سلام إبراهيم : الإرسي (6)

إشارة : تقوم أسرة موقع الناقد العراقي بنشر رواية القاص والروائي العراقي “سلام ابراهيم” : “الإرسي” على حلقات .. تعقبها مجموعة من الدراسات والمقالات التي نشرت عنها بعد “إرسي الخراب العراقي” الدراسة الطويلة التي نشرتها للناقد “حسين سرمك حسن” عنها ، والملاحظات التي وصلتها من القراء الكرام بصدد عدم اطلاعهم على نص الرواية . وستكون“الإرسي” مفتتحا لنهج جديد تتبعه أسرة الموقع مع الروايات العراقية المهمة ..         

في برزخ الجبل
ذل العاشق

هل ثمة عاشق أبأس وأذل مني؟.. هل؟.. ولا قيس بن الملوح.. صرت أكثر من بائس.. والأشد بؤسا أنها لا تحس بيّ.. ولا تشعر حتى بحماستي الزائفة التي تتساوق مع إيقاعات واتجاهات مقاصد كلامها بحضور تلك الذوات المصنوعة من ورق الأماني ومدن الكتب والحكايات، الواثقة بقدرتها على تغيير مصير العالم. صرت أكثر من عبدٍ. كنت أطل من ناصية وعيي على المشهد برمته،  لكنني أكتم ما يجول بنفسي ولا أستطيع البوح به لأكثر البشر لصقاً.. رفيقة ليليَّ المبحر في الأخيلة المفزعة والأحلام، في التباس المعاني والأحوال وغموض المآل.
هل تعذب بن الملوح مثل عذابي؟
هل احتضن ليلاه بعريها كل ليلة مثلي مرعوباً يبغي لحظة أمان من هول الدنيا واحتمال الغياب الأبدي في جبهة الحرب؟
هل مثلي أحتضن ليلاه النائية المحتقرة جسده الراجف الخائف المتشبث بتضاريسها رعباً من موت يضمره الغد الأعمى؟
هل كان مثلي تعتقده مجرد شخص أصابه الجبن فتنكر لمعتقداته؟!.
كنتُ في تلك الليالي أبحر في جسدٍ ميتٍ أبعثهُ من تاريخ قصتنا ومن مخيلتي المحتدمة. الجسد الحبيب المتلظي برغبته، والمنكمش لحظات الاحتدام والتي فيها أبدأ بالهذيان.. هذيان ذاتٍ مهدده بموت قريب تضمره صباحات قادمة مجهولة.. هذيان محب مدله بعنفوان الجسد.. ذلك الانكماش الذي جعلني في ليلةٍ وأنا أكاد أبلغ الذروة وحيدا،ً أنسحب من حمى التداخل الحميم دافعاً جسدها العاري بعيداً نحو طرف الفراش المحتل وسط الغرفة، لأنشج متكوراً في كثافة وحشتي وإحساسي بوحدتي الساطعة في ظلمة الفراش والغرفة والعناق العاري، لاعناً في داخلي نعومة الجسد الأنثوي وضعف قلبي وعجز كياني، لاعناً وَهَم المحبة الذي جعلني ألح على قادة الثوار كي يجعلوني أتسلل خفيةً مصوراً نفسي سوبرمان قادرًا على الإتيان بالأعاجيب.. وأنا لا أفكر إلا بجوارها المبهج خلاصاً من ورطة الكفاح المسلح . كنتُ متماهيا في حلمي بعناقها إذ لم يمر على زواجنا عام واحد ونصف، والتمتع بمرأى ولدي البكر الذي تركته وعمره ستة أشهر.  وجدتني في لحظة إزاحتها المشبعة بقرف من كل ما يحيطني حائراً في غور السؤال:
ـ من الحالم هي .. أم أنا؟!.
وأنا تحت وطأة ذاك الوضع والليل والعري والسؤال، وجدتها ساطعةً بعنادها المطلق غير العابئ بوزر المحبة والعائلة والتقاليد.. ووجدتني خائراً خاوياً منكسراً أبغي حنانها الهارب.. الذاهب مني والغامر خاطر هذه الكائنات المسلحة القادم عبر منشورات سرية وأخبار شفوية تصلها عند لقاءها سراً بما لا أعرف:
ـ من الحالم هي .. أم أنا؟!.
همس لنفسه بخفوت وسط ضجيج الأصوات المحتشدة في غرفة معتمة واطئة السقف طويلة ضيقة خصصتها القرية لراحة المقاتلين الجوالين، متأملاً ظلال فوانيسها الخافتة ووهج نيران موقدها باسطوانته المعدنية الثاقبة خشب السقف، امتدادها الطويل حيث تناثر المقاتلون بلحاهم الكثة وثيابهم الرثة وروائحهم الخانقة التي هي مزيج من روائح العرق والجوارب وأقدام عطنتها الفطريات. استعاد لحظة بلوغهم أول قرية محررة، ودهشتها حينما برك جوار أول صخرة، ثم سجد وقبلها:
ـ ماذا بك؟
كانت تردد باستغراب وهو ينهض ليعاود التسلق. ألحت عليه فقال:
ـ أنفذ قسماً قطعته لنفسي وأنا في الإرسي !.
كانوا يشخصون بعيونهم البارقة نحو جلستها المقرفصة جواره أمام المدفأة القائمة قبالة باب الغرفة الوحيد. عيون متأججة بنيران الرغبة والأحلام، متوسلة، مخدرة. عيون لم ترَ منذُ زمن امرأة من المدينة، ليست امرأة فحسب بل مصبوبة بقدٍ مكتنزٍ يضيق بالبدلة التي أعاروها لها عند وصولها أول قرية يسيطر عليها الثوار. جسد يضج بالأنوثة ووجه خمري باهر الجمال. عيون جائعة تجول في أنحائها، تفج الكنوز الخبيئة في تضاريسها المفضوحة تحت ضيق السروال القصير والقميص الخانق. تتفرس بصمتٍ حط مضطرباً منذُ أن دخلتْ الغرفة الرطبة المحشودة بأوجاع الرجال. صمت يضجُ بوجوه لَبدَها ليل حرب العصابات في شعاب الجبال الوعرة. وجوه تلوب. وجوه تبحر في الأخيلة، في إصغائها الخاشع لنبرة صوتها الناعمة المقطرة فيض أنوثة طافحة، طالما جعلته يستعر في حضورها وغيابها بمستحيل الأشواق. صوتها الموقظ ضيم نفوسٍ مشردةٍ بين الجبال. ترهف قسماتهم القاسية مذهولةً بما تقوله للمقاتل الجالس جوارها عن أوضاع الناس في المدن ومزاجها في ظل الحرب. كانت الحماسة تزيد من ألق جمالها الوحشي في شحوب ضوء الغروب المتسلل من فتحة الباب. كان يدرك في صمته المتوثب ما يعتمل بأرواحهم من فوران.. أحلام وأماني ورغبات. كان يتمعن فيها عميقاً، متأملاً لهفتها المجنونة المأخوذة بحلمها بمدينة ماركس الفاضلة، الذي كانت تعتقد أنها خطت نحو معانقته خطوةً بالتحاقها بثوار الجبل.
كان يلتزم الصمت.. الصمت.. فكل شيء محسوب ومقاس ومحدد.. البشر والشجر والروح والحبيبة.. لا مجال للحماقة هنا.. لا مجال.. فقد خبر عنادها المجنون وتشبثها بحلم العدالة والمساواة والمجتمع السعيد الذي تعتقد أن هؤلاء المسلحين الملتحين التائهين بين الجبال سيشيدونه في الغد القريب. ردد بصمت:
ـ دعْ المياه تجري كما تشاء التضاريس!.
كانت متقدة الروح ترغب في احتواء الكل.. رغبةً ماحقةً، طالما ألجمته وهو يحاول التخفيف من حماسها بعد أن خبر هذا العالم الغامض ستة أشهر. خاض في قتامة الليالي والثلج والجوع والحرمان، في خواء أحلامهم المستحيلة، في حياة العزلة، حيث تستفحل الغريزة، فتشطر الذات البشرية الحائرة بين قيم الكتب الثورية الطهرانية والتقاليد والأعراف الريفية القاسية، وبين ضغط الأرواح المتمردة بكل ما تطلقه من حرية داخلية ترتد لتشظي الأرواح القلقة، المتأرجحة على حافة موتٍ يربض بكمين أثناء عبور شارعٍ عام، بمعركة، بسمٍ يدسه رفيق خان سراً. ألجمه حماسها الساطع، وجعله لا يبيح لها بما خبره من التفاصيل اليومية، حيث أطل منها على عذاب ولوعة الأرواح الدائرة بين الجبال البعيدة.. انكساراتها.. موتها الأقرب إلى الصوفية منه إلى قناعة الأيديولوجي.. صعوبة التجربة وأفقها المسدود. أدرك أنه سيفقدها لا محالة بعد أول حوار حاد عن حركتها واتصالاتها السرية أثناء غيابه في الجبهة. كان ينمحق تحت وطأة هاجس اعتقالها وأخيلته تذهب بعيداً بما يفعلونه بها في تلك الأقبية والدهاليز المخيفة، والشقة يجدها مليئةً بالمنشورات السرية. كان ينسحب من الجدل، فمن المؤكد أنها سَتَعتَقدهُ جباناً فيما لو أمعن في بسط بؤس ما شاهده وعاشه فعلاً هناك. كان يرعده هاجس فقدها وخراب قصة حبهما:
ـ دعْ المياه تجري كما تشاء التضاريس!.
قال لنفسه في لحظة سكر في تلك الشقة المعزولة، بعد أن تركته غاضبةً حينما لامها على وجود منشورات سرية في الشقة دون التفكير حتى في إخفائها. تركته لليل الإجازة القصيرة.. للخمرة.. لحضيري أبو عزيز.. وداخل حسن.. ولسورية حسين.. وعويله النائح. تركتهُ مقفلةً باب غرفة النوم عليها. تركته لليلٍ مشحونٍ بالرعب والاحتمالات.. فأدرك ليلتها شيئين جوهريين.. أنه لا يستطيع دونها تذوق الدنيا.. وأنه سوف يَضِيع وتَضيع منه في حوارات كهذه.. ثم إنه موت سواء أكان في المعتقل أو في الجبهة أم بين الثوار في الجبل، والأخيرة أخف وطأةً من الاحتمالات الأخرى:
ـ دعْ المياه تجري كما تشاء التضاريس!.
كان لا يبدي اهتماما بالشرر المنبثق من الأحداق المحملقة. أحس بها تشتعل بوهج العيون. طفقت تتململ في جلستها مقتربةً نحوه، وصوتها ذو النبرة الواثقة أوهنه الريب، فجعلت تتلكأ بالكلام. كان يرمقها بحياد حسب الاتفاق متجاهلاً الأسئلة بنظراتها المستنجدة. كان في عمقه المغلق شامتاَ بها..
… اهبطي يا حلوتي.. اهبطي من نورانية حلمك.. اهبطي.. وبنفسك جسي فحوى الكلام والكتب.. بنفسك جسي.. تلمسي.. فطالما تجرعت منك ضيم ليالٍ موحشةٍ في الاختفاء وفي أجازاتي من الجبهة بعد أن عدت إلى وحدتي نادماً شأني شأن آلاف الجنود الهاربين.. تلمسي وجه جيفارا، المحدق نحوك بعيونه الكثار الشاخصة، من هذي الوجوه الملتحية المتعبة.. اهبطي يا حلوتي.. اهبطي..
كان يعمي بصيرته عن إحراجها البين وهي تشمل المسلحين المتكئين على الجدران، المنتصبين، الجالسين، الصامتين، الملتهمين هذي الغزالة السمراء التي هبطت قبل لحظات من القمة المقابلة بصحبة رفيقين، متلذذاً بنشوتين.. نشوة صدمتها برجال مدينتها الفاضلة.. ونشوة خلاصه من جحيم غرف الاختفاء وأخيلتها.. من عذاب ليل الجبهة الضاج بصراخ الجرحى وقت احتدام المعارك. انحرف قليلاً في جلسته ليحتل مكاناً يتيح له الإبحار في قسمات الوجوه الشاحبة، في جوعها وألمها، لهفتها وأشواقها، في بؤسها ومجدها، في أحلامها الميتة وأخيلتها الحية التي تكاد تتجسد في نحت الملامح، أو تتبدد كرماد فرط تكرارها. الأخيلة التي ستشحذ هذه الليلة بعبق أنثى برية مسكرة شاخصة في جلستها وسطهم.. جنية ستمنح أرواحهم الموحشة، الضائعة بين الصخور والقفار والقتال شيئاً من الرواء سرعان ما سيتبدد بذهابها مخلفةً المزيد من العطش والاضطراب.. ستكون مثل طيرة وكرت صدفةً وطارت خافقةً بجناحيها لتختفي في السماء. إنه يعرف أنها ستكون حديث المساءات التالية.. شاغل الأخيلة، نزيلة حمامات الجوامع، وزائرة الأحلام.
اقتربتْ من موقعه المحايد رويداً.. رويداً ناقلةً قدميها مليماَ.. مليماً أثناء الكلام. أصبحت دانيةً من وجهه الجامد.. الذي بدا لها أقرب إلى البلادة مما جعلها تحتدم وتحدق بغضب. كان أميناً لوصيتها التي همست بها في السيارة التي نقلتهم من الموصل إلى الشيخان:
ـ من الضروري أن لا نكشف أنفسنا.
ونزعت حلقة الزواج وسلمتها له قائلةً:
ـ نحن الآن رفيقان لا زوجان.. تذكر ذلك!.
إنه يتذكر في حياده وصيتها لابداً خلف وهج المدفأة، ملتذاً لذة فريدة لتلظيها بنيران شهوات عيون معذبة يائسة تجد في خاطرها مساحة بهجة.. العيون الثاقبة نوافذ تلوح منها لوعة الأرواح، نوافذ أدمنت الحلم، نوافذ خبرها في الستة أشهر التي قضاها وسطهم. العيون المخذولة أخذت تزداد بريقاً مع تكاثف العتمة ووشل الكلام. هبط صمت مباغت فتجسدت حولها العيون متوسلةً متشهيةً تحاصر كتلتها المكورة جوار المدفأة. أشرت له مدورةً إبهامها وسبابتها حول بنصر يدها اليسرى. تبسّم لصرامة قسماتها الجادة متصنعاً المزيد من البلاهة، وشرد بعيداً عن ملامحها التي تتجلى وحشية جمالها عند الغضب محدقاً في فتحة الباب المطلة على ذلك الغسق الشتوي الكامد.
… ها.. أنت يا جمرة روحي وسط أحلامك..
ها.. أنتِ في حضرة من يجسد حلمك بالعدالة.. وسط رجال حلمك المقدامين.. العابقين بعطر جيفارا وهوشي منه..
ها.. أنت يا جُمّار قلبي تعانقين في أول يوم رجال مدينتك الفاضلة الذين جعلوك في شقتنا المنسية تزدرين وجودي وكل ما أبديه من رأي..
ها.. أنتِ يا خلاصة روحي تتجسدين تحت ناظري مثل غريق في يم جمرٍ لا قرار له.. يم أحلامكِ.. يم الصمت.
لاصقته هامسة :
ـ أعطني الخاتم.
ـ ليش؟
نطقها ببلاهة متقنة، فحملقتْ بملامحه الساكنة المسترخية وكأنه خارج المشهد. أردفت بخفوت:
ـ مو هسه بعدين!.
بحث في جيوب السروال والقميص. تلمسه. حركه بين أصابعه تحت نسيج القماش. كان الكل يبرك في الصمت. أفلته وأمسكه مرات مستمتعاً بقسماتها المتنمرة، والملاحقة حركة أصابعه العابثة بباطن الجيوب. تناولته بحركة جهدت كي يراها الجميع. أمسكته بأطراف أناملها. أرجحته في بقعة الضوء الجمري المتسرب من بوابة المدفأة التي فتحها في تلك اللحظة أحدهم للقمها بمزيدٍ من الحطب. أرجحته محدقةً بجرأة في حشد الوجوه المتأرجحة مع حركة الخاتم المتردد في أرجوحة عناق السبابة والإبهام. ود في اللحظة تلك لو يعانقها.. يحملها.. يدور بها في أرجاء الغرفة الرطبة.. أرجاء الدنيا.. مثلما فعل حينما ذهبت جهوده سدىً مع أهلها كي يوافقوا على زواجهما.. حتى اضطرت لمصارحة أباها بقصة حبها، فحلت الموضوع من الجذر.. هاهي تطيل من فعل التأرجح الجريء في العيون المقتحمة. كان يرقب المشهد مقلباً ذراه الكثار. فها هي تتجلى من جديد، ماسحةً في مسكتها المثيرة، خاتم الذهب المتأرجح، كل رماد ليالي الاختفاء وتشنجات الحوارات العويصة عن مخاطر الحماسة المفرطة.. هاهي تلقط من أول لحظة ما يختفي خلف المبادئ والكلام. هاهو يقع على سر تعلقه المجنون بها. هاهو يجد في لحظتها الحاسمة جذر معناها..  وقرار روحها القوية التي تذهب إلى ما تبغيه دون مواربة. هاهو ينفض ما علق بروحه من أوحال ليالي العري والنأي.. ليالي الأوهام.. وجدها تتعلق به من جديد.. تشهر.. كونها منشغلة بواحد يلتف معناه بحلقة الخاتم الذهبي المتأرجح.
حشرته بصعوبة حول بنصرها الأيسر ظانةً أن ذلك سيطفئ جمر العيون. حشرته بشجاعة ملتفتةً نحو حياد نظرته باعتزاز. كاد أن ينفرط ضحكاً من ملامحها الواثقة شديدة السذاجة بصرامتها.. نفس جدية انفعالها عندما تجهر أمامه كونه طيباً إلى حدود السذاجة معلقةً إزاء عدم مبالاته المطلقة وإعراضه الدائم عن التفاصيل، مثلها مثل أمه. كان يهبط تلك اللحظة إلى قاع غبطةٍ مبهجةٍ، غامضةٍ، قادمةٍ من التباس كل التفاصيل والقصة.
أتمت حشر الخاتم، وانتصبت بصدرها العامر مكملةً حديثها مع مقاتلٍ، شاب أسمر كان يبوح لها بصوت مرتعش أشواقه إلى أمه والبيت، سيسمعان لاحقاً بأنه كان شاعراً قتلته طائرة مروحية في الأيام القليلة التالية لمغادرتهما المفرزة صوب قواعد الثوار البعيدة. كانت تعتقد أنها تعطيهم درساً.. ولا تدري أن بحركتها أوقدت جمراً لا ينطفئ. سوف تضطرم الأخيلة بالخاطر القادم من البنصر المطوق بالذهب، الباعث كل ما يتعلق بأخيلة سرير الزوجية.. في غرف الأهل والأقرباء، أخيلة الحرمان والتلصص من النوافذ وثقوب الأبواب. أخيلة لا تستطيع أبداً تصور حدها. أخيلة رحل فيها معهم في ظلال فوانيس جوامع القرى.. في لحظات الاسترخاء قبيل النوم. كانت الرغبة في بيت الله مثل طلقة تنبثق من ضيق بيت النار المظلم بضغطة زناد.. الرغبة المتجلية بوجه المقاتل الأسمر المكلف بإيصالهم من قاعدة ـ قرة داغ ـ إلى قاعدة ـ بيتوش ـ على الحدود الإيرانية.. الرغبة العمياء التي يجننها الحرمان المطلق وهاجس موتٍ قريب. انفصل عن مشهد حبيبته المنتشية بعدما أشهرت خاتمها اتقاء لهيب العيون. انفصل ذاهباً إلى ذلك المساء المغبر الغامض، في طريقهم الطويل نحو الحدود الإيرانية.. إلى مساء آخرِ قرية عراقية سيتسلقون حال مغادرتها سلسلة جبال سورين. كان مُوَزعاً بصحبة ذلك الشاب الأسمر الوسيم في أحد بيوت القرية لتناول وجبة العشاء.. وقتها كان سعيداً لخلاصه من جبهة الحرب، ولاكتشاف قوة إرادته الكامنة في تحمله مشقة المسير الطويل، تسلق القمم العالية، واجتياز المخاطر. في اختلاط المساء الشاحب المغبر بضوء الفانوس، المضيء طارمة البيت العالية، تقدمت صبية كردية ممتلئة، حاملةً صينية الطعام، رمقتهما خطفاً بكل وحشية جمالٍ منسيٍ بين الجبال الوعرة وفوضى حروب العصابات المستمرة. قسمات مذهولة بوجوه الشبان الفتية الذين يهبطون من القمم المجاورة أو يظهرون من عمق الأودية كل مساء، ويغادرون إلى المجهول. انحنت نافثةً عطراً برياً مسكراً، ووضعت الصينية وسطهم. استقامت لتستدير في غمرة ضوء الفانوس الشحيح، فانحشر عند قيامها ثوبها الفضفاض بين ردفيها. مشت عدة خطوات قبل أن تسحبه في حركةٍ زادتها الظلال والوضع البشري إثارةً. كان يتتبع بصمت خطواتها المبتعدة.. البطيئة متسائلا في سره:
ـ هل هذه الأنثى الكردية الصاعقة تدرك بالغريزة ما يجري في خواطر وأخيلة أولئك المسلحين الغرباء العابرين الذين تقدم لهم الطعام كل مساء.. أم أن حركتها هي جزء من تفاصيل يومها الطبيعي وهي تقوم بهذا الدور مساء كل يوم تقريبا؟!.
هاجه المشهد.. وكان جسدها خاطفاً مثل طيفٍ ينبلج من مناحي الطارمة المظلمة ويغيب فيها.. حضور ملفوف بالأسرار نام بين الضلوع. التفت نحو رفيقه الأسمر الذي لطم جبهته بباطن كفه المفتوح، وظل طوال الليل، وهما يتسلقان دروب جبلية بدت وكأن لا بلوغ لقممها يصرخ متوجعاً من هول الثوب المنحشر بين الردفين. كان يلمس خفقه اللاهث في مجاهل السلسة الشاهقة التي جعلته يبول دماً بعد عبورها في الصبيحة التالية. كان مثله يكتم شهوته المتأججة، راسماً ملامحها، ملمس جسد زوجته الحار الأسمر اللدن العبق المسكر الساحر.. الماكر مكر الجسد الملفوف بالأسرار المنبثق من غور الغرف المظلمة، المقدم الخبز واللبن، والمختفي خلف باب خشبي قديم. الجسد الخاطف الظالم ذاك كان أحد الحوافز التي جعلته يفكر بترتيب عودة قريبة. كان يبصر لوعة الرفيق الشاب الأسمر من وهج الثوب المحشور.
في انفصاله الخاطف كان يتنفس حريق الجسد المجنون بمشهد المساء الذي تجلى هذه اللحظة وهو يقرفص جوارها وسط المقاتلين في غرفة عند قاعِ وادٍ منسيٍ.. مشهد سيشعل حماسه لاحقاً كي يعود لها سراً.. وثوب الكردية المحشور بين الردفين الصليبين ونحتهما المتحرك يهتز قبل أن تغيب خلف باب معتم.. لوحة ستعاشره حتى المشيب.. حتى الصمت.
سعار الشهوة الغامضة يطغي على العقل والروح.. على المعنى. سعار أجرد يشعله البصر. سعار زاده جنوناً لمعة الخاتم الملتف حول الإصبع الناحل، المضاء بوهج نار المدفأة. المعدن النادر الثمين نافذة أطلت بهم على ليل سريرها الزوجي، عاريةً تتطّوى وتتلوى وتتقلب في فضاء الفراش معه. أذهبت العيون، التي ازداد بريقها واستدام، نشوة حركتها في لبس الخاتم. من خلف زاويته الظليلة خلف المدفأة والجدار القريب، كان يتأمل ارتباك كيانها صامتاً، وهي تتحاشى نار العيون المقتحمة أرجائها المقرفصة الجامدة بعد أن أصبح الحراك عصياً عليها، فمع كل حركة كانت تشعر بالعيون تسقط حارقةً المفصل المتزحزح. اشتهاها هو الآخر بشدة تلك اللحظة، والكيان الذي حجرته العيون يرمقه باحتدام المحب المدله الغارق ببحر الغرام، والمتأمل في لحظات الاختناق كف المحب القادر. احتدمتْ مقربةً رأسها منه:
ـ أعطيني أذنك!.
همست، فهبط صوتها الخافت اللاهث في أحشائه، خمرةً تفقد العقل والقصة:
ـ أش بيهم؟!.
أمعن في استغبائه وكأنه بحضرة أمه الحنون التي كانت وماتت وهي تعتقد بأنه طيب حد السذاجة، كان يحس أن ذلك الشعور يسعدها، لحظة تصنعه البلادة وعدم الاهتمام بما يحيط به وسط العائلة الغارقة بمشاكلها العويصة فقال:
ـ من؟!.
ـ ما تشوف؟!
ـ ..
ـ أريد أطلع
ـ باردة!.
ابتعدتْ عنه قليلاً. رمقته بعينين مشفقتين، راغبتين في شرح الموقف، وقالت:
ـ تعال معي!.
انتفضتْ في انتصابها المباغت وكأنها تطرد عن جسدها وحل العيون الدبقة، فارتجت الأجساد الرثة البائسة في أوضاعها المختلفة، ملاحقةً اهتزاز الورك الضائق بالسروال في خضم خطوها الصارم نحو الباب. تدفق حشد المقاتلين خلفها متزاحمين في الفسحة الضيقة على حافة الوادي أمام باب الغرفة الوحيد.
تسلل من زاويته الدافئة خلفها متعمداً التأخير.. متأملاً.. مبحراً في الغسق.. في وجوه المقاتلين المترعة رغبةً في مد الحديث معها، في احتشادهم حولها مثل فراشات عمياء تطير حول النار. في وقفته خلف الحلقة المحيطة بها حيث كان يبدو نسياً منسيا.. اصطادته عيناها المستنجدتان من الأفواه المحيطة، الساردة غريب الحكايات عن بطولاتها الخارقة. في وقفته المهملة كان يطل على القصة، ممعناً في حياده، مما جعلها تحتدم غضباً، عندما أعرض عن البوح، وقت التوزيع في بيوت القرية لتناول وجبة العشاء، والحصول على أفرشه نوم، كونها زوجته. في وقفته المنسية أدرك، وعيون الحبيبة تبحث عن مرساها به. أدرك معناها القديم عندما تقدم نحوه عقب وجبة العشاء، مسئول المفرزة معتذراً فقد استأثر بها لنفسه في التوزيع، مما اضطرها لإخباره كونها زوجته.
لا هي.. ولا هو تصور وقتها طبيعة المخاض الذي سيواجهونه. لم يقدرا عمق الجروح التي سوف تنفتح بنفسيهما. لم يقدر رغم تجربته السابقة، مبلغ التشوه الروحي الذي ستضفيه التجربة الحية.. فقد كان مضمخاً، بعبق الخلاص المسكر، من الليالي الموحشة المحشودة بالكوابيس، وأخيلة الأقبية وأماكن الاختباء، التي كان يجتر فيها حلم التجوال بصحبة هؤلاء الملتحين الضائعين في ظلال الأحلام والمعاني، الرازحين تحت عسف الشهوات والقمل والبرغوث، الغاطين بروائح البرغل والبصل والجوارب العفنة، الحالمين بتغيير الكون والإنسان. في أول فرصة سانحة منحته في جوف مغارة، وعلى التراب نفسها كاملةً، مثلما كانت تفعل في لقاءاتهما السرية في أول أيام المحبة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.