مقداد مسعود : القرآن ومكر الأيدلوجيا .. حول الإدعاء ان القرآن الكريم منتوج حاخام يهودي..؟! 1-3

الأداة السياسية…
نوّعت الولايات المتحدة في تكتيكاتها مع الحركات الاسلامية ،فهي  دعمت تنظيم القاعدة وحركة طالبان ومشتقاتهما في افغانستان ..وزعت افلام رامبو (سلفستر ستالون) المنقذ الامريكي للشعب الافغاني من الاحتلال السوفيتي ..وفي الوقت نفسه كانت تناصب الثورة الايرانية العداءوهكذا استعملت التشدد الاصولي كذخيرة حية ضد الفكر الماركسي..وهذا يعني(المحرك للتأريخ ومقدساته ليس العقيدة والقداسة بل الصراع السياسي والاجتماعي،وهكذا في كل تاريخ مقدس أو مؤدلج يتعرض مأثور مؤسسهُ للإنتهاك تحت ضغط هذا الصراع)(1)
وما ان انهى غورباتشوف مهامه المكّلف بها من( هناك )في تفكيك مركبة المعسكر الاشتراكي بذرائع اصلاح.(البيرويسترويكا).ولملم عدته واعاد مفلاته الى حقيبته المهنية،ليلقي محاضرات في جامعة خارج بلده الذي خربهُ حتى رأت الولايات المتحدة انها وصلت  منعطفا جديدا يستوجب عليها فتح اجندة جديدة في تعاملها مع  الحركات الأسلامية.والتي قررت بدورها ان تدير عملها لحسابها  الخاص وهكذا صار الاسلام والحركات الاسلامية المنافس الاوحد للنسرالامريكي ،ومن جانب آخر ..رأت أمريكا ان الموظفيين الذين عينتهم رؤوساء حكومات في المنطقة العربية اصبحوا من المقبوحيين وعليهم ان يتركوا كراسي الوظيفة طوعا او كرها..قبل ان تبادرالقوى الشعبية والتيارات الفكرية غير المنسجمة مع امريكا في استلام زمام المبادرة من راديكاليين وليبراليين ويساريين وعلمانيين..ومن طرف آخر اعلنت معظم الاطراف الاسلامية  انها ستجمد خلافاتها مع اعدائها التقليدين من امريكان وصهاينة في حالة صعودها للسلطة..وهكذا خطفت مخالب الخريف كل مبادرات ما يسمى بالربيع العربي..تاركين للربيع الساحات العامة.وحرية الحناجر المبحوحة والايدي الحافية الملّوحة في شوارع المظاهرات.واستعاد العسكر بزاتهم الصارمة تحت مسميات براقة وشتموا الأنظمة المتساقطة امريكيا،لينعشوها بمسميات تلاؤم المجريات المستجدة ..
هذا ما يطفو على سطح البنية الاجتماعية ويتجذر في الوقت نفسه ضمن البنية السياسية ولاتتوقف سيرورته عن التدفق ،ذلك لأن
(اعادة انتاج علاقات الانتاج في عملية الانتاج الاجتماعي لاتتحقق،على المستوى الأقتصادي،إلا بفعل الممارسة السياسية
للطبقة المسيطرة،ولهذه الممارسة السياسية أدواتها الخاصة التي بأستخدامها تحقق الطبقة المسيطرة سيطرتها الطبقية بشكل مستمرهذه الأدوات ليست كلها سياسية،وان كانت كلها أدوات للمارسة السياسية للطبقة المسيطرة.فهي أدوات سياسية وأيدلوجية أيضا)(2)  

التعالي الكولونيالي
مايتعرض له القرآن الكريم آلآن تحديدا، من أذى ليس بجديد ..بل هي عودة الى تكرار إنتاج أطروحات المستشرقين ،وهم ينطلقون من مركزانية أوربية ،لاتقتنع،أبدا ،بتعددية المركز…ولاتتصل بسواها، إلا. بشرط القيمومة..تعيدني أطروحات هذا العام الى المستشرق ماسينون الذي يرى في اللغة العربية،عصيانا على التكييف مع شروط العصر؟!،هذه الرؤية الإستشراقية، التي انطلت على مفكر كبير مثل محمد آركون فأنصاع لها…ولنا مأخذ آخر على المفكر الكبير أركون في قوله..(إن مفهوم التغيّر بحسب القرآن،ليس عائد الى لعبة القوى المتصارعة المختلفة والممكن معرفتها في المجتمع وهوليس عائدا حتى الى تلك الفئة العليا من الرجال المدعوين أنبياء أو حواريين أو مرسلين والذين يقودون الشعوب من عصر الى عصر،وإنما هو عائد الى الله نفسه الذي
يزود كل نبي بكتاب جديد يمحو فيه أو يثبت الأوامر والنواهي المعتبرة/198) ان أركون هنا يقدم  قراءة لاتليق بمكانته كمفكر اسلامي كبير..وحتى لااطيل الكلام ..أتساءل كيف لم تخطر على باله الآية الكريمة  التي تكشف عن الأختيار الآلهي الممنوح للبشر(إن الله لايغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم)..
.ونفس الخطأ الاستشراقي، على مستوى البنية الاقتصادية،تورط به المستشرق (بندلي جوزي) في كتابه(من تاريخ الحركات الفكرية في الأسلام) وسلط الضوء عليه بعد سنوات المفكر العراقي الدكتور حسين قاسم العزيز في كتابة (البابكية)..وقومّه بمراجع ومصادر ربما كانت خافية على بندلي جوزي../ص56/ البابكية..
(يعتبر جوزي بندلي،أن لبني أمية الفضل على ألأمم المغلوبة وأن الإجراءات التعسفية،إنما أضطر أليها الخلفاء المتأخرون لحاجتهم الى الأموال/ ص61-62/ من تاريخ الحركات الفكرية في ألإسلام)(3)
وهنا يعلق الدكتور حسين قاسم العزيز(ولكن الفضل الذي يعزوه جوزي الى بني أمية ،إنما يجب ان يعود،الى الفتوحات في عهد الراشدين)…ولايقف الأمر عند هذا الحد، بل يخترع أفضالا لبني أمية، على العرب والعجم على حد سواء؟؟ ويقول جوزي في هذا الصدد( معاذ الله أن أنكر فضل بني أمية،على الأمة العربية،وبعض حسناتها على ألأمم المغلوبة،كالفرس،مثلا الذين ألغوا بينهم النظام القديم المبني على تفاوت الطبقات وساروا بينهم في الحقوق والواجبات/ص61)
وهنا الورطة الكبرى التي ورط بندلي كتاباته التاريخية..ومن هذي الورطة، يتكشف لنا ان ثمة نقص هائل في أدوات التنقيب في
طبقات التاريخ الأسلامي،هذا النقص يشخصن جوزي ضمن المؤرخ الأيدلوجي لاالمؤرخ المهني الموضوعي، المؤرخ الايدلوجي.هو من يشحن التاريخ،بالحتم التاريخاني..المؤدلج..وهنا أقترض من مدونات المعرفي العراقي الكبير هادي العلوي. لأقول.أن بندلي جوزي هو ذلك المؤرخ الداعية ،(الذي يكون في العادة ذرائعي توسلي والحقيقة،عنده هي ما يخدم دعوته وليست مطلوبة لذاتها)(2).وبندلي جوزي  لايتقصى بجهده الفردي ومنهجيته بل يقترض من سواه دون تمحيص، فمفهوم ان الأسلام أبطل الطبقات،تعود براءة إختراعه للمستشرق (بارتولد)كما جاء في كتابه(تأريخ الحضارة الأسلامية/ص54/ حسب  حسين قاسم العزيز/ ص56/ البابكية..
وهنا يكمل حسين قاسم العزيز،تفنيده لذرائعية الظلم الأموي قائلا
(أن كتابات جوزي لاتخلو مع الأسف من أمثال هذي الأخطاء والتناقضات،فالأمويون أعادوا ضرائب النوروز والمهرجان منذ
أيام معاوية بن أبي سفيان،وفرضوا الجزية على من أسلم،وهذه
كما يقول أبن سلام من أعظم الأمور،وقد تسلطوا على الشعوب وأذاقوها مر العذاب ونهبوا خيرات البلدان وأغرقوا القارات بسيول من الدماء وساقوا ألأحرار..متذرعين بأن تلك الحروب لله/ص56/ البابكية)…..
لاأدري اي فضل أموي يعنيه بندلي جوزي ،والدولة الاموية في انتقالها من البيت السفياني الى البيت المرواني،وبمآزرة القائد الحجاج بن يوسف الثقفي..تبيد الشيعة والخوارج وهي في قمة
لحظتها الامبراطورية وتفرض هيمنة عقائدية ارجائية المذهب
ومن جراء استعلائها العرقي المتمثل في حذف الشعوب غير العربية التي دخلت الاسلام ،وكذلك التي بقيت على دياناتها
مثل السريان والمسيحين واليهود والآراميين..ويتمثل الحذف بمصادرة حرياتها في ممارسة شعائرها، وانكماش الثقافات الشعبية لهذه الشعوب..هذا الامر كان له مؤثريته الموجبة،على كل تلك الشعوب والمذاهب الاسلامية من شيعة او خوارج..فقد حشرت
الدولة الاموية المروانية،جسدها السلطوي كله في خانق عرقي
فكرويا واقتصاديا..وجعلت القوى المعارضة تنضّد غضبها العارم في ميثاق عمل..ساعدها على اسقاط الدولة الاموية..رغم ان الميثاق كان تكتيكا مرحليا بين القوى سرعان انتهى مفعوله بعد سقوط الدولة الاموية،عبر التصفيات الدموية بين من صادر التغير
واعني العباسين وبين حلفاؤهم..

*المطلوب ..تجديد قراءة سيميائية ألسنية للخطاب القرآني
الخطاب :نظام يتمأسس من ثريا أنظمة تكونه وهي :
النظام التوجيهي
النظام التركيبي
….الدلالي
…الوظيفي
وهذه الأنظمة لاتتجاور بل تفعّل أتصاليات توازي وتقاطع كلية
أو جزئيا فيما بينها..من هنا يحق لنا ان نطلق على الخطاب
(أستراتيجية التلفظ) وهو(اللغة في حالة فعل)أو(اللغة بين شركاء التواصل) حسب (بينيفست)( 4 ) ويرى الدكتور عبدالله صولة (أن القرآن خطاب،وكونه خطابا يقتضي إقناع وتأثير)( 5 )
ولهذا الطلب ضروراته القصوى..ولايمكن التجديد دون اطلاعنا
على كيفية تشكل المعنى في خطاب التفسير،هذا التشكل الذي سيتخذ فاعليته من صياغته لفعل المأسسة في الثقافة القرآنية
عبر التمعن والتقصي في اخطر موضوعة قرآنية وهي موضوعة
أسباب النزول..وهي موضوعة يتقاطع فيها علمان لكل علم فضاء
إشتغالاته  المتوسعة واعني بذلك:
*علم السيرة…
*علم التفسير …
ولنتوقف عند مفهوم(أسباب النزول) ونشتغل على تفكيك التضايف في شبه الجملة المكونة من المضاف (أسباب) و المضاف اليه
(  النزول).. مفردة أسباب تعني القوة الواقعية التاريخية الدافعة وهي القوة الحاضنة التي تشقق منها آلآية او آلآيات التي ستتشكل منها السورة القرآنية..وشخصيا اراها قوة ذات مسار أفقي..وهذه الآيات في الوقت التي تشكل نصا..تحيلني الى الذات التي اوصلت لي النص وهكذا يكون الواقعي العام قد أحالني الى السيري الذاتي
للرسول محمد..ولنا فيما جرى لعبدالله ابن مكتوم الرجل الأعمى وسورة (عبس) وموقف النبي الكريم :عينة في تشابك الواقعي في التاريخي والنصي والسيري وهكذا علينا ان نميّز بين كلامين للشخصية ذاتها أعني الرسول الكريم وهذا التميز نضعه بين قوسي اول آية نزلت وآخر آية اكتمل فيها القرآن الكريم..أما قبل اعلانه للنبوة فكان كلامه واحدا  مثل كافة الناس..
*الكلام الأول..يستعمل الرسول كساع في بريد الأله ..ماينطق به
ليس للرسول بل من خلاله وسوف ينضّد سورا هي القرآن الكريم
*الكلام الثاني هو خلاصة خبرة حياتية منتجة من قبل الرسول
نفسه وهو ما سوف يعرف ب( الحديث النبوي)
أما مفردة( النزول) فهي تقتصر على النص القرآني،كما ان مفردة النزول حين ندخلها ضمن (مخطط الصورة) فهي حركة عمودية
من الأعلى الى الأسفل ..ستفرض بدورها(الرؤية العمودية للأنسان
تجاه المخلوقات والعالم والكون/198/محمد أركون)..(6)
نلاحظ ان اسباب النزول له أهمية (خارج النص ) حداثيا..بالنسبة
للنص وتكمن اهمية اسباب النزول أنه يغذي التفسير لا النص القرآني إذن هو حقا(معنى منخرط في منظومة نظرية محددة مقبليا/27/ناجية الوريمي) (7)من جهة ثانية سنجد ،ان الأسباب تبقي النص في ثبوتية المعنى وفي منأى عن الأنزياح الدلالي الذي تنبذه
المنظومة التفسيرية…
———————————————————
المراجع
(1)هادي العلوي/فصول من تاريخ الأسلام السياسي / مركز الإنماء والدراسات في نيقوسيا/ قبرص/ ط2/1999
(2) مهدي عامل/ مقدمة نظرية/ لدراسة أثر الفكر الأشتراكي في حركة التحرر الوطني/ دار الفارابي- بيروت/دار النهضة – بغداد/ط1/ أيلول/1973/ص52
(3) د.حسين قاسم العزيز/البابكية أو إنتفاضة الشعب الآذربيجاني ضد الخلافة العباسية/ مكتبة النهضة بغداد – دار الفارابي بيروت/ط1/ 1966
(4)الذاتية في اللغة/ ترجمة حميد سمير وعمر حلبي/مجلة نوافذ /العدد9/ أيلول/1999
(5)د.عبدالله صولة/الحجاج في القرآن من خلال أهم مظاهره الأسلوبية/ كلية الآداب منوية/ تونس/ط1/ 2002
(6)محمد أركون/تاريخية الفكر العربي الأسلامي/ المركز الثقافي العربي/بيروت/ط1
(7)د.ناجية الوريمي بوعجيلة/ في الائتلاف والاختلاف/ ثنائية السائد والمهمش في الفكر الإسلامي القديم/ دار المدى/دمشق/ط1/2004

شاهد أيضاً

لطيف عبد سالم: جائزة نوبل تتنفس شعرًا بمنجزِ لويز غليك

بعد تسع سنوات من غيابِ الشِّعْر عن فضاءِ جائزة نوبل للأدب، فاجأت الأكاديميَّة السويديَّة الأوساطِ …

فلسفة الكتابة عند المبدع الأديب “كامل محمود بزي”
قاسم ماضي – ديترويت

أقلام مهجرية فلسفة الكتابة عند المبدع الأديب ” كامل محمود بزي ” وهي جوهر الانتماء …

(وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)
مهدي شاكر العبيدي
أوستن / تكساس

صدر عن دار الهلال في منتصف ستينيات القرن الفائت عدد خاص من مجلتها الشَّهرية بأدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *