د. محمّد الأسدي : إعلان النصـّانية ؛ إجراءات ومبادئ

إن غياب النظرية النقدية العربية عن مشهد الحداثة وما بعدها وتفشي ثقافة الاقـتراض قد أسهم في تكريس غياب البنية ، وهو أمر ملحوظ في الحقول الأجناسية المختلفة في الأدبية العربية المعاصرة ، وعلى نحو خاص في الحقل الدلالي للشعريات المعاصرة ، وإن ما شاع تسميته اقـتراضاً بقصيدة النثر ينبغي أن يغدو أحد المرتكزات الرئيسة لاشتغالاتنا في التقويض والبناء على نحو يجمع بين التأصيل والمغايرة ولا يكاد يغيب عن وعي المتلقي ما لحق بهذا المتجه الإنتاجي الشعري في الكثير من الأحيان من فوضى غير خلاقة على صعيدي الفرضية والتطبيق .
لا شك في أن قصيدة النثر رافد مهم بين متجهات الأجناس الأدبية غير أنه يفتقر إلى ركيزتين هما قوام رسوخه وتناميه ( أخذا بخصائصه الأسلوبية المنتمية إلى أرشيف الكتابة العربية وسيرورتها النوعية ) نعني ركيزتي الاصطلاح و التأصيل ،  ونقول بـ ( النصانية ) بوصفها مآل خطاب المغايرة العربي ، وهي لا تعني استبدالا مصطلحيا فحسب وإنما هي ذروة إنتاجية تتوازن معرفيا على ركام حفرياتها في الأنساق المهيمنة منذ أقد الخطابات الأدبية العربية حتى لحظتنا الأدبية الراهنة .
(1)
النصّانية خطابٌ معرفي اهتدينا إليه بعد ما يناهز العشرين عاما من استنشاق الشعر والتأمل في المشهد الشعري الكبير وتمحيص النظريات والمناهج النقدية سعياً إلى مقاربة جوهر الشعر بخاصة،  وغائية الأدب بعامة،  وقد دعتنا النصّانية إلى إعادة النظر في نصوص كانت لدينا من الأثرة بمكان،  نصوص تعبدنا بها في محراب الشعر زمناً،  لكننا لم نعد نرى فيها ما كنا نراه،  وهو أمر ينأى بنا عن تساوي الأيام،  سوف تقوض النصانيةُ أسطورةَ الاعتباطية الخلاقة،  وتقيم صرحها المفهوماتي عبر جماليات المعرفة،  معلنة هيمنة العقـل الجمالي وانجزار سلطة التداعـي والانفلات الطوباوي والإنسانوي،  وحين يعيها المتلقي الفائق،  سيدرك أن هذا المتجه الإنتاجي الناشئ ينصف لحظات الكتابة السابقة بقدر ما يمعن في استبطان تصدعاتها،  ويؤسس لمغايرتها،  فليست النصانية وليدة الصدفة،  ولكنها معمار جمالي وفكري أسهم في تحقيقه كل نص كتبه العرب منذ أقدم قصيدة مدونة إلى آخر قصيدة منشورة،  فالنصانية  نتيجة حتمية لسيرورة الخطاب،  تقويماً لمسارات النص الشعري الجديد قبل القديم،  وتجاوزا لهناته المعرفية والجمالية،  وتأسيساً لأدبيتنا الجديدة،  لا بوصفها اقتفاءً واستعارة،  وإنما بوصفها تخليقاً و آيدلوجيا كتابة لها طقوسها الخاصة ومرتكزاتها المعرفية .
(2)
النصانية أو جماليات المعرفة تمثل الجانب العلمي العملي من مخاضات نظرية النص ومقارباتها النقدية ، فعلى الرغم من اتساع المشهد النقدي لنظرية النص فإن أحدا لم يقدم للمتلقي العربي مثالا واحدا لما يمكن أن تنتجه من نصوص أدبية فعلية بعيدا عن ميدان التنظير الصرف ، وأية جدوى من ركامات التنظير النقدي والمقاربات النظرية إن لم يتمخض عنها نص / علامة / رسالة لغوية عابرة للالتباسات والتأويلات ، قادرة على تجسيد التهويمات النظرية في مختلف متجهات النقد الأدبي ، لقد انبثقت ( النصانية الأدبية ) من أتون ( النصانية النقدية ) للانتقال بالمتلقي من ( حلم النص ) إلى ( فعل النص ) ، يمثل حلم النص ما نتحدث به عنه وما نصفه به وما نطمح إليه منه ، بينما يمثل ( فعل النص ) تَحَقق تلك التفوهات والتوصيفات ، فالنصانية النقدية هي ( الكفاءة ) بينما النصانية الأدبية هي ( الإنجاز ) .
(3)
ليست النصانيات نصا مفتوحا أو مغلقا ، لأن مقولة النص المفتوح لم تستند إلى مهاد معرفي واضح وإنما بدت اصطلاحا مأزوما جرى تلفيقه على وجه السرعة لوصف تداعيات قصيدة النثر ، حين أخذت تقترض الأسلوب والبنية على نحو ممعن في التلفيق والاستحواذ مما حولها من كتابات الشرق والغرب وتنظر لنفسها بركام من الجماليات العدمية المتعالية على سيرورتها التاريخية المتمثلة فيما ندعوه ( خطاب المغايرة العربي ) الخطاب الذي يتيح إدراكه لمنتج النص العربي إقامة الأواصر والتعالقات المتوازنة مع محيط الخطابات الأدبية العالمية والإفادة من نصوصها الفارقة بوصفها روافد تصب في المجرى الكبير لخطاب المغايرة العربي .
(4)
في وعي متقدم كهذا لمفهوم خطاب المغايرة العربي وجدل التأثر والتأثير وحوار الخطابات سيتخذ راؤون كبار مثل بودلير مواقعهم الصحيحة في تراتبية خطاب المغايرة العربي لا بوصفهم خالقين له وإنما بوصفهم رافدين له ، وبوصفنا مفيدين منهم ومجلين لهم لا تابعين ولا مستحوذين مثلما أفاد المبدع دانته من مروية عربية صرف مثل الإسراء والمعراج ، ومثلما أفاد المبدعان بوشكين وغوته من القرآن الكريم ، ومثلما أفاد الشعراء الفرسان في أوربا ( التروبادور ) من أدب الفروسية العربي عبر الأندلس .
(5)
النصانية هي مآل تشكلات خطاب المغايرة العربي الذي أنتجته منعطفات تكوينية كبرى نمثل لها بالترسيمة الآتية :
الإفصاحية ( خطب سحبان وائل وسجع الكهان مثالا ) ـ القرآنية ( خطاب الإعجاز ) ـ العرفانية ( نهج البلاغة مثالاً ) ـ النثر المرسل ( الجاحظ وعبد الحميد الكاتب مثالاً ) ـ النثر الحكائي ( ابن المقفع والهمداني مثالاً ) ـ نثر الرسائل ( رسالة الغفران وطوق الحمامة مثالاً ) ـ نثر الزينة ( القاضي الفاضل وابن سناء الملك مثالاً ) ـ النثر الصوفي ( الحلاج والنفري مثالاً ) ـ النثرنة / فك المنظوم ( أدونيس مثالاً ) ـ النثرانية / شعرنة النثر ( الماغوط والحاج ونزار مثالاً ) ـ النصانية ( بانوراما الكتابة / ما بعد البوابات ) ، ويتموضع الشعر الإيقاعي ( في مختلف عصوره وتحولاته الأسلوبية ) بوصفه متجها بيانيا موازيا لهذه السيرورة ، مع التنبيه إلى أن بعض هذه المفاصل لا تنحصر فاعلية اشتغالاتها في حيز زمني عمودي وإنما قد تمتد أو تتخذ ظهورات زمنية أفقية متقطعة تتداخل مع مفاصل أخر من هذه الترسيمة .
(6)

على الرغم من كونها قطيعة معرفية فإن النصّانية تتواصل جدليا مع ما تنقطع عنه من سيرورة تكوينية للخطاب،  و التقشير أبرز  مرتكزاتها الإجرائية،  وهو يتحقق بإقصاء كل ما هو خارج نصي ـ ليس ابتداءً بالعادات البلاغية والمسكوكات الأسلوبية،  ولا انتهاءً بفوضى الدلالات وغياب البنية ـ لمقاربة النص / العلامة،  واستبطان حياة العلامة في النظام لتخليق شبكة متماسكة من الانزياحات،  نائية بكينونة النص عن كل ما هو خارج نصي ـ بما فيه اللغة نفسها والبنية المجازية ذاتها،  بهذه الفاعلية تنشط النصانية في النظام اللغوي لإنتاج تجلياتها غير المعنية بتكديس الجماليات العدمية.
(7)
تعتمد النصانية الرسائل اللغوية المركزة ( سنسمها بالتوقيعات) المتظافرة في متواليات عضوية تتواشج مفاصلها في النسق لتغدو بمثابة أوشام الذات في فسلجة النص تدخلاً في خواص المسند والمسند إليه وتعالقاتهما لقطع نفس التلقي وكسر أفق التوقع، أو استبدالاً للعلائق الإسنادية في التوقيع بنظائر إجرائية تعتمد حدس المتلقي وضروبا من التنويعات اللغوية التي تـُنشئ نسقا من الإيقاع المستند إلى ما تولده البنى النحوية من حوار الدلالات عبر آليات أخر مثل الفصل والوصل والنحت والقضم والاعتراض والتكرار والجمل الوصفية والوصلية وعلاقات التكافؤ والتوازن والتوازي والتعالق الاسنادي والمجازي والحذف والتفتيت والإيهام وغيرها من مناورات إيقاع الفكرة وإيقاع البناء اللذَيْن تستعيض بهما عما تتنحى عنه من إيقاع عددي مأزوم، فالنصانية التي يتحاور فيها العقل والعاطفة و الأدب والفلسفة هي موسيقى أفكار وموسيقى بناء، موضوعية صاخبة وغنائية صامتة .

(8)
فضلاً عن محمولاتها السيميائية ومغايراتها البنائية والجمالية فإن للتوقيعات النصانية نصيباً من غوايات التشكيل السمعبصري، وعبر التئام الدلالات والمشاهد المتآزرة تتجلى بانوراما النص بوصفها مرتكزاً إجرائياً آخر له في النصانية من الأهمية ما لمرتكز التقشير، وهو يستقر بما يخلخله على قاعدة جدلية من المرجعيات، غير أن النسق النفسي والرمزي الموحد للفيض الشعري يمكن أن يمنح البناء البانورامي التماسك ويحشد محمولاته باتجاه الدلالة الكلية للنص حين يقدم لنا كل توقيع تمفصلا يهب البنية ارتساماً هورمونيا حافلاً بالعلامات البصرية والسمعية والحركية وغيرها من معطيات سيميائية منفتحة على مساحات الحس والعقل الباطن على حد سواء، وهو ما يمكن أن يحيل عليه الملفوظ النصاني استغراقا في الحدوس يستشرف الطابع الإشراقي للكتابة ويتفادى انغلاق الخطاب و منزلقات التفسير عبر إحياء المغزى التواصلي للعلامة / كفاءة الخطاب، للنفاذ بالمتلقي من العتبات إلى غمار تجربة الجلال الذي تستمد منه البنية تماسكها الدلالي والجمالي لتغدو بمثابة مفتاح بوابة التأويل واستنطاق العلامة / الخطاب.
(9)
تحتفي النصانية بتجليات الصورة الجديدة عبر سنن التطور المجازي، منشئة بالتوقيعات ما يمكن أن ندعوه بالسيمياء النجمية ( الفصوص العلاماتية ذاتية الإضاءة)، المؤكدة لسلطة العلامة والخطاب وقدرتهما على إعادة إنتاج العالم وبسط هيمنة الرؤيا حين تغدو الرسالة اللغوية الشعرية بمثابة الأمر الصاعد من أعماق المتلقي بوصفها جزءاً من تجربة الجلال، فالأدب ـ كما عبر ميشيل فوكو ـ يحيل من اللغة إلى سلطة التكلم المجردة ( 3)، والوظيفة السيميائية للأدب ـ كما عبر أمبرتو إيكو ـ هي إنتاج تجليات، بمعنى نحت الأشياء بطريقة تمكن الذهن اليقظ بعد تجاوزها من إدراك معناها غير المعبر عنه وهذه الفعالية هي التي تبقي الرمز / العلامة مفتوحا وقابلا للتأويل بصفة مستمرة ( 4)، وحين تلتحق بالنص فإن عليها أن تغدو جزءاً من النظام، فليس إلحاق العلامة بالنص كافيا وحده لإحداث التلاحم اتكاءً على محمولها الدلالي المجرد، على هذا المحمول إحداث تعالقات دلالية وجمالية تبرر التحاق العلامة بالنسيج السيميائي للنص، وتؤكد فاعليتها في حوار الدلالات واشتباكها بالتلقي.

(10)

على الشاعر أن يعي مركزيته في عالم يعوم بين أقطاب التفكيك، فالأدب سلطة معرفية، وهنا لا بد له من مقدار ما من كيمياء نرسيس، يجالد بها ضراوة زحف الخارج نحو الذات، توصلا إلى إعادة إنتاج العالم في الارض الثامنة للكتابة .
يودِع نرسيس ـ القرين اللجوج للمُرسِلين ـ كيمياءه السرية في المرسلات النصانية، مثلما قطن من ذي قبل النصوص الفارقة في الشعرية العربية، كان المتنبي اسما آخر لنرسيس، وكان المعري والحلاج والنفري وابن الفارض والسياب وجبران و درويش وأضرابهم من أسمائه، والنصانية إحدى هذه الأسماء و الكنى.
لا يتطرف النصاني في مجاراة قرينه النرسيسي وإنما يبقيه حيث يجب أن يبقى لإنتاج تجليات تفصم التعالقات الماقبلية وتلحقها بسيرورة تكوينية جديدة، وفي دراما الأضداد هذه، يدرك المتلقي قصور التلقي الاستهلاكي / الاجتراري عن النفاذ إلى ما وراء النص، وحتمية النهوض بتلق غير نمطي لخطاب غير نمطي ذي إجراءات ومبادئ ومعمار جمالي وأسلوبي ومجازي مغاير ناجم عن الانزياح والحفر ومساءلة الأنساق، فلا حيز للتداعي في خطاب المغايَرة، حيث تتعاضد الدراية والغواية والمتعة والفائدة للصيرورة بالكفاءة إلى الإنجاز.

(11)

لاريب في أن المفارقة هي إحدى البنى الكامنة في جوهر الخطاب الشعري، ولكن هل كل احتمال جمالي مفارِق صالحٌ بالضرورة للنهوض بالقيم الجمالية المسهمة في سلم التطور المجازي والأسلوبي والدلالي للنظام اللغوي؟، لا أظن ذلك، فهنالك من المفارقات ما هو كفيل بأن يطفئ حوار الدلالات ما لم تتسم بإضاءتها لما تستبطنه الرؤيا المضطلعة جدلا في تفكيك العالم وإحالته واقعة أدبية، فالنصاني خالق عوالم، والنصانية هي التجلي الأسمى لأحلام يقظة الأدب.

(12)

لا يهجس متلقي الخطاب النصاني القطيعة ولكنه يعي تحققها، فهي بذلك إحدى الترسيمات الأكثر مشقة في سيرورة النص العربي، إذ تشعرنا متلقين بالتواصل مع إرثنا الجمالي الشعري والمعرفي، بقدر ما تشعرنا بمضي ذلك الماضي وتَفكُّك معياريته، وهو أمر منوط بفرزنة المنتج للأحياز المفيدة من الماضي عبر سلامة اللغة و إفضائية التعالق، فضلا عن التداخلات النصية المعيدة لإنتاج الخطابات بالوعي القارئ وصولا بالخطاب إلى تلقٍّ أكثر اكتمالا.

(13)

بتخطيها للعتبات والتمرينات والتجريب تتجلى النصانية بوصفها مرحلة ما بعد الأبواب في خطاب الحداثة، ففي ديمومة التحولات النوعية المتظافرة للمسارين الشعري و السردي تبدو عمليات الاحتواء المُستَبْطِن للبُنى النصية وإعادة التبنيُن وقد انخرطت بقوة طاردة مركزية في متوالية التقشير المطرد للنص / العلامة، أو ـ بتعبير ثانٍ ـ النص بوصفه علامة مركبة، يتموقع كل ذلك في نزعة حفرياتية قادرة على البنينة أي خلق النظام من الفوضى وانتهاك محميات الخواء النسقي والتغريبي باستبصارٍ مُنْبَتٍّ قُدُماً نحو تحقُّقٍ نصانيٍّ يفكك ثالوث التعنين / المتن / الهامش بالانزياح بفلسفة الكتابة ذاتها ترميما ومراجعة لأداء الحداثة وتقويما لأرشيف انفعالاتها بوصف ذلك ضرورة تحتمها ضراوة تحولات ما بعد الحداثة التي تبدو مصطلحاً ضبابيا يحيل على مجهولية ما تحيل عليه ( ما) الموصولة بممحاة الدلالة، وهو مسعى يمكن مقاربته عبر مصطلحي القطيعة والتداول الجامعين لمعيار أدبية النص بوصفـه رسالـة لغوية تنتفي جدواها بانتفاء الاشتباك بين أقطابها ( العلامة / الخطاب، الدال / المدلول، الباث / المستقبل)، ولا نعني بالانقطاع المستوى الرمزي الذي ترتد فيه الرسالة اللغوية على نفسها لأنه يمثل قيمة تداولية كبرى في رمزية النص الحديث وإنما نعني به ما يتجاوز الغموض الدال إلى فوضى الدلالات وغياب البنية مما يفقد النص تماسكه ويؤدي بالرسالة اللغوية إلى التشظي والتلاشي كفرقعة أصوات عشوائية، وليس ما عُرف عربيا بقصيدة النثر التي قُدِّمت بوصفها البديل المفترض جدلا لما سبقها في منأى عن إقصاءات هذا الارتكاز المعرفي لفعل الكتابة، بل على الضد من ذلك،  فإن المسؤولية التاريخية تتعاظم باطراد على فرق النثر المحتربة بحثا عن الفرقة الناجية في فتاوى النثرنة التي تتخبط على غير هديٍ منكفئة المرة تلو المرة وهي تروِّجُ لمقترحاتها، بما يعرّج بخطاب الاستبصار ثانيةً على المأزق الوعظي.

(14)

يعيش تلقي النص الأدبي اليوم مأزقاً كبيرا في خضم ما نشهده من تخمة إنتاجية وانقراض للمُريدين، لقد تغلبت غواية الكتابة على غواية القراءة، فلا نكاد نعثر على متلقٍ بين سيل ممن ما كتبوه ولكن شبه لهم أن في وسع النثرنة و النظمنة والنقدنة مزاحمة سلطة النص، لتغدو هشاشة مقولة الحداثة وضبابيتها ذريعة تسعى إلى أن تكرِّس أدباً بديلا له خطابه ومؤسساته وأعماله الكاملة.

(15)
يؤكد فعل النص أُوالةً تلتقمها المواضعات، وهنا ندعو إلى إعادة النظر في فلسفة النص ذاتها عبر الانعتاق من الاستحواذ الذي تمارسه المواضعات على التطلعات الإنتاجية المتجهة بوعي كاف نحو الانزياح بالمواضعات نفسها لا بالمستويات اللغوية والدلالية للنص فحسب، أي في حياة العلامة داخل النص وفي الحدود النوعية للكتابة، فالنصانية ـ بهذا المعنى ـ تتمرأى بوصفها جغرافيا مغايرة تمثل التجلي الأكبر لسيادة فعل النص وهيمنته واكتمال الأثر، وحين يجتاز النص عتباتها النوعية فإنه يعقد صلته الأبدية بالمؤلف الضمني جُموحاً بالخطاب نحو اكتمال التلقي.

(16)

يعصف غياب البُنية بقصيدة النثر مثلما عصف بقصيدة التفعيلة من ذي قبل، فأبراج قصيدة النثر اليوم تبدو شبيهة بمدن الصين، مزدحمة بالنزلاء المتشابهين، يُخلي الشعر موضعه ليحل الاضطراب والتخبط محل التماسك والتبنين بمسوغات شتى، ولأن البنية غائبة فإن التداعيات الجارفة والمناورات غير المفضية وغياب الرؤيا تؤدي بالنص إلى التصدع فالتقوض فالتلاشي بما ينجلي عن مقابر جماعية للعلامات يمكن لها أن تلتقم أية مزدرَعاتٍ خارج نصية، وأن تُقدِّم وتؤخر بتمفصلاتها، فلا المغايرة البحتة ولا خلخلة اللغة والأقطاب الإسنادية والمجازية يمكن لها وحدها أن تهب النص أدبيته.

(17)

تبدو قصيدة النثر للوهلة الأولى أكثر قربا إلى النصّانية من سواها، غير أن انهمامها بالاستقلال الشكلي الذي اكتسبته ابتداءً كثيرا ما نأى بها عن منح هذا الاستقلال المفترض رسوخا واستقرارا ذا ارتكاز معرفي كاف، فقد بات من الجلي أن الكثير مما يعنون اليوم بالشعر ـ تموثنا مؤسساتيا أو تغابياً نسقيا ـ لا صلة له بسوى إيهامات خارج النص، فلكل أدبية أممية سيرورتها التكوينية وأرشيفها التجريبي، وإن القطائع المعرفية مع هذه السيرورة تجسد في جوهرها تواصلا قارئا مع ما تنقطع عنه من لحظات الكتابة، فالبون شاسع بين ذلك وبين التطافر على سيرورةٍ لها رسوخُها المعرفي والجمالي، ذلك أن ترميم المسارات وتجاوز مستوياتها التكرارية لا يمكن له أن يكون مفضيا ما لم يتم على درجة عظمى من الإحاطة بما يعمل على تقويضه من الأنساق والبنى، فليس الرفض ذريعةً للنفي، وليس الاحتجاج نقضا ناجزاً لما انتهت صلاحيته جدلا، فما الحداثة مقولة غيبية، ولا شأن لها بالمواقف الآنية للمنتجين، ولا يمكن أن يكون للتمرد قيمة نوعية ما لم يحقق وعيا قارئا لما يرفضه، ويبتنِ البدائل لما يقوضه، فالانزياحات الكبرى بمعيارية النص إنما تحققت باستبطان لحظات الخطاب صعودا إلى منزلة إعادة الانتاج / الحداثة بوصفها خلاصة الأثر لدال يطفو ومدلول يعوم لتخليق انزياحات أخرى .
 محمد الأسدي
بصر من رأى
2011
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ” النصانية وخطاب المغايرة العربي ” ورقة الشاعر في ندوة ” قصيدة النثر بين ناقديها ” جامعة ميسان ـ كلية التربية ـ قسم اللغة العربية ـ شباط  2011 ، وهي أيضا مقدمة كتابنا الشعري الموسوم بـ ( انزياحات أخرى ـ نصانيات ) الصادر عن دار فضاءات ـ عمان ـ 2011 ، وقد وزع بيان النصانية في الملتقى الثاني لقصيدة النثر في العراق ـ 2011 . (1) كتاب السياب النثري ـ حسن الغرفي:  128 ـ 129. ( 2) الكلمات والاشياء ـ ميشيل فوكو:  67. ( 3) ينظر ـ السيميائية وفلسفة اللغة ـ امبرتو إيكو:  378.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

| فراس حج محمد : السيطرة والذكورية وانعدام الخصوصية في كتاب “رسائل من القدس وإليها” .

    تندرج الرسائل ضمن ما يعرف بالأدب الشخصي، وهو الأدب القائم على البوح والحديث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.