سلام إبراهيم : الإرسي (8)

إشارة : تقوم أسرة موقع الناقد العراقي بنشر رواية القاص والروائي العراقي “سلام ابراهيم” : “الإرسي” على حلقات .. تعقبها مجموعة من الدراسات والمقالات التي نشرت عنها بعد “إرسي الخراب العراقي” الدراسة الطويلة التي نشرتها للناقد “حسين سرمك حسن” عنها ، والملاحظات التي وصلتها من القراء الكرام بصدد عدم اطلاعهم على نص الرواية . وستكون“الإرسي” مفتتحا لنهج جديد تتبعه أسرة الموقع مع الروايات العراقية المهمة ..    

أحقاد المحبة
وَجدهُ مطروحاً جوار ساقية صغيرة تجري من نبع القمة العالية. اهتز خطوه المقترب من موقع سقوطه شاعراً بفجوة فراغٍ تنفتح تحت قدميه. اختل متأرجحاً، فأسرع ممسكاً بساق شجرة بلوط. لبث حاضناً جسدها حتى استعادت الأشياء ثباتها. عاود الخطو. وقف على مبعدة خطوات مرتعداً، وهو يبحلق في همود الكتلة البشرية اللينة باستلقائها المبعثر.. في الساقين مفرودتين إلى أقصاهما. أطراف أصابع الكف اليمنى تطفو على سطح الماء الضحل الجاري في الساقية. المنديل مدعوك ومتكور حول العنق الموحل المخدوش بآثار أظافر. تخيلهُ حياً في دكنة الليلة الفائتة، وهو يشد منديله المبلول حول وجهه ظاناً أنه سينقذه من غازات الكيمياء الهابطة من ليل القذائف. تخيل رعبه حينما أدرك لا جدوى المنديل، فانطلق يصرخ في الظلام ساعياً خلف الهواء، مزيحاً بأصابعه المتوترة النقاب المبلل إلى أسفل.. أظافره تنشبُّ في عنقه.. تدميه. تخيله كيف يدور في هذه البقعة حول نفسه المشلولة برعبها.. كيف وهنت قواه رويداً.. رويداً، ليسقط من حافة الفراغ بالغاً مساحة الخدر والأحلام.. سيذوق هو الآخر تجليات هذه اللحظات عند أصابته لاحقاً بقصفٍ كيماوي. اشمأز من الغبطة التي ألمت به قبل لحظات، وحاول استدرار مشاعر شفقة تشارك فجاعة هذه الميتةِ. أمعن في تفحص الجثة.. فوضى الشعر الممرغ بالتراب.. السروال المسحوب والمحشور حجليه عند الركبتين.. الساعة المهشمة وأحشاء الزمن مبعثرةً حوله:
ـ يا للمصير البائس!.
أين رغائبك.. أحلامك.. مخاوفك.. نزواتك؟. ولِمَ طعنتني تلك الطعنة الغادرة؟! بعد أن كنتَ من أشد المقاتلين قرباً إليّ.. تسرّ إليّ مخاوفك.. ورعبك من موت تراه قادماً لا محالة.. كنت تتمسك بكفي ساعات الشدة والقصف، فأهدئ من روعك. لَمِ خربت كل ذلك.. آه ما أفظع ما يختبئ خلف قصص الحب من مشاعر حقدٍ تصل إلى حدود التشفي بمقتل رفيق سلاح!.
وأنت يا نفسي.. أي دركٍ سافلٍ هبطتي!.
من يقف خلف كل هذه المأساة والتشوه؟.. أهو الحب.. الغيرة.. القتل.. المخاوف والعزلة.. النفاق.. الدولة.. الأحزاب.. هاجس الموت.. الحرمان والدسائس.. فقدان الدفء.. التوله بمستحيل الأحلام وعواقب تهدمها في النفوس.. أم كلها مجتمعة يا رب القسوة؟.. لا أدري.. لا أدري.. التبست عليَّ نفسي وسط هذا الركام المخيف.. المخيف.. المخيف.
اجتاحته رغبة شديدة بالصراخ والصراخ.. الصراخ بوجه الحجر والشجر والريح والصمت وخرير المجرى الخافت.
*   *   *
يئس من أمنيته بنجاح مفرزة في شق الطرق المقطوعة بالثلج، لكن رفاق الموقع أكدوا له أنها وصلت فعلاًً، وأن الجسد الهامد تحت قدميه الآن، هو الوحيد الذي غامر بصحبة قافلة مهربي بضائع قادمة من الحدود الإيرانية. حمل بندقيته وغادر صوب الموقع الذي وصلته المفرزة. طوال ساعة الطريق ظل يحلم بشم روحها المتضوعة من حروف كلماتها، لائماً نفسه على لحظة تركها.. فالمشهد ما برح يسطع من جديد بقية العمر.. انتزع جسده من بين ذراعيها انتزاعاً في ذلك الفجر الخريفي الماطر، وسحب بوهن رسن بغلته المحملة بالأسلحة خائضاً في وحل الوهدة المؤدية إلى مرتقى السفح. ظل يتلفت بين الفينة والأخرى في ارتقائه إلى وقفتها وسط جمهرة المقاتلين، امرأةً وحيدة تلوح بذراعيها إلى أن تلاشت قليلا.. قليلا غاطسةً في أبخرة السحب الكثيفة التي بدت من أعلى السفح كتراب متحرك دفن القاعدة بزرائبها وأشجارها وغرفها وأسرارها.
شعر لحظتها، كأنه ودعها إلى الأبد.
هل كانت تلك اللحظات فاصلةً في طبيعة العلاقة؟!.
هل غرقها وسط الرجال بالغيوم الترابية الواطئة هو ما أرمد قلبه، وألقاه في باحات قلق سوف يعاشره بقية العمر؟
غرق في سدوره الواجم الحزين والمفرزة تهبط من فوق الغيوم برجالها وبغالها وتعبها وحكاياتها ومخاوفها إلى سهب فسيح مقفر إلا من أطلال قرى مهجورة. كان يتلفت موجوع القلب إلى كتلة السلسلة العظيمة التي شهقت خلفهم. ظل وحيداً في غرفة الطين الرطبة طوال الشتاء الممتد إلى أواسط الربيع، تتناهبه المخاوف والهواجس والأحزان، وتميد به الأشواق. يعذبه مرأى الفراش وأشيائها الموزعة على ناصية النافذة، في الحقائب، حول الفراش. كل قطعة من أشيائها الحميمة تثير في نفسه أشواقًا وشهوات. مشطها الخشبي يأخذه إلى ليل شعرها الناعم الكثيف الهابط حتى أسفل الردفين، فتعبقه رائحته الحريفة.. مزيج من رائحة جسدها والحناء التي كان يجلبها من مناطق الحدود العاجة بالمهربين والهاربين من الحرب والخارجين عن القانون ورجال المخابرات المتنكرين. أصابع أحمر الشفاه ومساحيق التجميل والقلادات النحاسية الرخيصة التي لا تستخدمها إلا بحضرته في طقوس ما قبل النوم. الخيوط القطنية مقطعة ومنثورة في الزوايا.. تستثير لذة فريدة كان يشعر بها، وهو يتأملها منهمكةً بإزالة زغب وجنتيها وفخذيها الممتلئين الصلبين في طراوة سمرتهما المحمصة بشمس الجنوب. وكان حمام الفصيل يلقيه على حافة الجنون، فهو المكان الوحيد الذي يتيح لهما فيه رؤية عريهما، في عتمته المضاءة برعشة ضوء فانوس باهت، كان يطيب له التملي، ودلك جسدها برغوة الصابون، من أعلى الكتفين حتى أصابع القدمين بمتعةٍ ما بعدها متعه، وأطراف أنامله الغادية الرائحة تذوب مندمجةً بلدانة وملاسة اللحم الزلق البض المستعر بانحناءاته وتكوراته، نتوءاته واستداراته، قممه ومهاويه، اعتداله وانكساره، مداخله ومخارجه. الأصابع السكرى تعجن النهدين الصلبين كثمرتي كمثرى غير ناضجتين، تغور في سطح البطن الضامرة، تهوى بباطن السرة الصغيرة، تلتف حول محيطها منسرحة نحو منخفض الخصر المؤدية إلى مرآة الظهر المنتصب في استقامته المصوبة نحو السماء، ترتقي زاحفة ببطء على ربوة الكفلين العظيمين، لتهبط ممسحة منبت الفخذين المستديرين، هاويةً مثل مشي العليل، حتى نحول أصابع القدمين الصغيرتين كقدمي طفلة بنت العاشرة. ينتحي بعدها على الدكة، محملقاً بإنشداه وإنشداد مكررين، بالقامة الفارعة التي يمنحها تداخل الظلال، بشحوب الضوء المنكسر وضباب الأبخرة الكثيفة سحراً مضافاً، أثناء حركاتها، في غمرة شؤون التحمم بين اعتدال وانثناء، قرفصة وانحناء، إقبال وإدبار. في كون الحمام والبخار، الماء والعري واندهاشه كان يردد سراً أدعيةً خفيةً متضرعاً إلى مريده كي يحفظ هذا الكيان الإلهي المتجلي في كمال جسد المحبوب. كان يخشى أشد الخشية من ضياعه، ويثني في دخيلته على لباس الجبل المحتشم بسرواله العريض المخفف من فتنة جسدها وسحره المربك. يلقيه فضاء الحمام الخاوي إلا من خيالها إلى حافة الجنون. فيطيل المكوث ملتصقاً بتلك اللحظات الساطعات الذاهبات الحاضرات شاعراً برغبة جارفة هادرة، مجنونة.. ليست رغبة جنسية، إذ كف عن العادة السرية، التي أدمنها في استذكارات الأبخرة وشحوب ضوء التحمم المشترك.. أصبحت لا ترويه، بل تسّعر وحشته، تزيدها لهباً، فيتأرجح على حافة أشواقه المستحيلة المهيجة مخاوفه الكامنة.. ليست رغبةً.. شهوةً مجردة بل هي مزيج من الشبق والحنين، العذرية والعهر المخلوط بهواجس البعاد واحتمالات الفقد موتاً.. هجراً. في مكوثه الطويل جوار قدر الماء الفائر، ينحدر به الجنون على مزالق تهبط به إلى مغاور لا نهائية، يستحيل فيها عليه استبقاء خيالها الملموس، تنفلت من حافة الذروة من بين يديه، متحولةً إلى دخان، يتبدد في كثافة أبخرة الحمام.. فيتحطم في جلسته، بائد القوى، لاعناً اللحظة التي وهن فيها تحت ضغط المسئولين فوافق على العودة دونها إلى القاعدة.
في منتصف المسافة، لمحه في باطن وادٍ ضيق، فأندفع هابطاً نحوه. أحتضنه بشغف كما اعتاد المقاتلون، فأحس بجسده متخشباً. تطلع إلى ملامحه.. كان متلبداً يتحاشى عينيه محدقاً بخيط الدرب الجبلي، بأشجار السفح، بالسماء، مما أذهب بهجته، فودَّ تلك اللحظة أن يسمع شيئاً عن حالها فقط، فسأله بصوت مرتجف:
ـ كيف حالها؟!.
ازدرد ريقه وتلعثم في القول:
ـ زينه.. ما.. بيها شيء.. لا.. لا.. ما بيها شيء.
تناهبته الظنون، إذ كانت تنوي العبور سراً إلى إيران لعلاج كليتيها الملتهبتين، وكان العديد من المقاتلين يقبض عليهم حرس الثورة الإيرانية، فتأجج سائلاً:
ـ ألمْ تبعث معك شيئًا؟.
أِنخطف لونه وتأتأ في كلماته مزدردا بينها ريقه الناشف:
ـ إطـ.. مئن.. عاددددت من العلالالاج.. لكن كا.. كا.. نت في موووووقع بعيد س.. سسا.. عة مغادرررتي.
وقتها لم يقتنع بالمبررات.. ولم يستطع تفسير ارتباكه وتلعثمه وبرودة عناقه، بالعكس اضطرمت مخاوفه وهواجسه، فظل محزوناً، شديد القلق، مرمداً بالأسئلة:
ـ هل أصابها مكروه؟
ـ هل استطابت عطر غيره كما حدث للعديد من المقاتلات المتمردات على أعراف المحيط المغلق الصارم، اللواتي وجدنَّ في الجبل مناخاً حراً محشوداً بالرجال الناضجين المثقفين الشجعان، فافترقن عن أزواجهنَّ الذين بدورهم ساعدوهنَّ في التعلق بغيرهم، إذ حولتهم الغيرة مجرد حمقى، شكاكين، متوترين طوال الوقت مقابل حنان الآخرين، الناسجين شباكهم بأناة وروية؟!.
لكنه كان واعياً لجسامة الأمر، فاتخذ جانب الحياد منذ التحاقهما بأول مفرزة قبل أعوام، والمقاتلون التهموها التهاماً في جلستها جواره جنب المدفأة، مما جعلها تستعيد منه خاتم الزواج، وتلبسه أمام أنظارهم عارضةً عن فكرة الصيانة الحزبية والأسرار.. جعلها لاحقاً تكتشف بنفسها الأشياء والعلاقات ودفائن البشر. خبر عنادها وتركيبتها الداخلية جيداً، مستخلصاً أنها معدة بطبيعتها ومزاجها لمنح المحيطين اهتماماً ما بدوافع مربكة، تبدو حمقاء تارةً، عميقةً يكتنفها الغموض تارةً أخرى، بحماسها المفرط غير المتناسب مع بساطة وعمر العلاقة، كانت مثلاً عندما يرقد جريح في غرفة الطبابة المجاورة لغرفتهما، تنشغل به وكأنه هو الذي جُرِحَ، تعد طعامه، تغسل ملابسه، تساعد الطبيب في تبديل ضماده. كان يضطر إلى صحبتها في زيارته كل مساء، فينزوي صامتاً في ظلال الفانوس صامتا ينصت لشكاوى الجريح المتوحد في الظلال والماضي، وملامحها العطوفة بنظراتها الحنونة، ناسياً حضوره المترسب في قاع الظلال. كان المسكين يبحر في بوحه  بأسراره وأحزانه وقصص حبه لبنات الجيران وزميلاته في الجامعة.
كان يطل من زاويته المهملة على وجه السارد المحملق بعينين حالمتين منداتين، بتقاطيعها التي يضفي الانفعال وضوء الفانوس المضبب مزيداً من السحر والفتنة الغامضة. كانت ملامحها النشوى من الحكايات والقصص تسقطه في باحات يأسٍ وخواء، فيصطبر مغموماً، يكظم غيظه مردداً في سره:
ـ دع المياه تجري حيث تشاء التضاريس!.
كان يحرز في زوايا نفسه الحالكة هواجسًا وشكوكاً، تطفح أحياناً في حوارات تحتدم إلى مشادات أربكتهما، وجعلتهما ينكمشان لليالٍ وأيام.. و.. و.. تتطور الحكاية بعد تماثل الجريح للشفاء، فقد وقعت بقلبه وتمكنت منه، فيقضي نهاره حائماً حولها، يلاحقها بعينين ولهتين، ترصدان إيقاع حركاتها، من ثنيةٍ ولفتةٍ، ضحكةٍ وغمزةٍ، انحناءة ولفتة، قيام وقعود، خطو وتمايل أثناء أدائها متطلبات يوم الجبل. وفي المساء يحلّ ضيفاً مربكاً ومرتبكاً، يغالب رعشته في غرفتهما الضيقة التي لا تتسع إلا لحجم فراش النوم والمدفأة. كان كعادته يتخذ موقعاً منزوياً، يرقب بصمت ملامح الزائر المريَّشة، السارحة، بعينيه السكرى دهشةً من حديثها، المنساب أول يومين بعفوية، خائضةً في صغائر وتفاصيل، لا تباح إلا لحبيب أو صديق قريب، مما يزيد من وَلَه المخطوف ولهاً، فيبكر في المساء التالي مباشرةً عقب وجبة العشاء، ومع غسق الغروب إلى الغرفة ليتكحل بوجه المحبوب. ظل يرصد بصمت ضيقها من تكرار الزيارات وطولها، إذ لا يؤوب إلى غرفة الطبابة إلا في ساعة متأخرة، مكتفياً بالحملقة المنتشية من تبرم قسماتها، اقتصادها في الكلام، جلستها المحتشمة، ثم في طور جديد.. تبدأ بإظهار انزعاجها فيزيد التنمر من جمال ملامحها الوحشية، لكن هيهات.. فالولهان غريق ببحر الغرام، تضطر آخر الأمر إلى معاملته ببرود وجفاء، يتطور إلى شبه قطيعة تقذف بالمسكين إلى هوة يأسٍ قاتمٍ، فينطوي متوجعاً لائباً. كان يتصنع عدم ملاحظته في الليالي التالية، وهو يحوم حول غرفتهما، من المؤكد أنه يستعيد طعم تلك الليالي القريبة البعيدة.. وفي النهار يكتفي بالنظر من بعيد بعينين منكسرتين، غير قادرٍ على تفسير ذلك الصدود المباغت.. ذلك الهجران.. إلى أن يلتحق بمفرزته القتالية. ولا تتعظ.. تتكرر الحكاية مع آخرين، ويسقط في شباكها العشرات غارقين بنزيف المحبة، حتى إن الأمر أربكه:
ـ أتكون في أعماقها امرأة لعوباً تهوى إشعال القلوب وتركها .. أم أنها شديدة الثقة بالنفس ومفعمة بحب البشر؟!.
لم يجد جواباً، فحدودها سهلةً منيعة.
أتكون طبيعتها هذه غلبت حذرها بغيابه، فجعلتها تستطيب، في لحظة حمقاء، عنفوان مقاتلٍ يافعٍ في الليالي الموحشة، بذلك المكان النائي؟!.
أشعله الهاجس، وهو يصعد المسلك الضيق، متقدماً نحو القتيل المطروح الآن تحت قدميه، في طريق عودتهما إلى القاعدة. أشعلته الوساوس من الصمت وارتباكه، غموض أجوبته وتلعثمه.. سيظل ذلك سراً لم يفض فحواه إلا وصولها المباغت بعد عشرين يوماً. هبطت عند المساء مزيحةً البطانية المنسدلة كالستارة. أخرسه الذهول. ارتمتْ نحوه بجسدها الحار الرطب. اقتحمه سعير لهاثها، النافث ضوعها السري. أحتشد الصمت بالآهات والأنين والهمهمات وضجة تقطع أزرار القمصان وحفيف الأردية المنزاحة عن الجلد.. افترستهُ على الفراش افترساً لم يعهده فيها. أذاقته مباهج تجلي الجسد في أتون شهوة سعّرها الفراق الطويل بلياليه المضنية . تلك الليلة أفردته كائناً بائساً منتهكاً ما أن ذهبت حشرجات الصمت وهسهسة احتكاك الجسدين المتوقدين. أفرده الكلام في عمق ظلال الفانوس، المعلق على نتوء، فوق موقع السرير الصخري، الذي أعده في غيابها.. أفرده إلى مناحي العجز والريبة والظنون.. تلك المساحات، من يدخلها لن يعرف أبداً هدوء البال.. أفرده سؤالها، فاتحة الكلام:
ـ هل يكمن ذئب في أعماق كل رجل ؟!.
ـ ..!
ـ هل كنتَ تسلك مثل سلوكهم يا حبيبي لو وضعت في ظروف مشابهة؟!.
ـ..!
ـ اسمع يا حبيبي.. عشت أياماً مرعبة، فما إن اختفيت مع المفرزة بين وهدات السفح والأبخرة والغيوم حتى اعتراني إحساس فظيع.. وَجَل وارتباك.. حاصرتني العيون الجائعة.. المتوسلة.. الحالمة.. المتوقدة. دأبت على ملاحقتي أينما اتجهت. كنت أحس بجمرها يحرقني وقت خفارتي.. ويا لذلك الشعور الفظيع الذي تشعر به المرأة وهي تعيش وسط رجال مسعورين يجردونها من ملابسها بعيونهم النهمة.. ولك أن تتصور مبلغ حرجي وارتباكي وأنا أتخيل نفسي عارية أدور وسطهم في المطبخ، في الفناء الفسيح، وقاعة النوم التي أشاركهم المنام فيها. فضلتُ المبيت وسطهم على النوم وحدي في غرفة منعزلة، كنت أرتعد من مجرد فكرة مبيتي في غرفة أقترحها عليّ إداري الفصيل. انتقيت زاويةً تقابل الباب المسدود ببطانيتين، عازلةً فراشي بمنضدةٍ خشبيةٍ قصيرة القوائم. كنتُ أقضي جلَّ نهاري في القراءة خالدةً إلى فراشي متحاشيةً قدر الإمكان الاحتكاك بهم. أسقطُ في غفوات قصيرات أعوض بهنَّ سهد الليالي.. إسمع يا حبيبي.. لا أستطيع البوح لك بتفاصيل ما كنتُ أسمعه وأنا لائذةً  تحت البطانية، أتضور في حلكتها مخفيةً عذابي. أشدها حولي مثل خيمة كي تخفي تفاصيل جسدي:
ـ هل في أعماق كل رجلٍ ذئب؟!.
ـ..!.
اصمتْ.. ذلك أفضل يا عزيزي.. اصمتْ.. واسمعني حتى النهاية.. كنتُ أقشعر وأنكمشُ صائرةً مجرد قطعة من الخشب الأصم، وهم يتحاورون متفقين على حتمية انهياري لاحقاً مادمتُ قد ذقته وتعودت عليه. كنتُ أعثر على قصاصات ورق ملقيةً على فراشي.. رسائل غرام يهمل كاتبها اسمه، فيها مواويل غزلٍ.. أشعار قديمة.. لواعج قلوب  يائسة، تتطور لاحقاً إلى بوحٍ مقرف يدعوني إلى مضاجعة عابرة ولو لمرةٍ واحدة. أتعبتني التفاصيل.. كنتُ أكتم أمر هذه الرسائل.. أمزقها وألقيها في المزبلة، راجيةً من السماء.. من الغابات.. من الثلج أن يكفوا عن محاصرتي بتلك الوحشية والصمت.. وكنتُ أتصنع المزيد والمزيد من البلاهة. كنت أعود من المطبخ أو الغابة أو الحمام فأجد أحدهم منبطحاً على فراشي.. دافناً وجهه في وسادتي، فأضطر إلى التريث بعيداً لحين استيقاظه وابتعاده.. هو المؤقت لحظة رقاده بفراشي قبيل عودتي. كان ينهض من غفوته الكاذبة معتذراً..
في عتمة ظلال الفانوس الباهت، في خضم إنصاته الدامي.. تعطلت قسماته وشاخت ثم راحت تهبط ببطء ينهك الحواس لتترسب في لجة صمتٍ محتدمٍ.. كصمت ليل الجبل الداوي. من مخاضته العميقة في كثافة الظلال ارتحل في تضاريسها الناحلة محاولاً استكناه فحوى الشتاء المنطوي، الحاضر في حرارة الكلام ونبرته التي تبدو واثقة في بعض مفاصل السرد، واهية مهتزة في أخرى. في صمته الباحث في تفاصيل الملامح الناحلة المعذبة عن شيء ما، لم يستطع تحديد كنهه، يتجسد في ذلك التعبير الغامض الخاطف كاسياً للحظة ملامحها بزرقة تغور في شحوب البشرة مما يجعل صوتها يتكسر مخذولاً:
ـ هل كان ذلك الانفعال رد فعلٍ على انكماش كيانه المجروح أم أنه مضاعفات شعورها بالذنب لمباهج نهلت منها سراً في ذلك الشتاء الثلجي البعيد؟!.
أتعبه لهاث عينيه الراسيتين في حزنهما. أطبق أجفانه المشدودة ضاغطاً صدغيه بإبهاميه الراجفين، وكأنه يبغي استخراج وطرد وساوسه ومخاوفه وشكوكه المشعلة غيرته وغضبه.. هو الذي علمته التجارب أن أصدق الناس وأنصعهم سلوكاً، يضمر في مجاهل نفسه الدفينة أهواءها ونزواتها وارتباكاتها عندما تتجرد الرغبة الغريزية الممنوعة عاريةً في عماء لحظتها الساعية إلى الإشباع، فيلبس الإنسان حال صحوته ألف ثوبٍ وثوب كي يحافظ على توازنه وبراءته الشكلية. تسمم وجعل يفور محتدماً بمزيجٍ غريب من الأحاسيس، رغبةٌ جنسيةٌ عارمةٌ في مضاجعتها ممزوجة بشعور إهانة وغضب مع توقٍ لتدمير الآخرين. أحس بكيانه يتداعى كبناء منخور. انفرط في جلسته متناثراً على الفراش أثناء إيغالها في التفاصيل. أنطرح على السرير دافناً وجهاً شوهته الغيرة براحتيه المرتعشتين. ترسّبَ في صمتٍ يتموج فيه صدى أنفاسه المختنقة وكأنه يجود بآخرها، صمت مزدحم بسيل حسراتها المبهمة. انتفض من القعر المضطرب، ضاجاً بحقدٍ دموي جعله يستقيم منحدراً في مسيل رغبة جارفة بتحطيم وسحق رؤوس أولئك الرفاق، ووجهها الغامض الجديد. استند على راحتيه في انتصابه المباغت، وخطا يدور خائراً مذبوحاً في فسحة الحجرة الضيقة، يغطي جلستها المستلبة بتضخم ظلال قامته الفارعة تارةً، ويكشف خذلانها للضوء المرتجف الشاحب تارةً أخرى. كفَّ مستديراً نحوها. أنعم في التحديق إلى ملامحها المنحوتة في باطن عتمة الضوء الداخن. كانت تعبُ نفساً من سيجارتها، فيرتسم على قسماتها المضطربة ذلك التعبير المثير الذي طالما أزعجه وأغاضه بصمتٍ وهما وسط الرفاق في ساحة الفصيل عقب وجبة طعام وقدح شاي ثقيل. وبغتةً تضايق من كينونته، من وجودها، من القصة كلها، من غور هذا العذاب غير المبارك.. من.. من .. لكن:
ـ كيف السبيل إلى إفناء الذات والآخر؟!
ـ كيف وأنت تجد نفسك في لحظة خواء؟
ـ كيف وكأنك مجرد انعكاس في مرآة ؟
انتزع ظهره من الجدار. استدار نحوه مكوراً قبضته الفتية، وانهال لكماً على حجره الصلد المغطى بطبقة نايلون مبقع بالجوري والياسمين، فتمزقت من هول القبضة المجنونة في صراعها مع الحجر الأصم، مع صمت أرواح الجبل الضائعة في يم الموت والقتل والظلام والتيه في التفاصيل والكلام والحيرة. كانت ترنو إليه، من أشلائها المبعثرة في شظايا ضوء الفانوس المهتز، من خواء لحظتها جوار السرير، وهو يتلاشى في شرره القادح.. المتخافت رويداً.. رويداً.. تابعته مترنحاً ينسل خلل البطانية المزدوجة. انغمر في حلكة الليل الموجع البهيم. أمسك بعمود طارمة الغرفة المتين. لفحهُ نسيم الليل الربيعي البارد. أخذ يعب كمصاب بربو أنفاساً عميقة، متطلعاً نحو رقعة السماء الصافية من قعر الوادي العميق. ارتشف في وقفته المستنجدة بصلابة خشب المسند من الهبوب البارد. ابتل برذاذ فضة شفيف يتساقط من لحظته، من نثار نجومٍ ضائعة بغور السماء. ارتحل في كينونته المعذبة بصحبة نجمة نارية الضوء.. كبيرة. حملته وحطت به في حوش دار طفولته الفسيح، في ليالي صيف مدينته الصحراوية المنعشة البرودة. وقتها كان يبث لضوئها الراقص البعيد أسراره وأمانيه الصغيرة من قلبٍ أبيضَ خالٍ من الهموم والأحزان الثقيلة .. قلبٍ لم تثقله هموم الحب والحرب بعد. وقتها كان واثقاً تمام الثقة من حنو نجمة الرب المتألقة بلونها الناري المختلف.
في وقفته المنداة برذاذ الفضة، تحت سقف طارمة غرفةٍ ناضل طويلاً كي يسمح القادة ببنائها. في وقفته المخذولة، انبثق من أعماقه حنين قديم، منسي في خضم الصعاب والشكوك. ازدحم وفاض عائداً به إلى صفائه الأول، فاغتسل بأشجان أشواقها المبرحة في سالف تفاصيل ما قبل الالتحاق بالجبل. استدار. خطا نحو الباب صافيا. أزاح البطانية المزدوجة. احتوته من جديد، ظلال الغرفة المختنقة بدخان سجائرها. وجدها غارقة في الأدخنة والصمت، منتظرة، شديدة الاضطراب، تتأرجح على حافة اليأس. تهالك جوارها على السرير الحجري مظاهراً الجدار. راح يتملى بروية وشجن ذبول رموشها الطويلة، نحول أصابعها، فوضى شعرها الكثيف المبعثر، هيكلها الذي هزل في الغياب، وطلعتْ من كتلتها الحائرة، الضائعة في الظل والألم بنتٌ متماسكة الجسد، كما كانت قبل عشر سنوات، حينما كانا يختلسان اللقاءات والقبل في الأعياد والبساتين والغرف.. هاهي تحت ناظريه ملقاة مباحة، كتلةً معذبةً مكومةً في غور آلمها، لا حول لها ولا قوة. اعترته رغبتان شديدتان، رغبة بالذوبان في حضنها والنحيب طوال الليل، وشهوة عارمة في تجريدها من ملابسها ومضاجعتها بشراسةٍ حتى مطلع الفجر. مسّحَ بأطراف أنامله المرتعشة جبهتها الساخنة المتعروقة، وجنتيها الممصوصتين، أنفها الدقيق، شفتيها الجافتين المزرقتين. تخضلتْ عيناها وأصابعه تجوس في أنحاء قسماتها المشرفة على حافة الخدر. همس بشجن:
ـ لماذا لم تكتبي لي؟.
ـ مع مَنْ؟.
ـ معه!.
انتفضت منتصبةً في جلستها، وقالت بكلمات مرتجفةً تغلي غيظاً، وتحَدّر حقداً عاجزاً، أملسَ كحقد مذلول لا حول له ولا قوة:
ـ هو من توج قلق واضطراب تلك الأيام بالرعب!.
أنقذف غريزياً جوار الجثة، وسيل من القذائف تساقط بغتةً. أدار عينيه المرعوبتين باحثاً عن موضع الملجأ.. لكن مسافة العشرين متراً نأت صارت حلماً في كثافة القصف المتواصل، فزحف نحوه واندفن بالجسد البارد غامداً وجهه في العنق المخدوش العاري. بدا الجسدان في عناقهما الحميم، كجسدي عاشقين سيتفارقان بعد لحظةٍ فراقاً أبديا. لبث ساكنا،ً في تشبثه العنيف بالجسد الذي لم يزل ليناً، ينصتُ للسكون المريب، الضاج من جديد بهدير النهر وخرير الساقية وحفيف أوراق البلوط المتساقطة. تمدد الصمت واستطال، فاستيقظ من عناقه المذعور على تضخم القسمات اللصيقة المحتقنة. أرتعد من تغير ألوانها، التي تراءت له من ذلك التحديق المجسم وكأنها حية غاضبة من شماتته. سحب جسده مبعداً الوجه عنه قليلاً، وتفحصه.. لم يفعل الورم سوى تجسيم انفعالات فزعٍ مطلق وشم قسماته الداكنة في جمود لحظته الأخيرة. تمرغ بالتراب بأوراق البلوط بالصمت بالحيرة، بمحنة الوجود البشري الفردي.. بلا معناه.. ولا جدواه برغائبه وأحقاده، بأهوائه ونزواته، بجديته وهزله، بتعففه وشهواته، فلولا إصرار مسئول هذا الموقع البارحة، على مغادرته وزوجته الموقع لخطورة الوضع لما اختلف مصيريهما عن هذا المصير. ارتج في السكون متخيلاً جسدها الساحر بارداً، ممرغاً بالتراب، وقسماتها الجميلة محتقنة، مزرقةً شوهاءَ. انقلب في تمدده على ظهره. حملق في غيومٍ متفرقةٍ تعبر السماء. أخذه السكون إلى مناحيه القصية، فألفى نفسه مرةً أخرى في باطن ليلة عودتها، ينصت في خفوت ضوء الفانوس، المطل على جلستهما، من رفٍ دقهُ قبل أيام، كي يجعل الإضاءة توهم بالأخيلة والأحلام:
ـ كنتُ أتشمس، وأمشط شعري الذي كففتُ عن نثره بحضورهم، مستغلةً ذهابهم للتحطيب في الغابة. شفته رجع وحده.. شعرت بالخوف. لففت شعري، وتطلعت إلى خطواته المتعثرة. تباطأ وسط الممر الثلجي. استدار نصف دورة. همَّ بالعودة، لكنه عدل من اتجاهه نحوي. أرابني الأمر، فنهضتُ. تراجعت خطوتين إلى الخلف. كان وجهه فظيعاً، شديد الشحوب، يرمقني بتوسل. شفتاه تختلجان في وقفته أمامي وهو ينازع لقول شيء. كان الجو مربكاً. فضلتُ الركون إلى الصمت والانتظار. أصدر من جوف حلقه لغطاً مبهماً، قبل أن يتمكن من القول بصوتٍ متهدج، مستنجد، مستجدٍ:
ـ أرجوك.. أرجوك.. ساعديني.. ساعديني!.
ظننتُ أول وهلة، أنه محتاج نقود ليشتري سجائر ومرتبك بسبب الخجل.. قلتُ:
ـ بماذا أساعدك؟
ـ ..!
ـ أتحتاج إلى نقود؟.
ـ أرجوكِ.. أرجوكِ.. أرجوكِ!.
ـ أنتظر سأجلب لك.
شرعت بالتحرك نحو باب القاعة. اعترضني ممسكاً بقبضتيه المرتجفتين ساعديَّ. حملقتُ في وجهه مستغربةً جرأته.. ويا لهول قسماته المختضة، المتكسرة، المحتقنة بالذل والألم والشهوة، وهو يهذي بمفردةٍ واحدةٍ تتكرر في ضجيج لهاثه:
ـ أرجـــ……..وك … أرجوووووووووووك!.
أفلتُ ساعديّ بعنف من بين قبضتيه الواهنتين. تراجعتُ وأنا أختض. ارتمى نحو قدمي. باسَ حذائي، ومسحه بقسماته هاذياً:
ـ أرجوك.. أرجوكِ.. لم أنم مع امرأة طوال عمري.. أرجوك.. مرة واحدة.. واحدة فقط.. وستبقى سراً إلى الأبد!.
تشبثَ بمنتصف ساقيّ، فسقطت إلى الخلف وكأنني هويتُ في فراغ.
ـ خليني أذوق المرأة قبل أن أموت.. أرجوكِ.. أرجوكِ.. عبدكِ أنا.. حذاءكِ أنا.. ارحمي حالي.. سأبلغ الأربعين.. أرجوكِ.. أرجوكِ..!.
في اللحظة التي أفلتني محاولاً النهوض، رفستهُ بكل ما بيّ من قوةٍ، فانكفأ إلى الخلف منتحباً بضجيج، صرختُ:
ـ سأقتلك يا خنزير!.
وهرعتُ راكضةً إلى القاعة. تناولتُ بندقيتي، لقمتها رصاصةً، واندفعتُ نحو الباب، لم أجده، اختفى.. تلاشى تماماً، ولم يظهر وقت الغداء، ولا في المساء.. إلى أن علمتُ من الآخرين نبأ وصوله إلى هنا.
وقتها أتضح له سر ارتباك القتيل واضطرابه عندما سأله عنها.
في طشيش الضوء المهزول، المتلاشي في ظلال أشياء الغرفة الرطبة، دفنتْ وجهها في حضنه، مهتزةً بنشيج أخرس مرير. سبح مع اهتزاز كتفيها في سماوات بعيدة.. راحلاً إلى طفولة حبهما العنيف في سنواته الأولى.
ابتعد عن الجثة مشمئزاً. استند على راحتيه، ونهض نافضاً ما علقَ بسرواله وقميصه من غبار وتراب وكسر أوراق بلوط يابسة. أطل من جديد على الممدد، فامتلأ بالغبطة مرة أخرى، وتخيل انعكاس الخبر عليها.. فالأقدار حققت أمنية من أمانيها الدفينة.
