الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » سلام ابراهيم : الإرسي (2)

سلام ابراهيم : الإرسي (2)

إشارة : تقوم أسرة موقع الناقد العراقي بنشر رواية القاص والروائي العراقي “سلام ابراهيم” : “الإرسي” على حلقات .. تعقبها مجموعة من الدراسات والمقالات التي نشرت عنها بعد “إرسي الخراب العراقي” الدراسة الطويلة التي نشرتها للناقد “حسين سرمك حسن” عنها ، والملاحظات التي وصلتها من القراء الكرام بصدد عدم اطلاعهم على نص الرواية . وستكون“الإرسي” مفتتحا لنهج جديد تتبعه أسرة الموقع مع الروايات العراقية المهمة .

العمة الجميلة

يظاهر الجدار الأصم. وساقاه ترتكز أصابعهما، على حافة الجدار المقابل بفتحاته الأربع. يحملق بمخاريط الضوء الساقطة جواره وحوله وعلى جسده الخامد. ينصت لتخافت بقايا ضجيج ماكينة الخياطة التي هدأت منذ هنيهة، سبقها انقطاع لغط النسوة اللواتي تخافت خطوهنَّ المصحوب بخفق عباءاتهن السود. في سكونه المتحجر.. في معناه الجديد شديد البدائية حيث استحال وجوده إلى مجرد غزال مذعور في غابة.. ضاق معنى الحياة.. إلى مجرد رغبة في البقاء وعب الهواء. اكتشف أن العديد من طباعه قد تغيرت. أكسبه طول المكوث في الحلكة والصمت طباع حجر الجدار المنخور. سكون وعطن.. خواء وتآكل.. تأرجح على حافة الانهيار.. وعدم الرغبة في التحرك حتى أنه عاد لساعات طوال يتحجر تحجر آجرٍ مفخور. يحملق بيده الملقاة جواره، بثنية ساقيه، بفتات الجص المتراكم على قميصه، وكأنها تفاصيل تعود لتمثال قديم في معبد مدفون. يتخافت خطوها الذي يعرف إيقاعه البطيء الخفيف كأنه حفيف أجنحةٍ. إنها تتجه نحو المدخل. كفت منذ أسابيع عن أخباره حينما تغادر. كانت تفعل ذلك في الأيام الأولى، كأنها نسيته في دوى السكون، في تحجره.
كل شيء في هذا البيت المنزوي في زقاق من أزقة وسط المدينة ـ الجديدة ـ يستدعي الصمت. صمتٌ محاط بضجيج الأسواق القريبة واكتظاظ الشوارع بالأطفال الحفاة. صمتٌ مثل بركة يترسب في قاعها حال خروجها الذي عاد في الأيام الأخيرة يكاد يكون يومياً، بل أحياناً تقضي ليلتها عند عمته الثانية في طرف المدينة البعيد. يعدل جلسته. يستند على ركبتيه. يطل من الثقب الوسطي. يلصق جبهته المفتتة ببشرة الآجر المتآكل حول فتحة الثقب المربعة. يتألق الدوي الأليف، نائياً، قريباً. يستكين في بركة خوائه، غير راغبٍ بالنزول كما كان يفعل في الأيام الأولى كلما خلا البيت. ملَّ التحديق المضني عبر زجاج النافذة العالية المطلة على المارة الذاهبين والقادمين من وإلى السوق المسقوف. يحملق بحنيات الأبواب والشبابيك العمياء المستخدمة وسط الباحة كمنصات.. بتقعر قبة زجاج سقف الباحة المنقوش بزخارف ملونة، وطيور بيضاء ترف بزرقة الزجاج السميك، المرصعة أطرافها بشجيرات ورد. يحملق بسقف الباحة المعقود بالآجر، والممتد حتى سياج خشبي يستقيم بارتفاع متر، ترتكز عليه إطارات القبة الزجاجية. خلف قضبان السياج الحديدية في الزاوية المقابلة لمكمنه، رأى ذلك الطفل المذعور يرتجف في البرد جوار أخيه الصغير. كانا يطلان على هذه الباحة المكتظة بالنسوة النادبات، المحيطات في جلستهن الحزينة بتابوت مغطى. كان ثمة عراك في غرفة النوم المرئية من موضعهما. نافذتها المفتوحة على الباحة مسدلة الستارة. تزحزح يميناً محاولاً رؤية ما يجري، دون جدوى، فالباب نصف الموارب حجب المشهد، فلم يرَ سوى أمه وهي تحاول الإمساك بجسد يحاول الإفلات. عاد إلى الحملقة الشاردة بنقوش الإيزار المتشابكة حول حروف آيات قرآنية احتشدت بحرفها الكوفي بين دوائر ومربعات النقوش المحيطة بحافات أجساد الحروف المتفحمة، مفكراً بالميت المخفي تحته، إذ لم يخبره أحد بمن يكون، فأمه تسللت مضطربة بعد أن همست لها جارتهم، فلحقها مع أخيه. وتسلقا السلم المفضي إلى السطح متفادين زحمة المدخل والباحة. وبغتة انفتحت الباب، وظهرت عمته بثوبٍ أسود شفاف. توقفت لهنيهة شاملةً حشد النسوة، اللواتي حبسن عويلهن، ثم خطت نحو التابوت خطواتٍ سكرى. هبطت نحوه راكعة على ركبتيها. سكنت في الصمت ماسكة بأصابعها طرف الإيزار وكأنها تخشى ما يكون تحته. كان يحصر نظره في كفيها اللتين كانتا تنتفضان تارة، وتتخشبان في أخرى، ثم أزاحته من جهة التابوت الأوسع، فظهر وجه زوج عمته الوسيم المستدير مستغرقاً في غفوته. جمدت متكورةً فوقه، ثم ارتمت نحوه، وراحت تقّبلُ بصمتٍ الوجه المستكين. كان لا يستطيع رؤية ملامحها وهي تنحني معانقة المسجي في تجويف خشبته، فراح يتابع أصابعها البيضاء وهي تبحر في أنحائه، في مسارها المنحدر من الجبهة نحو الوجه والعنق والصدر والبطن والساقين. كان الحشد يضج تارة ويهمد، منتظراً خطوتها القادمة. العمة سارحة في نحت الجسد النائم. تحرز بأصابعها التفاصيل التي ستغيب إلى الأبد. عادت إلى الوجه. وحضنت بكفيها الرأس. رفعته كأمٍ ترفع طفلها المريض. وضمته إلى صدرها. شمته، وراحت تنوح مرددة:
ردتك ..
ما ردت دنيه ولا مال
كان الحشد ينوح مع نواحها ويئن. جعلته يتكئ في تجويف خشبته. انتصبت متماسكة وخطت نحو غرفة النوم المفتوحة. لاحق خطوها الناحل فوقع بصره على سرير النوم مبعثر الأفرشة. اتجهت العيون نحوها وهي تجلس أمام مرآة الزينة. تناولت مقصاً وقصّت ضفيرتها الشقراء الطويلة. أرجحتها أمام المرآة. نهضت حاملةً الضفيرة على راحتيها المفتوحتين، وغادرت الغرفة. كانت أمي قد عدلت الإيزار ورتبته على التابوت. ارتكزت على ركبتها نصف قائمة جواره، ومدت الضفيرة على الإيزار. باعدت ذراعيها بوضع الصليب، ضمتهما إلى صدرها. تشنجت قبل أن تصرخ شاقةً ثوبها الأسود من الزيق حتى أسفل البطن. وانهالت لطماً على صدرها العاري. متمايلةً راحت تتطوى. تدور حول محورها بصمت وسط العويل والنواح، وكأنها تمارس طقساً بدائياً. لم يعرف وقتها لِمَ مات الرجل وأين وكيف؟. لم ينشغل في السؤال الخاطف سوى لحظة. كان مأسوراً بالمشهد المتجسد في الباحة. العمة شبه عارية تغرز أظافرها الحادة بالنهدين البيضاويين الصليبين، بالوجنتين الشاحبتين، بالعنق. تتطوح نافضة جذعها الأعلى يميناً وشمالاً. تَجَمَدَ عندما رفعتْ رأسها إلى الأعلى، ناظرةً إلى سماء ذلك اليوم الغائم، نضتْ عنها ثوبها الممزق، وصرخت صرخة واحدة مجلجلة غطت على نحيب وعويل النسوة الذي تخافت منبهراً، ليسمع ذلك السؤال الأبدي:
ـ ليش.. يا ربي.. ليش؟!.
وفي لب الصمت الخاطف. أزاحت الإزار ثانية، وسقطت فوق الغافي عارية، ممددةً على طوله. ظلت هكذا دون حراك. فصرخ حشد النسوة المتلفعات بثياب الحداد صرخة واحدة جعلته يرتعد. ويعتنق أخاه المختض، لينفجرا باكيين. ومن غلالة الدمع رأى أمه تسحبها بمساعدة النسوة ليحملنها وهي فاقدة الوعي إلى غرفة النوم. والنسوة يعدن ترتب غطاء الميت واضعات الضفيرة الشقراء المتينة على الإيزار. لاحقاً سيعرف أن زوج عمته تاجر الحبوب والنشط في الحزب الوطني الديمقراطي العراقي قتل برصاص الحرس القومي صبيحة الثامن من شباط 1963، وهو في طريقه إلى محله الكائن وسط شارع علاوي الحنطة.
يندمج في خواء الباحة غائراً بجسده المتخشب، ينصت إلى الوجيب الخافت القادم من أحشائه.. من أحشاء الجداران، وكأن الوقع الرتيب قادم من سماوات بعيدة. تسربت رطوبة الآجر إلى عظامه، فغار في روح حيطان الباحة المتآكلة من أسفلها. الحيطان الحارزة لوعة العمة الجميلة، وأحزانها، وهي تكتوي بنيران الحرمان والوحدة، وتقاوم بضراوة سيل الخاطبين الذي لم ينقطع إلا بعد زواج أبنتها الوحيدة أكبر أولادها الثلاثة، وفقدان ابنها طالب كلية التربية الرياضية في ظروف غامضة عام 1978 ببغداد. قاومت بصمت حصار أخوتها الأربعة المرعوبين من فكرة ترملها وهي بنت التاسعة عشر. وفي ليلة صيفية سمع أمه تقول لأبيه أكبر إخوانها:
ـ بليتوا المسكينة بلوة. عوفوها. حرام.. حرام.. ما تريد تتزوج!.
ـ أش لون.. بعدها شابة.. والناس رايحة جايه عليها.
ـ الغصب حرام بالإسلام. بعدين قالت أريد أدرس، وأربي أولادي.
سمع أباه يطلق زفرة ويلوذ بالصمت.
اندفنت بين هذه الجدران. الصمت ذاك الصمت القديم.. أدمنته في وحدتها الطويلة، التي تقضيها جالسةً في بحر النهار، جوار عتبة غرفة النوم المفتوحة تحت ناظريه المتوقفين على سريرها المرتب، المنزوي في طرف الغرفة البعيد. كان يمر بها غروب كل يوم، في طريق عودته من دكان عمه الحداد. يدخل من الباب الموارب. يجدها في الموقع نفسه. تحضنه بحنان. يجلس جوارها. تطعمه. وترجوه العودة إلى أهله قبل حلول الظلام:
ـ عمه.. روح من غير مطرود.. أمك تنتظرك على نار.
يرن في أنحائه صدى كلماتها القديمة، الفائحة مَحَنّة وسلامًا. يشم في خلوته الموحشة عبقها القديم المسكر، وهي تعتنقه في المدخل قبل أن يخطو عابراً العتبة إلى ضجيج الغروب. سريرها مرتب فارغ. أي لوعة فركت روحها طوال أكثر من عشرين عاماً، وهي تستعيد حرارة جسد الرجل الذي مرَّ مثل طيف. لايزال يتذكر عريها القديم، نضارة وسطوع بشرتها البيضاء، رقصها المذبوح في إيقاعه الشرس. كم تلظت تلك التضاريس الرشيقة في أتون الشهوات التي تموت بحدود السرير البارد. وأي ليالٍ مضنية تقلب فيها الجسد الناعم على جمر الرغبات المكبوتة.
ـ أي صبر هو صبرك يا عمة!.
وجد نفسه يصرخ محطماً جموده لصق الآجر المفتت، وهو يستعيد تباريحه المضنية، وافتقاده لسخونة ونبض الشريكة الحميم هذه الفترة الوجيزة، حتى إنه في ليلة غامر متسللاً إلى بيت أهلها القريب حيث تقيم منذ التحاقه بثوار الجبل، لكنه لم يجرأ على قرع الباب، بسبب ادعائها كونه مفقوداً في الجبهة.
عقب المناحة في بئر القبة الزجاجية، وعريها الصارخ وسط حشد الباحة احتشمت. عادت تخفي شعرها بشالٍ أبيض. وتلبس أثواب تصل حد الكاحل، وتكثر من زيارة مراقد الأئمة في النجف وكربلاء. كان يراها في طفولته، حينما يبيت في دارها هارباً من كف أبيه القاسي، تستيقظ في أنصاف الليالي، وفي الأسحار ترتدي رداء الصلاة ناصع البياض، المغطي جسدها من أم رأسها حتى القدمين، مؤطراً الوجه المرتوي، النائر القسمات، ترتل آيات قرآنية من كتاب الله المفتوح بصوت خافت، حتى يؤذن لصلاة الفجر. يشجيه صوتها المتهدج، الشارع بالبكاء وهو يهبط ويرتفع مع إنسراح وشهقة مهابط الحروف وتموجها. يشجيه الصوت.. يشجنه باعثاً بجسده المخبوء تحت الغطاء القشعريرة. كم ود ساعتها لو يزحف نحوها، ليتكور في حضنها الدافئ ويغفو. كان يتمالك نفسه بعناء، ويخلد في شجنه يرمق بعينين حالمتين، يختلط فيهما النعاس ببقايا الأحلام جلال مشهد العمة المرتلة على ضوء الشموع، القائمة في شمعدان طويل العنق، ينتصب جوار سجادتها المفروشة في مساحة الجدار الفاصل بين الغرفتين. يختنق بالعبرة الحبيسة التي تنطلق ما أن تنهمك في السجود والقعود والقيام، فيضيع نشيجه الخافت في اختلاط أصوات المؤذنين المتداخلة، والمنطلقة من مكبرات أصوات المآذن الكثيرة المصوبة من قعر أرواح الناس نحو سماء الله. تظل في قيامها وقعودها وسجودها إلى أن يغسلها ضوء الفجر الفضي المعتم، المتسرب خلل زجاج قبة السقف، والذي سرعان ما يوشح الجسد المتوحد بوجده، حاسراً مساحة ضوء الشموع الناري.. حتى يسقط في نومٍ عميقٍ ما أن يراها تمسح وجهها براحتيها المفتوحتين محدقة نحو السماء بضراعة، وتطوي السجادة.
ظلت تجلس في ذلك الوضع نفسه، جوار عتبة غرفة نومها. تنتظر ابنها الذي سافر إلى بغداد ذات جمعة ولم يعد. اصطحبها مرة إلى العاصمة، دارا بين الأقسام الداخلية، غرف أصدقائه في الحيدرخانه، قاعات المحاضرات في التربية الرياضية، شوارع الرشيد، الجمهورية، السعدون. سألا إدارة الكلية، الأساتذة، ولم يستطع إخبارها بما أسر له أحد أصدقائه الذي همس له جانباً عن خطفهم له من باب الكلية.
أدمنت الحملقة الشاردة بالمدخل، وصمتها القديم ذاك أختلط بلوعة أمرّ من الأولى. عيناها معلقتان بأذيال ستارة الباب الخارجية. تتوقع دخوله كل مساء. ورغم أنهم بعثوا بطلبها، ليخبروها بقتله ودفنه سراً. لم تكف عن الانتظار المفتوح.
في السنة الخامسة لانتظارها، وجدته يتسلل هو سراً إلى الدار في غبشة مساء مغبر. انتفضت من سكونها قائمةً. أخذته إلى صدرها، فشم عطرها القديم المسكر، المعطر سني طفولته الصعبة. راحت تتلمس جسده بأصابعها قطعةً قطعة وكأنها تريد الوثوق من حضوره الساخن، ناحبةً مرددةً:
ـ عمه.. أنت حي يا عمه.. أنت حي. قالوا أنت مفقود يا عمة.. يا بعد روحي يا عمة.
*   *   *

فوهة الخلاص

تتآكل قسماته من حوافها. تنث ترابها القديم. تتحلل عائدةً إلى عناصرها الأولى. يتطاير غبارها من ثقوب الآجر. يغيب في الظلال الوارفة، في أغوارها. يطفو في مخاريط الضوء المتشظي بأرجاء الباحة، في الأركان والسقوف والحيطان. يلهو متراقصاً في الزحمة المتلاطمة، في فيض موج الضوء العاري، متفادياً، مصطدماً، معانقاً غبار ملايين الذوات المفتتة منذ الأزل. كائنات تتفتت إلى عناصرها الأولى، حية في مهرجان وجودها الأزلي. يتتبع بعينيه الساهيتين بقايا قسماته بغبارها وهي تغادره، منفصلاً عن محنة وجوده في المكان، عن التفاصيل. يلتحم كيانه بذرات الغبار.. ذرات الخلق، وأنفاس كائنات غير مرئية تلوذ أبداً في خواء الأمكنة القديمة، في الظلال المنسية، في البساتين، في بقع الضوء الضائعة وسط الظلال. يستيقظ من غفوته المتشربة بأرواح أولئك المجهولين القائمين في صمته. تنحدر ذراعه المغبرة هابطة على الفراش اللين المترب، تندس كفه تحت الوسادة لتحضن المقبض البارد. تهبط على نفسه السكينة كلما لامسه، سكينة تخالطها خشية من احتمالات جبنه لحظة المواجهة المتوقعة. كم تخيل في لياليه الطويلة مشهد العثور عليه، وكفه تلتف حول المقبض وأصابعه على الزناد.
ـ هل يجرؤ على تصويب الفوهة الحالكة إلى القلب، أو الصدغ؟.
ـ هل سيجرؤ على الضغط؟.
ـ هل لديه الشجاعة الكافية للإقدام على استقبال الطلقة المخلصة؟.
ما مقياس الشجاعة والجبن؟ وهو يجد نفسه في بعض المواضع شديد الجبن وفي أخرى شجاعاً حد التهور!.
يتراخى مظاهراً الجدار، وهو يستعيد أشد لحظات جبنه وقعاً على نفسه، تلك التي وقعت له في نضجه. يتذكر كيف صفتهم الشرطة العسكرية في مساء مظلم وسط ساحة صغيرة محاطة بعربات قطار قديمة، أعدت كسجن مؤقت للجنود الهاربين والمخالفين. كانوا قد قبضوا عليه لتأخره عن موعد التحاقه بوحدته. في ربكة خطا الجنود المسرعين للانتظام بصفين. كان يحاول الوقوف في الصف الثاني الأشد عتمة من الصف الأول الواقع في مستطيل الضوء المتسرب من غرفة قلم الوحدة الخشبية. انضغط بين الأجساد المسرعة تحت ضربات هراوات الشرطة البلاستيكية المعبأة بالحصى، مما جعله يتذمر بصوت مسموع قائلاً:
ـ .. شني القضية؟!.
قامت القيامة. وران صمت حجري على الهاربين المذعورين. وعريف الشرطة العسكرية يطالب من القائل التقدم خارج الصف:
ـ إذا كان أبن أمه وأبيه، فليخرج!.
التفتَ نحوه. كان يقف مباشرة أمامه، وكأنه يطلب منه الخروج لإنقاذ الكل من عقاب جماعي كان يتوعد به العريف الشاخص في المكان الأعتم. كان يختض حابساً أنفاسه، متخيلاً الضرب المبرح الذي سينهال عليه في حاله خروجه، سيكون قاسياً مضاعفاً لتذمره ولشجاعة إقدامه على الخروج. لولا الظلام لفضحه ارتجاف جسـده. حركة المسجون الذي التفت جلبت إليه العيون، مما جعلهم يسحبونه إلى وسطهم، وينهالون عليه ضرباً بالهراوات، وركلاً بالأقدام وهو يقسم بأنه لم يقل شيئاً، وكان قوياً وشجاعاً، إذ لم يشِ به، ولم تصدر عنه صرخة ألمٍ رغم قسوة الرفس والضرب الذي جعله يتكور تحتهم واضعاً يديه حول رأسه المضموم إلى حضنه. كان يتمزق من هول الضربات التي من المفترض أن تكون حصته.. من مبلغ جبنه الذي يكتشف فداحته تلك اللحظة.. من شعورٍ بالخزي والعار لن يفارقه كل العمر، والجندي المدمي يعود إلى الصف، بعد أن كَلّتْ أيديهم وألسنتهم من بذيء الكلام والضرب. في طريقهم نحو عربات الحديد القديمة، يقترب منه يهمس في أذنه:
ـ بشرفي أنت ناقص!.
في الظلام الدامس، في لحمة الأجساد المكدسة في ضيق العربة، في بردها الصقيعي غط بنضحه، بعاره وأنت ناقص ستبقى ترن في نفسه كل العمر. مصحوبة بسؤال:
ـ هل أنا جبان إلى هذا الحد؟!.
سيحتقر نفسه. سيخجل وهو في الذروة بفراش الزوجية. سيقضي ليالي الإجازة الشهرية في السكر والنحيب. سيخفي جرح كرامته عميقاً. فلمن يبوح بهذا السر؟ وماذا يقول؟!. سوف يجد نفسه ليس جديراً بحبها المجنون، غير جديرٍ بأبوته. سيختلف إيقاع علاقته بالآخرين. سيصبح وجلاً، غير واثق من كلامه، سيطيل من الانفراد بنفسه. سيقلب الأمر طويلاً وعميقاً باحثاً عن سر هذا الجبن وجذوره.
أتكون تلك التجربة من غَيّرَ أحواله؟. أيكون ذلك الرعب المادي المحسوس في الكتلتين البشريتين المجاورتين لموقعه في زنزانة ضيقة في الأمن العام، من زرع بنفسه الجبن ورسَّخه إلى هذا الحد المخزي؟. كتلة مشوهة القسمات، عارية مسلوخة الجلد تهذي في حملقتها الخاوية ببقعة جدار السماء الأزرق خلف شبكة قضبان النافذة الصغيرة، سادرة في عالمها الجديد، تحاور أشباحها السابحة في فضائها الخالي من الألم. والكتلة الأخرى تلتفت نحوه مستنجدةً، صارخة:
ـ يا بوية.. تخبل أخوي.. تخبل!.
ثم انهال لطماً على قسماته المتورمة. وقتها لمس بعمق بشاعة الإنسان في قسوته. ورغم ما ذاقه هو من صنوف التعذيب، لم ينس ذلك المشهد المصحوب بصراخ رعبٍ قادمٍ من الأنفاق البعيدة وزنازين البواطن الغامضة، فظل يرتعد كلما خطر في خياله المشهد ذاك. ظل يرتعد ويشحب كلما أقبل نحوه شرطي سري يعرفه في السوق، في المقهى، في الشارع، في مكان عمله. صار يرى في الوجوه المريشة أبواباً تفضي إلى جحيم أمكنة لا ترى إلا في كوابيس المذعورين. حرز كل ذلك الرعب في أعماقه الدفينة. وصار وجوده منذ إطلاق سراحه في مساء صيفي من مساءات بغداد مجرد ذات تقاوم رعبها المكين. ذات تحاول العودة إلى سويتها الإنسانية. لكن يبدو أن الفزع استحال إلى جبنٍ وإلا كيف يفسر صمته وهم يضربون إنساناً بريئاً بسببه ويظل ساكتاً؟
ـ ناقص.. ناقص.. ناقص، على قد كياني .
هل هروبي من الجيش جبنٌ من الموت أو موقف أحاول به تقويم إرادتي المكسورة، وللتخلص من خزي موقف جبني ذاك؟!.
هل تسللي من الجبل جبناً من مشاق الحياة هنالك أم شجاعة؟!.
هل كل ما يجري ما هو إلا محاولة لملأ خواء النفس، والتطهر من رجس مشاعر إثمٍ؟!.
هل سأجرؤ ولا أصاب بالجبن، وأضغط عند المواجهة على الزناد؟.
هل كل ما أقوم به هو مجرد اختبار إراده ؟!.
اختلط عليه كل شيء في هذه الزاوية المغبرة المظلمة، في هذا الصمت. أختلط وهو يجد نفسه راكباً هذه المغامرة الخطيرة التي لا تُعرف نتائجها، غير واثقٍ من شيء. لا يعرف ماذا يبغي. وحلم قربها أصبح نائياً، لا بل أشد نأياً مما كان عليه وهو بين رجال العصابات في الجبل. أصبح الأمر أكثر تعقيداً مما ظنَّ، فبدلاً من متعٍ كان يحلم بها هناك وجد نفسه في قيعان رعبٍ أحالت ليله ونهاره إلى كابوس متصلٍ، وخاطر الانقضاض عليه في أي لحظة يحوم كل الوقت، مصحوباً بشعورٍ بالعجز لم يختفِ إلا حينما جلبوه له. يتذكر كيف أخذته فرحة عارمة في الليلة الأولى التي استكان فيها المخلص تحت وسادته، المختصر رحلة أنفاق الجحيم المؤدية آخر الأمر إلى الفوهة المظلمة نفسها، الكامنة الآن بين ريش الوسادة وقطن الفراش. ظل يدس كفه في الظلمة الطاغية متلمساً برودة الحديد ونعومته، فتتغلغل في روحه السكينة، وتشعر أنامله بألفة ولذة وكأنها تمسد فخذ الحبيبة الأملس الطري. كم مرة حدق في الثقب الضيق الشديد الحلكة المؤدي إلى بيت النار؟!. كان يضع الفتحة بمواجهة مخروط الضوء الذي لا يضيء سوى مسافة قصيرة، فيقوم الظلام على حافة الضوء مثل جدار. كان يحدق شارداً، يفكر في الكون اللامتناهي، بأقماره وشموسه ونجومه السابحة في يم الظلام الأبدي الطاوي هذا الوجود الغامض. أليس الظلام هو الأصل، وما النور إلا لطخة منسية في غوره العظيم. ألا تبدو الشمس في يمه السرمدي كإصبع ضوء خافت، كاحتضار نور شمعة على وشك الانطفاء في ليل حالك لا قمر ولا نجوم فيه. ما عمر الكون، النجوم، الشموس، الأرض، البحر، وأي شساعة في ظلام هذا الوجود الغامض. وما تفاهة عمر الإنسان وتفاصيله، حروبه، أحقاده، آلمه، معاناته. ولماذا رغم وساعة هذا الكون يجد نفسه محشوراً في حلكة غرفة علية، يحملق في الفوهة وبئر ظلامها الناصع، وهي بدورها تحدق في الشحوب الذي غزا قسماته. شحوب من يطيل المكوث في الأمكنة المغلقة المظلمة الرطبة القديمة. تحدق الفوهة منتظرة ولوجهُ إلى باطنها الرحيم الخالي من الألم.
ـ تباً للإنسان!.
يتابع طرف سبابته اليمنى وهي تلج طرية في دائرة الزناد الضيقة. يبحر في استكانتها لصق نتوء الزناد، متخيلاً رجفتها قبيل الضغط، فيغور بالتجويف دافعاً الإبرة، فتنتأ واخزةً كعب الرصاصة التي تنطلق مثل برقٍ لتستقر في طراوة ودفء أحشاء الرأس ذاهبةً باضطرابه، وبالجسد إلى روح الغبار الساري في الظلال.
هل تجرئين يا أيتها السبابة على الضغط؟.
هل تكونين قارب نجاتي؟.
هل؟.
أو أنت يا سبابة ستخذلينني كما خذلتني الدنيا، وتركتني مذعوراً، مهجوراً، قانطاً في حجرة من العتمة والغبار، أزجي الوقت بالأحلام والمخاوف معذباً بالرعب الذي شوه ملامح عمتي الجميلة، وجعلها مطعونة محتقنة. تتحاشى التواجد معي في غرفة واحدة. وفي الأوقات القليلة التي أتمكن فيها من النزول إلى فسحة الدار تلزم الصمت وكأنها في حضرة كائن حجري. عدت لا أسمع صوتها الحبيب إلا في صباحات عطلتها المدرسية المشمسة، عندما تجلس إلى ماكينتها لتخيط للنساء أثواباً. كنت أتلصص عليها من الثقب وهي تأوي إلى فراشها البارد مبكرة. تلتحف بالغطاء، وتظل تحملق مشدوهة في ظلال المساء النامية في الزوايا ومداخل أبواب الغرف. أتأمل سكونها الطويل إلى أن يلاشي الليل الغرف والأبواب، والحيطان المنخورة وسريرها القديم والباحة بصبيب حلكته الباردة وكآبته الموحلة. تأخذني التباريح والوجد إلى حافة النحيب:
ـ لماذا يا عمة؟ أنتِ مثلي قانطةً وحيدة في هذه المساءات الحزينة. لماذا لا نطرد وحشتنا ولو إلى حين، بحديث ما، أي حديث يخلصنا من فداحة الصمت والرعب. ناديني يا عمة.. نادي ولو مرة واحدة ودعيني أنزل إلى جوارك. أتناول لقمةً معك. حدثيني عنك، عن أبي، عن حزنك الدامي، عن ابنك الغائب. نادي يا عمة.. أنتظر ذلك كل مساء، وسماع صوتك صار حلماً وقت الغسق الحزين، وقت تخافت ضجيج المدينة. ويموت حلمي على عتبة صمتك وأنت تلوكين خبزاً دون غموس، ترتشفين شاي المساء الخفيف، ثم تنسلين إلى سريرك.. لماذا يا عمة.. يا عمة قد أقتل قريباً، وأنت تعرفين أنني انصعت إلى شرطك، فلم أدل زوجتي على مكاني. مثلي هذه اللحظة مثلك، أرمل، فاقد الزوجة والابن، مذعور مثل ذعرك.. لا أدري متى ينقضون عليّ، في مكمني هذا أو أثناء خروجي الشحيح ليلاً لرؤية الأمكنة والشوارع ونوافذ بيوت الأحبة والأصدقاء. أنشج بصمت معاتباً قلباً كان يحنو عليَّ في طفولتي، ويضمني في حضنه الدافئ من قسوة أبي والناس، وكنت أشتكي إليه، وألوذ فيه أياماً وليالي.
تخفت المرايا. تشحب الأضواء. تهمد الكائنات الدقيقة وأرواح الظلال. يستلقي على الفراش. يتمدد في الحلكة عائداً إلى لعبة الإنصات وتخمين مواقع سقوط فتات الجص والآجر. سيفرزه الليل نحو بوابة كوابيسه. وأرق سهره القادم من أصوات بواطنه المبهمة. سيوتره صوت محرك سيارة يخفت، صفقة باب، خطى أقدام، سيستخرج المسدس قاطعاً أنفاسه، متردداً بين الانتظار لمعرفة جلية الأمر أو إزاحة زر الأمان ووضع الفوهة على الصدغ النابض بذعر. يصيبه حقد مباغت على الفوهة الباردة. يود ردمها. لم يكن يظن أنه متعلق بالحياة بهذه الكيفية الآخذة في التعمق مع تقادم أمد عزلته. ورغبة عارمة في الظهور والتجوال في شوارع طفولته، في مصافحة البشر.. كل البشر الطيبين والأشرار السائرين في شوارعها وأزقتها وشاطئ نهرها، الجلوس في مقاهيها، السباحة في فراتها المثقل بالطين، الضياع ببساتين المدينة، في.. في.. في. يجرفه الحنين إلى النخيل والعصافير، الفيء وحافات السواقي، الطيور الرافة في سماء العصاري، إلى عراك نسوة على الأرصفة، إلى صياح الديكة في الفجر، إلى بوابة ثانوية ـ الديوانية ـ للبنات النافثة من باطنها جوري الصبايا، إلى.. إلى حضن زوجته وطفله.. يحترق.. يتجمر.. يترمد. ينطح الحائط الخرب رامياً المسدس نحو باب الإرسي الصفيحي، ويعود إلى نشيجه المكتوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *