سلام ابراهيم : الإرسي (5)

إشارة : تقوم أسرة موقع الناقد العراقي بنشر رواية القاص والروائي العراقي “سلام ابراهيم” : “الإرسي” على حلقات .. تعقبها مجموعة من الدراسات والمقالات التي نشرت عنها بعد “إرسي الخراب العراقي” الدراسة الطويلة التي نشرتها للناقد “حسين سرمك حسن” عنها ، والملاحظات التي وصلتها من القراء الكرام بصدد عدم اطلاعهم على نص الرواية . وستكون“الإرسي” مفتتحا لنهج جديد تتبعه أسرة الموقع مع الروايات العراقية المهمة ..         

 صـرخـة
أصبتُ بتشوش ذهني تام في انزوائي المستلب في بيت أصبح شبه مهجور. تتناهبني المخاوف والظنون نهاراً. ورعب الصمت والهواجس والكوابيس المهولة ليلاً. كيف أشرح لك الأمر.. كيف؟! وما يجري ليلة كل جمعة ليس ملموساً.. ليس حدثاً. ما أنا به من هولٍ ينبعث من أمكنة المخيلة والأحلام. من أمكنة نائية في نفسي. لابد من إخبارك عن مكاني. أنا مختبئ الآن في بيت عمتي الأرملة. تعرفين البيت جيداً. ألوذ في الإرسي المتروك. أقضي جلّ وقتي وحيداً بعدما أصبح تواجدها نادراً.. عادت تأتي بالطعام والشراب وتغادر دون أن تبادلني كلمة.. إنها مرعوبة يا حبي.. فالأمر ليس لعبة.. ففي حالة القبض عليّ في بيتها ستعدم معي. وبنتها تبات مع زوجها ليلة الجمعة عندها، لذا يتوجب عليّ قضاء تلك الليلة، محبوساً في الإرسي، مسلوباً من النوم والسعال و .. و.. وكل شيء. وفيها يحدث لي ما لست قادراً على الكتابة لك عنه.. لكنني سألخص لك ذلك.. هل سمعتِ حكايات رعب من جدتك.. أو في أساطير الأزمنة القديمة وخرافاتها أو في بعض حكايات ألف ليلة وليلة ؟.. أعيش في باطنها..  تأخذني مناحيها فيمتزج رعب الحاضر برعب المخيلة القادم من طفولة الإنسان وباطن الكتب وأمكنة التاريخ المدفونة والأساطير.. أكون في تلك الأمكنة ذلك المرعوب الأبدي.. غير قادرٍ على الموت المنقذ.. ولا على العيش بأمان.. ماذا أقول لك أكثر؟ سأحكي لك كل ذلك إذا قدر لنا النجاة بالوصول إلى رفاقك في الجبل.. سأقص عليك تلك الرؤى التي خلطت عليّ الواقع بالمخيلة وأفقدتني توازني.. صرتُ أسمع وقع خطىً.. همساً شديد الخفوت.. هسيساً.. صدى نداءات مبهمة يلاحقني أثناء النهار في الغرف والباحة، على السلالم والسطح. أتلفت مذعوراً، فتتلامح أطياف تتبخر متبددة في الصمت والفراغ. وتعود ما إن أعاود الخطو. أطياف أليفة وأخرى غريبة. أطياف زملاء الخنادق القتلى، معارف وأصدقاء ضاعوا في  الأقبية، أعدموا في الساحات، أطياف أئمة شهداء، قتلى نبلاء يستيقظون من باطن الكتب، زملاء قتلوا بين الصخور العالية، على التلال وفي باطن الأودية العميقة. أطياف جنيات يهمسن همساً أنثوياً مثيراً، طيفك الطائف بين هذا الحشد الهائل من الهسيس والأصوات الخافتة والأخيلة الملاحقة.. حركتي في البيت الخالي. حشد يتلاشى كلما أردت التيقن من وجوده. أطياف.. يا حبيبتي.. أطياف جعلت الاختلاط الذهني يستحكم.. فتداخلت أمكنة الكوابيس بأمكنة الواقع، الحاضر بالماضي، أمكنة الكتب والحكايات، بأمكنة الذاكرة!.
أمي الصغيرة..
ما جعلني أكتب لك بصراحة هو استفحال الاختلاط ذاك. عدت أعيش الواقع وكأنني في أمكنة الكابوس والخيال. وأعيش أمكنة الخيال وكأنها الواقع. ليس العيش الذهني فحسب، بل بت أبيح لنفسي في السلوك ما يبحه الحلم والكابوس.. لاسيما بعد أن خاطرتُ متسللاً نحو بائع خمرٍ دكانه في طرف المدينة جوار محطة القطار، وعدت حاملاً عدة قناني من العرق المسيح.
أنا في ورطة.. ومأزق عسير.
تأتي الهلوسة مع حلول المساء واستيقاظ عتمة الزوايا حيث أكون منهكاً من شأن النهار، الذي أقضيه بالدوران بين الغرف، الإنصات لضجيج المدينة، التذكر، الإطلالة من خلف النافذة الغبراء، مطالعة الوجوه الرانية نحوي من صمت الورق المرتب في جدران الصالة والباحة وغرفة النوم، وجه زوجها المقتول، وجهها الأبيض الناضح جلالاً، الابن الضائع، وجهي القديم الذي تركته في الصبا، ووجه بنت عمتي الوحشية الجمال التي وصفتيها مرة بالقطة الوحشية قائلة:
ـ مثل هذا الجمال ما ينراد!.
أكتوي بصمتي وصمت ـ المسجل ـ الميت على المنضدة جوار الأريكة، رامقاً صفوف الكاسيتات المرتبة في درج خاص معلق بالجدار. حرمني غيابها من سماع أغنية، مقطوعة موسيقية.. احتدم أحياناً معاتباً بصوت عالٍ:
ـ لماذا .. لماذا يا عمة تركتِ الصمت يفترسني.. لماذا.. لماذا؟.
أتأمل فداحة الصمت، ومعنى الضجيج.. فماذا يحدث لو أصاب البشر الخرس وماتت الأصوات، وعادت الدنيا بلا كلام ولا ضحك ولا بكاء ولا أغنية ولا رعد ولا صراخ. أرتعد من ذلك الخاطر، فلولا الضجيج لأصاب البشرية مس، كهذا الذي يكاد يصيبني ولارتُكِبَتْ الفضائع. عند هذه النقطة أقفز من الأريكة صارخاً:
ـ طوبى للضجيج.. للغناء.. للبلابل.. للكلام..
طوبى للخالق!.
أحبس صراخي متجمداً وسط الغرفة. أرهف السمع إلى وقع خطى، حفيف عباءات، لغطٍ يأتي من الشارع كاتماً أنفاسي، إلى أن أتأكد من مرور الأمر بسلام، فأتحرك لكبس زر المصباح قبل حلول الظلام ليوهم الناظر في الشارع بوجود أحد، وللطارق بنسيان أهل البيت المصباح مناراً.
تأتي الهلوسة من غمرة الغسق المتدفق من درئيات نوافذ القبة الزجاجية، مع همود المدينة، من الصمت الذي يؤرجحني على حواف أمكنة المخيلة والكابوس والذكرى بكائناتها التي يكاد يكون حضورها فيزيقياً، ملموساً.. أو يصبح هكذا مع هبوط الظلام. كنت أظن أن الخمرة سوف تساعدني على التوازن، لكنها دفعتني إلى الاستلاب التام لذلك التشويش والاختلاط.
حبيبتي ..
اسمعي بما يحدث لي في المساء
اسمعي يا عمري.. يا زهرتي البعيدة.. اسمعي.. تهمد المدينة وتموت في الظلال.. احتدم داوياً بضجة أحشائي، مرعوباً من فكرة النوم وكوابيسه. أتسلق السلالم المتآكلة. أتلمس برودة الزجاجة في ظلام الإرسي. أنزل بها. أتذكر ما جري لي في ليلة البارحة. أتذكر قسمي في الفجر بعدم وضعها في فمي أبداً. أضعها على طاولة قصيرة القوائم في ركن الباحة البعيد. أهبط متوسداً سجادة صلاة عمتي المفروشة جوار عتبة غرفة نومها بمواجهة القبلة. أعاند الرغبة الهادرة في دمي.. أقاوم.. أقاوم والضجيج الغريب في صمتي تقوم قيامته. أحاول الاستنجاد بكتاب الله الملفوف بقماشة خضراء والموضوع على رف قريب من موضع السجادة.. يتهدج صوتي في التلاوة.. فأظن أنني نأيت بعيداً عن السائل المترقرق في الزاوية. أضطرم حال فراغي من لف الكتاب الكريم بردائه النظيف. أصعد إلى فراشي في الإرسي، يدوي في صمتي سكون أمكنة الرؤى المرعبة. أنزل إلى الباحة هارباً وأصب الكأس حتى حافته. أدلقه في جوفي في جرعة واحدة. تصعد الخمرة إلى الرأس المشوش أصلاً فتحتدم الرغائب.. كل الرغائب، رغبة بمعانقة البشر، معانقتك، ابننا، المدينة، النهر، الشجر، الأحباب، رفاق الجبل، الجنود في الجبهة، التراب، الحيطان، البيوت كل البيوت. أحتوي الكل في قلبي عقب الكأس الأولى، وفي الثانية والثالثة أنسل من عتمة الباحة إلى المدخل. أفتح الباب المقابل للصالة. أرتقي السلالم الحجرية المنخورة. أقف على السطح مسحوراً بأضواء المدينة. أعب من نسمات الليل البارد أنفاساً عميقة. تجتذبني السطوح المتلاصقة. ألتف حول سقف الباحة المقبب. ومن ثلمٍ في الجدار أنفذ إلى سطح الجيران. أنقل قدمي الحافيتين بحذرٍ شديد مقترباً من سياجٍ واطئ يطل على باحة الدار. ومثل سائرٍ في نومه أجوب السطوح، عابراً من سطح إلى سطح. أتلصص من الأسيجة الواطئة على الأجساد الغافية، المبعثرة خلف نوافذ الغرف المفتوحة على الأحواش والباحات أعانق امتداد الأجساد النائمة، أجساد صبايا مكشوفة الأفخاذ تضيء في ظلال مصابيح النوم الشاحبة، نسوة ناضجات، مهجورات في بحر الأفرشة يتقلبن بين الفينة والأخرى على ظهورهن، على بطونهن، على الجوانب، منفرجات الأفخاذ، مصفوفاتها، عاريات تماماً، بأردية النوم الشفافة، وبملابسهن الثقيلة. تمتصني كوى السلالم فأهبط في بئرها. أتلمس حافات الدرجات بأطراف أصابع قدميَّ. أدور في الأحواش الفسيحة والضيقة، في الباحات المسقوفة والمفتوحة. أطل من شبابيكها وأبوابها المشرعة على أجساد تتعانق غافية، وأخرى تدير ظهورها متنافرةً، وأخرى تتلاصق وتبتعد في عراك وحراك مخفي تحت الأغطية وسط أطفال يتصنعون النوم. أشبُّ على وقع آهات وصرخات لذة وألم تصدر من أجساد طافحة بالشهوة والعذاب، أجساد ملساء لها نصاعة البلور، بيضاء، سمراء، نحيلة، ممتلئة. أدور مشدوداً. وترى نافذ من فتحة البنطلون. أنشّد.. أنشّد إلى أن تنطلق قذفتي العمياء بوجه الحائط والليل، فأستيقظ مذعوراً، ينوح في أحشائي صراخ أخرس. أنسحب إلى المداخل والسلالم شاعراً بفظاعة هذا الدوران الشبحي المجنون وهتك حرمة بيوت الناس في عزِّ نومها. يتخافت هلعي في رحلة العودة. فأستسلم للخدر المبثوث من قناديل السماء الكثيفة ونسمات آخر الليل. أعود إلى باحة العمة أحتسي المزيد من الكؤوس. تنتابني دوامة قبيل الفجر. أعود للدوران مقتصراً في هذه المرة على السطوح فقط. أتلصص على الكائنات في دبيبها في الأحواش والباحات، شيخ يقعد على سجادة صلاته، امرأة تسكب ماء الوضوء على كوعها العاري، رجل يخرج من غرفة ليتلصص من خلال نافذة غرفة مقابلة، امرأة في الثلاثينيات تودع جندياً فتياً يحمل حقيبته بتثاقل، تسحبه من جوار الباب الخارجي تلتهم شفتيه. يتحول العناق إلى التحام حميم، سريع، عنيف. أحدق بالأصابع المجنونة وهي تفتح الأزرار وتخرط الأردية والألبسة الداخلية. في ضوء الممر العاهر أجلسته على سلالم السطح واعتلته كما تُعلى الفرس. أحملق في وجه الشاب المتضور باللذة، لم يزل يافعاً. أتأرجح مع تأرجحها فوق الجالس على بلاط السلم. استعر من جديد. لا أنسحب إلا مع خيوط الفجر المصحوبة بأوائل الضجيج. أتهالك منخور الأعماق على سجادة صلاة عمتي، ساقطاً كالميت في النوم.
هل أدركت فداحة ما أنا فيه ؟. كل الذي سردته يكاد يتكرر يومياً. أما في الأيام التي أقاوم فيها شهوة الخمرة فأكون في ضيافة هواجس رعبي في الصحو ورؤى كوابيس الهلع في النوم التي لا أستطيع سردها لك.. وقد لا أبوح بها إليكِ حتى لو وصلنا بسلام إلى الثوار في الجبل مخافة أن تعتبريني إزاء تصلب وعناد أرائك المؤدلجة جباناً، وحينذاك سنخسر قصة حبنا الجميلة. أنا أعيش في عالم غريب مهلك.. أخبري رفاقك بذلك كي يدبروا لنا أمر الالتحاق.

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

يونس علي الحمداني: رحلة بحرية

عِندما نكون في البحرِ السّماءُ أجمل والدُنيا مِرآةٌ عميقةٌ تعكس أسرَار الزرقةِ وزرقة الأسرار.. عِندما …

أصواتٌ … بداخلِ الصَّمت
حسن حصاري / المغرب

كثيرا ما أضِيع … وأنا أفكرُ في الكِتابةِ اليك، وسَط سُطورٍ لمْ أكتُبها بَعد. أدركُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *