علي السوداني : باب الأديبات البخيلات

بعد نومة نائمة على ستة شهور وعشر دقائق ، أعود إليكم – حبيباتي وأحبائي – إلى ما نويت عليه وعزمتُ . أقصد مقترح كتاب ظريف لطيف خفيف ، اشتهيت أن أسميه ” بخلاء علي السوداني ” وكنت قصرته على بخلاء الوسط الأدبي والفني ، إذ أدركت وعاشرت ومالحت وخابزت كثرة كاثرة منهم ، ومن لم أره ومائدته ، فلقد اتكأتُ على مسموعاتي من جلاس وندمان وظرفاء ونقلة كلام ، بعضهم لا يقلّ بخلاً عن البخيل الذي سنثرده الليلة في صحن السهرة . ولقد كنا في مسعانا ومرادنا الأدبي هذا ، حرصاء على التفريق العادل ، بين الأديب البخيل ، وبين الآخر الفقير ، الذي لو شتلك الرب مرة فوق رأسه ، وكانت بماعونه زبيبة ممصوصة ، قام بمنحك إياها ، مزفوفة بابتسامة رضا وراحة . وفي بديع هذا الدفتر الكنز المكنوز ، كنا قد أنتجنا احدى عشرة معلقة ، شررناها على حوائط الملأ ، وفيها خفنا من زعل زعلان ، ومن عتب بطران ، فذهبنا مذهب لَيّ المسمى ، وتضبيب الموصوف ، وتضمير المعنى ، فصار سعد ، سعيداً ، وأضحت سعاد ، سعدونة ، فاندفنت الفتنة ، وثبت الكتاب الذي من عظيم محاسنه ، وعميم ريعه ، أن عرَقَنا ومرَقَنا ، صار ينبع من جيوب الصحب ، ومن أعباب الصويحبات ، وكان لسان حال من يدفع دنانير ثريدي وكأسي يقول : حمداً لله ، لقد فزتُ بها ، وعشتُ خارج دفتر البخل اللابط تحت يمين هذا الحكّاء !!                                                أما رجعتنا الليلة صوب الكتاب المنتظر ، فهو كشفنا أننا قد خصصنا – دون أن ندري – الجزء المنجز حتى اللحظة ، على ثلة من أدباء بخلاء ، كان سوء حظهم ، قد رسم خلقهم ، فوق شاشة ليلنا وذاكرتنا ، وكان حظ نساء الوسط الأدبي ، من السماء الرحيمة ، حتى سقطن سهواً من مقبرة هذا الدفتر ، الذي رجعنا اليه ، رجعة مشتاق ، لنجمّله ونعسله ونحليه ونطرّيه بواحدة من نساء بخيلات ، قد تجرّ وراءها ، سلة تجعل كفة الفحول ، مثل كفة النسوان . في هذا الباب البديع ، الذي لن نغادره أو نهجره ، حتى نمرّ فيه وإياكم على إمرأة بخيلة دميمة  قبيحة جرباء مبهقة ، نبت في أس خنصرها ، اصبع سادس يتدندل ، إسمها سهيّة ، وكنيتها ، أُم غائب ، وقد أخذتها عن علّة حمل ، وفساد مبيض ، وعقرة عاقر ،  وهذه كانت صعدت من رفاعي ذي قار ، أول ستينيات القرن الفائت ، ونزلت بواحدة من خواصر بغداد العباسية ، وجعلت هذا متكأ ، وذاك مفرغة ، والثالث غواية ، والرابع مصعداً ومرقاة ، حتى أوقعها زمانها ، على واحد ، أبخل وأطمع وأجشع منها ، يبيع الكلام بسوق الكلام ، ويمشي على أربعة فوق دكك المزاد ، فعلّمها الصنعة حتى أتقنتها ، فقالت الناس فيهما : لقد تدعبل القدر وتدهدر وتدهدى ، فوجد غطاءه . وقد أصابها – متأخرة –  حظّ قليل من الشهرة ، في واحد من بيبان الأدب ، لكنها ظلّت منغّصة كدرة ، بسبب البخل الذي ثنّى عليه الرب القادر القدير ، بوجه دميم ، مرسوم بمطينة أمواه راكدة جائفة ، إن شفته في الصباح ، شافك النحس والغمّ والهمّ ، في ما تبقى من يومك العزيز . إن ولمتك في دارها ، كان منقوعها ومثرودها بائتاً ، وشرابها مجّاً أجاجاً ، فإن حمدت ربك ، ورضيت بقسمتك ، وطمست يدك بجرف الماعون ، قامت على حيلها ، وحكّت أبطها ، ونتفت شعرة فائضة من خشمها ، وقصّت عليك ، قصة قطة بيضاء رقطاء جميلة ، صدمتها سيارة طائشة ، فصار دماغها في صوب ، ومعدتها في صوب ، وما زالت على هذا القصّ المنفّر ، حتى شلعتَ جسمك الركيك ، ومنحت سهيّة الغولة ، ظهرك ، وخلّفت في ماعونها ، مطمسة من ثلاث أصابع ، تدسّمتْ ببقيا زفر باهت !!
 alialsoudani2011@gmail.com
عمّان حتى الآن

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. حسـن الخـاقـانـي : ضياع سباهيسيوس في شارع بشّار.

إنْ تورَّطَ قارئ ما في قراءة رواية: “شارع بشّار” للكاتب العراقي محمد سعدون السباهي فعليه …

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| شكيب  كاظم : ” پيدرو بارامو ” رواية غرائبية عسيرة الفهم  ذات  لمحات  إنسانية .

وأنت تقرأ رواية( پيدرو بارامو) للروائي المكسيكي( خوان رولفو )(١٩١٨-١٩٨٦) تناجي نفسك وتحاورها، ما ألذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.