهت لوناً يسع القدم بالكاد. تأرجحتُ وكأنني أسير على خيط معلقٍ في الفضاء قبل أن أتوازن مصبوباً بالصمت الفاحم، وأتقدم ملاحقاً مزق الأضواء التي راحت تتقارب وتتجانس في التحام شكل نافذة سفلية تبث نوراً جمرياُ أرمد لا يضيء سوى حافاتها الضائعة بامتداد السواد العظيم. تقدمتُ نحو موقع النافذة الصغيرة نادباً الصحن والبئر والبشر التي انمحقت في غياهب السواد.
ـ أتكون تلك النافذة المدخل الخلفي للتجويف الفارغ فوق الغرفة التي عُلِقَتْ بجدارها صورتي؟!.
وتمنيت من أعماقي أن أكون سائراً خلف الجدران العالية للصحن، باتجاه المشكاة المطلة على عمق الصحن.. سأجلس مثل النائدين في التجويف الأغبش، أسّبح بمسبحتي وأنود منتظراً عسى ولعل، ينكشف لي سر المكان، فأمسك خيطاً يوصلني لحبيبتي التي لا أتذكر كيف وأين ومتى أضعتها؟!. كل ما جمعّته حافظتي وجودنا معاً بين رجال العصابات في وادٍ عميق يسمونه ـ زيوة ـ يظاهر قلعة العمادية ويجري في قاعه نهر – الزاب – الأعلى المحاذي للحدود التركية.
ابتدأ المسلك الوحيد يرتفع ارتفاعاً طفيفاً مع اقترابي من النافذة، ثم التف يساراً، ليمر من فوقها. انفرشت الفتحة بجمرها الذاوي تحتي. يبدو أنها ليست نافذة بل منور غرفة. خطوت خطوتين وتوقفتُ في نقطة تشرف على باطنها. تصفحتها طويلاً.. طويلاً فهزتْ بدني رعدة هزاً عنيفاً  وشعرت بروحي تهبط إلى الأسفل السحيق.. إنها أشياء غرفتنا.. ذلك الباب بابي.. نجرتها من سيقان شجرة حور وثبّتها بيديّ، مدفأة الصفيح بأنبوب دخانها الطالع من خلال السقف، النايلون المطبع بأزهار عباد الشمس والمغطي الجدران الداخلية، أوتاد الزوايا، كتبي المركونة على رفٍ فوق فراشنا المرتب، مرآتها الصغيرة وهي مرآة جانبية لسيارة فاخرة انتزعتها عند دخولنا إحدى المدن ليلاً.. أتذكر فرحها بهديتي.. وكيف علقتها في مكان مريح تستطيع فيه رؤية قسماتها الجميلة أينما حلّت في الغرفة التي لا تسع إلا مقدار الفراش المشترك والأشياء الصغيرة الحميمة من ملبس وأحذية وحقائب من القماش تحوي الضروري جداً من الأشياء. كان يطيب لي تأملها وهي منشغلة بطلاء شفتيها اللذيذتين بأحمر الشفاه، ولسانها المبلل بالرضاب، يرطّب الطلاء الفاقع على ضوء الفانوس الباهت.
ـ هاهي غرفتنا منزوية عن قاعات المقاتلين، ترتفع أسفل السفح مقدار أمتار معدودة.. هاهي طامسة في كثافة ليل الجبل الأخرس!.
ـ أأكون جوار غرفتنا في وادي ـ زيوة ـ العميق، أخوض في محنة كابوس آخر أثناء غفوتي في نوبة حراسة؟!.
راودني الخاطر لهنيهة.. وتوارى.. لا.. لا.. ثمة شيء مختلف هذي المرة، فأنا أشعر بأنني موجود ولستُ موجوداً بذات اللحظة.. هاأنا أرى امرأة تدخل من الباب المفتوح على الظلام  بسروالها الزيتوني الفضفاض.. من تكون؟!.. لها قامة زوجتي الرامحة. انحنيت. انحرفتُ يميناً وشمالاً دون طائل، فموقعي المطل من علٍ يحجب رؤية ملامحها.. قد لا تكون هي..  هتفتُ مع نفسي بذلك والرعدة شرعت تخف بين أضلعي. هدأت ورحت أتتبع ما تفعله هذي المرأة في غرفتنا. نزعتْ قميصها ورمته إلى الفراش، ثم خرطت سروالها وانحنت متكورة لتسحبه من القدمين وترميه جوار القميص. انكشف لي جسدها، انحدار الظهر، انكسار الخصر، ربوة الردفين المدملجين. تناولت من رف خشبي صغير إصبع أحمر شفاه. قربت رأسها حتى كادت تلاصق المرآة. انهمكتْ بطلي شفتيها.. لا أستطيع تبيان ملامحها المنعكسة في الضوء الأرمد. استدارتْ وخلعت الفانيلة الداخلية والستيان، فباغتني عري النهدين الصلبين المطليين بالجمر والرماد.. ظننتُ للحظة أنني أتلصص من نافذة كشأني في عمق ليالي الإرسي عندما تردى حالي وصرت عقب عدة كؤوس من العرق المسيح أسيح عبر السطوح إلى باحات وأحواش وأروقة الجيران. لكن في اللحظة العمياء التالية رفعت رأسها نحو المنور محدقة وكأنها تراني، فاستبانت ملامحها واضحة:
ـ إنها هي.. بعينيها الواسعتين، أنفها الصقيل، أهدابها الطويلة، وجنتيها السمراوين، شعرها الفاحم الطويل.. وأطلقت صرخة مدوية رددها  الصمت إلى أعماقي. في تلك اللحظة انفتح بابي المسدود، ودخل مقاتل يافعٌ وضع بندقيته في الزاوية جوار الباب واستدار نحوها. أخذها بين ذراعيه من الخلف، فافترت بين ذراعية لتواجهه، وتعانقه عناقاً حميماً جعلني أنتفض رامياً بجسدي الذي تجنن إلى الأسفل صارخاً صراخ مذبوح، هابطاً نحو النافذة التي راحت تنأى.. وتنأى إلى أن انطفأتْ في يم الظلام، وضيعتني ذرةً تدور في السديم العظيم.
*   *   *

شاهد أيضاً

عيال الظالمي: نصوص

مَدِينٌ للبَردي لِحُصْرانِ القَصَبِ لِطينِ أكواخِنا القَديمةِ أَتَحَسّسُ وجهي في مرايا الرّيحِ لا لونُ أفاقَ …

سامية البحري: لست ربي

تصدير: في عصر تتناسل فيه الآلهة. . في عصر خرج علينا بعض المخلوقات التي تشبهنا …

مقالات عن وباء الكورونا ابداعا: (2) حافظوا على حياة أمّي
تأليف: غياني سكاراغاس
ترجمة: خضير اللامي

ثمة صبي في اليونان قد عاد إلى منزل أمه للعناية بها خلال إصابتها بوباء Coved …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *