سلام ابراهيم : الإرسي (3)

إشارة : تقوم أسرة موقع الناقد العراقي بنشر رواية القاص والروائي العراقي “سلام ابراهيم” : “الإرسي” على حلقات .. تعقبها مجموعة من الدراسات والمقالات التي نشرت عنها بعد “إرسي الخراب العراقي” الدراسة الطويلة التي نشرتها للناقد “حسين سرمك حسن” عنها ، والملاحظات التي وصلتها من القراء الكرام بصدد عدم اطلاعهم على نص الرواية . وستكون“الإرسي” مفتتحا لنهج جديد تتبعه أسرة الموقع مع الروايات العراقية المهمة ..   

نافذة المساء
أصبحتُ وحيداً، غريباً. أكاد أفتقد توازني الهـش، وأدخل مساحات الجنون.
– ما جنيته من ذنبٍ يا ربي؟
أسأل نفسي كل لحظة هذا السؤال. وبعد أن أقلب تجربة عمري أجدني، أكثر من بائس، أبأس من مسكين وكنتِ المسافة الوحيدة التي أنارت ليل أيامي الدامس.
يومي هباء، وأوقاتي خواء.
مع اقتراب الخميس، يتحول شعور اللاجدوى، إلى انشغال جدي، يجعلني أمعن في احتقار نفسي، وما حولي من بشرٍ وموجودات، فابتداءً من المساء سأمكثُ متحجراً على فراشي في الإرسي. أُقبَر حتى مساء الجمعة، موعد مغادرة بنت عمتي وزوجها وطفلهم، الذين يزورون عمتي مرتين في الشهر قادمين من ناحية بعيدة تابعة لمحافظة ديالى. سينامان في الباحة تحت برجي تماماً. المسافة بين فراشهما وموقعي لا تزيد على ستة أمتار. زوجها ـ مدير ناحية ـ ومسئول حزبي. ستة أمتار تفصلني عن بوابة جهنم. ستة لا غير. سأستعين بروح الحجر القديم كي أعبر ساعات الليل، وبالتحديد ساعات نومهم. ستة أمتار وعشر ساعات ألبس فيها ثوب الحجر وكيانه، ممنوعاً من السعال والعطاس، الشخير وأي صوت. سأحبس أنفاسي. سأختنق برائحة البراز الذي ألفه بأكياسٍ من النايلون أكورها جوار العتبة. سأتوخم في الحر والباب مغلق. ستزكمني رائحة البول الذي أفرغه في قناني عريضة الأعناق. سأضطر إلى التقليل من شرب الماء. سيجف حلقي عندما يصدر مني صوت ما مسموع. سأتجمد مرات وأطل من الكوة كي أعرف رد الفعل، لينبسط مشهد مساء الباحة تحت ناظري، أحتدم غيظاً والرجل يجلس على كرسيٍ وثير حملته عمتي من غرفة الضيوف. يضع ساقاً فوق ساق، وأمامه على المنضدة العريضة أنواع المزات، صحون حمص مسلوق، باقلاء، سَلَطَات، شرائح لحمٍ مشوية، كرزات، فستق وبندق ولوز. يطلب من عمتي وضع شريط لأم كلثوم. يتمايل بجذعه الأعلى وهو يدندن بخفوت مع ـ فكروني ـ. يرتشف من كأسه، أحترق.. كم بحاجة أنا، إلى كأس خمرة، لكنها من قائمة الممنوعات الطويلة التي وضعتها مقابل إيوائي. ستظل عمتي تدور بين المطبخ والمنضدة، تغير صحون المزة التي تفرغ. تحضّر العشاء. تنتهز لحظة عودتها من المطبخ حيث تكون خلف ظهره، لتختلس نظرةً خاطفة نحو الثقوب الأربعة. من المؤكد أن رعبها يفوق رعبي، وهي تتخيل لحظة عثوره علي، أو مجرد شكه بوجود رجل في بيتها. كانت أوقات إنصاته للأغاني أوقاتاً مريحة. أستطيع خلالها التنحنح، السعال الخفيف، البصاق، التبول، الضراط.. أفعل كل هذه التفاصيل الفسيولوجية وأم كلثوم توفر لي الغطاء. أفعلها بلذة ليس لها مثيل، فبعد ساعة أو ساعتين ستصبح مستحيلة وأنا أدخل طوري الحجري في المسافة الفاصلة بين منتصف الليل وقيام ضجة النهار. أشعر بالحيف، وصاحب الكرش المخمور، بوجهه المتورد، وبشرته المصقولة اللامعة، وقسماته الجميلة، وصوته الأنثوي الآمر وهو يطلب ما يعنْ له، يسترخي في الباحة، غارقاً في حنو عمتي.. أنهضم، وأحاول إيجاد الأعذار لها. هل تداريه خوفاً على ابنتها التي يضربها أحياناً ضرباً مبرحاً كما أخبَرتهُ يوماً قبل الحرب، أم أنها تبالغ في خدمته والعناية به، وافتعال الأحاديث طوال الوقت الذي يصمت فيه المسجل كي تلهيه وتحرف انتباهه عن موقعي؟!. أتجرد من الأسباب والنتائج، ويتألق في ضجيج المسجل والحديث، صمتها المضني حينما نكون وحدنا في البيت.. في الدنيا.
أين أنتِ في هذه اللحظة؟!.
أين يا حلوتي؟.
أجدني أخمن مكانك بعد ظهر كل خميس،
هل تذهبين مع أهلك لزيارة الأضرحة المقدسة في النجف وكربلاء؟.    تحضرني الآن كتلتك الملتهبة وأنا أحضنك من الخلف جوار شباك الضريح المذّهب عند اشتداد الزحمة. أشعر برجيف ظهرك المنتصب، ليونة قامتك المشدودة خلف العباءة. أهمس لك بموقع اللقاء. أدع الكتلة البشرية تفصلنا. تتملصين من العائلة، وفي طريقنا إلى الغرفة التي استأجرتها في الفندق، كما يفعل كل عشاق مدن الفرات الأوسط. يبتدئ اللمس، وأصابعي تندس من كم العباءة إلى ما تحتها، تصعد وتنزل على جنبك الساخن، على نهدك الرامح الصلب اللدن القريب. تغمضين عينيك، وترمقينني برغبة طافحة، يتقد جسدك، تكادين أن تهوي بين ذراعيّ خلف عامود رواق الفندق. أسحب ذراعي، تتماسكين وتعدلين وضع عباءتك. وفي الغرفة المعتمة القذرة نمتلك الدنيا كلها بسمائها وأرضها. نغور في تيه خدرٍ سنتذوق طعمه إلى أخر العمر.
هاأنذا ألملم شتاتي المبعثر في الأغبرة والعتمة. أرتكز على ذراعي ساحباً جسدي، أرخي ظهري إلى الجدار، ألبث متعاجزاً قبل أن أتمسك بالجدراين المتقابلين وأنهض. أخطو نحو الباب بقامة محنية تتفادى الاصطدام بالسقف، أهبط على السلالم الحجرية الضيقة المتآكلة الآجر، عند آخر درجة أنكسر في انحناء شديد. ألج من تحت منضدة مبردة الهواء. أعب أنفاساً عميقة من هواء الباحة الخالية في سكون العصر. أعبُ نافثاً الأغبرة المثقلة نَفَسي. أشعر بالباحة تتمايل، القبة الزجاجية تدور وتتكور متدحرجة، الحيطان تتباعد بغرفها وأبوابها ومشاكيها ونوافذها، والبلاط ينحدر تحت قدمي. أتمسك بمساند المنضدة دافعاً ظهري نحو الزاوية القائمة بين كتلة المبردة والحائط. قدماي شرعتا بالانزلاق على حافة أخر بلاطة مالت. تشبثتُ محملقاً في الانحدار المريع، بالقبة المتدحرجة نحو قاعه. لففت ذراعيّ حول مسند المبردة الخشبي المتين. التحمت بالخشب مطبقاً أجفاني. ضمختني رائحته، فوجدتني ألوذُ خلف أكداس الخشب بدكان أبي القديم، أستنشق رائحة نشارته المنتشرة من لوح خشب الصاج، التي ينشرها أبي بمنشارٍ يدوي. أختبئ ساعات منصتاً لضجيج الشارع، لصوت المنشار الوالغ بأحشاء الشجر الميت. أتتبع عروق الخشب في الظلال الكثيفة، العروق المشكلة في مساراتها المتشابكة وجوهاً بشرية، أشجاراً، أنهاراً، أقماراً، شموساً، كؤوساً، حراباً، سيوفاً، كائنات تضحك وأخرى متجهمة، وجوه حيوانات خرافية أراها حية تكشر في وجهي، فأهرع راكضاً من مخبئي، أدفن وجهي في قميص أبي، فيترك المنشار ويحضنني مردداً:
ـ اسم الله بويه.. اسم الله.
فتتغلغل السكينة إلى نفسي شاماً رائحة جسده المعروق الطيبة. أباعد أجفاني شاعراً بقدميّ تستقران على البلاط الصلب الراسخ. أنفصل عن تدوير المسند. كل شيء بمكانه، الجدران ساكنة والقبة معلقة فوقي، وفضة ظلال العصر، أشياء المشاكي المنحوتة. يصيبني هذا الدوار كلما نزلت من الأرسي. أرتد إلى حضن أبي طفلاً. أرتد إليه في محنتي. أراه وأشمه، أحضنه وأذوب على صدره هو الذي غادر الدنيا وأنا بين ثوار الجبل. أظل أحلم بزيارة قبره في النجف. أحلم.. كيف الخلاص من ورطة الحياة هذه ؟. أرمق صفحة السماء الظاهرة خلف قضبان سياج القبة. الغسق على وشك الهبوط. أحس بالوقت، وما أن أهبط من الإرسي الحالك حيث يكون الشعور بالزمن ضعيفاً أول الأمر، ثم يصير معدوماً مع طول المكوث، إذ يتكثف إلى عناصره الأولى الضوء والظلام دون تفاصيل وفوارق وتدرج. الوقت ضيق. يتوجب علي إعداد لوازم فترة التحجر والصمت قبل حلول المساء، قناني البول، الخبز، أكياس الغائط، ترموس الشاي، دورق ماء  وبن مطحون أمضغ مسحوقه الناعم المر كلما تأرجحت على حافة الغفوة. قبيل الصعود الأخير إلى كتلة الظلام المعلقة، أحاول تفريغ مثانتي وأمعائي، والأخيرة غالباً ما تتماسك منقبضةً بشدة، لتنبسط حال قدوم الزائرين، فأتلوى في الحلكة ريثما تستحكم الخمرة بالزوج ويتعالى صوت المسجل، عندها أفرشُ كيسي جوار البـاب. أتسابقُ مع المساء. أكوم أكياس عدتي على الدرجة الثانية من السلالم. أسحب جسدي المحشور بين ركائز حامل المبردة. أستدير مسرعاً نحو المدخل فالغرفة المطلة نوافذها على الزقاق. أصبح لقدمي دربة لصٍ محترفٍ، ولجسدي القدرة على الانحراف والاستقامة والانحناء والولوج من المنافذ الضيقة والواطئة دون تخديشٍ للصمت المطبق على الأمكنة التي أحلّ فيها. في الزاوية المنحرفة المعهودة ألوذ. أمدّ بصري خلل زجاج النافذة ومشبكها الصدئ المغبر، ملامساً أجساد المارة المطلية بلون العصر، الذاهبة والقادمة في الامتداد المؤدي إلى سوق المدينة. لإطلالة عصر الخميس مذاقٌ مختلفٌ، تشبه الإطلالة الأخيرة. أرتحل في الوجوه، فيء الحيطان، أرجوان الشمس المنثور على الجدران المقابلة لمكمني، أرتحل في شحوب القسمات لحظة مغادرتها ظلال العصر واغتسالها في فيض السماء الدامي. نسوة يتشحن السواد، رجال يعتمرون العُقل، جنود، صبايا واسعات العيون، حشود من الأطفال.. نهر من البشر يموج تحتي، عشرات المعارف الذين يثيرون المزيد من الشجن. حبيب الأجرب، رياض لفته، حسن شطاوي، ناظم كتان، مجيد حرز، فليح حسن شيخ كاظم، ناظم جاري، وحمود الخياط الذي يا ما سكرنا في دكانه وسط السوق المسقوف آخر الليل. الكل يعتقد أنني مفقود في الجبهة، الكل يتصورني تحت التراب. فكرت طويلاً يا أميرتي، وقلبت الأمر، فوجدت لا فرق بين ما يعتقدون وكينونتي الآنية.. لا فرق.. أنا بحكم الميت. أسكن قبري المعتم الذي يشبه من الداخل تجويف تابوت كان يقبر أشياء قديمة، أدراج خشبية منسية في جوفها ملابس زوج عمتي البالية، أزيار خل جدتي المهجورة منذ موتها، صندوق عرسها الخشبي المرصع بالشذر والأحجار الملونة . اختنقت بغبار السنين المندثرة وأنا أنقل هذه الأشياء بمساعدة ـ حسون ـ إلى الباحة بغية التخلص منها. حللت مكانها وانقبرت لا فرق.. الأحبة المارين في نثار الأرجوان والفيء المتوجهين نحو نافذتي والمدبرين، الأحبة المجهولين والمعروفين أكاد أشم رائحتهم.. ألمس قمصانهم.. أكاد.. أكاد… حلم مستحيل.
صرتُ مثل روح يا حبيبتي.. روح غير مرئية غادرت الجسد الفاني، روح هائمة، تدور في العتمات والأمكنة، روح تتحاشى التجسد للأحياء كي لا تثير فزعهم.. تتأملهم من الزوايا والأركان المنسية. صرت روحاً يا روحي تصطلي بحلم الدفء واللحم والآخر والبيت والشارع. وبغتة اخترقني صوتك. اضطربت. توترت. تشنجت أصابعي الممسكة بإطار الشباك الخشبي. أمد بصري. أدوره.. من أين يأتي؟!.. من الشارع أم من أوهام ذاكرتي المحشودة بأحلام أخيلتها؟!. أتكونين خلف النافذة؟.. و.. و .. أسمع نبرتك الفريدة، واضحة قريبة هذه المرة.. وأنت تنادين وتمازحين بنتًا جميلة تقف ضاحكةً بمواجهة موضعي. أطفر إلى الجهة الأخرى، أرمي بصري من الزاوية المقابلة. لا أرى شيئاً. ثمة غشاوة انسدلت على عينيّ، مضافة إلى غشاوة الأتربة المتراكمة على مشبك السيم الصدئ. أصبح من العسير تحديد ملامح الوجوه في ضوء الغروب. أفرك عينيّ متخلصاً من الغشاوة البيضاء. أعاود الحملقة. أقتحمني صوتك هذه المرة قوياً.. قريباً، مباشرة خلف النافذة. أشب على أصابع قدميّ. أميل مجازفاً بالاقتراب من زجاج النافذة. باغتتني قسماتك دانية، لا يفصل بيننا سوى سُمك الزجاج. بخطوك المتأني ووجهك الباسم تدخلين مسافة نافذتي، يباغتني وجه ابننا المدور الجميل، يحدق نحوي ضاحكاً وكأنه يراني. أشبُّ، أتلظى بناري وأنت تستكملين احتلال فضاء النافذة. تستديرين بقامتك الرامحة نحو البنت الواقفة على عتبة بيت مقابل. تبادلينها الكلام.. استديري نحوي يا حلوتي.. أريد أن أراك من هذه المسافة. أريد التحقق من ملامحك التي ضببتها الأحلام والأخيلة. الرغائب والذاكرة. أردتك أن تلتفتي كما صغيرنا مرة واحدة.. ستغيبك الحافة الجارحة.. هاأنت تشرعين بالخروج من فضاء نافذتي، ودون وعي وجدتني أضرب عارضة النافذة بقبضةٍ مضمومةٍ مما جعلك تجفلين ملتفتةً صوب عتمة الشباك، ناظرة بعينين مدهوشتين فزعتين. أتشرّبُ ملامحك المضببة، بأغبرة المشبك، والزجاج المغبش بأنفاسي المتلاحقة. لحظة واحدة خلتها دهراً. لحظة أسكرتني، وجدتك فيها أكثر حلاوة وكأنني أراك أول مرة طالعة من مناحي أحلامي. أصحو على فراغ فضاء النافذة. أهرع راجعاً إلى زاويتي المعتادة. أتابعك.. تبتعدين.. ألاحقك.. ستمرين أمام باب البيت.. أركض مثل مجنون نحو المدخل. أزيح ستارة القماش. ألصق عيني بثقب المفتاح. يجيء حفيف العباءة أولاً.. و.. وتقتحمني رائحتكِ العذبة الظالمة المُعذبة. أمد يدي بجنون إلى الأكرة. سأفتح الباب.. سترين وجهي، فتدخلين فوراً.. سأسد الباب. قلتُ لنفسي ذلك في اللحظة البارقة تلك وطرف عباءتك المرفرف في الريح يخفق خشب الباب وفتحة المفتاح وروحي. أتخدر بضوعك الأليف. أستجمع وشل شجاعتي الغاربة كي أستطيع سحب درفة الباب. يملؤني خيال عناقك.. ضم جسد ابننا.. سأشبع بكاءً.. سأبلل رقبتك التلعاء.. سا.. سا.. سس.. سس.. يغرقني سيل حفيفك.. أزحزح كفي القابضة أكره الباب باغياً سحبها. تعصي متمنعةً والسواد يشغل سماء الثقب ويغيب. تنحل أصابعي وتموت فوق الأكرة. وجسدك المحتشد النابض يتلاشى في شحوب المساء.
فأسقط متكوماً على بلاط المدخل حاضناً الستارة القديمة. أنتحب نحيب مذبوح، وأحدق عبر غلالة الدمع الفائر المنسكب بالمساء الذي احتل الباحة المهجورة بلون ظلامه الشفيف.
 
أخيلة الرغبة

همدت الأصوات في الباحة. أصبح لوقع الأقدام الحافية حفيف خفيف، ولتردد أنفاسه المضطربة، فحيح يتدّور حلقات، في الصمت، في سكونه العميق المترسب أسفل آجر الجدران. سينطفئ مصباح الباحة بعد لحظات، لتسقط حلكة ماحقة تجعله لا يميز أصابعه، حلكة سرعان ما تحتشد بحفيف الأغطية، بالهمس الأنثوي الناعم. ستهمد الأصوات لحين، ثم يتعالى حراك كعراك يجري في بحر الفراش، مصحوب بتمنع غنج، وخوار فحولي مكتوم. سيتسلل ضوء القمر الخافت. سيكتم لهاثه المتصاعد مع شدة اللهاث المتأجج القادم من قعر الباحة. يحتدم، يتوتر وآهات أنثى متقطعة، آهات تمتزج فيها اللذة بالألم، آهات تخترق سكونه الحجري، فيتلظى بسعير الأحشاء النابضة. يصل التوتر أشده، يستيقظ حيوانه النائم، يشهر الحجر خنجره. سيمتطيه وينسيه حاله، يصير جذوة مضطربة تحبو على أغبرة الفراش، يتطّوى الحجر الحي رافعاً قامته رويداً.. رويداً بأناة وحذر شديدين، يقترب من الفجوات الأربعة. فجوات الفضة الحالكة. سيطل بعينيه المتحجرتين متفرساً في الباحة الغارقة بظلال القمر، يضّيق حدقتيه مركزاً على الكتلة المعتمة المتحركة، مستدلاً بالأصوات الخافتة المتقطعة المنطلقة من حراك الكتلة، يستلذ متتبعاً آهة، أنة مكتومة، تردد ضربات كف مبسوطة على فخذٍ مصقول، همس غزلٍ مكشوف. سيجهد ناظريه المفتوحين مستعيناً بالذاكرة، فيتجسد في احتدام الكتلة فخذي بنت العمة البيضاوين، الممتلئين في التفافهما حول ظهر الزوج العاري. سيحتقن، ينمحق. سيطبق فخذيه بقوة على نتوئه العنيد، الرامح، خارق الحيطان والظلال، والتائق إلى التماهي في الكتلة اللحمية العارية المشتبكة في عراكها الصاخب. سينتبه إلى وميض عينين خلف النافذة.. سيتجسد أمامه عريها القديم، الدامي، وهي ترتمي على جسد زوجها الراقد في تجويف خشبته بنفس موضع فراش الكتلة المحتدمة. سيصطلي بمزيج من المشاعر المتناقضة، شعورًا بالذنب مخلوطًا بشهوة عارمة، سيعض شفته السفلى كابتاً صرخة لوعة تكاد تنفلت، والجسدان العاريان يتدحرجان بعيداً عن البلاط نحو رقعة بلاط منارة بضوء القمر، فيما الزوج يهذي عن رغبته في إكمال المضاجعة في الضوء. سيحرز في ما تبقى من أيام العمر ذلك المشهد الساحر. المؤخرة اللدنة، البيضاء في ارتجاجها وهي تتدحرج على البلاط. الهمس المضطرب والآهات المتحولة إلى صرخات تصدر عن اشتباك السيقان والأذرع والأصابع العابثة في الخصر والنحر وأسفل الأفخاذ والمؤخرة والنهد والبطن. سيسقط تحت منافذ القمر الأربعة، مبتل الوسط، محطماً، خائراً، عاجزاً، يشعر بالخزي والعار. ستلبث أشلاؤه منثورة في الظلام ساكنةً يستولي عليها روح الحجر وطبعه. سيبقى ريثما يسقطون في النوم. سيلعن نفسه مراراً.. يزدريها. يتناول جرعة ماء وكسرة خبز وتمرة، ويقسم بأنه سيكف عن هذه الإطلالة الآثمة.
همدت الأصوات في الباحة. تلاشى آخر همسٍ في السكون. حاول أن يسيطر على وقع أنفاسه المتسارعة بسحب شهيق عميق بهدوء، ونفث الزفير بهدوء أشدَّ. انطفأ الضوء. عمَّ الظلام أول لحظة، ثم سرعان ما بهت بتدفق أربعة شلالات من الفضة. قدر من وهج ضوئها أنه تام الاستدارة، كما أن الزوج طلب من عمته إزاحة دريئات نوافذ القبة الزجاجية، معنى ذلك أن الليلة ستكون أشدَّ من عسيرة، وهو الذي أقسم بروح أبيه على التحجر هذه المرة في موضعه وتجاهل ما يجري في بئر الباحة. أتى الحفيف المخيف والهمس المتمنع الغنج. حشا أذنيه بإبهاميه، فتعالى ضجيج الأحشاء النابضة داوياً في تحجره الصامت. قاوم مخيلته الطافحة بمخزونها عما يجري تحت، في نهر الفضة الغاسل حواف الثقوب. قاوم الرغبة المحتدمة في الزحف والإطلالة على الجسدين اللذين سيتعريان بعد لحظات. تجّلدَ بالضغطِ على فجوتي السمع المرهف القادر على سماع مقدمات الغزل الناعم المتحول لاحقاً إلى غزلٍ بذيء يسمي الأعضاء الحميمة بأسمائها في طقسٍ بدائي يجعله يقشعر، ثم يشتعل صاعداً هابطاً، متأججاً منطفئاً، فيتأرجح على حافة الجنون. قاوم غواية مياه القمر اللامعة المتدفقة من فتحات الإرسي الأربعة مضيئةً ترمس الشاي، أكياس البراز، صحون الطعام، وآنية البول عريضة الفوهة. انفصل عن الجدار المقابل للفتحات. استند على ركبتيه، واستدار تاركاً الضوء خلف ظهره. أنشأ يحملق بالعتمة ساداً أذنيه سداً محكماً، هوى في صخب جسده. لا يدري كم من الوقت ظل ضائعا في ضجيج أحشائه. خدّره ذلك الكون السري الهادر تحت الجلد والقائم قيامة الإنسان، والمنسي، وفكر لِمَ لمْ ينتبه سابقاً لكون أحشائه في انشغالها الدؤوب على مدار الساعة. لا يدري كم أمضى في رحلته الجديدة، حينما شعر بالجدارين يتباعدان، وجسده ينزلق ببطء على أرضية من بلور. ينزلق ملاحقاً همساً بالكاد يُسْمَع يناديه باسمه، همس أنثوي يدعوه للقيام. أستخرج أصابعه من خرمي أذنيه. طلع من دوي الأحشاء الضاجة، وأصغى متتبعاً ذيول الصوت المنزلقة على الانحدار الأملس الذي أنفتح أمامه بالجدار.
ـ تعال.. تعال.. تعاااااال!.
همس يجر الألف جراً، بدا أكثر وضوحاً هذه المرة. انتفض بكل جسده راغباً بالخروج من هذه الاستيهامات واختلاط الأخيلة والأمكنة والأصوات. وجد نفسه يظاهر ثقوب القمر في حلكة الإرسي الباهتة، لكن صوت الأنثى الهامس يدعوه للنهوض.. راح يتعالى.. ويتعالى صادراً من مكان قريب جداً، وكأنه خلف الباب.
ـ تعال.. تعال.. تعال!.
اجتذبني الصوت الآسر. تلفتُ حوالّي. مازلت في المكان نفسه. في ليل خميس، وهذه عدتي مصفوفة في الفسحة الضيقة المحصورة بين الفراش والجدار. أصبح النداء متصلاً يأتي من جهة الباب. لكن من تكون؟. وإلى أين تريد بيّ؟. وكيف لي أن أتحرك؟.
ـ قم.. قم!.
لهجة آمرة فيها سطوة، لهجة سعّرتْ رغبتي وفضولي. لكن أين تقف هذه المنادية الغامضة، فخلف باب الصفيح فسحة ضيقة وسلالم أضيق تنزل نحو الباحة، وأربع أخرى تصعد نحو السطح. أتكون صبية من صبايا الجيران اللواتي يعرفنني جيداً، رصدتْ وجودي دون أن أدري. صبية أشعلها الليل بنزواته الحمقاء الطاغية، ودفع بها إلى عبور أسوار السطوح الناصية المتلاصقة، للوصول إليّ. أطربني الخاطر بما يعد به من مباهج لذاتٍ وأسرار. لم يزل النداء الهامس يتردد. حزمت أمري منفصلاً عن الجدار. بركت على ركبتي، حبوتُ نصف قائم على قطن الفراش المغبر. وجدت الباب بعيداً. أخذني العجب وامسكني الريب. كيف نأى، وصفيحه الصدئ يلامس أحياناً قدميّ عند النوم. اتكأت على راحة كفي ونهضت. ازداد ريبي والسقف الخفيض وجدته عالياً، حينما لم أضطر للانحناء كي لا يصدم قمة رأسي، فرفعت ذراعي دون أن أبلغ آجره المتآكل. أسرعت نحو مصدر النداء الغاوي. لا أدري كم قضيت من الوقت حتى بلغت الباب. وجدته على حاله. الهمس يتدفق واضحاً من ثقوب الصفيح. سحبت المقبض الخشبي الصغير. لم يأز الباب، بل انفتح بيسر عكس كل مرة. وطأت الفسحة الضيقة التي سرعان ما اتسعت بينما بقيت السلالم الصاعدة والنازلة على ضيقها. النداء الهامس يأتي من فجوة السلالم النازلة إلى الباحة، معنى ذلك أن صاحبة النداء ليست من صبايا الجيران، ففي الباحة يرقد الضيوف وعمتي. تلكأت قبل أن أضع قدمي على الدرجة الأولى. فمن موقعي أستطيع رؤية طرف من الباحة المضاءة بالفضة المنسكبة من السماء. سكنتُ بين الدرجة الأولى والثانية متوجساً مما قد يحدث لو أستيقظ من في الباحة. الصمت الصلد محشود بنغمة الأنثى المختبئة في المسافة بين السلالم والجدران وحامل المبردة.
ـ لا تخفْ.. لا تخفْ.. أنزلْ!.
هبطت على السلالم المنخورة. أنقل خطوي الحذر ببطء شديد. وقبل أن أصل نهاية السلالم وجسد المبردة الساد مدخلها، وجدتني أنحرف، بأثر الصوت، في ممرٍ محفورٍ بالجدار الأيمن لم يكن موجوداً أصلاً.
ـ تعال يا بعد روحي.. تعال!.
نبرة أمومية دافئة، تبث حنيناً شجناً، لها وقع صوت أمي تارة، ووقع صوت أنثاي البرية بالغة الفتنة والغواية في أخرى. مزيج فريد يتلون في الصوت القادم من عمق الممر الضحل الذي أفرزني من شقٍ في نهايته، فوجدت نفسي في متاهة صخرية معقدة التضاريس. أقفُ عند حافة خيوطٍ صخرية كثيفة تنحدر من مرتفعٍ خطوطه شلالاتٌ من الضفائر الصخرية تتموج في ضوء خافت ينبعث من أمكنة خفية.
ـ  تعال.. تعال!.
مفردة تهبط عليّ من التل. تسلقت بيسرٍ رغم نعومة الصخر، فأطللت من جبهة مستوية تمتد مسافة على تضاريس شاسعة. تذكرت أطلاله مثل هذه من فوق قمة جبل ـ قرة داغ ـ. كنت مرهقاً، أتسلق جبلاً أول مرة وجواري كان يقف مذهولاً من بساط ـ شهرزور ـ الأخضر، ـ كريم مهدي عبود ـ الذي التحق معي بالثوار. عببت هواء القمة النقي بعمق. وشعرت بالحرية بعيداً عن الحرب ورجال الأمن، وكنت أظن بأنني بلغت مرامي من الدنيا. وقفتُ مذهولا أرمق آماد المتاهة الصخرية، ثم انحدرت لأتيه في دروبها والصوت الغاوي تواري في صمت الصخر. هبطتُ إلى مشاحيف صخرية شاسعة لها شكل العيون. تشبثت بأهداب. انزلقت على سطح خدود ناعمةٍ. تقلبتُ على جمر شفاه مكتنزة. هبطت من سفوح إلى امتداد ألسنة طرية زلقة. وقعت من أحناك صخور مختلفة الأشكال إلى أعناق تلعاء. أحسست بالتضاريس تنبض وأنا أتشبث بحلمة تلٍ كي لا أنزلق إلى وادٍ عميق محصور بين تلين. ضعت في منخفضات كالبطون، في فناجين سرر، وفي خواصر ضامرة أقع من حافتها إلى هاوية شق يفصل كفلي صخرتين. أهبط على صخور مستديرة كأفخاذ، وأعانق نتوءات كأقدام. أسقط من أصابعها إلى ضفائر شلال صخر فاحم. أتسلق من جديد إلى إطلالة الجبهة المستوية، لأجوبُ أرجاء المتاهة، علنّي أسمع صوتها أو أعثر على الممر الذي أفضي بي إلى لعبة الشعر والوجه والعنق والصدر والبطن والفخذين والقدمين والسقوط من أصابعها إلى نقطة البدء. وجدتني أصرخ بعدما أهلكني الدوران:
ـ أين المخرج يا إلهي ؟!.
لم يخرج صراخي. وجدتني معقود اللسان. أأكون في باطن كابوس؟!. . تلمست جسدي قطعة.. قطعة. أيقنت من وجودي ووقفتي فوق سطح الجبهة المستوية الشاسعة. أطلتُ الوقوف شبه عاجز، فما الفائدة من هذا الجوبان المفضي إلى نقطة البدء في كل مرة. أحسستني سأتحجر خلف حزمة دغلٍ صخرية تحدد مسافة الجبهة. وتمنيت التحجر ونسيان كل قصتي بتفاصيلها.
ـ تعال.. يا بعد روحي.. تعال!.
أيقظني الصوت من هاجس التحجر. انحدرت خلفه هابطاً من جديد في وهاد وسفوح وشقوق وقمم التضاريس. وفيما كنتُ أنتشل جسدي من تدوير فنجان السُرَّة الصخرية الواسعة الساحرة، سمعت الصوت الحميم المثير يأتي من فوهة نفقٍ معتم. ولجته. غمرني الظلام. سقفه يكاد يمس رأسي. أخوض بأحشاء الحلكة. أمدّ ذراعي أمامي فتضيع في مجاهل الفراغ. لم أدخل هذا النفق مرة في ضياعي بشساعة المتاهة الصخرية. ظللت أقلبُ أرواح الظلام الهائمة إلى أن اصطدمت أصابعي بجسدٍ صلبٍ يسد النفق. تحسست سطح الحاجز، صفوف نتوءات حجرية لها ملمس المعدن، تتقاطع طولاً وعرضاً. وفي موضع سُرَّةْ الحاجر تَدَوَرَ في راحة كفي مقبض. حاولت تحريكه، فتدور نحو اليمين. شعرت بالحاجز يتزحزح. دفعته، ثمة أثر ضياء باهت يلوح في البعيد. عبرت العتبة، ألاحق بعيني المتحجرتين ارتعاش الضوء الخافت. جددتُ في السير حتى بلغت سواحله. ورحت أخوض في وحل نورٍ رث لا يضيء بل يزيد من بهمة النفق الذي ابتدأت جدرانه بالتباعد، وسقفه بالارتفاع. وبعد مسافة انبثقت من جانبي أضواء بدت أول الأمر مثل بقعٍ أخف دكنةً. أضواء قمرية، فجرية، نارية، بنفسجية تتسلل من ثقوبٍ بحجم نصف آجرة تمتد على مسافات منتظمة على طوال الجدارين،مئات المنافذ على اليمين، مئات المنافذ على اليسار. تعبت من العَدِّ .
ـ أدخلت متاهة أخرى يا إلهي؟.
مازال الهمس الأنثوي يفح وكأنها تسير لصقي واضعة فمها على فتحة أذني. الهمس.. الهمس.. المهلك أخذ بالتذاوي مع تصاعد أصوات مختلطة طفت من قعر الفتحات الواطئة أسفل الجدارين. أصوات متداخلة مزيج من غنج الأنثى وخشونة الفحل في حوارٍ غامض يسبق فعل الخوض في الأحشاء. حوار تحول إلى طقطقة عظام، صرخات خافتة، ارتطام جسدين، ضربات كف مفتوح على طراوة لحم لدن، ثم تعالى الخوار والصراخ.. أشعلت كياني ملايين الآهات. أغرقتني بفيضها المنهمر من ثقوب الآجر الملونة. لم ينفع ردم خرميّ أذنيّ بأصابعي. طفقت بالصراخ متوتراً. صرت مجرد قضيب محتقن. صرخت.. صرخت مقاوماً رغبة ماحقة في الانحناء نحو ثقبٍ لرؤية ما يجري. قاوَمتُ بضراوة، وأنين اللذة تدفق وكأنه أبدي. قاومتُ حتى سقطت مجهداً جوار ثقبٍ. بركت في بحر الصراخ المضني. بركت مثل متصوفٍ إزاء ربه. أطللتُ على قعر سرداب يضج في الآهات والأنين. رأيت الكتلة العارية المكورة المتقلبة المطلية بنور ثلاثة فوانيس معلقة في الزوايا. كتلة تطلق أصوات بدائية مختلفة النغمات. تتوحد في المجهول. تلتف. تنبسط. تنتصب. والأذرع في زحمة الصراخ والعراك انشطرت إلى أضعاف عسيرة العد. تصعد إلى ناصية سرير قصير القوائم. تسقط من الجهة الأخرى. رأيت بوضوح وجه بنت عمتي الصاعقة الجمال في تجليه لحظات اللذة. حسدتُ زوجها الأملس الوالغ في أحشائها. يذهبان في تقلبهما إلى الأركان البعيدة، إلى الظلال المبهمة. يظهران من جديد في المساحات المضاءة. يتكتلان بشدة. كتلة صارخة تنحدر لتغيب في زاوية السرداب عن ناظري. تصيرني مجنوناً. أدفع رأسي. أحشره في ضيق الثقب. أفشل في رؤية الكتلة الصارخة النازفة في ركن مستحيل بلوغه من ناحيتي. أنتصبُ مهرولاً في نفق اللذة الهادر. أبرك جوار ثقبٍ مقابل. أطل من جديد على الكتلة الممتزجة في عناق ليس له مرسى، في لحمة لا فكاك منها. أتبدد في مهرجان الجسد. أتمدد متوتراً، شاهقاً في سماء فراغي، صارخاً مثل منارة جامع أبان الأذان. تتحجر عيني على الكتلة الآسرة في تضاريسها المسفوحة العارية. أهناك معنى لبلوغ ذروة ما في هذا الجنون الهادر في سراديب الضوء التي أتنقل بينها كلما اختفت الكتلة في الزاوية العصية؟. أهناك معني والذروة قائمة في صراخها الدائم بلا زمن؟. عندما حانت مني التفاتة نحو جدار السرداب المقابل ارتعدت. كانت عينان خضراوان تطل على المشهد، تنقل نظراتها العاصفة بيني وبين العري الصارخ المسفوح. سقطت في التباس الأمكنة والمعاني متسـائلاً:
ـ أين أنا؟!. وما متاهة اللذة هذه؟!.
حشرت أصابعي بأذني، وانطلقت بأقصى ما أستطيع، ركضت.. ركضتُ.. حتى النفس الأخير في امتداد العتمة المضاءة من أسفل بأضواء المنافذ، هارباً من سعير الجسد المجنون، إلى أن وجدت نفسي في فسحة دافئة، رطبة وكأن جدرانها من اللحم الساخن الحي. فسحة أطللت منها على فضاء مساحة حميمة، حانية تنتهي ببناء مكورٍ يبدو خفيضاً من الدكة التي أقف عليها. حدقت بالجدران فطالعتني عشرات العيون المحدقة صوبي. عيون واسعة شبقة تحاصرني في الصمت ودفء المكان، وتدفعني دفعاً نحو شقٍ ضيقٍ بنتوء المبنى المتكور وكأنه امرأة تحضن وليدها. أمتصني الشق الرطب، وألقاني في باطن عنق صخري يبدأ ضيقاً، ثم يشرع مع كل خطوة بالاتساع. لملمس جدرانه طراوة اللحم المبتل. إنسرحت في التجويف مسترخياً، أتأرجح على حافة السكرة وعبق روائح أمومية، شهوانية يهب من العمق السائل الحار. روائح هي خليط من رائحة حضن أمي وجسد حبيبتي العاري الملتصق بعريَّ في ليل السرير. رسوتُ جوار عامود من أعمدة، تحمل سقف قاعة تشكل جوف الشكل المكور الذي رأيته من على الدكة قبل الدخول. جوف حميم، نابض، مضاء بأنوارٍ خافتةٍ تتسلل من مشاكٍ مخبوءة بالزوايا والأركان وزخارف الحيطان والسقف. نور يسيل وكأن القاعة غاطسه في قاع بحرٍ. نور هو خليط من زرقة البحر ونصاعة النزف. حدقت في السلالم القصيرة المؤدية إلى دكه واسعة تتوسط التجويف. حدقت في الصمت، في النصب الحجري المنحوت بامتداد ناصيةٍ تنبثق من مركز الدكة، قضيب حجري مدور يرتفع عدة أمتار، وفي أسفله تتلوى حلقات مختلفة السمك تضغط على جدار القائم المنتصب، فيبدو للرائي أكثر توتراً. سحرني النصب. أطلت التحديق فتراءى لي نصباً من لحمٍ حي لزجٍ حار جعل حيواني الغافي يستيقظ مستعيداً لحظة الإيلاج في ذروة الاحتدام، وذلك الضغط الفريد لعضلة الفرج الخبيرة بلحظة المحق عند الوصول إلى الناصية الخاطفة اللافظة الفريدة. أمسكت بوسطي الموجه فوهته نحو النصب الذي شرع بالتحرك والدوران على إيقاع صراخ وآهات جعلتني أنتبه إلى دكة مستديرة أسفل النصب. وجدتها محشودة بالبشر العراة. يتماوجون في سوائل الأضواء النارية المنصبة من مشاعل يتراقص وهجها على طلاوة النهود والأفخاذ والمؤخرات. حشدٌ متكتلٌ يفترق زوجاً.. زوجاً على البلاط الناعم السائل. احتقنت وتراً مشدوداً محبوساً جوار فخذ العامود الطري. تحولت مجرد قضيب أتمايل على إيقاع الأجساد في اتساقها مع هزهزة النصب المترجرج بالصراخ المتلون الصادر عن الكتل العارية المتألمة النازفة في عراك لبلوغ الناصية المحيرة. كنت أهتز ولم يوقفني سوى دهشة أخذتني من وتري إلى الوجوه المنغمرة باللذة والتي استطعت تشخيصها عند تدحرجها في البقع المضيئة البعيدة عن ظلال النصب، وجه أمي وأبي، أعمامي وزوجاتهم، أخواتي، النسوة اللواتي حلمت بالنوم معهنّ . مهرجان من نسوة أحلامي الحميمات في طفولتي ومراهقتي. توترت من جديد، توهجت. أحسست بجسدي يبثق ناراً. انفصلت عن فخذ العامود الساخن وتقدمت نحو الدكة المستديرة الصارخة المهتزة أبغي الذوبان في الكل. تقدمت عارياً وكأنني أغوص في قاعٍ لزجٍ. وما أن وطئت حافتها حتى أحسست بدفقٍ من سوائل لزجة يجرفني بعيداً ويلقيني في العماء.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| آمال عوّاد رضوان : إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا! .

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ …

| عبد الجبار الجبوري : إنتبهْ، فإنّ البحرَ غدّارُ..!.

لَكَمْ يَمَمّتُ نحو وجهِها وجْهي، وزرْتُ أُهيْلَ حيّها، والقومُ نِيامُ،كانت خيامُ البدو تنأى، والنجوم تغزا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.