حسن حافظ : اين هو وجع مالك ؟

الروائي حميد الربيعي

يقول الراوي ( حميد الربيعي ) على لسان البطلة في روايته التي تحمل العنوان الموسوم ( تعالى … وجعُ مالك !!) : ثمةُ خجل حقيقي يغلف المشاعر ، أنا المداوية ، وبلسم الجرح المفتوح ..) وهكذا يأخذنا الكاتب الربيعي ، وعلى لسان الراوية ، التي تذهب بعيداً في إيغالها الحسّي ، بأكثر مما هو مألوف في أدبنا الروائي . حيث يمكن اعتبار إسلوب الكاتب يمكن أن يقترب من ( تولستوي) بيدَ أنه في أحاسيسه نلمحهُ، يقترب كثيرا من الكاتب الانكليزي ( دي .أج . لورنس ) في روايته ( عشيق الليدي جارتلي ) علما ً بان الكاتب يمتلك لغة شفافة ومُعبّرة ، بل ومُبهرة في الإثارة ..! وإنْ كان ينقصها الالتزام بقواعد اللغة أحياناً .. وأقولها صراحة : لقد تسنّى لي الاطلاع على اكثر الكتب المعروفة ، قديمها وحديثها ، التي تتناول موضوعة الجنس والعاطفة ! مثل الف ليلة وليلة ، ورجوع الشيخ الى صباه ، وكتاب العالم الاغريقي ( اوفيد ) عن الحب ، والعالم الهولندي ( فان ديفلد) عن الجنس ، وحتى عند الكاتب الايطالي ( البرتو مورافيا ) وهو يتحدث في روايته عن ( الشذوذ!) وغيرهم  من العرب الذين يتحدثون عن الحب العفيف ، مثل ( طوق الحمام ) فلم اجد افصح في التعبير الحسي والجسدي ، كما رأيته عند الكاتب حميد الربيعي ، بل قد تعجز أية كاتبة ( انثى!) ان تعبر عن تلك الاحاسيس والارهاصات الحسيّة ، كما عبر عنها الكاتب بلسان البطلة ! وبمثل تلك اللغة ( المكشوفة !) لذا ارجو ان تفتح اذنيك لتسمع منها حكاية تلك المرأة وهي تروي أحاسيسها ، وما خفي كان أكثر!( صعدَ بي من الارض درجة فدرجة ..إرتقى بي نحو سلّم النشوة والانشراح .. هي لحظات لامست أنفاسه أنفاسي ، وزفراته زفراتي ، ضغط برفق على يدي وضمّني .. زرعتَ في داخلي الجحيم ثم إتقد .. ) وفي موقع آخر يقول ( تراخت القدمان .. أذابتهما حلاوة الهمس واللمس ، فإستجاب الجسد ، فتهالك ! سحبت القدمان لتتجه الى اقرب أريكة ، فلم تعد تقوى على الوقوف .. توقفت عندها دورة الحياة ، كأنْ لاحياةً فيّ، الا نشوة تصطبغ بها الوجنتان ، وتزهو ببريقها العينان ..! ) خصوصا ان تلك المرأة كانت قروية وهي تعترف ( أنا القروية التي باعت كل شيء هذه الليلة ..! ) فمن هو هذا الكاتب ؟ وكيف ينظر الى احداث روايته ( تعالى وجدُ مالك ٍ !) ولهذا توجهت اليه ، علّه يتمكن ان يجلي لنا بعضا من هذه التساؤلات التي تدور في خواطر الكثيرين من قراء تلك الرواية ..
* بماذا ستفسر هذه النصوص ( لقد رأى في عيني شبقاً يعادل قصصا وصوامع ورياح وأمطار .. ) وكيف تنظر اليها ؟
– اخذت مني هذه السطور 27 يوما ، وقد قمتُ ب 19 محاولة في كتابتها ، مع ان الرواية قد اقتطعت من وقتي شهران ونصف لا أكثر .. بغية نقل جو هذا الحدث ، فهو عندي اشبه بمقطع موسيقي ، للانتقال من حالة او من جو الى آخر ، إلا أنها إستغرقت مني وقتا وجهدا كبيرين .. فقد استمر الراوي يتحدث بزمن الحاضر ، وبنفس المكان ، لذا لايمكنني ان الجأ الى عملية التغيير الموسيقي الا بتغيير الايقاع Rhyme لنقل الحدث من حالة الى اخرى .. اما النقطة الثانية ، فبعد هذين السطرين ، في الجولة الاولى رأيته فاتحًا ، وفي الثاني غازياً…ففي التراث القديم، ولدى الإيغال في التاريخ الاسلامي ، نجد هناك في المنطقة المحصورة بين صحراء طبرق وبين تونس الخضراء ، والتي كانت تسمى ( سقط المتاع ) حيث كان ينفى المغضوب عليهم من الناس ، لذلك نظرت الفتاة الراوية الى الممارسة الجنسية ، وكأنها إثارة لكل الغزوات والفتوحات العربية بما تثيره من اشجان ..!
*  يأتي تقسيمك للفصول والابواب ايضا ، ليختلف عما درج عليه الروائيون ، فبماذا تفسر ذلك ؟
– نحن امام طريقة جديدة في السرد ، اذ عادة ما تأتي طريقة السرد من خلال اللاواعي الذي يمتلكه المبدع ، وعليه فان تقنية الرواية كانت تتطلب ان يمسك الكاتب بوشائج العلاقات الاجتماعية ، لهذا فقد جاءالتبويب على اساس تطور الحدث ، وليس عن طريق التعاقب الزمني ، بإعتبار ان العلاقات الاجتماية هي التي تحدد مصائر الافراد ، فمرة يكون السرد بضمير المتكلم الحاضر ( الأنا) ومرة يكون من خلال ومضات الماضي Flash Back  لكنني ونتيجة للبعد الزمني في رواية الاحداث ، الأمرالذي جعلني ألجأ الى طريقة التبويب ، عن طريق مجموعة هي أربع من الحكايات الغرائبية ، لذلك فقد وجدتُ السرد فيها يأخذ في الإيغال عن طريقين هما : اما البعد الزمني ، وإما في البعد المكاني ..! مع ان الشخوص واقعيون وحقيقيون ، وبمعنى آخر ، هي محاولة لإعادة قراءة التاريخ او المكان ..!
* يحمل عنوان روايتك ، مواجع ومواجد مالك ، فأينَ هو الربط ؟ وأينَ هو مالك من الرواية ؟
– طوال فصول الرواية او الحدث الدرامي ، كان من بعض اسسه هو الوجع ، سواء أكان هذا الوجع ذاتي أمْ عام ! وعلى المستوى الفردي ، فإنّ وجعه نابع اولاً من غربته ، وثانياً من الإحتكاك الاجتماعي مع الاخرين ..أما على المستوى العام ، فان الرواية تؤشر بشكل ضمني الى معظم المحطات الرئيسة في الحياة العراقية  ، مثال ذلك سقوط الصنم في ساحة الفردوس ، او تفجير المراقد في سامراء ، ممّا يعني بالضرورة ان الحياة الشخصية للبطل ترتبط بالحدث العام ، فما أكثر الاوجاع العراقية …!
* كان يمكن للكاتب ان يعبّر عن هذه المشاعر بلغة انسانية اخرى ، غير تلك اللغة التي يغلب عليها الطابع الحسي ..!
– انا اعتقد ان عملية الخلق والابداع تهدف في الاساس ، العمل على خلق الصور الأكثر جمالية ، وهذا هو الذي يجعل العمل ابداعياً ، على أن يبقى في إطار الحدث المروّي ، وبمعنى آخر يتعين على الكاتب أن لايمتد في كل الصراعات التي يعاني منها المجتمع ، فهذا من اختصاص رجال السياسة والفكر ، اما المجتمع فهو الذي يخلق صورة معينة ، مصغرة او مكبرة ، قريبة ام بعيدة ، لهذا الواقع ليطرحها ضمن اسس السرد الروائي ..
* حينما عادَ مالك الى القورنة في البصرة ، لم يجد سوى هذا الفرح المُبتسر ..!
– انت تضع يدك على اعمق جروح مالك ، وأنتَ ايضاً تضع يدك على اعمق جروح العراق الان ، وذلك ان مالكاً بعودته كان يأملُ ان يحتضنه هذا المجتمع البصري ، بإعتباره ابن هذه المنطقة ، في كل تشعباتها الحياتية والاسرية والمكانية .. الا ان واقع الحال كان غير ذلك ، ممّا أثر في نمطية السلوك للبطل ، فإضطر وبسبب تكوينه الفكري ، الى اعادة تغيير صيرورة المجتمع وفقاً لمجموعة من المفاهيم التي طرحها في فصول الرواية المتقدمة على اساس الرجوع الى الجذور الاولى للتكوين البشري ، إعتماداً على اساطير المنطقة ومعتقداتها …!
* هل كان البطل يحملُ أفكاراً صوفية ؟ وهل هي في نظر الكاتب يمكن ان تكون علاجا لواقعنا الحالي المتردي ؟
– في سلوكه اليومي ثمة اكثر من مؤشر لتبنيه مثل هذه الاطروحة ! لكنها لاتشكل وعياً ثقافياً ليقود في مجمله الحدث  ، أي بمعنى ان ( صوفيته) كانت نابعة من مجموعة القيم الاجتماعية في أن

تكون سلوكاً ، لكن وعيه المعرفي ، يعود الى الصور الاولى لخلق الانسان ، وإعادة تركيبه ، وتجد مثل هذا المؤشر بشكل واضح وجلي في الفصل الثالث ..
*  ألا ترى ان العنوان ، يمثل خرقاً للنظام ( التابوي Taboo )؟؟
– هو ليس خرقاً ، بل هي محاولة مني لكسر مثل هكذا ( تابوات) عشعشت في حياتنا ولفترة طويلة ، دون ان يجرأ احد على تناولها بشكل صحيح وواضح ، بإعتبار ان الابداع هو : خلقُ لما هو غير مألوف ..! وهو ايضا يمثل جدلية الحياة في النقد واستعمال العقل لما يتراءى في الحياة العامة ..ان كسر ( التابوات) بسبب ظروفنا الاجتماعية والسياسية ، اصبح معادلة حياتية وهي ايضا صارت جزءاً من الفكر التنويري ، لإعادة صياغة الحياة بشكل افضل وأكثر جمالية .. ذلك ان التغييب المتعمد للعقل ، هو الذي دفع بنا الى هذه المواجع الكثيرة في تاريخنا العربي وبالذات في العراق .
* كيف تعرف : حميد الربيعي ؟
– أنا مشروع إبداعي مغترب عن هذا الواقع بكل نقائضه ، ومتطلعاً نحو مجتمع متحضر ومتمدن ، ليأخذ بركاب الحضارة ، فإذا لم تستطع المؤسسات الثقافية استثمار مثل هكذا مشروع ، فالذنب يقع بالنتيجة على التخلف الاجتماعي والسياسي السائد حاليا ً ..

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (2)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

علي عبد العال وأسطورة المارد الحكيم
اجرى الحوار: د. توفيق التونجي

(وجدت في الاستمرار بالكتابة والاهتمام الجاد بمعاناة العراقيين المنفيين بشتى أصنافهم ومذاهبهم وانتماؤهم الفكري هي …

الروائي العراقي حميد الربيعي: مصيبة الكاتب العربي أنه يتحرك في حقول ألغام مازالت فعالة
حاوره: مروان ياسين الدليمي (ملف/4)

بنية الخطاب السردي في العمل الروائي تتعامل في تقنياتها بمستويات مختلفة في الممارسة الدالة الإنتاجية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *