علي كاظم داود : المخيال الشعبي والمدينة الثالثة وإدانة الأخطاء الاجتماعية في رواية السيد أصغر أكبر

الخطأ الكلامي ليس مجرد خطأ بحق الكلام نفسه،
إنما هو خطيئة بحق النفوس
أفلاطون
رغم ان له سابقاً رواية عنوانها “مكنسة الجنة”.. الا أن “السيد أصغر أكبر” الصادرة عن دار التنوير أواخر 2011 هي الرواية الأولى التي أقرؤها للروائي العراقي الشاب مرتضى كَزار. وقد قرأت عنها قبل ذلك كلمات إعجاب واندهاش لما تضمنته من مغايرة وعوالم سردية فيها من الغرابة والمفارقة والتجديد الشيء الكثير.
غرابة الأسماء
أول ما يثير في هذه الرواية عنوانها الذي تعمد اجتذاب القارئ من خلال ابتكاره وغرابته. الرجل صاحب الوجه غزير الملامح، “السيد أصغر أكبر” هو شخصيتها المركزية، وتلتف حولها أحداث الرواية. غرابة الاسم ستنسحب على معظم أسماء شخصيات الرواية، حيث ستجدها مستلة من أعماق الثقافة الشعبية العراقية، أو من أعماق خيال الكاتب ليحاكي الواقع الذي عاشته الأسماء العراقية حتى وقت قريب، حيث كانت التسمية فعل اعتباطي في الغالب يطلق على المولود بالمصادفة أحيانا. واحياناً تبتغي منه الذهنية المعبأة بالخرافة دفع الشرور وعيون الحساد مستعينة بما يختزله الاسم من حمولات مقززة أو منفرة أو تصغير أو تحقير. بخلاف الأسماء الجميلة التي يعتقدون أنها ستجر الويلات والمآسي على من يحملها. هو غوص إذن في عمق الظاهرة الاجتماعية عمدت له الرواية، وهو ما أضفى عليها روحاً متأصلة في التراث العراقي وأكّد هويتها وانتماءها. لكن هذا الانتماء لم يحبسها في هذه الأجواء فقط، بل فتح لها مديات التعامل مع المشترك الإنساني، منطلقة من تلك الخصوصية.
السرد بالحروف المقلوبة
تبدأ الرواية من نهاية الحكاية. حكاية السيد الغريب الذي وصل إلى المدينة الخيالية على سفينة مفقودة عبر بحرٍ جفّ منذ أزمانٍ غابرة. الساردات الثلاث حفيدات السيد اصغر اكبر هن من يأخذن بيد القارئ عبر فضاءات الرواية. تقنية السرد التي تتخذها الحفيدات (معينة ونظمة وواحدية) هي طريقة مبتكرة ومدهشة في نفس الوقت، حيث يسردن تاريخ الجد عبر رصف حروف ماكنة الطباعة القديمة لتشكل كل لوحة منها (صينية بحسب لغة الرواية) صفحة من صفحات رواية مرتضى كَزار. طريقة السرد هذه تدخل أحياناً في سير أحداث الرواية، فتتحول ـ مثلاً ـ أصوات رصف مكعبات الرصاص الشديدة إلى عواصف بحرية وأصوات كابوسية هائجة تهاجم كابتناً أبحر عائداً وحده في ظلام ذلك البحر الصغير.
حيوات الرواية تبدأ من السرداب دائماً لتنفتح على العالم والمدينة وشخصيات الرواية وسيرهم. وبكل ما يختزله السرداب من دلالات يختلط فيها الظلام بالغموض بالسحر والشعوذة وبالعزلة والحزن ، يتحول إلى مكان يضج بالمشاهد والمواقف والحوارات الفكاهية والساخرة بين صاحبات ضمير الـ (نحن) راويات سيرة نسابة الخيول الذي تحول في مفارقة عجيبة إلى نسابة للبشر من كل الانحاء. لا يكتب اشجارهم إلى اجدادهم الغابرين فقط ، بل يكشف عن اسرار ذراريهم الذين سيولدون بعد عقود أو ربما قرون لا احد يمكنه القطع بانها ستأتي!

لغة غزيرة
لغة السيد اصغر اكبر لها طابع خاص فهي رغم البساطة والسلاسة التي تصبغها، وتوظيفها للدارج والعامي العراقي والتسميات المنقرضة، الا انها لغة غزيرة وموحية، تنطلق من البساطة والسهولة إلى عمق اللحظة السردية. هذه الرواية قامت بمحاكاة الشعبي دون السقوط في فخ الإسفاف أو الهبوط، وهذه ـ حسب ما أرى ـ من أهم مميزاتها.
ورغم اني كنت احدث نفسي وانا اقرأ بعض الفقرات في الرواية: ماذا لو كتبت هذه الفقرة بطريقة أخرى؟ الا انها على كل حال رواية متميزة جداً، بل تبلغ احياناً حد الادهاش ، لما تخلقه من عوالم غرائبية، خيالية في حقيقتها، لكنها تلامس الواقع من بعض جوانبه.

تقنيات سرد متعددة
مستويات السرد في الرواية متعددة ، فسارد يحكي عن سارد، وبطرق وطبقات مختلفة. وقد استفادت الرواية من تقنيات سرد مختلفة، كما انها وظفت الوصف بشكل ناجح ومغاير يتناسب مع غرائبيات الوقائع فيها، فضلاً عن الحوار الذي كشف عن مفاصل مهمة، وتفاصيل مضافة عن مكنونات الشخصيات على ألسنتها.

المدينة الثالثة
المدينة الخيالية التي صنعتها رواية السيد أصغر أكبر اسمها (النجف). ورغم انها تضم ضريحاً أيضاً ومقبرة وجبلاً اسمه الحويش وبحراً قد ابتلعه الجفاف… الا انها مدينة خيالية في اغلب ابعادها. لذلك أرى ان من الخطأ اعتبار ان مكان الرواية هو مدينة النجف الحقيقية. صحيح ان الرواية اخذت أغلب اجوائها وفضاءاتها الحكائية من تلك المدينة، لكنها انطلقت من تلك الاجواء لإنتاج مدينتها الأثيرة، ونهضت بمهمة سرد تاريخها الخيالي والغرائبي. لقد امتزجت عند مرتضى كَزار خصائص المدن وتواريخها، بالذات البصرة، مدينته الشاطئية الأثيرة، بالنجف المسرود لها، فكانت لدينا مدينة ثالثة كما هي بصرياثا وماكوندو وغيرهما.
ما يؤكد ذلك أن تاريخ النجف يختلط في أغلب صفحات الرواية بمكان خيالي تماماً، قد يكون جزيرة ، تحيط بها اليابسة، أو شبه جزيرة أو مدينة أو قرية، تحمل اسم السفينة التي اقلت السيد أصغر اكبر في رحلته الاخيرة، وقد بنيت على بقاياها. بغلة عباس والتي تروي الشقيقات انها في بحر النجف، ويدور فيها قسم كبير من احداث الرواية، تختفي في احيان كثيرة فلا يعرفها أو لا يهتدي لمكانها احد.
رواية استثنائية
مع السيد أصغر أكبر نحن أمام رواية استثنائية حقاً، فعلى مستوى الشخصيات مثلا لا تجد الا الشخصيات الغرائبية التي يحكي واقعها عن خيال روائي خصب أمكنه إنتاج هذا العدد من الشخصيات الحافلة بالمفاجآت .. بل حتى الحيوانات التي مرّت عبر صفحات الرواية يبتعد سلوكها عن مقاييس السلوك الطبيعي. فالقبّرات بكماء، أبداً، على مدى الرواية لا يُسمع صوتها أبداً. والأسد يدخل المدينة ليتوسل وليسجد شاكياً معضلة ألمّت بعشيرة من السباع. والدكتور شنيار ، ذلك البوم المعمر، الذي يسكن ميزاباً في المنزل، ينسج الاشجار المستقبلية ايضاً عبر رصف مكعبات الحروف المقلوبة. بل حتى الجبل ما هو الا سيدة تغزل الصوف وتثني ساقيها وتغير جلستها كل مئة عام.
في الرواية، أيضاً، يمكن أن تنقل جثث الموتى بعد أن أُودعت في الأرض مدة طويلة، ربما عشرات السنين، دون أن تأكلها. في هذه الحادثة المميزة بالذات يمكن الحديث مليّاً، فهي وان كانت أمراً متداولاً ونسمع به كثيراً، ففي الأوقات العصيبة تدفن الجثث على أمل نقلها وقت الانفراج، وعندما يحين الوقت تُستخرج كما لو أن الحياة فارقتها البارحة. يستثمر الروائي هذه الظاهرة بشكل ملفت ليحولها إلى واقع سحري، حيث يحكي قصة انتقال الجثث من الهند وعبر محطات متعددة نحو مستقرها الاخير في مقبرة وادي السلام، جرى خلالها تأمينها في الأرض في كل محطة آخرها رمال سواحل الخليج.

نهاية غير متوقعة
في الصفحة 180 تنتهي “السيد أصغر أكبر” برواية الحروف المقلوبة التي ترصفها الحفيدات، والتي تمثل الجزء الأعظم من الرواية ذات المئتي صفحة. تبدأ بعدها حكاية الجنرال باشيرو، الضابط في القوات التي دخلت العراق عام 2003، والذي يتضح انه كان سارداً هو الآخر لكل تلك الصفحات التي مرت، عبر رسائل كتبها لصديقه في موطنه. يأتي باشيرو على ذكر الأخطاء الطباعية التي وقعت فيها الحفيدات ، والتي تحولت إلى وحوش خرافية استبسلت في قتل الابرياء، وعاثت في ليل المدينة. وفي هذا المقطع دلالات اجتماعية عميقة عن كون المفسدين والمجرمين ما هم الا أخطاء تاريخية أو طباعية يمتلكون ـ في غفلة ما ـ سطوة تمكنهم من تحويل عقد النقص عندهم إلى غريزة انتقام وبطش. ما يكشف للقارئ ان في الرواية إدانة للأخطاء التي صارت نسقاً قامعاً في المجتمع. ربما يمكن تلخيص تلك الفكرة بالكلّية الآتية: المآسي والمشاكل التي تعيشها وتعاني منها بعض الشعوب تكون في الغالب ناتجة عن أخطاء اجتماعية ارتكبتها تلك الشعوب، أو بعض أفرادها، لكن لم يقم أحد بتداركها وتصحيحها.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.