لفوه ببطانية قديمة. حملوه بحثاً عن حفرة جاهزة مسافةً قصيرة. أنزلوه دون كلام، وسحبوه على المسلك الهابط، كان يسحبه من ناحية قدميه التي يصفهما بقبضتيه المتمسكتين بالبطانية، توجعه انتفاضات الوجه المحتقن، والمتجسم أثناء سحله في مجرى يابس مغطى بالصخور المجروفة في موسم الأمطار وذوبان الثلوج. مع كل خطوة في المنحدر، يهتز الوجه في عبوسه الغاضب، وكأنه سوف ينفجر بهم كي يدعوه وشأنه خالداً في رقدته الأبدية. حشروه في شقٍ حفرته سيول الربيع في المجرى الكبير الجاف. حشروه في رحم التراب بين جذور شجرة جوز هرمة، تشهق بنحول فوق اللحد. في ظلال الجذور والتراب استكان الجسد، ليستقيم حياً في أعماقه بوجهه المنتفض لحظة تلقيه الصخرة الأولى. مع كل صخرة يلقونها على كتلته الهامدة، كان يراه حياً في اختضاض ملامحه المتورمة برد فعلها عقب سقوط الحجر الأصم. تخيّلهُ غافياً رُشَ بحفنة ماء بارد. اختلطت في نفسه مزيج المشاعر في تخبطٍ مبهم.. عطف.. شفقة.. رعب.. غبطة.. شماتة تختلط فوراً باحتقار الذات. أهلكه الاحتدام الغامض، فجعل يبطئ في رمي الحجر على الملقوم في لِحدِ السيل، منفصلاً عما يفعل ويجري. انفرد منزلقاً في عمق الخواء، شارد الذهن في بهمة أوديةٍ باردة.. مهجورةٍ، خاوية وطئها أول مرة في جوبانه بأحشاء الجبال. انزلق في اللامعنى، فاستبهمت عليه الأحاسيس ملتبسةً، فارغةً من جوهرها.. الحب.. الحقد.. الغيرة.. الطيب.. الخبث.. الأنانية والبذل.. الخيانة والوفاء.. التضحية والجبن.. الشوق.. الغربة.. الألم.. النشوة والحيرة بغبطة الشماتة العمياء. لما عاد من خواء لحظته، أنشده من حيوية رفيقه، المنهمك برمي الحجارة، منتقياً كبيرها دون مراعاة لأحزان الجسد البارد، الذي كان حميماً ليلة البارحة. كان يضع صخرته الثقيلة ساهياً، صاحوا به:
ـ بربك أسرع.. لنغطيه كي لا تأكله الحيوانات، ولا تجرفه السيول. أسرع حتى لا نرقد جواره.
أسقطوا حجراً كبيراً على الوجه، فتغطتْ الجثة. حشوا الفجوات والفراغات الكائنة بين كدس الصخر إلى أن توارت ملتئمةً بجدار المجرى. قبل أن ينعطف في المنحدر باتجاه ـ الزاب ـ التفت إليه آخر مرةٍ، بدا كصخرة بيضوية بيضاء بحجم الإنسان تركن بين جذور شجرة الجوز العملاقة، المنتصبة على حافة أخدود المسيل الجاف.
*     *     *
لم يكف عن تخيل هيئتها، لحظة سماعها بمقتله.. سيزفه لها. كان رفاقه يتحدثون عن رفيق عثروا عليه منتحراً على ضفة – الزاب -، والثاني وجدوا حقيبته القماشية والجمداني، عالقين بأسلاك عربة معلقةٍ يعبرون بواسطتها النهر، والثالث وجدوه مقلوباً.. قائماً في دغل السفح على رأسه المحشور بين سيقان أشجارٍ مشتبكة. لم يكف وهو يتسلق نحو الموقع الذي تركها فيه منذُ بكرة الصباح. كان يحاول التماسك، كي لا تظهر على قسماته غبطةً مماثلةً لغبطته لحظة إشرافه على جسد القتيل:
ـ يجب أن لا أظهر مشاعر ارتياحي أبداً.. أبداً.. إنه أمرٌ فظيع.. فظيع.. وإذا أظهرتْ ابتهاجاً بالخبر.. سأكيل لها اللوم.. لكنني سأكون موارباً، كاذباً، حقيراً.. آواه يا ربَ الحرب.. آواه ! .
لم يجد تفسيراً معقولاً، لانهيارها عندما همس لها خبر مقتله، وتداعيها على العشب منخرطةً بنحيبٍ صاخبٍ مفجوع، جعله يتجلد بوقفته المنهكة، غير شاعرٍ بشيء، فلا هو بالحزين.. ولا بالمتشفي.. لا بالمدهوش.. ولا بالفرح.. لا بالغاضب.. ولا بالمستغرب.. بل كان أقرب إلى الصخرة الصماء التي رماها على جسد القتيل المحشور بسلام التراب.
لم يجرؤ مطلقاً تلك اللحظة، ولا في الأيام المتبقية على الاستفهام عن علة ذلك النحيب، بل طوى السؤال في أعماقه جرحاً أبدياً.

شاهد أيضاً

ثرثرة مع الريح
لالة فوز احمد المغرب

عندما كنت قطة كانت كل الأيادي تمسد فرو ظهري وتقبلني /// عندما كنت فراشة كان …

عدنان الصائغ: علاقة سويدية..

تحدّثا عن الطقسِ والجنسِ والبطاطا وسترينبرغ شربا كثيراً نظرا إلى ساعتيهما بتكرار أبله علّقَ كعادته …

كولاله نوري: هل ستبقى طويلا بعد نهاية العرض؟

إلى: كل دكتاتور غادر ومن تبقّى منهم تُعَدِّد الفراغ وتحمِّل الكراسي كل هذا الخلوّ . …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *