شوقي يوسف بهنام : من أوراق حسين مردان السرية؛ حسين مردان وصورة الذات

بورتريه للشاعر الكبير حسين مردان

إشارة : بعد بحثه التحليلي الرائع والطويل عن الشاعرة الكبيرة “لميعة عباس عمارة” والذي نشره موقع الناقد العراقي في أكثر من خمس عشرة حلقة ، يعود الأستاذ الباحث “شوقي يوسف بهنام” ببحث موسّع عن الشاعر الكبير الراحل “حسين مردان” سوف ننشره في حلقات أيضا .. فتحية له على هذا الجهد الهائل .                    

-1-
تجربة السجن لها آثارها السلبية على مجمل بناء الشخصية . فعلاوة على الحرمان الحسي الطويل وما يسببه على مخرجات السلوك ؛ تكون تجربة السجن مصدرها لرهاب الزمن Chronophobia  والذي يعرف على ” حالة مرضية تصيب عددا من نزلاء السجون ، من ذوي الشخصيات العصابية ، فما تكاد تختفي جدة الحياة في السجن أو المعتقل حتى يصبح الزمن المحكوم به على السجين عبثا يؤدي الى نوبة فزع مفاجئ مصحوب بأوهام مرضية واضطرابات نفسية شديدة ، ولاسيما إذا ‘أغلقت على السجين زنزانة منفردة . وقد تخف حدة الأعراض على السجين بعد مدة ولكن القلق يظل يساور السجين حتى نهاية مدة سجنه . وتسمى هذه الحالة أيضا عصاب السجن prison neurosis (1) . وهناك علاقة بين هذا الرهاب ورهاب الأماكن المغلقة claustrophobia  . وتشتد أعراض هذا العصاب إذا اقترنت خبرة السجن بالشعور بالظلم . فالسياسي ليس مجرما أو جانحا أو رجلا اخترق القانون لكي يودع في السجن . السياسي رجل صاحب قضية ما . وهذا الشعور سيعزز ويقوي الانفعالات السلبية التي ترافق خبرة الإيداع في السجن . ومن هذه الخبرات النفسية صورة الذات ، الشعور بالاضطهاد Persecution ، الموقف من القدر وغيرها من الانفعالات التي من شأنها التقليل من قيمة الذات . المهم في السطور التعريفية هو ان ندرس ظاهرة مفهوم الذات عن صاحب هذه التجربة . وليس هناك من دليل اقوي من دليل الاعتراف الذاتي نفسه . وحين ندرس هذه الظاهرة عند الشاعر الذي يتبنى ، حسبما يقول ، سلوك العبث ، اعني الشاعر حسين مردان ، فلقد حاولنا مشاهدتها عند ادونيس وصراع مع فأرته (2) التي حفرت حفرة عميقة في نفسه وهي كانت ثمرة لخبرة السجن ، ورأينها عن شاعرنا سعدي يوسف عندما تصور نفسه وهو يصارع الفأر على قطعة من الجبن الأبيض وقد كانت هذه الصورة نتاج النفي والإقصاء خارج أسوار وطنه ، فهي إذن بمثابة تجربة السجن لكن من نوع آخر(3) . وها هو حسين مردان يصف لنا تلك الخبرة ليعبر من خلالها صورته عن ذاته . وسنكرر ذكر رمزية الفأر حتى يبدو الموضوع مترابطا . يقول الدكتور خليل احمد خليل عن هذا الكائن” رمز الجوع والتنقيب والظلمة ، مثل الأرنب ، هذا القارض الجهنمي أو الباطني ، حيوان مخيف ، ينشر الطاعون ، ويخرب المخزون ، ويقرض الكتب وسواها . رمز الحيلة والثأر .يشير فرويد في (إنسان الفأر ، خمسة تحاليل نفسانية) الى ان هذا الحيوان المشهور بدنسه ورجسه ، الذي ينقب في أحشاء الأرض ، له مضمون قضيبي ، شرجي ، متصل بمفهوم الثراء والمال .لذا ، ‘يصور الفأر كأنه رمز البخل والمخاتلة والعمل السري . من وجه آخر ، يرمز الفأر والفأرة الى التكاثر والتناسل (في اليابان ، الفأر رفيق اله الثروة Darikoku ) . الفئران هي رموز الأولاد أو الأطفال (الخصب والوفرة ). لكن الفأر الذي لا يشبع ، يرمز الى اللص ” (4). ذلك إذن هو الفأر . لقد غيرت الفأرة رأس أدونيس بالكامل . وجعلت من سعدي غريما له يتصارعان على قطعة جبن . فكيف يرى حسين مردان صورته وهو يراقب الفأر يصول ويجول في زنزانته ؟؟ . في قصيدته المعنونة ” ظل الشيطان ” يعكس حسين مردان ابعاد خبرته هذه ؛ فيقول :-
ومد ساقيه ،
فتهاوى رنين القيود في أحشائه
واستل من حصيرته الممزقة عودا
رفيعا علكه قليلا ثم بصقه على الجدار
عشرة أعوام …
منذ حيل بيني وبين النور
عشرة أعوام
(الأعمال الكاملة ج1 ،ص 375)  *
***********************
يفوح من هذا المقطع إحساس شديد بالإحباط والحزن . علاوة على مظاهر الاكتئاب الأخرى . ليس هناك غير رنين القيود ما يشغل إذنيه . عشرة أعوام وهو في هكذا خبرة . ويبدو ان الزمن مفتوح .. اعني ان  زمن الادعاء لم ينتهي بعد . علكه للعود الذي استله من حصيرته الممزقة دالة على فعل الاجترار Rumination وهو من أعراض الاكتئاب كما هو معروف . من المؤكد ان هذا العود مغلف بالغبار . البصق هنا رد فعل لمذاقه اللامرغوب . حسين مردان إذن محصور بين جدار الزنزانة ورنين القيود الذي غمر كيانه كله . إيقاع القيود هذا أصبح بمثابة سيمفونية  صاخبة جعلت من أذنيه لا تسمع غير صخبها . عشرة أعوام إذن مرت وشاعرنا يعلك آلاف الأعواد من حصيرته الممزقة ثم يبصقها . كيف يقضي الشاعر وقته هناك ؟ اعني في زنزانته هذه. يقول حسين مردان :-
وأنا أدور في هذه (الزنزانة المثلثة )
كفرخ في بيض سمكية القشر
وسأموت غدا
(المصدر السابق ، ص375)
****************************
أذن هكذا كان حسين مردان يقضي وقته . لم يكتف بعلك الأعواد بل كان يدور ويدور الى ينهكه التعب . التشبيه من شأن الشاعر . لكنه صورة من صور تقيل الذات والحط من شأنها . الفرخ هنا .. اعني حسين مردان ، مغلف ..محاط .. بغلاف سميك . ليس فقط جدران زنزانته بل العالم كله هو سجن بالنسبة إلي حسين مردان . لا احد يخترق هذا الجدار ..ولذلك فأنه سوف يموت غدا أو بعد غد. كيف يصور لنا حسين مردان موته ؟ . يقول :-
سأموت كفأر مسكين
لأني جعت يوما
فصرخت بوجه (الحاكم)
أنت ..!
أنت ظل الشيطان على الأرض .
(المصدر السابق، نفس الصفحة)
***************************
الشاعر يتعامل مع الطبيعة تعاملا رومانسيا خالصا . فهو شفوق عليها وعلى من عليها . لقد نعت الفأر بالمسكين . ترى لماذا هذا النعت ؟. نحن نعلم ومن خلال الرمزيات التي سردناها في بداية هذه السطور ان للفأر صيت سيئ على العموم . ولكننا نجد هنا ان حسين مردان ينعته بالمسكين كما قلنا . وكما قلنا ان الشاعر شفوق على الموجودات جميعا حتى السيئ منها .لأنه قبله لا يعرف غير الحب . هذا يذكرنا بصوفينا الكبير محي الدين بن عربي الذي صار قلبه مرتعا للغزلان وديرا للرهبان . الحب لم يمنعه من تقبل الآخر . بل على العكس كان مملوءا بالحب كله . ان حسين مردان هنا بدلا ان يعتبر الفأر لعين كما فعل سعدي يوسف مثلا ، أشفق على الفأر لأنه جائع ومن حقه ان يبحث ما يملأ جوفه . إذن هنا وجه المقارنة بين حسين وهذا الفأر وهذا المخلوق القارض . الجوع هو القاسم المشترك بينهما . سيموت غدا إذن مثل هذا الفأر المسكين . ويختم الشاعر قصيدته بأن يكشف لنا عن سر مرارته التي كانت نتيجة إيداعه في السجن لأنه قال للحاكم يوما :-
انك ظل الشيطان على الأرض .
****************
من يجرأ على التفوه بكلام كهذا ؟ انه الشاعر الذي كان يجوب شوارع بغداد يحمل جوعه على راحتيه ويبحث عن ما يسد رمقه في ارض يظللها الشيطان …

الهوامش :-
1- د. الخولي ،وليم ، 1976 ، الموسوعة المختصرة في علم النفس والطب العقلي ، دار المعارف ،القاهرة ،مصر ،ط1 ، ص90 .
2- بهنام ، شوقي يوسف ، فأرة ادونيس ، موقع الندوة العربية .
3- بهنام ، شوقي يوسف ، سعدي يوسف والفأر والجبن الأبيض ، موقع الندوة العربية .
4- د. خليل ، احمد خليل ، 1995 ، معجم الرموز ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ص 128 .
*  مردان ، حسين 2009 ، الأعمال الكاملة ، تقديم :د.عادل كتاب نصيف العزاوي ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، العراق .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عائد خصباك… حكاء يزين السرد.

بداية الثمانينيات من قرن الحروب والفجيعة، رأيته يجلس خلف صمته متأملاً ذلك المكان المحاط بضجيج …

فاروق مصطفى: (في حضرة عطرك) الكلمات هي الاخرى تتعطر وتضوع

كتاب ( في حضرة عطرك ) الصادر عن دار رؤى عام 2019 للشاعرة ذكريات عبدالله …

نبيل نوري يتأرجُ في بصرتهِ مِن خلالِ روايتهِ (سيدي قنصل بابل)
مقداد مسعود (ملف/1)

في مساء بصري جميل وفي قاعة الشهيد هندال: أقامت اللجنة الثقافية للحزب الشيوعي في البصرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *