فاديا الخشن* : خاطف الشعر إلى المناطق الخطرة ؛ أسعد الجبوري شاعر روح اللغة

إشارة : تحتفي أسرة موقع الناقد العراقي بالشاعر العراقي المبدع “اسعد الجبوري” الذي طبع بصمته المميزة والباهرة على جسد الشعرية العراقية ، ومازال وبمثابرة عزوم يغذ الخطى على طريق العذاب الآسر هذا .. فتحية له .

* شاعرة من لينان

((من الجسد الطويلِ ، الشهواتُ الطويلةُ. وما بينهما مشرحةُ الأمطار والنيران والروايات .
وقال لي صاحبي في الوراثة: قد يصبح الورق ميكرفون الرعد بعد مرور العاصفة . وكل امرأة لا يمسسها برقٌ ،تكون طيناً سلفياً ،لفخار التوحش في التخوت المليئة بالمستحثات . الربّ يعلمُ كم من المرافئ في فم الغريق ، وهو من سيثبطُ نمور الكلمات الهائجة ، كي تخلدَ الجنةُ في الحاوية التقريبية للروح.نحن أكاليلُ شعراء، يتأرجحون بسجونهم تارةً .. وليومٍ آخر في زهرة الأوكسجين ، لا تتلوث صفاتهم بحطب الكؤوس. هم أيضاً هناك مع بقايانا العُزل.. يهدمون تماثيلَ الجسدِ . تهيئةً للصيد في الآبار السحيقة ، حيث تطفو الأعيرةُ النارية فوق المخيلة دون تهميش لفتنةٍ أو سحقٍ لصور الملائكة . هل سنقفُ لمحاكاة اللغة. هل مدفأةٌ واحدةٌ تكفي ، لاستخراج الحليب من سرير الفاتنة. الآن الاعتقاد بأنفلونزا الفصول، شهواتٌ بلا حدود. عيدانُ الكبريت متوترة. الظلام غير برئ. وكل الكؤوس غارقة بدم الأوبرا)).
ماذا يوحى لنا  ونحن نمر بهذا المقطع من كتاب((على وشك الإسبرين)) للشاعر العربي العراقي الدنمركي أسعد الجبوري الذي صدر مؤخراُ عن دار الينابيع في دمشق؟
قد لا يستطيع أحد منا التحكم بهول التداعيات التي تخلفها القراءة الأولى للنص.فالكتاب قنابل موقوتة دون نهاية.والشاعر يجرب.يلعب باللغة كدمية من المطاط.يمطها كما يشاء تخيلاً ،ويشكلها أشكالاً بما فوق السريالية التي تربت الذاكرة العربية عليها ردحاً طويلاً من الزمن.أي منذ ظهور السريالية الأولى على يد بريتون وشياطين حركته الشعرية.
وكان يعتقد القاموس ربّةً
لا ترث غير الجمال .
آخرٌ يراهُ ربّاً فقط،
لتسقيف الرأس بعظام الخرافات.
وقضبان الأسماء النّكرة.
المؤلفُ البرّي لا يسالُ،
انه بلا قراء بلا مطابع بلا شاشات
للتنقيب والبحث .
عادةً ما  يستخرجُ من نفسه ديناميتاً،
لقتل ثعابينه دون نجاح.
لذا يبحث في نصوص الانتظار عن قطعانه التائهة فيما وراء النفس.يتعطر منها ماضياً في فكرته.المراوحُ تثرثر .. هناك سيناريو الصحراء . هناك خيولٌ تنتحبُ.. لا فراش للنوم . لا مهدئات للقرون الغابرة ، وهي تهربُ من بين شقوق ملابسنا المغسولة بخافض الحرارة.
كتاب ((على وشك الإسبرين))الشعري ،يُعد بالدرجة الأولى ،فيضاً لغوياً صاخباً ،لا بالمعنى المجازي المتعلق بحركة الإشارات النابعة من احتكاك المفردات في متاهات النصوص، بل لأنه كتابٌ كاشفٌ لأسرار البواطن وكائناتها الشعرية،بحجم بلاغي فلسفي هدّام لنصوص الأسلاف ،وذلك عندما تحضر لغةٌ بروح أكثر من معاصرة وأعمق بعداً مما نجد لدى الشعراء الأحياء.فأسعد معلم الانقلابات.وهو اللا مدرس واللا مدرسة بحد ذاته.هو شاعر  اختار عدم  الاستقرار لا تحت سقف سريالية جديدة ولا قديمة،كأنه تحرر من الأنظمة المدرسية ،وراح يشتغل ضمن خصوصيته التي لم يجرؤ عليها أحد  ممن يؤلفون في عالم الشعر. فأسعد الجبوري ينحت صوره الكونية بوعي مباغت فتفور به الكلمات طيراناً لتستقر ما وراء  الكتابات المعمول بأنظمتها عمودية كانت أو حرة ،ووصولاً لقصيدة النثر التي أسس لها الجبوري عوالم تنحى صوب الفرادة  والاختلاف الجذري عما يكتب فيها الآخرون .فهو صاحب جملة لعوب قل نظيرها  عن الماغوط أو إنسي الحاج أو أدونيس أو سركون بولص أو الجيل الجديد الذي أعقب جيل الرواد ،سواء في الفضاء المغاربي أو الشرق أوسطي أو العربي عموماً.فالجملة عند اسعد قد تبلغ مديات من العمق والتشيؤ وعدم السكون تحت تأثير النقاط.ولقد بلغت الجرأة بالشاعر في كتاب ((على وشك الإسبرين)) أن يدخل نصوصه في سيناريوهات تستكشف بأسئلتها كل ما يشتبك في الداخل الإنساني من حوادث وارتطامات سيكولوجية،ومن دون أن يمنح القارئ غير إجابات تهكمية تغوص في أبعاد فلسفية .
_س/من أنتَ أيها الغصنُ الهادئ على المنضدة؟
_ج/أنا الهايكو . وأعمل في صالون حلاقة الطبيعة.
_س/متلبسٌ بالبرد. أليست؟
_ج/لقد باعت الذئابُ ثيابي للغات . ولذتُ ساكتاً.
_س/هل أنت حيوانٌ ذكرٌ؟
_ج/أنا قربانٌ مشوشٌ ليس إلا . وفقط.
_س/يا لك من مخلوق مُكتمل بدمه الأخضر !
_ج/لذلك يشربني حكمائي بغطرسة دون خوف.
_س/وشعوبكَ الآن أين ؟
_ج/في مقاطعات بوذا الثمل بشرائح سوني
وميتسوبيشي وأخواتها الإليكترونيات.
س/هايكو. كم أنتَ فأرة؟
ج/ولكنني لم أكل يدَ أحدٍ!!

لقد افترق أسعد الجبوري كشاعر عراقي عن مجمل جيوش شعراء بلاده أو عن سواهم من الشعراء العرب،بقي متحصناً في قلاعه التخيلية دون نكوص أو معاناة أو ندم.كيف لا ..وهو الشاعر الذي لا مدرس تجمعه بأحد ولا يؤسس لنص إلا ليهدمه في اللحظة التالية، تجاوزاُ وخلقاً لنص آخر سرعان ما يجد القارئ نفسه فيه أشبه بنبتة تعاني من ألم الريح في عراء كوني !
لنأخذ مثالاً :
((الرأسُ المترو.
العقلُ المكسورُ.
والكلماتُ تركبُ الأشباحَ ،
بانتظار حبرها الخارج من الحانة
بمعية فتيات الأرجوان .
هكذا المرأةُ التاريخية قالت،
وهي تعبر  جسدها الضليعَ في قناة
الموبقات.
وكانت معها غرفتها تضحكُ باللمسّ،
رفضاً للتجمد في غير الفتنة.
الشيء ذاته حدث في النفس .
عندما ذبلت المنارةُ في زاوية التقويم.
وكنتُ أنا في النعاس منادياً :
الهجرة يا ناسُ راديو العارف.
راديو صوته يرى.
يتلمسُ ويتناكحُ.
يتقدمُ في الشجرة من الجذر
حتى النخاع.
وكان أحدهم مثله ينادي على الأقوام
في شرائح الكومبيوتر:
سيكون الأملُ فاكهةً صغيرة السنّ ،
تعرفُ مغادرةَ تختها في الجينات.
مرة أخرى:
هل الكلماتُ مقاعدٌ..
ومنها العاصفة على سطح العقل ،
لتجريف المؤرخِ العميقِ للأساطير  ؟
ونفعل ..
ماذا ..
نحن ..
سوى عشاق.
وستذهب بهم السيرُ الذاتيةُ للتجدد
في النيران .))
عند الشاعر الجبوري ..تحدث مختلف الصدمات والمصادمات،تارة ما بين العقل وأدواته الداخلية ضمن شبكات المخ نفسه، وتارة أخرى ما بين اللغة ومخلوقاتها المنتجة للوعي على تراب متاهة عارمة ،عادة ما تجعل النص في بؤرة السحر.
((
أحدٌ ما . سرق ساعتي ، تاركاً زمني مع جنيّات الليل دون مأوى . وزمزمُ من أعالي الربّ .ترمي الأساطيلَ على الوجه ، مُلوحةً لي بباقة طوفان ، لا تكن أرضاً يا بنيّ . إياك من المحاريث والعجلات والأحذية والأفاعي. هكذا كانت تقول بحرص. وتتركُ أصابعها تندفعُ ، لاستنشاق الانفجارات في فراغي. كم لأمي من الأرواح في بيضة الرخِ الفوارّة بالنحيب . في نقطة الدمع حينما لا تقبل التنقيح . في الصفصاف ، وهو يخرجُ من الجسد لملاقاة البرق على القارعة . في القرآن ، حينما يكون بارجة ، في البحار عندما نراها في الصحون على هامش الكون. في الأفران الملتهبة ، عندما يتكسر الأبناءُ كالأيام اليابسة تباعاً . في محاكم التفتيش ، حين تحاكي المشانقُ الحرياتَ داخل الأرحام الشبيه بالفنادق. يا إلهي . أحدٌ ما سرق أمي ، مستبدلاً إياها بأدوات القلق الثري)).
كل مفردة في كتابات الشاعر أسعد الجبوري تبني خصوصياتها بدقة متناهية.فهو شاعر لا يستسلم لإرادة اللغة ولا إلى منابعها الأولى.ربما لأنه يؤمن بشيء من إعادة تكوين لغة خاصة به ،وتتمرد على لغات الجوار نفسياً وبلاغياً وفقهياً وجمالياً.أسعد الشاعر ،هو أسعد البناء اللغوي الذي يمكنه السيطرة على أوسع المساحات اللغوية المبهرة في الشعر.
لننظر بدقة إلى هذه الجمل من كتاب ((على وشك الإسبرين)) ونراقب مصادر المخيلة المهيمنة على الجمل وكيف تتكون تربتها في وعي المتلقي:
سنأخذ جملاً متفرقةً لا على التعيين لنبرز قوة التخيل الشعري عند أسعد:

1-كانت الشموسُ مستلقية معنا في المنامة
2- أتذكر نهديها . مضختين على أوتوستراد الربيع
3-العالمُ كله يكتبُ  الآن مسّودةَ نصرنا في الهباء الإلهي.
4-وكان يمكن التسوّل على باب الأفخاذ برفقة الكمنجة أيضاً.
5-الوقتُ تفاحةٌ ..كأنها متفحمةٌ على طاولة التاريخ الغرامي
6-ما معنى أن يكون المرءُ قطاراً راديكالياً ؟
7-ما الذي ستفعله بلحيتك الزرقاء أيها النيل الحزين؟
8-التاريخُ بملابسه المستعملة
كانت الرسائل أبواباً .. وكان العشاقُ فاكهةً دون هوامش-9
الأرواحُ أسرةٌ بلا نوم-10

لا نصل إلى بعد واحد في كل جملة من شعر اسعد الجبوري.الشاعر يتشظى ويطيرُ دون أن يستقر في معنى واحد محدد بعينه،لأنه يفتح بوابات اللغة كاملة،ويهيمُ مع نيرانه دون تردد أو خشية من فخ أو هاوية أو  فشل .فاستعمالات أسعد للغة وبهذه الطرائق والأساليب الصاخبة المفتوحة على كل الاحتمالات ،جعلتها في مصافي اللغات القادرة على تحمل أعباء الخيال،وبقدرات نادرة.ومن هنا يمكن القول :بأن تفجير اللغة العربية بمخيلة مثل مخيلة اسعد الجبوري ،وسعت من مساحات اللغة العربية ذاتها جمالياً ،وكثفت قدرتها على النمو وبإشراق أكثر فاعلية ،بعيداً عن حالات الموات والنظرات الضيقة التي تتعامل مع اللغة كحيوان على وشك الانقراض ،سواء من خلال الدافع الإيديولوجي- البيولوجي المشترك  أو عبر الهاجس القبلي الموسوم بذرائع حماية اللغة من التغريب والاستغراب بمنشار الحداثة!!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.