الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » رياض رمزي : نعي مثقف حي تم تأجيل موته عدة مرات

رياض رمزي : نعي مثقف حي تم تأجيل موته عدة مرات

وقف سعدي وراء نافذة بيته اللندني في منتصف ليلة شتائية، ليس كمكتشف مبهور باكتشافاته التي عثر عليها لوحده بين أربعة جدران، خلف الطاولة، عندما أجهد عينيه في القراءة بشغف متعاظم، وهو يقاوم هبوط جفنيه من شدة الوسن ، فذهب إلى النافذة مستنفذ القوى متخما من شدة الكشف كي يعود للجلوس ثانية خلف طاولته ليستعيد ذهنه نشاطه، بل بسبب كآبة أقبلت عليه في منتصف الليل، فذهب لرؤية الشارع و عقله مقتصر على أمنية وحيدة عسى الليل يجلب له بعض الراحة. لكنه لم يحصل من السكون سوى على عون ضئيل، إذ  لم يجد أمامه غير ليلة شتائية عاتية تمر، مخلية الساحة قرابة الفجر لصباح أشد قسوة. حاول جهده أن يردع الكآبة من المجيء. لكنها عندما أفحمته معلنة سبب قدومها تذكّر قصيدة سعدي يوسف و كأنها قيلت بحق حياته التي لم يشهد خلالها أية سلوى، بعد أن انتهى زواجه بطلاق، و تعرض حبه  لميري لخيبة في العشق و أخيرا هزيمة الأفكار التي وهب حياته لها طواعية و التي حولت سنوات عمره إلى ذكريات عليه أن يحارب عودتها إليه بعنف. كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل. رفع بصره نحو السماء و أنشد:
” مثل قشرة تفاحة غير صالحة للتناول غادرنا الصيف
و الآن تبدو سماء الصباح أشد رمادية و أقل امتلاء
كأن على العشب منها السواد
النوافذ مغلقة شأنها أبدا
و الرذاذ الذي لا يُرى يستحيل في صدري هواء…
أتأتي الفصول إذن و تغادرنا كالصيف؟
إن كان أمرك هذا ففيم السؤال عن الوقت
فيم التساؤل عما يجيء..
انتهيتَ؟
أم الليل الذي قد بلغتَ نهاية أوهامِه بلغ الانتهاء؟.”. كان هناك في الشارع سكون أكثر من مريب. جعله ذلك الشتاء يتذكر جوجان و رهطه من الانطباعيين الذين كانوا يهربون، من فرط ما يثيره الجو من ضجر، إلى طقس جميل و معتدل. لقد توصل ديلاكروا إلى ألوانه في أفريقيا” لا رسم بدون شمس. أن الشيء الكفيل بإيصالي إلى النضج هي الشمس الحارة”. كان وجهه منكمشا بسب تقطيبة حزن بعد أن قرر العودة لرؤية شمس بلاده بعد غياب فاق الخمسة و عشرين عاما عساه يرجع بذاكرته إلى مكان يجعله يؤمن بأن موقفه في حياة أمدها ستة عقود كان خيارا صوابا. عندما عاد من زيارته كان يخيم على قلبه شعور غير المتصافين مع أقدارهم، الذين ليس بوسعهم أن يكسحوا من عمرهم تلك الأعوام غير المجدية التي راحت، بعد أن تجاوزوا الستين، تلوح أمامهم و تداهمهم و لا تتركهم إلا قرابة الفجر، تاركة جسدهم يتفصد بعرق الخيبة، بعد أن حولت أعماقهم إلى ما يشبه قاع واد جاف مليء بالصخور، برغم أنه كان يعتقد أنه سيعيش حتى ذلك الزمن الذي تقاس أيامه بما كان يحلو له رؤيته من أشجار ساهم في إنباتها فأعطت ثمارها المرجوة، وهو يسير في شارع ترفرف على شرفاته أعلام الوطن، والذي ينتهي بمرج فسيح ليس غير بحر من الزهور.
بعد زيارته الأولى إلى بلاده اكتشف أن الأشياء التالية لم تعد تعني شيئا، لا بل أنها بدت أشبه بابتذال  فاضح: الوطن، الفكر، الكتاب، المقالة، باختين، جيمس جويس، ماركس، ديوان لويس أراغون المسمى الشيوعيون على حق، عوليس، يقظة فينيجان، فرانسيس وين… لأنها تعني شيئا فقط عندما يشاركه فيها آخرون. أضرب الجمهور عن الخوض فيها و رفضوا سماع ما يريد إيصاله إلى عقولهم مما قرأ. هم يقولون له” يا أخي عقولنا و نحن أحرار فيها نوجهها الوجهة التي نشاء، نسمع أناشيد دينية أو نخوّض في وحول السياسة أو نسمع بها نمائم عن آخرين”. بما أنه يجهل غير تلك المهنة التي انتدب نفسه لها( القراءة و التفكير) فأنه يعجب من آلة لا تمارس مهنتها التي خلقت من أجلها فيرد” المشكلة أن الإضراب عن القراءة و التفكير يضر بمهنتي كمثقف”. هو يختلف عن آدم الذي نهض من النوم ذات صباح و أحس بفقدان أحد أضلاعه و شاهد حواء تجلس بجانبه فقال للرب” يا رب إن نزعت مرفقا من ضلعي فأنك خلقت به مخلوقة جميلة ستبدد وحشتي”.  لو أن آدم، الذي دهش لرؤية حواء، وجد أن ألرب انتزع منه الضلع ليرمي به للكلاب، لكان حانقا على الخالق حتى آخر أيامه. لأن آدم لم يكن فقط سعيدا بالتحامات منتصف الليل، بل بالرفقة التي هي ليست وصالا بين أعضاء جسدين فحسب، إنما وسيلة لتمضية الوقت سوية، بتحليل وقائع تُسمع بالأذن و تُرى بالعينين و يتم تحليلها بالفكر لتظل ماثلة في العقول. هكذا الأمر مع سعدي الذي يرى أن الكثيرين تخلوا عن أجزاء من أجسادهم كالسماع و التفكير دون سبب وجيه، حينما تحولت رؤوسهم إلى ما يشبه حشرات سوداء تفتقر إلى التأهيل فنامت وسط الوحول. صار يردد، بنبرة توجع، صراخا وضع فيه كل غيظه” رؤوسنا التي نرفعها على أجسامنا شأنها شأن البنادق التي نحملها على أكتافنا، لا يصح أن نتفاخر بزندها الخشبي و ننسى أن لها خرطوم طويل متخصص بإطلاق الرصاص”.
تساءل” من أين جاء هؤلاء الناس بكل هذا الجهل؟”. لم يعثر على تفسير لما يحدث في بلاده يجلب له الراحة. تجرع غصة شبيهة بتلك التي تعمر قلب محقق بذل جهدا لكشف الجريمة بدون الوصول إلى نتيجة.
حرصا على سلامة عقله وجد أن أنسب طريقة للرد على جهله بما يحدث أن يضع في جيب سترته الداخلي الأيسر رسالة لويس لامبير إلى خاله.
باريس، أيلول تشرين/ الثاني 1819
خالي العزيز
سأغادر قريبا هذا البلد الذي لا أعرف العيش فيه. فأنا لا أرى فيه أنسانا يحب ما أحب، أو يهتم بما أهتم به، أو يندهش لما أدهش له. اضطر إلى الانطواء على ذاتي، و أشعر بالخواء و أتألم. الدراسة الطويلة المتأنية التي أجريتها على هذا المجتمع قد انتهت إلى نتائج حزينة يخيم عليها الشك.. من يرغب في تسلق الصخور لا يستطيع المراوحة في الوحل. كل شيء هنا يثبط همة من تسعى روحه إلى الطيران بخط مستقيم… هنا العامل جريح، و الفقيرة تلد وهي مضطجعة، و المومس غدت مريضة، و الولد مهجور، و العجوز مقعد، و الرذائل حتى الجريمة تجد مرتعا خصبا لها و عناية. بينما المجتمع لا يرحم أنسانا يفكر بتأمل…”.
حسنا من هو هذا الذي يعرض جبهته لبرد تلك الليلة، واقفا وراء مصاريع نافذته وهو يحمل هذه الرسالة في جيبه؟. الاسم الثلاثي: سعدي عمر عبد اللطيف. مثقف عراقي، برغم أنه يتمتع بمجموعة سجايا، لا يوجد فيها على وجه التحديد ملمح جدير بالذكر،  سوى أنه اكتشف في وقت متأخر من حياته أنه أخفق في تحقيق ما انتدبه لنفسه من مهنة. لكنه وجد أن ما سعى إليه طوال حياته لم ينجده في الحصول على أية مهنة أخرى، لأن ماضيه كان مرتبطا أما بكتاب أو بغير كتاب. جرّب عدة مهن، بما فيها الوقوع في العشق، و لعدة مرات، و لكن الفشل كان حليفه في كل مرة. اشتدت مرارته فاضطر إلى إيقافها عند ذلك الحد: أن يترك تأمل الشارع بعد منتصف الليل، خوفا من سيطرة شعور بالرثاء على الحال قد يضطره إلى تشديد العقوبة على النفس بإعلانه، نهائيا و جهارا، خسارة ما استثمره من سنين في مهنة خائبة، كي لا يغدو مضطرا لإعلان إفلاسه النهائي. فقرر أن يعض على جراحه تاركا لنفسه بعض المشاغل على هيئة كتب و قراءات من ممتلكات العهد السابق كي يتسلى بوهم أنه سينتفع منها يوما ما، برغم يقينه أن لا نفع يرتجى منها. كان يتحسّب للأيام المقبلة، وهو يؤجل اعترافه النهائي بهزيمته كي لا يعكر مجرى أيامه، مثل بطل فشل أن تكون له حياة ملحمية، لكنه اكتشف الوجه الهازل لحياته عندما أدرك أن لا أحد طلب منه أن يكون بطلا و بتلك الطريقة التي تشبه ما حدث في أناشيد مالدورو  للوتريامون عندما شاهد البطل الناسَ مستغرقين في الضحك. لم يفهم سبب ذلك. أراد أن يضحكهم أكثر، فلم يترامى إلى عقله  شيء يثير إعجاب و ضحك الجمهور سوى الإمساك بسكين و قطع شفته . و إتماما لنكبته وجد أن بطولته التي نذر نفسه لتحقيقها غدت جريمة بحق نفسه عليه أن يبين الدافع وراء اقترافها. ما هو أسوأ أنها أمست قضية خاسرة وجد أنه غير قادر على الدفاع عنها. هكذا لم يفقد هذا ” البطل” شفته فلم يعد قادرا على الكلام فحسب، بل لم يعد قادرا على استخدام يديه من ثقل وثاق جريمته.
و أتماما لهذه الفضيحة فأن شبيه هذا” البطل” لا يكاد يصدق مدى ما بلغه جمهور بلاده من عقوق إزاء سنين أمضاها في قراءات أثقلت كاهله، فتولته حالة من توتر إزاء ما رسخ في عقله من اعتقاد، أن الكتب ستحدث في بلاده أثرا على نحو ما يفعله الطلاب الذين كلما وجدت الهيئة التدريسية متسعا من الوقت تجعلهم يستزيدون من أنشاد  مقطوعات حماسية يظنون أنهت ستشحن ماكينة العقول فورا و يزدهر الوطن. ما حدث أنه ليس لم يثن أحد على جهود هيئة التدريس أو يحظون بتقدير، بل ما هو أنكى أن الطلاب قالوا لمدرسيهم” ألا فليحل العار عليكم. فما يحدث الآن لا يمت بصلة حتى ولو بعيدة لما لقنتموه لنا من أناشيد”. أتراهم أخطئوا؟ هل يا ترى أخطأ سعدي و أمثاله ممن كانوا يضعون كتبا تحت إبطهم كما يضع الفارس سيفا على صدره ليروا نوع مهنتهم؟. لكن من قال عبارة” فليحل العار..ألخ” يخاطبون الآن سعدي و زمرته قائلين” يا سيد سعدي لماذا تسعى منّا إلى ثناء لا تستحقه؟. ماذا بوسعنا فعله مع بضاعتك الكاسدة؟. فأنت عندما عزمت أن تكون مثقفا فقد اخترت ألا تصلح لمهنة أخرى. هل تريد أن نواجه ما هو أسوأ من مصيرك، وهو أننا إن أردنا إصلاح خطأنا فسنجد أن الوقت قد فات؟”.
ما هو أشد مضاضة من كساد المهنة هو الشعور الذي بات يراود ممتهني الثقافة، عندما يكتشفون أن رؤوسهم التي كانت تعمر بالأفكار أخلت المكان لواحدة تقول أن لا شيء يعدل  مدى تفريطهم و استهتارهم بمصيرهم الشخصي. هذا هو الشعور الذي بدأ بالوفود عليه  وهو يقف وراء النافذة ، ثم امتد ليشمل كل شروق و غروب شمس، متخذا شكل غيظ مُرْ على مهنة وضع كل أمانيه فيها، فانتهى إلى وضع كل غيظه عليها، عندما خابت طموحاته و تلاشت أمانيه. فمن يعتاد على رفقة كتاب تنعدم قدراته للقيام بفعل غيره، فيصبح شبيها بعازف بيانو لم يجد أمامه، بعد كساد مهنة سماع الموسيقى، من مهنة غير طبّال في فرقة أعراس شعبية. هذه هي المحنة: أن عين ما كان يهواه أضحى جوهر ما يندم عليه.  شأنه شأن بائعي الزهور الفقراء، يرتدون أسمالا بائسة و يحملون القرنفل و الجوري و الجيرانيوم و شقائق النعمان يوقفون السيارات المسرعة ليبيعوها الزهور. عندما يطول تجوالهم في الشوارع و يعودون مع زهورهم، دون أن يهرع لشرائها أحد، يصبون جام حرقتهم على ما في حوزتهم من زهور، باعتبارها مهنة كاسدة لا تنطوي على توقير من أحد.
يقول سعدي” لقد حالفت الجرأة أستاذي مصطفى عبود بالموت قبل أن يحصل له ما حصل لي. نعم لقد أدى الموت خدمة جليلة له”.
حسنا أنه يتذكر مصطفى الذي يسير في شارع الرشيد الآن متجها نحو مقهى البرازيلية لا يحمل من دنياه غير خبرة وحيدة وهي طريقة في التفكير تعوّد عليها، فغدا ما عداها من فعل مضيعة: أن يتخيل نفسه جالسا أمام مستمعين يروي لهم عن كتّاب و عن أوطان حوّلت الجامعات و المكتبات إلى مزارات دينية و عن شخصيات مشهورة، يسطر لها الكثير من صفات يتمتعون و لا يتمتعون بها، ليعطي الرواج لمهنته،  مثل روائي يبحث عن أبطال يضفي عليهم بطولة قام بفبركتها لهم كي يضفي على شخصه ما كان يتمناه و يفتقده من صفات لا يصدّقه أحد إن ادعى حيازته لها، فراح ينسبها إلى أبطال جسّدوا أمانيه فأغنوه عن تأكيد صحة ما يدّعي.
سيتساءل قارئ بدافع الفضول: ما هو يا ترى أسم هذا المكان الذي نتكلم عنه؟. كي لا يشعر أحد بقصور في معرفته نقول جهرا و علانية: ليس ثمة حاجة للتذكير باسم هذه الأرض عندما نقول ما يلي: لخمسين عاما مضت لم تتمتع هذه الأرض بهدوء حتى و إن كان نسبيا. خلال ثلاثين سنة خلت حدثت ثلاثة حروب طاحنة مات فيها ما يقارب الثلاثة ملايين. حروب أعلنها فرد تحيَّن دوره ليجعل حياة أمة كاملة منقادة لنزواته، كان يبيع مصائر الأفراد كما يباع جوز الهند المبشور، و يهدي قطعا من أرض بلاده كما يبيع صاحب محل للأثاث القديم حطاما قديما. مر زمن على هذه البلاد كان فيه فرد واحد فقط بوسعه أن يجعل الأشياء تبدأ و الأحداث تحدث: كان زمنا قاد فيه البلاد مثل إله هوميري: يسيّر العواصف… يتزوج من يشاء و يترك من لا يرغب بها، يؤجل مشروع ولادة طفل،..  و عندما ترك هذه الأرض سرعان ما وجد قاطنوها أنفسهم أمام وطن لا يكفل الراحة لهم، لا في البيت و لا في خارجه. وهي طريقة قديمة لدفعهم للتشبث بوضعهم الحالي البائس و بلون حياتهم الكالح مبقين على أمنية هي الأسوأ من بين الأمنيات: ألا ينحدر بؤسهم إلى وضع أشد زراية مما يعيشوه الآن. لكن هذا الوطن سرعان ما وجد نفسه محكوما من قبل زمرة منزوعة الحياء استأثرت بالمجال فراحت تصنع صنيعا أشد صخبا مما أنجزه ذلك الإله. بات على مواطنيه أن يهرعوا إلى بيوتهم بعد انقضاء ساعات العمل ليسمعوا قصصا عن مطاردة فتيان مساكين صغار أطالوا شعر رؤوسهم، و لم يكونوا على علم بالثمن الذي عليهم سداده مقابل ذلك، غير مدركين أن هناك من يبرهن ، عن طريق رؤوسهم، على سطوته التي يجب أن يحسب لها حساب، كمن أصيب بمس فلم يعد له من هم له سوى استئصال براعم أشجار زرعها آباء و أمهات. و ما هو أسوأ أنه قام بتقطيع الأشجار و رميها في الطريق. و هكذا إن لم يمنع الآباء الخائفون أبنائهم من تكرار ذلك، ستقوم تلك الرؤوس المهشمة بأداء هدفها المنشود: أن يصل الخوف المميت إلى أعماق العقول و إلى البيوت. أنها ظاهرة الأيمو التي أبدت المرجعيات الدينية من خفوت الصوت قدر ما يبديه ميت. لكن ما يخيف أن من يرتكب ذلك هو عينه من يدعي الورع. ما هو أسوأ أن حكم الموت يتم تطبيقه بنصوص و فتاوى دينية تستند إلى لغو ينفذ بعقاب شبيه بمحاكم التفتيش، دون أن ينبري ثمة عاقل ليتساءل” و لكن ما الذي جعل أبناء هذه البلاد يصلون إلى هذا الدرك من اللامبالاة و كأنهم يتعاطون حبوب تخدير العقول؟”. حتى أن البعض عزا الأمر إلى خصيصة طبع عليها أهل البلاد الذين صاروا يقولون ” لا ينفع معنا غير غلام ثقيف”.
سعدي يتذكر أستاذه مصطفى عبود الذي كان يقرأ كل يوم كتابا و يتكلم الانجليزية بلغة أكسفورد برغم أن قدميه لم تطآ أرض العم ناجي. صار الآن منسيا لأنه لم يكن يعرف ما يليق به فعله عدا قراءة كتاب. مات دون أن يدرك أن هناك مسرات تقع خارج المعرفة،  لأنه أمسك كتابا يوما ما وهو فتى يافع و قال” ما عدا هذا مضيعة. لا شيء سواه و ليكن ما يكون”. كان بعقله الثاقب أول من جاء بغارسيا ماركيز إلى العربية عبر ترجمته لرواية عاصفة الأوراق.
لو كان مصطفى حيا لقال” ما تحتاج إليه هذه البلاد فئة مستنيرة تقوم بكشف المستور من النوايا و هتك الصمت: بالوقوف على القدمين و الهتاف: هذا فعل شنيع، من هو هذا الملتحي الذي يسعى لتسجيل انتصار؟ و على من؟. و من هم أولئك الذين يضعون أيديهم على مؤخرات عمائمهم و يقولون”  ها نحن أولاء أمامكم”، وهم  يقفون أمام قائدهم الذي يحمل بيد آجرة صخرية لتحطيم الرؤوس و في الأخرى مظروف فيه نقود يضعها في حسابات في بلاد النصارى أعدائهم في الدين؟”.
ما يورث الحيرة في قلب تلميذ مصطفى عبود ما هو أسوأ: لماذا يقابل الآباء الآخرون  ما يحدث بالصمت؟. لماذا لم يتساءلوا: ما عساه أن يؤول إليه مصير وطننا؟ و هل يحتاج الدفاع عن فلذات الأكباد  إلى بطولة؟. ألا يسعهم القول نحن لم نأت إلى هذه الدنيا لنجعل رؤوس أولادنا تتهشم تحت كتل من صخور؟. أنه وضع مبلبل. هل بلغ الخوف من حدته مبلغا جعل هؤلاء الآباء يشيحون النظر عن وجوه الثكالى كي لا يروا دموعهم؟. لو كان مصطفى حيا لصرخ” يا أيها الناس هناك واجبات إنسانية معتادة”.
نعم سيصاب مصطفى بالدهشة لو عاد و وجد أنه غير قادر على النقر على الطاولة بقلمه كمعلم يحيط خبرا بكل تفاصيل الموضوع، لو وجد قاعة الدرس فارغة، لأن الطلاب صاروا يتلقون الدروس في الكتاتيب الدينية. سيجد هزال المواضيع التي تتسلى بها العامة و التي ليس لها وجه شبه مع ما اعتاد العارفون الكلام فيه. لأنه إن قُدِّر له أن يستمع إلى الجمهور فلن يجد غير ممارسة طقوس غير مجدية. سيجلس منبوذا كسائق سيارة سُحبت إجازة الترخيص منه فبات بدون عمل. المحنة ليست هنا، بل أن الحياة سارت أفضل بدون قيادته للعربة، بدون ترهاته التي بشَّر بها طوال حياته. سيجد رجل من العامة الجرأة لمخاطبة مصطفى” أجل، يمكن للإنسان أن يعمِّر طويلا بدون رفقة كتاب”. كلا انتظر، ليس هذا كل شيء. بل سيوجد من يصرخ فيه” كتبك يا أخي ستلحق بنا ضررا، لأنها تعترض سبيلنا في تحقيق حياة ناجحة”.
لهذا السبب يقول سعدي: حسنا فعل مصطفى باللجوء إلى موت مبكر. لأن أفضل ما يلقاه المحاربون القدامى في حياتهم أن يموتوا مختنقين بوهم عظمة ما خاضوه من معارك، بدلا من أدراك يحل متأخرا يجعلهم يتجرعون الخيبة عن مدى عقم تضحياتهم. هل يوجد من سيذهب إلى قبر مصطفى و يقول له” نم هانئا فالراية التي كنت ترفعها و كانت تقف على صارية من حديد قد استبدلت بواحدة من جريد النخل لم تستطع حمل ثقل راية من قماش فهوت في الوحل”.
مات مصطفى عبود الذي لم يكن في وسعه حتى تصوّر أن تصبح الجملة الخبرية” هذا مثقف عراقي” جملة ليست لا تخلو من وجاهة فحسب، بل سرعان ما تغيم لها وجوه من يُتهمون باقترافها، لأن من يقرؤون الكتب هم أقل البشر تأهيلا، و حتى لا يرجى منهم نفع في دولة الطوائف التي حوّلت رؤوس مواطنيها إلى ما يشبه واد يعج بالصخور. مات دون أن يتخيل ما هو أشد استحالة: هناك في ربوع بلاد المتنبي جموع متزايدة لم يقع بصرها على كتاب، و لا تقبل بتلك المزايا التي توفرها الكتب، لا بل يعدونه عملا مرذولا أن ينصرف المرء لمشاهدة مسرحيات و قراءة روايات و أشعار. ليس لا أحد يثني على تضحياتهم، بل هناك من يتحامى على نفسه و يخشى أن يتهم زورا بهذه الصفة. و حتى أن هناك من يردد في صلاته، إن كان متصالب اليدين أو مسبلها، دعاء بهتاف يضع فيه كل رجائه” يا رب ابعد عنا هذه المهنة”.
مضى زمن مصطفى عبود.، ذلك الزمن الذي كان فيه المثقفون يشنون حملات لتصعيد المجاز في لغتهم الثورية بكتابة جمل مثل” نحن رجال برغم قصر قاماتنا لكننا نقف أمام أبواب القرن القادم”، مرددين جملا مثل” نحن سادة الغد، الغد لنا نحن الأباة”. ثم جاءهم غد، لم يكتف المحتل فيه باحتلال هذه الأرض بل فرّخ في القرن الواحد و العشرين، القرن الموعود بانتصار الاشتراكية، جيشا كجيش المهدي و قتلة فتيان الأيمو، و جلب شخصا  كالمهاجر الذي يوزع كتابا عن كيفية الحصول على رضا أهل البيت.
لم يتساءل أحد: و لكن كيف أفلح هذا المجتمع في الوصول إلى هذا؟ و على من يوضع الوزر؟. لماذا لم يتذكر أحد ما قاله ماركس في الثامن عشر من برومير لويس بونابرت” لا يكفي القول، كما يفعل الفرنسيون عادة،أن أمتهم أُخذت على حين غرة. فأن الأمة و المرأة لا تغتفر لهما تلك اللحظة التي تفقدان فيها الحذر و يتمكن أول مغامر يمر بهما من أن ينتهكهما. أن جملا كهذه لا تستطيع حل اللغز، بل تصوغه على نحو آخر فقط. و لا تزيل ضرورة تفسير كيف يستطيع ثلاثة محتالين أن يأخذوا على حين غرة، و يأسروا من دون مقاومة، أمة  يبلغ تعدادها 36 مليون نسمة”.
لا نجاوز العدل إن قلنا أن مصطفى من رعيل المثقفين الذين كانوا أكبر من زمنهم بمراحل،  لم يكن هناك من يباريهم في حب وطنهم، ينظرون إلى علل بلادهم مثل نطاسي يواسي جرح أولاده برغم ما يملكوه من عتاد قليل: الكتب و الخيال. كانوا يبدون من علو الصوت قدر ما كان يبديه و أكثر بائع جوال يحمل على بسطته بضاعة تعرض لأول مرة. كانوا يساريين يسهرون متأخرين يقرءون الكتب و ينامون منتظرين بشوق صباح الغد كمن وضعوا سلاحا تحت وسائدهم يتداولونه في اليوم التالي في حمأة معارك فكرية كبرى. كان أشد استرعاء للنظر أن يسير أحدهم بشمم ممسكا بيده كتاب دلالة على هويته: عقله الراجح، مثل عسكريين يشعرون بالغبن إن ساروا بهيئة مدنيه لا يتعرف فيها أحد على مهنتهم التي تشير إلى ماضيهم القتالي. و لم يكن يدور في خلدهم أن سيأتي يوم يأتي فيه من ينتزع تفضيلاتهم من أيديهم و يغدون أمّا كيتامى في بيوت آخرين أو جالسين كمتسولين على أرصفة الطريق. منحوا ولائهم لمن كانوا يظنون أنهم سيفون بتعهداتهم وهم على رأس قيادة طليعة الوطن. لأولئك الذين كانوا يشعرون بنوع من الانتداب ورثوه من البلاشفة، وهو تشريف يقوم على تفويض وهمي قامت الطبقات المستغَلّة بمنحهم ترخيصا دائما و متجددا متخذا شكل الاستحواذ الذي أعطاهم نوعا من الرضا في دوام تفويض لم يجعلهم تحت عبء الخوف من ضياع الفرص. ذلك ما جعلهم، بعد أن فاض بهم الزهو وهم يرون مسيرات الجموع التي كانت أكثر مما خطر في بالهم، فغدوا مثل صاحب عمل حصل على تسهيلات من البنك لم يكن يحلم بها فقرر، ألا يعيش في حدود موارده. و كما قال هنري جيمس في رواية” ما كانت تعرفه ميزي” عندما منح السير كلود أموالا لميزي و مربيتها التي فكرت بتلك الثروة” من السخف أن يسير المرء على قدميه و لديه عربة مطهمة تقف أمام الباب”. هكذا، بدون الشعور بعبء ما سقط على أكتافهم، راحوا يهبطون درجات في درك عدم فهم ما يجري على أرض الواقع متوهمين أنهم مطلعون على خفايا حركة المجتمع الذي يقودوه. كانوا، كما قال الكاتب ستيفان تسفايغ عن ماري أنطوانيت و زوجها لويس السادس عشر، بأنهما لم يكونا على دراية بالإمكانيات التاريخية الماثلة أمامهما. كان القادة يقفون على شرفة جريدتهم المركزية ينظرون إلى مشهد الجموع و قد هيمن عليه الزهو. كان الوضع بإيجاز أشبه برجل ضمن بوثيقة رسمية إخلاص زوجته دون أن يجول بخاطره أن الأمور ستتخذ وجهة مختلفة من رجال آخرين يسعون لمطاردتها معرِّضين سيطرته عليها إلى امتحان شاق. ففي غضون خمسين عاما تراوحت المسيرات بين واحدة مليونية تطالب بالسلم في كردستان إلى أخرى تطالب بالبيعة لصدام حسين ثم إلى ثالثة تلطم الصدور حزنا على موت سبط الرسول.
آه لقد مات مصطفى عبود و في فؤاده حسرة الآباء الذين لم يرث أبنائهم مهاراتهم. عندما أمسى مصطفى عبود وحيدا في قبره أمسى تلميذه سعدي عبد اللطيف وحيدا هاهنا في شقته اللندنية. لكن سعدي و في غمار معركته الشرسة مع الوجود لم ينصفه حتى الموت، كما أنصف أستاذه، في طريقة قدومه. فهو عندما جاء متحديا لمصطفى الذي كان قد قال عندما فاجأه المرض وهو في عز عطائه: نعد المشرفية و العوالي/ و تقتلنا المنون بلا قتال. جاء رسول الموت إلى سعدي هازئا. إذ حتى الجلطة القاتلة أخطأت رأسه و أصابت قدمه إصابة جعلته يقول” لماذا هو معي ذو أناة؟ هل يعتقد أنني في سن مقتبل الزواج كي لا تكون دروسه أشد سلطة عليّ؟”. لم يكن يعرف السبب، شأنه شأن( ك) بطل كافكا الذي صدر حكم ضده و لكنه بحاجة لمعرفة الجهة التي أصدرت الحكم.
سعدي يريد معرفة الجنحة التي ارتكبها كي يتأكد من مدى خطورته.
غاب كل مصدر للسرور لديه، فلم يعد ذلك الذي يقال عنه ” فتى غمره يقين مفاجئ فأحتد في العيش ناسيا حيطته المعتادة فأظهر من العزم ما يتوافق مع قوة يقينه”. ببساطة لأنه صار لا يجد في الدنيا ما يسترعي النظر، لأنه لم يحصل على عشر ما كان يتمناه و يرتضيه، فقد عجل ذلك من دخوله في مرحلة الهرم مبكرا. تقدم في العمر و شاخ: أمّا مثل عالم قضى عمره في تطعيم نبات جديد يلائم مناخ أرضه فجاءت سوسة غير مأخوذة بالحسبان و نخرت ما أنفق عمره عليه من بذور، أو كشاعر يجيل نظره في الأنحاء فلا يجد ما يستدعي النظر من ثمر و شجر فيقرر الانصراف عن الشعر بعد أن خبت جذوة الشعر في أعماقه. كان الشاعر يقول ” لدي أشعار علي انجازها ما دامت الشمس مستغرقة في فترة الشروق و النسيم في أبانه و الجو يرفل بآلاف الألوان. ما جعل أبا هيف سباحا عظيما هو رؤيته لأمواج بحر المانش التي تتوافق مع ما كان يحلم به، مما جعله يشحذ إرادته على وقع اصطخاب أمواجه”. لكنه، بعد أن غربت الشمس و سادت عاصفة غبراء على الجو و حلت بعدها عتمة لا يرى فيها المرء موقع قدمه، أطلق جملة رددها مرات بصريح النص” نحن كالأبطال نقيم بطولات للدنيا على قدر ما يمكنها دفعها إلينا من أخطار فنغدو كالجنود نشد بأقوى ما لدينا: قلوبنا”. توقف الشاعر قليلا ثم انفجر باكيا وهو يقول” يا له من جو. هو بالذات من جعلني أفقد الرغبة في قول الشعر”. لأنه بحدسه الشعري يعرف أنه ما من شيء أجلب لهلاك الشعراء من هذه السموم التي إن مدَّت كفها فسيطول بها المقام فتجعلهم ينفضون عقولهم من الأحلام.
لم يعد يرتجي عودة ذلك الإحساس عندما كان يشعر، قبل أن يتجه للنوم وهو يقف وراء النافذة، أن يوم الغد ستستمر إشراقته طويلا. لكنه الآن و مع انصرام منتصف الليل و عندما تهيأ للرقاد، بدأت تعاوده نوع من كوابيس يصعب إرضاؤها، عندما ظهر له رجل ملتح معتمرا عمامة، ثم غترة بيضاء، ثم لباسا جبليا رافعا سبابة التحذير” ألم نقل لك يا سعدي أنك ستندم على ما فعلت بحياتك”. و لكل من شاهده في الليلة التالية خارجا من مقهى الوايت ليست، فقد كان يبطئ في خطوه كمن يسير بطريقة تشبه من انتعل حذاء أكبر من قدميه، أو كمن لا يتوقع تحسنا قريبا في الأحوال. طريقته في السير و ارتداءه للملابس جعلاه يشبه عجوزا أنتقل إليه الفقر عن طريق الوراثة. ما من صورة أشد فظاعة من رؤية ثوري مثقف يسير كعجوز في منتصف الليل متمهلا في شارع بيز ووتر في لندن، عائدا إلى بيته في صمت، و هناك عدو أطبق حصاره على أقدامه التي بلغت من الطريق ما يتوجب عليها تغيير السبيل. لكن و برغم هزيمة قدميه لم يكن قادرا على توجيهها وجهة ثانية. أشد ما يتعبه أن يغير وجهة سيره في مرحله لحق فيه هرم مبكر. لأنه يعرف، عندما يحدث حدث سياسي أو فكري، إلى من ينحاز دون تقليب شديد في الأمور. وصل سعدي إلى البيت بعد منتصف الليل. توجه من فوره إلى الفراش. و عندما رقد رأى حلما مؤداه أنه كان جالسا في منطقة كتب عليها أنها أرض حرام و في بناية يبدو أنها مدرسة. كان يجلس في غرفة تشبه أحد الصفوف، ماسكا رأسه بيديه كمن يحتمي من المطر. لاحت له و كأنها تشبه المدرسة التي كان يعمل فيها، و كان ينتظر مجيء طلابه. لكنه أدرك من فوات وقت بدء الدرس، أن طلابه قرروا مقاطعة حضور دروسه. كان يصرخ في المقاعد الفارغة” و لكن كيف يمكن للمرء أن يعيش حيا بدون حضور محاضرة و قراءة كتاب؟”. فتح الباب رجل ملتح، تقدم نحوه و قام بقراءة لائحة اتهام بحقه، و هو يقف على أحدى الرحلات المهجورة. خاطبه قائلا” حكمنا عليك بالموت”. ثم سكت. كان سعدي يتمنى سماع شيء أكثر من ذلك. عندما طال الصمت صرخ سعدي هاتفا” محكوم بالإعدام، و تمنع عليّ معرفة سبب صدور ذلك الحكم الذي أُنزل بي؟”. نام على و رأسه على الطاولة من شدة التعب. بعد غفوة قصيرة أيقظه سجّانه وهو رجل ملتح أيضا في الهزيع الأخير من الليل و تركه جالسا مثل مؤمن قيل له أن خلاص الآثمين يأتي في آخر الزمان حينما يهبط الهيكل جاهزا من السماء، و يظهر المسيح راكبا حمارا. و لكنه عندما رفع رأسه كي يتأكد من خلاصه، لم يجد غير حمار أسود يضلع مقبلا عليه. تساءل” ماذا” أحقا ما يحدث؟ هل يأتي خلاصي على يد حمار؟”. لهذا السبب صار يقف وراء نافذة شقته في كل ليلة.
هكذا إذن في بلاد المتنبي التي باتت تسمى الآن بلاد العقل الغائب، و العقود الوهمية، و سرقات القرن، و الطقوس التي لا يوجد من وراء إحيائها طائل، يحدث شيء غير مفهوم. الحقيقة أن خرابا بهذا الحجم هو ضرب من جنون لم يبتلي أي بلد به غير الصومال، تلك البلاد التي انسحبت من الحياة و أمست تعيش منذ عقود في قاع الزمن. لقد سارت إلى اندثار أوهام مصطفى عبود المتفاني في تخليدها عندما أشاع جوا من النضارة في مقالاته و كتبه المترجمة عن وجود بلد في طريقه للنهوض من الرماد. ما يحتاج إليه – كما كان يواظب مصطفى على ترديده- رجال يحملون بأيديهم العاضلة كشافات تنير الدرب، و في رؤوسهم سطوة فكرية، قادرين على دفع عجلة المجد التي إن بدأت بالدوران فلن تتوقف أبدا. كان وهما يشبه ذلك الحلم الذي يغمر عداءً ظل مواظبا على التدريب كل صباح كي يبني لفريقه مجدا. و لكنه بعد أن سلخ سنينا في التمرين المتفاني لم يعد قادرا على تمييز هل أن ما يسعى إليه هو أيمان بنصر جازم أم خداع للنفس.
بعد ستة عقود حزم المثقفون اليساريون متاعهم و خرجوا من المسرح بعد أن لعبوا دورا عرضيا في مسرحية يسعى الجميع الآن إلى تفادي تذكرها لأن المشاهدين، الذين لم يعطهم أحد لما يقارب الخمسين عاما  إشارة الأمان، صاروا يقولون كما يقول كاسب بسيط ردا على سؤال عما إذا كان يفكر في مشروع جدي” لا يوجد لديّ أدنى طموح. أسعى لأن أعيش في حدود مواردي. ليس في عقولنا مكان لما تقولون”،  بعد أن صعد إلى المسرح طاقم جديد من الممثلين يرتدون عمائم سود و يشاميغ بيض و سود على جلابيب فضفاضة أو سراويل جبلية قالوا للجمهور” الاستقامة مصدر للخسارة”. ألقى سيدهم، وهو يفتتح أمسية ثقافية، خطبة قال فيها” مجيء النساء إلى الأماكن العامة بدون معاطف صنو للكفر. المعطف ملبس مقدس لأنه يخفي الأرداف و يجعلها ضامرة”. و لم يكن يوجد هناك من يعترض. و إن كان هناك أحد يتساءل فسيبدي من خفوت الصوت قدر ما يبديه مشرك في أرض موحِّدين” ماذا؟ و الشهداء؟ و الكتب؟ و الوعد بغد مشرق؟ و روح مصطفى عبود؟”. فلا يجد جوابا. و حتى إن وجد جوابا فسيكون بصريح النص” إن كان هناك من ملوم فالكتب هي أكثر من يتحمل الوزر”.
كي يتعايش المهزومون مع إخفاقاتهم عليهم ألا يحولوها إلى مرارات ..أن ينظِّموا أنفسهم من جديد حول قضية جديدة. لأن هؤلاء الكادحين الذين تركوا الطليعة السابقة قد التحقوا بركب طليعة جديدة تتلخص انجازاتها في إطالة لحاها و منع النساء من ارتداء سراويل صوفية كانت أم حريرية.
غدا المثقف غريبا في هذه البلاد كصالح في أرض ثمود. مثل شخص كان يكنى باسم ابنه الأكبر. مات الابن الوحيد فقام الأصدقاء بالرد على ذلك بإطلاق أسم” أبو غائب” عليه. بعد سنين من موت الابن، وجد أن لا شيء مشترك يجمعه مع اسم منحول لابن مات منذ زمن. و بعد مضي الوقت وجد أن   الغائب لم يكن سوى دعابة ترمي تذكيره بالغياب الجسدي لمن كان يملأ مشهد بيته، أيام كان الآباء يطلقون على أبنائهم و بناتهم أسماء كتاب مشهورين: فاسم سهير إشارة إلى سهير القلماوي، و سلامة تيمنا بسلامة موسى و مكسيم باسم مكسيم غوركي و بافل باسم بطل رواية و الفولاذ سقيناه، و يستمعون لأغاني بول روبسون و فكتور جارا…
ما الذي حدث؟. ما حدث أن الطوائف باتت مثل رجال الأعمال في بداية صعود الرأسمالية تعمل لمصلحتها الخاصة. تعاليمهم تشبه ما يعلِّمه مدرب الملاكمة في أول درس لتلامذته بالقول” لهم أنا لا أعلم رؤوسكم كيف تتفادى اللكمات بل أعلم أيديكم إتقان إصابة رؤوس الآخرين الذين هم أعدائكم بقبضاتها. نتيجة لتلك التعاليم قام جزء من الطوائف ” بشفط” الجمهور داخل طقوس ملزمة واضعين البلد على حافة العالم مركزين على دماء أريقت قبل أكثر من ألف عام، عازلين الجمهور بحوائط من الطوب العالي لجعل أبصاره لا تتطلع إلى تجارب أخرى من خلال إمطاره بطقوس مستمرة و على أعلى نسق عاطفي، جعلتهم  يتخلون عن أية بساطة مطلوبة للنظر إلى ما لدى الآخرين من خبرات و معارف، عندما شغلوا أذهانهم في اندفاعات عاطفية، فغدوا معها أشبه بمصابيح الفتيلة التي أعطت كل ما لديها من زيت في عشرة أيام و لم يتبق لديهم، بسبب فترة الاشتعال الأليم، من طاقة ينفقونها على هموم أخرى. فلم يعد الإنسان بمفرده مع نفسه، بل حاملا لظلم تاريخي ليس بوسعهم تجاوزه لأنه عشش و فرخ فيهم. فأصبحوا حاملين لثأر يهتف بهم” إحذروا من نسياننا نحن أهل البيت”.  أنها طريقة مبتكرة لتحصين الفرد و منعه من نسيان أين يقف، كمن فُرض عليه قراءة قصة تراجيدية منذ الصغر فلم تعد لديه معها قدرة على قراءة قصة أخرى، و معناها النهائي نزع المرء ثقته بنفسه من وجود قدرة لديه على صنع روايته الخاصة به و بالتالي إلغاء تفرده.

كان سعدي يعتقد أنه محصن ضد مرض خيبة الأمل. لأن أي سوء تفاهم- لديه- سيؤذن بانتهاء عندما يعود كل شخص إلى أصل الأشياء و هي شجرة الثقافة. لكن الثقافة مهنة تورث ضرورات أولها تصريف ما بحوزة مالكها من بضاعة على آخرين. فإن رفضوا شرائها منه عليه أن ينزوي ليتعامل مع بضاعة غير مصرّفة لا تورث عند مشاهدة ما تكوم منها غير خيبات غالبا ما تنتهي بضربات من الكآبة. عندما يخفق في جذب مشترين لبضاعته، عليه أما أن يداوم على صنعها كما كان دأبه فعله، بانتظار تصريفها على زبائن غير مهتمين بها، أو لتدمير المصنع/ العقل الذي أنتجها أو التحول إلى عامل أجير لدى مهن أخرى.
و عندما انفصل سعدي عن ميري و كانت الوطأة شديدة عليه، بدأ يعول على الزمن كي ينسى الجرح بسرعة. بما أن اليوم مفرط في الطول قرر أن يقوم بتقصيره عن طريق تحويل اليوم إلى لحظة واحدة بالإكثار من التردد على دحر العقل: الطريق الوحيد للهروب من  طول الوقت. ظل يدخن و يشرب باستمرار لكي يُسرع بالزمن. كان في نهاية كل ليلة يسجل انتصاره على اليوم وهو يجري جردا ليس بما خلَّفه وراءه من أيام كي يتباعد عن تلك المحنة، بل بمقدار ما بقي له من أيام عليه أن يلحق بها الهزيمة. و من هنا جاءت جملته” لماذا الموت معي ذو أناة؟ هل يعتقد…ألخ”. ما جعله يزاول هذا العمل بتفان اعتقاده أنه ينجز مهمة الخلاص بنجاح. قاده هذا اللبس الصريح إلى نوبات من ذعر مثل مؤمن أدى ما عليه في دنياه من التزامات و جلس على سجادة صلاته ينتظر حلول الأبدية. لأنه عندما بدأ يشرف على المصير الخطر صار يظن أنه استلم ناصية حياته عندما غدا حرا بالتلاعب بها، فغدا معتقدا أنه صار سيد مصيره عندما أصبح على بعد خطوة يخطوها خارج الزمن الأرضي الذي ألحق به الهوان. الحرية التي اكتسبها من خلال تدمير الذات غدت انتصارا طبيعيا على الهزيمة. لأنه في ذلك الميدان لم يعد يواجه أحدا فيه، بل ساحة لا يوجد فيها غير سعدي يواجه سعدي كي يلحق أحدهم هزيمة بالآخر عن طريق جنود مسلحين بدخان و زجاجات.
لكنه كان بموقفه كمن يقف وراء لوح زجاجي ينظر إلى الآخرين معتقدا أن لوحه الزجاجي/ أوهامه ستحميه من إساءات الحياة، دون أن يدرك أن زبدة هزيمته هي تعلقه بأفكار جعلته خلوا من الروح العملية و عدم الملائمة. لكنه كان ببساطة يدرك إنه إن لم يواصل السير فيما اختطه من سبيل، فسيفشل فشلا يطيح باستقرار قلبه الهزيل، المعلق بخيط الثقافة الواهن، الذي يتفاخر به باعتباره جل ما أستطاع فعله في هذه الدنيا الفانية، و الذي رفعه، لتقوية صلابة قلبه، إلى مرتبة حلف أبدي أبرمه مع نفسه، دون أن يدرك أنه يعدم وجود خيار سواه، و أن ما يفعله ليس فعلا ناجما عن سداد معتقد، بل جاء بوحي من هزيمة قلبه الهرم الذي تعاظم شعوره بفقدان الزمن، لأنه التزم به خوفا من ملامة لائم يقول له” رويدك يا سعدي، و لكن من الذي أكرهك على هذا التبذير؟”. فكان رده المباشر لتلبية ما عليه من استحقاقات للخارج هو الانعزال كي يجعل قلبه أشد حصانة و لكن من خلال الانسحاب. و يا لبؤسها من حصانة أن يظل جالسا في معتكفه مثل شخص ينظر إلى الثلوج و قد وصلت إلى عتبة باب بيته وهو يقول لنفسه” لدي رغبة في الخروج، و لكنها الثلوج”. و لكنه، و حتى بعد ذوبان الثلوج، يظل يحارب ببسالة في قلعته مع جنوده الذين هم من دخان و زجاجات.
في مطلع الستين من العمر عندما لم يجد دواء يهدئ أوجاعه وصل سعدي إلى نهاية أمانيه حين حكم على نفسه بأن ينام في شقته اللندنية كما ينام فلاح أجير لا يراوده حلم بأن يصبح مالكا للأرض لأنه قرر أن ينتمي إلى سلالة الفلاحين سيرا على خطى والده و والد والده…. عندما حكم على نفسه أن يظل مشدودا لطبقة آبائه و أجداده دون حلم بالصعود إلى مرتبة أسمى. أمضى سعدي بعض الوقت مثل ناسك عجوز في ديره الذي أمضى به عقودا وهو ينتظر مجيء المسيح مع هيكله على حمار. و لكن وجهه تحول إلى أبيض شاحب عندما شاهد الحمار بدون المسيح المنتظر. قال كمن امتهن طوال عمره مهنة وجد أنها مما لا يستحق الكلام عنها” ولكن هل تستحق سعادة آخرين لا أعرفهم فقدان كل هذه السنين؟. المشكلة أن الفقراء لم يعترضوا طريقي طالبين مني أن أسعى لتحسين حياتهم”.
لم يبق له سوى تذكر تعريف أحد أبطال مونترلان للهزيمة عندما قال” حياة تبدأ بالطموح و تنتهي بالاقتصار على رمي الطعام للبط”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *