شكيب أريج : النصّ الفقير ..

(1)
“ابن السماء”: الرواية القصيرة جدا
دراسة نقدية للقاص شكيب أريج
المغرب
أ- ما قبل النص:
أقدر الجهد الذي يبدله الأديب مصطفى الغتيري وهو يكد ويجتهد، قارئا وكاتبا، متتبعا ومواكبا، وأقدرحيويته السردية وهو يقتحم عوالم القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا والرواية غير هياب لمتغيرات السرد بين الإبطاء والإسراع، بين الاختزال والإطناب، بين الانفتاح والانغلاق.
ولأن الكاتب مصطفى الغتيري قد راكم إصدارات في القصة القصيرة (هواجس امرأة، شيء من الوجل) وفي القصة القصيرة جدا ( مظلة في قبر/ تسونامي) وفي الرواية (رجال وكلاب/ رقصة العنكبوت/ عائشة القديسة/ليلة إفريقية/على ضفاف البحيرة) فإن تقديري الإيجابي لمواهب الكاتب السردية كان مسبقا قبل الاطلاع على روايته الأخيرة “ابن السماء”. ومن جهة أخرى فإن إيماني بأن المبدع لا يجب أن يكون بالضرورة سجين الجنس الأدبي الواحد يجعلني لا أستكثر على أي أحد الإبداع في مناحي متعددة من الأدب، أو في الحياة، وكون الأديب مصطفى الغتيري ينوع سروداته بين الرواية والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا والمقالة أمر أعتبره قيمة مضافة لتنويعاته في الحياة ما بين مصطفى الغتيري الأديب والمدون والسياسي والجمعوي والإنسان.
توقعت منذ العتبه الأولى للعنوان “ابن السماء” أن يكون النص متوغلا في فضاءات ميتافيزيقية، أن يكون سردا مؤسطرا لليومي، مجترئا على المقدس، سردا فاردا جناحيه على مناحي حياتنا ووجودنا المتشعب المتشابك، وحتى إن لم يقبض عليه أو على بعضه فمنانا أن يترك أثرا على إحساسنا المرهف كفراشة، وظل السؤال يقرع مثل جرس يتناوب أطفال الحي المشاكسون على كبسه بإزعاج واستفزاز وإلحاح: من هو ابن السماء؟؟؟
وتناسلت أسئلة أخرى – ما قبل القراءة-: هل هذه الرواية استمرار لردم المسافة الملحمية؟؟ هل تصر على نقل الصورة البشرية من مستواها البعيد إلى منطقة الاتصال بالحدث الحاضر غير التام؟؟ وأي مشاعر ومواقف وعوالم ستضعنا في أتونها الرواية؟؟ أيحتمل النص قراءة أحادية أم تتعدد زوايا النظر إليه؟؟ هل تتحلى الشخصيات بذلك السمك النفسي الدلالي الذي يجعلنا نتعايش معها بندية وكأنها شخصيات من لحم ودم؟؟ هل تتحقق عوالم روائية مشحونة برؤى وهواجس ونقائض ومسارات تعبر عن ما يميز الكائن الإنساني، أم ان مصائر الشخوص والمواقف والأحداث سيزج بها في إطار مبسط لإدراك الحياة دون تعقيداتها؟؟
ب – السؤال عقل الرواية
يقول الروائي الكبير عبد الرحمن منيف:” أنا أتصور ان إحدى أكبر مهمات الروائي أن يجعل الآخرين
يتساءلون”1 ومن الواضح أن هؤلاء “الآخرون” هم نحن القراء، ولا أحسب أن هناك سؤال يهيمن على قارئ نص “ابن السماء” أكبر من سؤال: من هو ابن السماء؟؟
هو بطل كما يصرح السارد: “إنه بطل نحس ” ويؤكد :” أؤكد أنه جاء من السماء بالمعنى الحرفي وليس المجازي” ويفترض مسلما: ” لنفترض أن هذا الرجل من سكان السماء الدنيا، تلك ا
لتي تبدو لنا قريبة، وهي التي تدعي الأديان أن الناس الطيبين يصعدون إليها بعد موتهم.” ثم يمضي في سرد حكايته: ” لقد قضى هذا الرجل في السماء الدنيا زمنا طويلا، ولكنه لم يتكيف مع الحياة في ذلك المكان، ولأنه نحس مع أنه إنسان طيب، فقد تسبب في مشاكل عدة وأصاب رفاقه بكثير من الإحباط. حتى أن جماعة من الناس الطيبين اتفقت مع بعضها البعض، وقررت أن ترفع ملتمسا إلى الله كي يخلصهم منهذا الشخص المزعج، الذي لا يمكن التوافق معه في شيء، وبعد إلحاح كبير ودعوات من المؤمنين الصادقين ليل نهار، قرر الله أن يخلصهم من هذا الرجل، وهكذا انفتح باب السماء الدنيا، وتم قذفه إلى عرض البحر.” وإذا أضفنا صفات أخرى يقدمها السارد بشكل تقرير
ي وحواري : كان عاريا كما ولدته أمه/ بغير ماض/ يعرف لغة التخاطب/ البلادة/ اللامبالاة/ الصمت.. فإن جمرة السؤال تنطفئ تدريجيا وعقل الرواية: السؤال يصاب ببهوت.. وتزداد قابلية القارئ للتلقي الغير منتج.
إن السارد العليم المالك لخيوط اللعبة – رغم تظاهره بعكس ذلك أحيانا- يتصرف بوثوقية ويقدم إجابات عن كل شيء، وليس جوابه عن سؤال ابن السماء إلا مثالا صارخا على تمرسه في إحراق أوراق الرواية، وفي مقاطع أخرى من السرد أمثلة عديدة على اس
تشراء غريزة الغلق (الاجابة)
بدل افساح المجال لخصيصية الانفتاح (السؤال).
نقرأ مثلا في نهاية الفصل الثاني :
” لدينا في هذه الرواية امرأتان لؤلؤة وس
لمى. وسيكون من المفيد أن أجعل بطلنا يتقرب من إحداهما أو أن إحدى الفتاتين تغريه ليتقرب منها” وعليه فإن السطور القادمة من الرواية هي تحصيل حاصل، مما يجعلنا نتساءل: ما الفائدة من الانزلاق بهذه الطريقة المتعالمة: “لدينا.. سيكون”‼؟؟ هل هي رواية المعرفة المنجَزة( بفتح الجيم)؟ǃ رواية تعرف فيها كل شيء، ويقتصر دورك فيها على أن تركن إلى مقعدك تتلقى المعرفة.
سأسوق مثالا ثالثا لتأكيد هذا الكلام على الرغم من أن النص في حد ذاته مثال كبير على أنه قائم على التحديد والغلق. في إطار المصارحة والمكاشفة
دائما يعدنا السارد المنشغل بترسيخ الحقائق: “نعرف أن هذه الأسرة منبوذة من طرف القرية، لأسباب قد يأتي ذكرها لاحقا” فهلا منحتنا أيها السارد المتعالم متسعا لنعرف هاته الأسرة عن كتب؟. لكنه سارد لا يمهل ولا يهمل: ” ولكي أجلو الغموض الذي يحيط بهذه الأسرة المنبوذة من قبل القرية. والتي يوشك كبارها على طرد بطلنا، الذي بدا أنه قد طاب له المقام في هذا المكان. لابد أن أحكي حكايتها..” ويلقي السارد ما بجعبته مقدما معرفة ناجزة رغم ثراء إمكانات السرد الروائي. ونحيل هنا على كلام لميخائيل باختين: “الرواية تبني تفكيرها على مقولة عدم المعرفة. فتظهر عدة أشكال وطرق لاستعمال مخزون المؤلف”2 وفي “ابن السماء” إمكانات متعددة لبلورة مخزون المؤلف روائيا وبدائ
ل غير لسان السارد المباشر، فما ضر السارد لو أفسح المجال لما توشوش به وتلوكه ألسنة الناس. للإشاعات السائرة. ورواد الضريح. وأغاني الرعاة. وما تصرح به الشخصيات. سيرة الأمكنة والأزمنة. مجالس القرية. شيوخها. نساؤها. رجالها. أطفالها. عطارها. براحها. صباحاتها. مساءاتها. قمرها. حقولها… أليست هذه وأخر ممرات حبلى بلذاذة المعرفة المتس
مة بالشك بعيدا عن اليقينية الغ
بية؟.
ج- الرواية القصيرة جدا
العالم الروائي عالم رحب، ومهما رحب
فإنه يتضاءل أما شساعة المرجع، وربما هذا ما يفسر حرقة خناتة بنونة وهي تقول :”أحسني أختصر الأكوان والمسافات وأحيانا أتضاءل وأ
شف لدرجة البكاء أمام تضخم الأسئلة وإحباطات الواقع وسقوطاته”3 طبعا ليس من اليسير كمش العالم في قبضة كلمات، فالأمر يفرض بالضرورة نوعا من الاستغراق والاسترسال في جزئيات دقيقة من أجل استثمار مخزون المؤلف، هذا المخزون غني عند مؤلف “ابن السماء” كما يتضح في تصريح صحفي له:”أنا أقرأ بكثرة وقراءاتي متنوعة، تغلب عليها بطبيعة الحال القراءة الأدبية من رواية وقصة وشعر، وأميل أكثر إلى الروايات المترجمة من ثقافات مختلفة، أوروبية وأمريكي
ة لاتينية ويابانية وتركية. كما انني أستمتع بقراءة العلوم الإنسانية من فلسفة، وتاريخ، وعلم الاجتماع، وأستمتع بقراءة التحليل النفسي، كما أن نصيبا لا يستهان به من قراءاتي ينصب على التراث الأدبي والديني، دون أن ننسى قراءة الجرائد الوطنية التي تجعل المرء في تماس مستمر مع ما يزخر به الم
جتمع من أحداث ووقائع على كافة الأصع
دة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية. ناهيك عن انخراطي المباشر في الحياة من حولي..”4 هذه الثقافة الموسوعية تتسرب إلى المتن الروائي بشكل شحيح، فتمة إخفاق بين في إنضاج الأحداث والشخوص يرجع أساسا إلى غلبة الاختزال، ون
درة التأملات وغياب اللغة الحوارية.
إن إنشاء عوالم ليس أمر تبسيطيا بحيث نعمد إلى إثخام النص بالأحداث والأفعال كما هو الشأن في المتن السردي لـ “ابن السماء” فهاته الأفعال والأحداث بدون اتساع مدى التأويل ودون شحن أوصالها بالحياة تساوي تقريرا أو تلخيصا بالغ الرداءة لما يمكن أن يسمى بعد اختمار وجهد وإنضاج “رواية”.
لهذا أ
جد أنه من الطرافة أن يقول صاحب “ابن
السماء” عن كتابه: ” لقد جرى التعامل مع الرواية منذ البداية بشكل اختزالي”5 وحري به أن يقول بصراحة إنه لدواعي نجهلها ولا علاقة لها بقدرته الإبداعي
ة- التي لا نشكك فيها- قد تعامل مع كتابته منذ البداية بشكل اختزالي، ولا أدل على ذلك من كون القارئ لا مناص له وهو يقرأ أن يمضمض فمه بكلمات من قبيل: (وهكذا، وأضحى، وأصبح…) على طول النص الذي يمكن قراءته في شربة ك
أس شاي، على حد تعبير أحد أصدقائي وهو ي
حثني على قراءة رواية أطفال لإبداء رأيي فيها قبل النشر. هل نحن بصدد رواية قصيرة جدا؟؟
د- معجم الاختزال:
لست
معنيا بحجم الرواية على مستوى مفردات
ها وصفحاتها فرواية اللجنة لصنع الله ابراهيم موجزة العبارة قوية التأثير، وكذا رواية “النهايات” لعبد الرحمن منيف كمشة أوراق تكمش العوالم، وعلى ذكر منيف ماذا تراه سيقول سارد مدن الملح وأرض السواد حين يقرأ كلام سارد “ابن السماء” في بداية النص: “حقيقة أتعبتني هذه الرواية..”‼؟؟
إنه سارد كسول جدا، فالأسرة ذات التاري
خ المنبوذ بجرة كلمة “أصبح” سيمحى تاريخها وتعيش حياة جديدة، الأمر لم يكلف السارد إلا أن يقول: “استقرت الأسرة بالبيت الجديد، وقد أصبح لها شأن في القرية..”وفي موضع آخر، وكأن الطفل نام وأصبح رجلا يتكلم باللغة الفرنسية : “لقد أصبح الطفل إدريس يرطن باللغة الفرنسية” هو نزق سردي تفضحه مثل هاته القفزات، ولا أعيب هنا الكلمات في حد ذاتها بل أمج طريقة استعمالها التي تجعل السرد باهتا، ولعل قارئ الرواية سينتبه إلى العصا السح
رية التي تعفي السارد من شحن المواقف وشحد التوثرات، هي عصا نسي جرار جنيت أن يوفيها حقها دراسة في كتاب “خطاب الحكاية” : “وهكذا منذ عشر سنوات وأنا أعلل فشلي” هكذا‼ “وهكذا تخلصوا منه بالطريقة التي سبق ذكرها” هكذا‼ أداة للتخلص وتقريب البعيد وتبعيد القريب، وتحويل الحب عداوة والمقت حبا: ” وهكذا تحول شوقهم لها وشغفهم بها إلى عداوة
مكينة”. كما تصلح “هكذا” لفك عقدة العنوسة في رمشة عين: “هكذا ظفرت سلمى بالعريس الذي انتظرته طويلا” ولها استعمالات أخر أكثر من استعمالات موسى لعصاه.
أليس من الطريف بعد كل هذا أن يقول صاحب
كتاب “ابن السماء”: “أظن أن الر
واية مهما كتبت وكيفما كتبت ستجد دائما من يرى أن جزءا منها كان يجب أن تعطاه أهمية أكبر”6‼ هل يقصد رواية أخرى غير مكتوب “ابن السماء”، لأن هذا المكتوب -من وجهة نظري على الأقل- يجب أن يعاد الاهتمام بكل جزء فيه، ذلك ا
لاهتمام الذي لا يجهض الأحداث، أو يقفز
عليها، أو ينظر إليها من زاوية أحادية، ذلك الاهتمام الذي يمتص ما بجراب المؤلف، ويقدم لنا المعرفة من عيونها المتعددة المتباينة، المعرفة الجميلة على حد تعبير عبد الرحمن منيف7.
النص الفقير
(2)
نبتة اسمها (الرواية) تسقى بماء السرد ولا تشبع “هربت من قبرها” هذه العبارة القصيرة المشكلة لحدث رئيس هي عمود الضوء في رواية “فسوق” ⃰⃰ ⃰ للروائي عبده خال. هي بمتابة الشمس في عالم رواية “فسوق”، تلك الشمس التي تتمحور حولها الأحداث والشخصيات والأمكنة والأزمنة، تتكرر العبارة طبعا كلازمة تجدد أنفاس الرواية وتعيدها إلى نقطة الصفر دائما بعد أشواط من الكثافة السردية، إنها عملية حفر دؤوب من أجل ترسيخ وتتبيث الحياة نفسها وليس الايهام بها فقط، وبهذا على الأقل يمكن للرواية أن تكون”.. هي تلك المتوازيات أو الممتحا
ت أو الظلال لملامح الحياة الإنسانية”8.
مناسبة هذا الكلام حديثنا عن جملة من الأحداث المتراكمة في نص “ابن السماء” أحداث ليس من الملائم حشرها ومزاحمتها في حيز مكتوب قصير الامتداد دلاليا ونصيا، خاصة واللغة الموظفة بعيدة عن الكثافة الشعرية وقريبة من التقارير والتلخيصات. يتناول لغتيري في كتابه “ابن السماء” “سيطرة الفكر الخرافي على الذهنية العربية هروباً من المشكلة الحقيقية التي يتخبط فيها الناس، وذلك من خلال شخص البطل الذي عاد من الموت إلى الحياة”9 من حيث الفكرة الأساس أنوه بهذا الاختيار، وأشيد بحدة وعيه واجترائه على فتح قضايا اجتماعية ذات طابع اعتقادي شعبي، لكنني لا أجده

قد غاص “عميقا في نقطة الاتصال المباشر بالواقع المتشكل”10 لقد انشغل بتشكيل عوالمه من نقطة سردية متعالية معنية أكثر بحكاية الأحداث، لنكون إزاء لوحة فنية غابت عنها الظلال والألوان والزوايا واللمسات الساحرة، إننا أمام هيكل سردي يحتاج إلى الكثير من الاشتغال والانضاج من أجل إقناع وإمتاع القارئ.
لا بد من التأكيد أن فكرة ابن السماء هي فكرة مبتكرة، غير أن الأفكار الجميلة تحتاج في الرواية إلى نار هادئة لتنضج في مخيلة كاتبها وقارئها على السواء، وقد أش
رت في البداية إلى عبارة عبده خال المؤسسة لروايته فسوق “هربت من قبرها” وأجد أنه استثمر بذكاء سردي هذا الحدث، فعمل على تطويره وتنميته على مدى أربعة وثلاثين فصلا بحيث ضمن للسرد رحابته وعرى عيوب مجتمعه، ففي كل فصل تجده يحوم حول الحدث ذاته ويكشف جوانب من حيوات شخصياته ملقيا بظلال الشك والأسئلة معمقا حيرتنا وإحساسنا بفداحة الواقع.
وإذا كانت شخصية “جليلة” في رواية “فسوق” قد خرجت من الأرض/ القبر، فإن شخصية لغتيري انبتقت من السماء، وتم الاجهاز على هذا الانبتاق بتفسير قطعي يقيني ألقاه السارد في وجوهنا وواصل إجمال الأحداث بسرعة قياسية، وفي صفحات معدودات أنهى واجباته في سرد سيرة ابن السماء، بل واصل سيرة “للا لؤلؤة” وكاد يروي لنا سيرة ابن ابن السماء، كل ذلك بإيجاز مخل لا نجده حتى في أكثر الروايات إيغالا في التجريب.

إن الحدث بالنسبة للروائي المتمرس ما هو إلا تعلة لتمرير مخزونه الحسي والوجداني والمعرفي للتعبير عن عصره، الحدث إذن ليس تبريرا لاجترار أحداث تنتج عنها أحداث أخرى، هذا الاستمرار في تفريخ الأحداث ليس غاية في حد ذاته، وعليه فالأحداث في نص ابن السماء لا تعري عيوب المجتمع إلا بالقدر الذي تقدم فيه من أجل إعادة النظرباستمرار في معانيها وقيمها.
تأسيسا على ما سبق فالروائي الحادق هو الذي يقدم لك بداهة يدك، يشبعها تقليب
ا حتى يظهر لك فيها العجب. أليس هذا ما فعله محمد صوف بيد الوزير؟؟ ⃰ ⃰⃰⃰ ⃰ فروايته التي تحمل نفس العنوان تنطلق من حدث واحد:” يد الوزير التي امتدت إلى مؤخرة امرأة في المصعد بحضور زوجها الضعيف” إنها جملة تتحول في إناء الرواية الناضجة إلى فكرة مسيطرة تمس بشمولية مختلف مناحي مجتمع مغربي ينهض على التسلط والحكرة والمس بالأمن الاجتماعي والأخلاقي، يفعل محمد صوف هذا في رواية قصيرة جدا دون أن نجرؤ على القول إنه اختزالي، أحادي، تحديدي.
ولعل الواقعة التي تسردها أحلام مستغانمي في رواية “فوضى الحواس” تقربنا أكثر من أصول اللعبة الروائية: “أتذكر ما قرأته عن الكاتب الأرجنتني بورخيس الذي أصبح أعمى تدريجيا, والذي كان عندما يصل إلى مكان يطلب من مرافقه أن يصف له لون الأريكة وشكل الطاولة فقط, أما الباقي فكان بالنسبة إليه مجرد أدب..أي بإمكانه أن يؤتثه في عتمته..كيفما يشاء. عندما تعمقت في منطقه اكتشفت أن كل رواية ليست سوى شقة مفروشة بأكاذيب الديكور الصغيرة وتفاصيله الخادعة, قصد إخفاء الحقيقة, تلك التي لا تتجاوز في كتاب مساحة أريكة وطاولة, نفرش حولها بيتا من الكلمات, منتقاة بنوايا تضليلية, حد اختيار لون السجاد ورسوم الستائر..وشكل المزهرية.”11
لا شك أن الاستغناء عن الطبقات التي تغلف لب رواية ما، هو قتل لهاته الرواية، الاستغناء عن تفاصيلها وملامحها وظلالها هو تفقير لسرديتها، فاستراتيجية الروائي الفنان الماكر تقوم على أساس الخداع والايهام، إذن فالطريق الفنية الماتعة التي يلوح بها الكاتب للقارئ توجد في الغابة وأحيانا في صحاري التيه. فلو كانت الرواية فن الاختزال والتحديد لكان حريا بعبده خال أن يقول لنا: “هربت جليلة من قبرها..” ثم يمضي في تقديم حياتها الثانية بعد هروبها مع عشيقها وتزاوجهما وتناسلهما.. ولو كانت الرواية فن إظهار الحقيقة والاهتداء لاكتفى محمد صوف بالتنديد بفعل الوزير المشين، واسترسل في تعرية المجتمع المغربي وما تخفيه بيوت الدعارة، وحفر الليالي الحمراء. لقد فطن محمد صوف وعبده خال وغيرهما إلى طبيعة نبتة اسمها (الرواية) تسقى بماء السرد ولا تشبع. لذلك حافظ كل واحد منهما على جدة الموضوع وامتداداته العميقة، واقتصر كل واحد منهما على حدث واحد أشبعه نظرا وتأملا وتقليبا، حدث تشرئب منه رؤوس حكايا، ثم تعود لتتوي تحت جناح نفس الحدث الرئيس المخيم على السرد، الحدث المركزي الذي يتلبسنا كقفاز ويفعل بنا الأعاجيب.
استراتيجيات كتابة الرواية من الغنى والتنوع، فهي من السعة بحيث تأذن بالكثير من الاختلاف والتشعب ” إن سيرورة شكل الرواية لم تكن قد انتهت ولم تنته بعد، وتدخل الآن في مرحلة جديدة”12 إلا أن انفتاح الشكل الروائي يضع على عاتق الروائي المبدع مسؤولية أكبر فتحرر الرواية على مستوى الشكل يعني أن الاختيارات أمامه أوسع من أن يختار أضيقها، وتشعب الطرق ليس مبررا دائما لسلك الطريق السريع المستقيم.
اختصار الأكوان والمسافات في الرواية عمل إعجازي لذلك فالكاتب الذي يحب تنزيل عوالم ملحمية سيرية دون أن تستغرقه الرواية، وتصير معه الكتابة وجعا واحتراقا وصبرا وجهدا، هو كمن يطارد أرانب كثيرة في آن واحد، أو كمن يسعى لإلباس القفاز الواحد أياد عديدة في نفس الوقت.
شكيب أريج
⃰ ابن السماء- مصطفى لغتيري-دار النايا- دار محاكاة- سوريا- الطبعة الأولى 2012
⃰ ⃰ فسوق- عبده خال- دار الساقي-الطبعة الأولى 2005
⃰ ⃰ ⃰ يد الوزير- محمد صوف – منشورات أمنيه- الطبعة الأولى 2006
هوامش:
1- عبد الرحمن منيف “الكاتب والمنفى- هموم وآفاق الرواية العربية”- سلسلة (الكتاب الجديد) الطبعة الأولى 1992- ص294
2- ميخائيل باختين “الملحمة والرواية- دراسة الرواية، مسائل في المنهجية” – ترجمة: د. جمال شحيد – معهد الإنماء العربي -كتاب الفكر العربي 3- الطبعة الأولى 1986 بيروت. ص56-57
3- خناثة بنونة( لقاء مع خديجة مفيد) لعبة الوجه والقناع في رواية الغد والغضب- منشورات مختبر تحليل الخطاب- الطبعة الأولى- الأحمدية للنشر- البيضاء- ص16
4- مصطفى لغتيري في حوار أجرته سعيدة شريف- جريدة المغربية، منشور في موقع الحوار المتمدن بعنوان:”الغتيري للمغربية : رواية -ابن السماء – معنية ببنية العقل الخرافي و لا تحاكم أي دين.”
5- نفسه.
6- نفسه.
7- عبد الرحمن منيف “الكاتب والمنفى” ص41
8- خديجة مفيد- لعبة الوجه والقناع في رواية الغد والغضب- ص07
9- حسن الأشرف- “ابن السماء”.. رواية توظف السخرية لكشف عورات المجتمع- الخميس 25 صفر 1433هـ – 19 يناير2012
10- ميخائيل باختين “الملحمة والرواية” ص66
11- أحلام مستغانمي- رواية فوضى الحواس- دار الآداب-الطبعة الحادية عشرة2001- ص 95-96
12- ميخائيل باختين- الملحمة والرواية- ص67

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عاطف الدرابسة : رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة المصرية (فاطمة ناعوت) .

رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة …

| كريم عبدالله : القناع في القصيدة السرديّة التعبيريّة قراءة في قصيدة الشاعرة : سلوى علي – العراق ( بلقيسٌ أنا ) .

تبقى القصيدة هي المرآة التي من خلالها نتمكن من رؤية العوالم الداخلية للذات الشاعرة , …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *