أحمد حسين : الشكل الروائي و رواية تعالى وجع مالك

الشكل في العمل الأدبي يؤدي وظيفة لا تقتصر على الجانب التوضيحي بل تتعدى إلى إظهار أو التعبير عن مضمون ذلك العمل الأدبي, والمواد التي تدخل في بناء الرواية هي عبارة عن الأشكال المتنوعة التي يستعين بها المؤلف للسرد الروائي كما يوضح ذلك الناقد بيرسي لوبوك, وعملية السرد هي المادة المحكية. وحينما يصف هنري جيمس الرواية بأنها (انطباع شخصي ومباشر عن الواقع ) فان عملية السرد هي التي تعطي المضمون شكله الفني وهي التي تستطيع خلق الواقع الموازي الذي يتسم بقدر من المرافقة للعالم الواقعي بمعنى إبداع عالم جديد قد يتشابه مع العالم الواقعي في أشياء لكنه يختلف عنه في أشياء كثيرة, وهذه الاختلافات تستطع إرهاف وعينا بالعالم الواقعي وتعمق فهمنا له بشكل اكبر بما تمتلكه من تشتت مكاني وفقدان الاتجاه وولع بالمتاهة وانفتاح على مجموعة كبيرة من الاحتمالات, حسب ما يؤكده الناقد د. صبري حافظ.
عندما يختار الروائي لموضوعه شكلا يستطيع التعبير عن الواقع فانه يضع في حساباته أي من الأشكال هو الأصلح للموضوع الذي يعالجه وما هو النسق الذي يتبعه في السرد حتى يستطيع إظهار الشخصية بحيث تنطق عن نفسها قدر الإمكان. والروائي الناجح هو الذي يستطيع توظيف كل عناصر السرد في خدمة العمل الروائي وإيصال المضمون الذي يريد إيصاله في نفس الوقت الذي يكون فيه هذا المضمون على نفس تلك الدرجة والمكانة .
ولقد شدني النقد المنشور عن رواية تعالى وجع مالك في الموقع إلى تتبع تلك الرواية للاستمتاع بقراءتها, لكن وجدت ان القراءة الأولى لم تكفي إلا بمراجعتها مرة ثانية خرجت منها بعدة ملاحظات كقارئ عادي يمارس نقده الانطباعي..
الرواية كتبت بلغة سردية تتأرجح بين لغة متوسطة أو عادية وبين لغة مبالغة تفخيمية, أما مشاهدها وأحداثها فقد صيغت وفقا لشكل معد ومسبق استحدث تقطيع تلك المشاهد وتداخل الزمن بتقديم وتأخير تماشيا مع متطلبات هذا الشكل, وتمويه مكانها لا لرمزية هذا المكان وإنما لغاية التوافق مع هذا البناء الذي جاهد المؤلف كثيرا لصياغته بعدما استخدم التجريب والتقطيع الذي أدى إلى استغناءه عن الحبكة حتى بات من العسير على المتلقي فهم وإدراك المعنى باجزاءه إلا بعد الإلمام بكل المحتوى والذي يمكننا كشفه بسهولة بعد تجريد بنائه متغاضين عن الأخطاء الإملائية والنحوية التي يمكن أن نعزوها إلى سوء الطباعة, عندئذ ستبرز حقيقة المضمون بالطريقة التي تجعل المتلقي يتساءل عن ماهية الأسس المنطقية التي استند عليها المؤلف لصياغة وقائعها الغير منطبقة على الواقع والتي لا يمكن إحالتها إلى صور رمزية لأنها لا تقبل الانسجام ولا التناظر أو الاستبدال, بالرغم من محاولة المؤلف إلى قصد الرمزية في الشخصية الرئيسية (مالك) لحالة أوسع تختزل دولة, لم يكن في الحقيقة إلا تجربة شخصية للكاتب وهي حالة نراها تتكرر دائما في أغلب نتاجات الكتاب الأولية عندما تقع نتاجاتهم تلك ضحية تجربة شخصية محدودة.
عند استعراض المضمون, نجد راوية تروي عن نفسها بضمير المتكلم وبأسلوب تيار الوعي أزمة فتاة تتفتح مشاعرها وغرائزها بانتظار عريس مزعوم من قبل والدها تتحول إلى نزعة محمومة لامتلاك شخص في خاطرها لتتحول لديها فترات الانتظار والترقب إلى مجرد إشباع غريزي. تفتتح السرد بقولها “لست داعرة أو مستهترة” هذه الفتاة واسمها (سالمة باستمرار) العنصر الأساسي في الرواية والسرد هي من عائلة لا نجد لأفرادها أي دور في الرواية عدا الابن الأصغر أما الأب فهو مرجع إسناد الرواية إلى حدث في التاريخ تدور حوله كل الرواية حيث تروي (سالمة) هذا الحدث عن أبيها في صفة 84 من الرواية بان الأب ادعى أن جده أوصاه بالرحيل والسفر إلى حيث ارض أجداده (السادة) لأنهم من النسب الشريف, لم يذكر المؤلف المكان بشكل مباشر وإنما بإشارات متفرقة كالأرض الرملية و الصحراء الكبرى و الإشارة إلى بعض المدن كالزاوية وزوارة تماشياً مع الشكل. يسافر الأب من بلاده ليبيا إلى العراق ويزور المرقد في الكاضمية باحثا ومنقبا في مكتبته عما يربطه بالنسب الشريف ليعود خائبا لكن في طريق عودته مرورا بمدينة القرنة في البصرة يلتقي برجل و يقرر أن يعود بالنسب منه, يوعده الرجل بأن يسمي ابنه (مالك الوجد) أما الأب فأكد لمضيفه بأنه سيسمي ابنته (سالمة باستمرار) ويتواعدان على تزويجهما, بالرغم من غرابة هذا الحدث فان المؤلف قصد به رمزية وإشارة موجهة بقصد الإساءة إلى ذلك البلد وهذا واضح المعنى مجهول السبب!!
انتظار العريس هي العقدة التي ظل الأب يرددها على مسامع بناته أقعدت (سالمة) المنزل ست سنوات وفي ليلة عيد ميلادها الحادي والعشرين يسمح بخروجها من المنزل, سرد مشهد يوم الخروج هذا قطعّه المؤلف ووزعه مع عدة مشاهد مسرودة من قبل الراوية نفسها من دون تحقيق أي وظيفة سوى تشتيت الانتباه لمدى غرابة هذا الحدث وما نتج عنه, ثم نجد إن كل ذلك التقطيع والإخفاء كشفته لنا الراوية من ص 158 إلى ص 159 وبطريقة تجعلنا نستغني بها عن قراءة نصف الرواية, لقد التقت بمالك الوجد في لحظة وصوله إلى ليبيا لاجئا من العراق و بعد هذا اللقاء السريع والعابر راح مالك يبعث لها بطرود بريدية استمرت طيلة عشر سنوات من دون أن يذكر اسم أو عنوان يشير إليه تحتوي طرفي نقيض (ملابس داخلية نسائية وقصاصات ورق من أمهات الكتب عن الوجود والإنسان والفلسفة والعرفان). أما هي فلقد عشقته جسدياً وظلت تترقب لقاءه طيلة عشر سنوات على ما ذكرته لنا في ص 78 أو أربعة عشر سنة على ما ذكرته في ص 153, هذه الثغرة الزمنية لا يمكن تبريرها بان الراوية كانت تروي لنا بفترات متباعدة زمنياً, تعلمت لأجله مهنة التمريض ثم أنشأت عيادة خاصة لغرض جذب الطبيب مالك إليها.
قد نتساءل هل يمكن أن يحدث ذلك فعلا على أرض الواقع؟ وهل يمكن (لصناعة المرض) أن تحقق مثل هذا النجاح (جذب الزبائن للعيادة عن طريق الإغواء)؟ هذا إلا إذا كنا نتعامل مع شخوص في بيئة تنساق وراء نزواتها وعلى الأكثر مشلولة الوعي وهو انطباع ولا ادري إن كان مقصوداً, ترسخ لنا ونحن نتابع أكثر في ص 104, وكيف يمكن لطرود من ملابس داخلية نسائية أن تكون وسيلة تطهير ويتبين في صفحة 158إنها تعلم بأن مالك هو من يرسلها “كنت تغيضني بطرودك مائة وعشرون هدية تبكيني وألبسها كرهاً فيك لأغوي الفتيان” بينما في صفحة 21 اعتقدنا جهلها بالمرسل “حاولت جاهدة وحتى عييت ولم أعرف المرسل”, وفي الحالتين لا تكفي مجرد كونها وسيلة تطهير وإعادة تشكيل لتبرير واقعية استمرارها طيلة عشر سنوات!
أما لحظة اللقاء مع مالك في العيادة والتعري اللا مبرر من قبل سالمة والبعيد كل البعد عن العرف العربي والذي يأنف أن تكون الموافقة على الخطوبة مشروطة بالبحث عن شخص غريب وجلب عنوانه لها (انظر صفحة 145), لا نلتمس منه سوى قصد التشهير بذلك البلد الذي استضاف بطل الرواية بعد هروبه من العراق. ولا أقل من مشهد تصوير الحالة المزرية والتعامل اللا إنساني في المستشفى الذي نقل إليه مالك بعد تعطل حواسه بفعل تنفيذ انتقام سالمة عليه لعدم مطاوعته لها, والمؤلف يبرر ذلك نتيجة لطبيعة الأرض هنالك فلم يعرف فيها الطين الذي هو أصل الحياة والرمز الذي اعتمد عليه مثلما يخبرنا على لسان سالمة في ص 90 “لم أرَ الطين بحياتي فأرضنا رملية وجافة” ثم في صفحة 159 تقول “أنا من رمل عجن على عجل فاستوى هشاً تملأه الفقاعات” حتى بات من العسير أن يشفى مالك من وجعه في الغربة إلا بعد عودته لوطنه والتصاقه بترابه.
وعلى الرغم من تساؤلنا عن تبريرات أو إيجاد أرضية واقعية لما نشاهده من أحداث فإننا في الوقت نفسه نستغرب من طريقة سرد الراوية المتمثل باختيارها هذا الأسلوب المموه في الإخبار.. على إننا في الحقيقة لم نستغرب كثيراً لأننا في أغلب السرد كنا نعتقد أن المؤلف هو من يحدثنا لا هي وحتى حينما انقلب الراوي في مراحل الرواية الأخيرة إلى راوي خارجي منحاز هو صوت المؤلف نفسه بعدما نفذت طاقة الشخصية الرئيسية وبات عليها من المستحيل إكمال روايتها لنا في الوقت الذي لم يؤسس المؤلف لشخصياته ويمهد لها حتى تكون لها القدرة على إكمال السرد, لم نجد ذلك الفرق ولا ذلك الإحساس بتغيير الأصوات لان صوت المؤلف علا على كل الأصوات, وحتى ذلك الوصف الذي بلغ القمة في التعبير عن مشاعر الأنوثة وارتعاشاتها في أولى تجاربها الجسدية (صفحة 40 إلى 50 من الرواية) تخللته نبرات رجولة صادرة من رجل خبير متمرس يتلاعب بالمفردات, لا من أنثى باكر تخوض تجربتها الأولى لا حظ لها من الثقافة سوى تزوير شهادة معهد التمريض الذي تخرجت منه (صفحة19) وتخبرنا في صفحة 149 قائلة: “أنا التي لم تعرف التعبير في الكلمات”, فكيف وهي التي تصدرت سرد الجزء الأكبر من الرواية لا تمتلك مقومات الشخصية التي تؤهلها للوصل إلى مستوى السرد الذي نقرأه في أسلوب المؤلف. وفي هذه النقطة تكفينا الإشارة إلى قول كل من رولان بورنوف وريال أوئيليه في كتابيهما عالم الرواية: “طريقة السرد التي أختارها المؤلف لا مجرد وعاء خال من المعنى بل كشكل يمنح الموضوع المنحوت دلالاته”. فبأي لسان نطقت وعبرت عن تلك الممارسة التي فعلتها مع مالك الوجد في لقائهما في الصحراء يفتظها بكامل إرادتها حتى يجعلها تقول في صفحة 49: ” إن ما يفعله بي لم أراه في حلم أو أمنية .. لم يعد اسمه شبقاً انه الالتصاق الأولي البوهيمي بين أنثى وذكر تفصدا علقاً والتصقا في مد كوني خالي من أيما إيماءة” انه فعلا تعبير رائع وإحالة في محلها فيما لو صدرت بصورة مموهة عن الراوي حتى تحيل العلاقة بين السرد والحوار متوازنة بمستوى لا يجعلنا نحيل السرد إلى الكاتب ولا يبقى للشخصية إلا الحوار ضمن أسلوب السرد الذاتي, ربما نجم ذلك عن إشكال في التداخل بين السرد الموضوعي والسرد الذاتي وتحديد وجهة النظر, فأي فرق هنا بين هذا الوصف الذي صدر عن راوي ذاتي وبين ذلك الوصف الذي وصف مراحل شفاء مالك بارتباطه بالأرض والطين والذي نقله لنا راوي خارجي في ص 193؟ إننا لا نجد إلا شخصية واحدة تكتب وتروي وحوار وان تعدد مصدره واتسم بالتكثيف فهو لشخص واحد وثيمة واحدة لا تهدف إلا لإبراز (الأنا), أنا مهد الحضارة والطينة الأولى والنسب الشريف الذي يحلم الجميع للانتساب إليه لكننا نراها قد تجسدت أكثر في شخصية البطل الرئيسي في الرواية (مالك) عندما راح المؤلف يختزل فيه كل أحداث العراق فجعله يمارس طقوسه في ليلة سقوط الصنم ليلة التحرر والانعتاق فتظهر لنا كمعادل رمزي بعملية (زنا) وسط الصحراء الكبرى! من غير أن يتناسب هذا الفعل على تلك الأرض البعيدة كرمز مع ذلك الحدث الكبير في العراق! والأكثر ذلك الربط اللا متناظر بين كل حوادث الإرهاب التي مر بها العراق والتي بلغت أوجها بتفجير قبتي مرقد العسكريين في سامراء, وبين حدث إلقاء القبض على مالك بتهمة التحرش الجنسي بالرغم من إن مالك بعيد عن كل تلك الحوادث! ثم يكمل الإرهاب عمله في العراق بتفجير مئذنتي المرقدين تزامناً مع إكمال (سالمة) تنفيذ مهمة انتقامها من مالك! وهو تزامن لم نجد له أي دلالة. أقول لقد تعالى (أنا) مالك حتى جعله يتعامل مع سالمة بقصاصات الورق الصفراء التي موهها بقطع الملابس الداخلية وبغموض لا نعرف سببه مثلما لم نفهم كيف يمارس طقوسه معها في ليلة (الصحراء – السقوط) في أول لقائهما ويفعلها سبع مرات ثم يستعلي عن القيام بذلك كلما تطلب هي منه؟ وهل أن مجرد تغيير المصطلح يغير من حقيقة الفعل؟ هذا ما يفاجئنا في ص 126 – 127 من الرواية! والثيمة التي تظهر في ص 180 تؤكد حقيقة هذا الاستعلاء مثلما تظهر كيف تنهار المدينة وتختفي تحت الرمال ما إن يغادرها مالك عائدا إلى العراق, لكن يظهر هنا إن الأخ الأصغر (عليوة) هو الوحيد من تلك البيئة (الدولة) الذي قد نجا من ضربات النقد التي وجهها المؤلف على ذلك المجتمع, ربما لأنه قد تربى على أفكار مالك القادم من ارض الطينة الأولى وبالشكل الذي جعله يتنكر لأرضه حينما يشير إليها بالنكرة مقابل الأرض التي سيتوجه إليها مع مالك حيث يقول في ص 182: “نحن نغادر أرضاً إلى الأرض يا عطر السناء”.
أخيرا يستكمل المؤلف سلسلة تقابل الرموز عندما يربط حدث شفاء مالك مع خبر إعادة بناء مرقدي سامراء لينهض مالك من مرضه معافى ويخرج من صمته فينطق (لقد عدت) بفعل العمل الجمعي والعودة إلى الجذور والمنبع حتى يتعافى البلد. لكن هل يكفي أن يكون هو كرمز يختزل العراق بمجرد إحاطته بهالة من الغموض والإصرار على تجريده من السرد الذي ربما قد غير كثيرا من شكل الرواية وجعلها أكثر انسيابية وسهولة وحتى أكثر قناعة لدى المتلقي.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.