مؤيّد داود البصّام : نحن والآخر ..

المقدمة :  
خلال مدة متقاربة صدرت إلى د. نجم عبد الله كاظم، ثلاث كتب، يمثلن مشروعا ً يمكن أن نطلق عليه ( نحن والآخر)،  وهن يشكلن مع دراساته وكتبه التي نشرها وأصدرها سابقا ً من دراسات نقدية، مشروعه في الثقافة النقدية العراقية والعربية، إلا أن لهذه الكتب  التي صدرت أخيرا ًخصوصية مناقشة الآخر، كمشروع له أبعاد فكرية يحمل في جنباته نقد النقد، وهو ما يشكل مقاربة نقدية تفضي إلى وضع الإنسان العراقي أولا والعربي ثانيا، في محك الدراسات النقدية السابقة التي نشرها، ليس من حيث البنية الثقافية و فنيتها وتقنيتها وحسب، ولكن من حيث البنية الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، حتى وإن لم يصرح بذلك، ولكن التعرض إلى مسألة الإنسان بوصفه مسؤولية تجاه القضايا العامة، وبالأخص مفهوم الوطنية  وسلوك الفرد تجاه الوطن كما في كتاب (هومسيك )، يضعنا في هذا التفسير، فهو يناقش (نحن ) ومفهوم الوطن لدينا، خصوصا ً مفهوم الوطن لدى المبدعين عموما ً، وبالأخص في عصر ما بعد الحداثة، التي ثلمت الكثير من مفاهيم الوطنية، حسب وجهة نظر الغرب الرأسمالي، وليس حسب مفهوم ما بعد الحداثة كتطور حضاري وعلمي وتقني، وهذا ليس موضوعنا، ولكن فيما قدمه عن العلاقة بين المثقف والوطن، ” إن علاقة هذا الفنان أو الأديب بالوطن، وإدامة هذه العلاقة تكتسب دلالات أكبر وأوسع وأبعد مدى من تلك التي تكتسبها علاقات المواطنين العاديين بأوطانهم ” (1)، ثم يتبعها بمناقشته النقدية في الكتابين الأخريين، وبهذا يشكلون جميعاً ما ذهبنا إليه، مناقشة ( نحن والآخر )، من الجانب الفني والأخلاقي، ضمن أنساق الحياة الأخرى التي ذكرناها.
الآخر في الشعر العربي الحديث..
صدر كتاب ( الآخر في الشعر العربي الحديث )، العام 2010.عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت. وفي هذا الكتاب يناقش مفهوم الآخر، ليكون المقصود بالآخر حسب تعريفه ” كل الأمم عدا العرب ” (2) . و( نحن ) العرب بصفة عامة،  والآخر هنا بصفته مؤثر ومتأثر، ولكنه يركز على تأثير الآخر، من حيث مجمل حضوره في الشعر العربي الحديث، ويقسم الكتاب إلى خمسة فصول ابتداء ً من الفصل الأول مشيرا ً فيه إلى تاريخ اللقاء بين الشرق والغرب، وهو تاريخ اللقاء بالآخر، وتأثيرات هذا الحضور في العرب، ومن ثم تأثير الآخر في الشعر العربي الحديث. ثم أنماط حضور الآخر وتشكلاته في الشعر العربي الحديث، بصوره وأشكاله، في المدن والأمكنة، وفي الإعلام وما أنجزه، وفي الفصل الثاني: أبعاد حضوره وتمثلاتها، وفي الفصل الثالث: حضوره الإنساني والوجداني / الحضور الفكري والأيديولوجي /  الحضور الحضاري والثقافي. ثم يناقش في الفصل الرابع مستويات حضور الآخر،/ مرور الآخر / الآخر موضوعا ً للقصيدة / تبني الآخر وتوظيفه.  وينتهي في الفصل الخامس إلى تفريق مفهوم الآخر في الشعر العربي الحديث، بصورتيه الصديق والعدو./ صورة الآخر العدو / صورة الآخر الصديق / تأثير الآخر في الشعر العربي، ويختتم الكتاب بنصوص شعرية مختارة ، كان قد استشهد بها في متن الكتاب.
في هذا الكتاب يستفيض في مناقشة الآخر من حيث كونه خارج الإطار، وماذا يعني لنا الآخر بصفتيه الصديق والعدو، وماذا يعني خصامي مع الآخر ؟  ويتساءل عندما يحل موقعه بموقعي ؟، هل يستمر الخصام أم أصبح أنا المظلوم وهو الظالم، عندما كنت أصفه بالظالم وأنا المظلوم،  ويرجع هذه الرؤية المتخلفة لرؤية الآخر عدوا ً كجزء من الصراع، الذي نقل من الثقافة الثورية للسياسة إلى الثقافة العامة، ويرى أنه عندما يضع كل شخص موقفه بديلا ً عن الآخر، سيجد أن التقارب والحوار هو الأسلم، وليس الصدام والتهميش والإلغاء، وهو إذا تحدث عن الآخر فإنما يتوقف على مؤثرات العالم الغربي أو الرأسمالي الذي ارتبط به العالم العربي تحت الهيمنة الاستعمارية، لتشكل هذه الهيمنة أساس التأثير المباشر، ويأخذ بعض جوانب من مؤثرات الأيديولوجية الاشتراكية أو الشيوعية على بعض الشعراء، ولكن تبقى هيمنة مؤثر الثقافة الغربية. ” بمختلف تشكيلاتها، المجتمع والحضارة والإعلام والأحداث والتيارات الفكرية والإيديولوجية والثقافية…الخ والتأثر به التأثر الحضاري والإنساني والفكري والسياسي، ” (3)، وفي الجانب الآخر فهو إذ يضع مجمل العوامل المؤثرة، يقارن بين الإيجاب والسلب في علاقة التأثر، ” وإذا كان من الطبيعي لغالبية هذه العوامل أو المؤثرات أن تلعب أدوارا ً في رسم الصورة السلبية للغربي كما يراها الأديب العربي، لاسيما خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لتنعكس بالتالي على التعامل معه، فاننا يجب أن لا نستبعد أن يلعب المؤثر الحضاري – الإنساني ” ( (4. وإذ هو يحدد هذه المؤثرات على الإنتاج الإبداعي، ينتقل إلى جهد إبداعي آخر ليدرس نفس الإشكالية في المؤثر، ولكن باختلاف الشكل الإبداعي بين المنتج والمقيم للإنتاج.
أيقونات الوهم..الناقد العربي وإشكاليات النقد الحديث (5)
إننا إذ نتناول كتاب ( أيقونات الوهم ) ثانيا، لان المؤلف في كلا الكتابين (الآخر في الشعر العربي)، وهذا الكتاب، يتناول المبدع العراقي والعربي، أديبا ً وناقدا ً، إما في كتاب (الهومسيك) يقتصر على الأديب والفنان العراقي بالخصوص، وأن يورد من ضمن الأمثلة على المبدعين العرب، وهو ما يحملنا على حصر النقاط النقدية الهامة في مناقشة ( الآخر ) من الداخل والخارج، كوننا المعنيون ب ( نحن )، وما يمكن أن نراه في طرف معادلة الإنتاج، المنتج والفاحص، قبل الطرف المقابل المتلقي، ففي كتاب أيقونات الوهم يتحرك د. نجم باتجاه الكشف عن المؤثرات إن كانت في الإبداع أو في نقد الإبداع، وهو ما يوصلنا إلى جوهر المنهج الذي يسير عليه على الرغم من أنه لا يدعيه، فهو يضع الميزان للتقييم ولا يدعي وضع منهج للعملية الإبداعية بمشتركاتها، ” ما نراه أوهاما ً وأخطاءً، وربما صرامة متطرفة وغير منطقية من أولئك الذي اعتادوا أن يخطئوا الآخرين فيرون كل خروج عن الأصل الغربي للمنهج أو المصطلح على أنه عدم فهم ووهم.” ص10 (أيقونات الوهم).، وضح العلاقة الإبداعية بمؤثراتها الخارجية، ثم تناول مقيمي وفاحصي العملية الإبداعية، وبما انطوت عليه من اختلاط العلاقة بين الأنا والآخر في فهم المؤثر والمنهج، ومنهاج التفكير الذي يغلق على العملية الإبتكارية، ويرسخ روح النقل والاستنساخ، ” فالكل يختلط بالكل بقصديه أو حتى بدونها، ببساطة لأن ما من شئ يأتي أو ينبثق من فراغ “، ويؤكد على أهمية دراسة النص من جميع أوجهه، خارج إطار ما عرف بموت المؤلف، ” إن مضامين هذه الرسائل وقدرتها التأثيرية موجودة في النص أصلا ً، نرى أنها ذوات جذور أو أصول فيه، قد تعود بذراتها إلى المؤلف متمثلة في تجربته بأشكالها المختلفة،” ص  .30أيقونات الوهم. وهذا ما يدعم إدعائنا بان المباحث في كتبه الثلاث وبعض مما كتب سابقا، تشكل مشروعا واحدا ً،  وقد صاغ فصول الكتاب في ستة فصول أعطاها أسم ( أيقونة )، وهو يعني بها كما جاءت في المعاجم (الصورة أو التمثال)، أي حالة السكون والثبات، مما يعني الوقوف وعدم التطور والنمو، ففي الأيقونة الأولى يناقش أوهام المناهج، وفي الثانية أوهام الأجناس والتجنيس، وفي الثالثة أوهام المصطلحات والمفاهيم، وفي الرابعة أوهام النظرية والتطبيق، والخامسة أوهام المقولات والمسلمات ويختم الكتاب في السادسة أوهام أخرى في الأدب والنقد ، وفي الفصول التي سماها أيقونات يناقش العملية النقدية في العالم العربي من خلال الأسماء والرموز النقدية التي لها مكانة في الساحة الثقافية العربية، ويحاور ضمن ما يطرحه، أن النقد العربي يجب أن يكتسب ( الاجتهاد والرأي)، وفي أيقونته الأولى، إذ يناقش الثلاثي، المؤلف أم النص أم القارئ، ويتعرض إلى الأطروحات النقدية العراقية وتطبيقات النقاد الخاصة، ويستعرض تجربة الناقد فاضل ثامر، وهو إذ ينتقد تحول فاضل  ثامر من النقد التطبيقي الذي يقول فيه  انه أبدع فيه إلى النقد النظري” الذي سحب ناقدنا عن الميدان الذي طالما أبدع فيه، وهو ميدان النقد التطبيقي الحقيقي، ” ص73 ايقونات الوهم. ليربطه بما سماه في أول الباب “أوهام المنهج”.
الأيقونة الثانية: أوهام الأجناس والتجنيس…
في أيقونته الثانية يرحل مع ( لعبة النص وورطة الناقد ) ويرى أن الكتابة عن نصوص لا تملك سمة الإبداع أو معطيات جديدة، وضمن تجارب أي من هؤلاء الكتاب، إذ يحقق أحيانا ً شيئا ً يلفت النظر — لكنه لا يسجل على أية حال حضورا ً إبداعيا ًحقيقيا ً، ولا يفرز معطيات نقدية لها قيمتها ..ص 70 وإذ يأخذ الناقد فاضل ثامر في التحول من النقد التطبيقي إلى النقد ألتنظيري، ويعده خسارة لحركة النقد ، فانه يتناول القصة القصيرة جدا ً عراقيا وعربيا ً، وينتقل إلى ( القاص وسحر الرواية )، وكيفية تحول الكثير من القصاصين إلى الكتابة الروائية، ومديات تعامل النقد مع السرد في القصة والرواية، وعن متطلبات الفن الروائي واختلافه عن فن القصة، يتناول رواية ( نهايات صيف لموسى كريدي )، ويصل في النهاية إلى نتيجة , يجب أن يجمع من يفعل ذلك بين تمكنه وحرفيته في ما يكتب فيه، والتمكن من مقومات ما يريد أن يكتب فيه، وهو في الواقع كثيراً ما يتحقق في تجارب كتاب ينتقلون من كتابة القصة القصيرة إلى كتابة الرواية، ولكنه في الوقت ذاته قد يسجل إخفاقاً لكتاب آخرين ينتج عن قصور في تقديراتهم واستعداداتهم لخوض غمار الفن الروائي. ص106.
الأيقونة الثالثة: أوهام المصطلحات والمفاهيم ..
من أسس التفكير العلمي تحديد مفهوم المصطلحات والألفاظ، وبدونها تصبح المسالة فوضى يصعب بعدها تحقيق الأهداف البحثية على أسس علمية، وهذا الفصل أو الأيقونة يناقش هذه المسالة المهمة لتعيين حدود الخطأ والصواب، في الدراسات المطروحة في العربية، ويشكل الأدب والنقد الحقول الأخصب لهذه الظاهرة، وكذلك حقل الفن وان أغفله المؤلف، لكونها حقول دائمة التطور والتجديد والتغير، ونفتقر في اللغة العربية هذه الملاحقة لتغير وتطور المصطلح، ويعطي لنا مثالا على ذلك مصطلح ( النقد ) الذي حدث عليه الكثير من التحولات، ويرى إن ضبط المصطلح ليس بالأمر العسير ويضع جملة مقترحات لذلك، ثم يتناول ( التأثير والتأثر بين الفهم الخاطئ وحساسية الأديب )، ويناقش هروب الكثير من الأدباء من الإعلان عن تأثرهم بأديب آخر، ويرى انه لاعيب أن يحدث المؤثر، وهذا لا يمس مقدرة الأديب أو الانتقاص منه، خصوصا وان مسالة التأثر والتشابه في الأعمال الأدبية مسالة معقدة ترجع إلى عهود سحيقة. ص 125، ولكنه يورد أمثلة على تقبل  بعض الأدباء لمسالة التأثر برحابة صدر وتأكيد، مثل جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن الربيعي، وهذا ما يجعل كل أدب قومي، لا يمكن أن يكون بمعزل عن الآداب القومية الأخرى، ويستشهد بقول نجيب محفوظ ( إننا يجب أن نميز بين ثلاثة أشياء ضمن هذا الموضوع، التقليد والتأثر والسرقة ، فهي أشياء تختلف عن بعضها البعض كل الاختلاف ). وينهي الأيقونة الثالثة بموضوع ( أدب الحرب وفوضى التنظير للمصطلح ).
الأيقونة الرابعة:أوهام النظرية والتطبيق…
يبدأ الفصل بالعنوان الأول : النقد العربي الحديث بين النظرية والتطبيق، ويقسمه إلى ثلاثة محاور يتناول فيهما أسباب ضعف النقد في الوطن العربي عموما، وتحول النقاد إلى النقد التنظيري بدل النقد التطبيقي، وهو ما عده في الأيقونة خسارة للنقد بالنسبة للناقد فاضل ثامر، ليأخذ نموذج ( قراءة في نقد السر في عُمان.. ظواهر واتجاهات )، ويقسمه إلى أربعة مباحث، ليخرج بالنتائج، أن النقد في عمان في مراحل التأسيس ويعتمد على النقاد الوافدين، ولهذا يفتقد إلى ديمومة التجارب.وينهي الخامسة:حديث عن ( النقاد وعمارة يعقوبيان )، ويقسم المبحث إلى ثلاثة مواضيع في خصوصية الرواية ونقدها.
الأيقونة الخامسة : أوهام المقولات والمسلمات …
في هذه الأيقونة يبدأ بالعنوان التالي:الصورة والكلمة والأدب / نقد مقولات الموت. ومن خلال العنوان يتوضح لنا ما يريد أن يقوله المؤلف، في الدفاع عن الكلمة المكتوبة أمام الكلمة المصورة، ويقف بكل جهده العلمي والذوقي للبرهان على أن الكلمة المكتوبة، لن يكتب لها الموت كما يبشر بها على نطاق واسع، لأنها  مرتبطة بوجدان الإنسان الأزلي في كل مكان وزمان .. ص 323. ثم ينتقل إلى عنوان آخر هو ( حب الوطن في الإبداع )، وفيه يناقش العلاقة بين المبدع وبين حب الوطن، على الرغم من وجود الأولوية أمام حب الذات ونرجسيته، وشكل حب الوطن ظاهرة لدى العشرات من المبدعين، وهو ما شكل ظاهرة من ظواهر إبداعهم، وفي بعض الأحيان يبدو مبالغا فيه، ولكنه يعطينا أمثلة، على تجسيد هذا الحب لدى الروائي الأمريكي وليم فوكنر والمسيقار الاسباني البصير رودريكو وبورخيس، وهناك أمثلة كثيرة، كما عند حمزاتوف وكانتزاكي، ولكن هؤلاء وغيرهم كثيرون، لا يخفون ضعف علاقة مبدعين فنانين وأدباء آخرين بأوطانهم..ص216. وهكذا نجد أن تجسيد هذا الحب عند المبدعين العرب، لا يقل شأنا كما هو لدى المبدعين في العالم، ويتوزع المبدعون العرب في العصر الحديث بين قوة الارتباط بالوطن ليعبروا عن ذلك حبا في إبداعاتهم وفي غيرها، وضعف هذا الارتباط الذي يعبرون عنه، من حيث لا يشعرون في سلوكياتهم ومواقفهم وأفعالهم، فيكون الصمت إبداعا عن التغيير عن حب الوطن، أو المبالغة في ذلك تغطية أو تعويضا عما تعبر سلوكياتهم وأفعالهم ..ص219، وأيضا يروي لنا أمثلة عن التعبير الصادق لحب الوطن، بالمخرج السينمائي الرائع يوسف شاهين، والشاعر الشعبي عبد الرحمن الابنودي والملحن بليغ حمدي والمطرب عبد الحليم حافظ، والمناضل غسان كنفاني، وفي المقابل يسوق أمثلة عن مبدعين لم يقدموا للوطن ما قدمه الذين تلبسهم حب الوطن. لينتقل بالسادسة:نوان جديد هو ( الرواية العراقية / الواقع والتقاليد )، ويعزو سر نجاح بعض الروايات التي ظهرت للمبدعين العراقيين، ولا يأخذن مساحة واسعة على مجمل ما أنتج خلال القرن العشرين، إلى الأعمال الواقعية, ولعل من ميزات مثل هذه الأعمال، التي تمتص حياتها من تراب الواقع..ص22 .
الأيقونة السادسة : أوهام أخرى في الأدب والنقد.
يبدأ الفصل بعنوان ، ” عبد الخالق ألركابي وماركيز وآخرون ” يتناول فيها تجربة الروائي عبد الخالق ألركابي وما أثارته أعماله من أطروحات نقدية مختلفة، مقارنا إياه بان أعماله تقترب من أعمال الروائي ماركيز، كون الروائي عبد الخالق مسكون بالهم الفني في أعماله، مثله مثل الكثير من الروائيين العرب والعراقيين، ويستعرض مسيرته الإبداعية، ويطرح أوجه المشتركات بينه وبين أعمال ماركيز، لكن الافتراق ضمن ذلك، متحقق أيضا ً ليعزز خصوصية ألركابي بشكل واضح ..ص249 . وفي عنوان ” أدب الداخل وأدب الخارج ” وهو في هذا الباب يؤكد حقيقة أن هناك أدب للعراقيين في داخل الوطن، وأدب خارج الوطن فرضه ثقل الأدباء الذين هاجروا مختارين أو مجبرين، إلى مختلف بقاع المعمورة بدءا ً بالنصف الثاني من السبعينيات بشكل خاص…ص 250،   ويرجع سبب غياب التلاقح بين أدب الداخل والخارج، إلى الحصار الذي فرضته القوى الامبريالية على العراق، والى الثقافة المركزية التي كانت تتبناها الحكومة العراقية آنذاك. وإذ يتحول في الباب الذي يليه إلى المقاربة بين الباب الذي سبقه وهو ” هل يمكن للسياسة أن تغيب الإبداع ؟ غائب طعمه فرمان وآخرون ” ، وفي هذا الباب يقف في وجه المبالغات والكتابات التي لا تمت إلى الواقع بصلة لان الواقع، يطرح شيئا ً آخر، وذلك ليس دفاعا عن النظام السابق وإنما وقائع الحياة هي التي تسوق الحقائق، وان السياسة لا يمكن لها أن تلغي إبداع المبدع مهما وضعت حوله من حواجز، وان ما نشر عن غائب ليس بالقليل في ذلك النظام السابق، ولم يكن للنظام موقف تجاهه أو غيره، وهذه المبالغات لم تكن عن معرفة ودراية، بما يحدث في داخل الوطن عن علم أو بغير علم، ويسوق أمثلة على ذلك. وأخيرا يختم كتابه  وأيقونته الأخيرة بعنوان ( الحوار في الرواية العربية / بين العامية والفصحى )، وهو إذ يناقش الموضوع من زاوية الخلاف بين من يتشدد في رفض فكرة الكتابة بالعامية، في القصة والرواية وبين المؤيدين لها، فهو يرى أنها تشكل أزمة أكثر منها مشكلة، ولكنه يعتبر أن كتابة الحوار بالعامية يأتي من واقعية العمل القصصي أو الروائي، ونجاح الكتابة التي لا تؤثر على بنية العمل حتى خارج محيطه، تأتي من قدرة الكاتب وحيوية التقاطه للألفاظ وتطويعها، ويعطي أمثلة في أعمال العديد من الروائيين العرب والعراقيين، بل أن ذلك يعتمد إلى حد ما كبير على التجربة الفردية لكل كاتب، وربما في كل عمل بذاته…ص268 .
هومسيك / الوطن في غبار المبدعين ..
في الكتابين السابقين، لم يحدث ما يثير حساسية العلاقة بين الناقد نجم عبد الله والمبدعون الذين تناولهم، على الرغم من انه تحدث عن المشكلات والأزمات، وتحدث عن قضايا المبدعين بمنتهى الصراحة، ولكن في كتاب ( هومسيك ) تباينت ردود الأفعال، واعتبر بعض المثقفين ما جاء فيه انتقاص لهم ولبقية المثقفين الذين تناولهم، وكتبت العديد من المقالات كردود فعل لما جاء في الكتاب ونشرت صفحات ملحق جريدة الزمان ( إلف ياء ) جزء من هذه المساجلات ورد المؤلف، واعتبره البعض انتقاصا لمثقفين لهم مكانتهم وحضورهم الثقافي على الساحة العربية والعالمية، والسؤال لماذا مس هذا الكتاب مشاعر بعض المثقفين وبالأخص المبدعين الذين غادروا العراق قبل الاحتلال أو بعده  ؟، علما انه يندرج كما أسلفنا في المقدمة، بالحوار بين الأنا والآخر كما في الكتابين الآخرين، وتكمن مسالة الحساسية حسب اعتقادي، لان كتاب هومسيك، مس مشاعر العلاقة بين المبدع والوطن، أكثر الذين تناولهم كانوا خارج الوطن لعقود، دون أن يزوروه، إلا من خلال السطور التي كتبوها وهم يتغنون بحب الوطن، أو كما قال جاؤا بعد الاحتلال لأيام ثم غادروه إلى المكان الذي استوطنوا فيه، فأثارت هذه النقطة حساسيتهم لأنها تجردهم من أهم نقطة في إشكالية الإبداع، فيما كتبوه أو فيما ادعوا أنهم غادروا الوطن لأسباب سياسية..والتشدق بالديمقراطية  ، والكلام في حقوق الإنسان، والمبالغة في التعبير عن حب الوطن. ص12، وعلى الرغم من انه يعتبر هذه الظاهرة ليست عراقية وإنما ..هي ظاهرة عربية بامتياز، ووضح أنها تختلف من شخص إلى آخر، وكذلك مع ما وضعه من إيضاح.. بان الغالبية العظمى ممن سنتناولهم….. إن لم نقل جميعهم من كبار المبدعين العراقيين… ص15.إلا أن المسالة أخذت عندهم بعدا يمسهم شخصيا ً ما خلف النقد.فلماذا ؟
هومسيك بين الأنا والآخر..
جاء الكتاب ب 166 صفحة من القطع المتوسط، إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر، قسم الكتاب إلى سبعة مواضيع، ولكل موضوع عنوان، ووضع في البداية تنويه عن كيفية ظهور هذا الكتاب، ثم اتبعها بمقدمة، وضع لها عنوان ( الوطن ضحية )، والعناوين الباقية ( الذات ثم الذات ثم الوطن / حب الوطن إبداعا ً/ أحب العراق.. ولكن دعوني أغنيه وأنا بعيد عنه / مبدعو الخارج بين الوطن والمنفى / شجرة فاضل وحديقة لطيفة / كلمة أخيرة: المضيع ذهب والمضيع وطن ..؟، في هذه الفصول السبعة يتناول المؤلف التوصيف الذي يتوافق فيه مع كتاب سلام عبود ” ثقافة العنف ” الذي يقول فيه سلام ” إن موضوعي هذا من وجهة نظر أخلاقية … فهو لا يعنى بدراسة مستوى التعبير الفني، ولكنه يعنى بتشخيص أوجه السلوك البشري من خلال النصوص الأدبية، ومن خلال مواقف الأدباء، “، نقلا عن كتاب هومسيك، ص15 ، وهو ما يحملنا للنظر إلى العناوين التي وضعها مؤلف كتاب الهومسيك للفصول، جميعها تصب في هذا المنحى، فهو يأخذ مسالة الوطن ببعدها التاريخي والحضاري ويعطي أمثلة عالمية وعربية وعراقية على ذلك، ويشكل الوطن في ضمير المبدعين قضية أكبر من الذات، لهذا تتسم هذه العلاقة بالتضحية، كما يحدث في الانتماءات الحزبية والعقائدية والإيديولوجية، ولكن إذا أصبح الوطن مجرد بقرة حلوب متى ما جف ضرعها، تذهب للسلخ أو الاستبدال، فهذا هو الموضوع الذي يناقشه المؤلف، خصوصا عندما يكرس المبدع جزء ليس بالقليل من إبداعه في الحديث عن الوطن وعشقه وتذكر أيامه ولياليه، وهو جالس على شواطئ الريفيرا أو يسوح في شوارع لندن وباريس واستراليا وأمريكا ..الخ، والآخر يتلظى بحر وبرد الوطن وانقطاع الكهرباء ورداءة الخدمات، وتعبئة الاستمارات الشهرية للمناطق الحزبية، ومطاردات الجيش الشعبي، أو الخدمة العسكرية، وشظف العيش والحصار، والكبت الجنسي لعدم استطاعت الشباب من الزواج مع تكاليف الحياة، كل هذه وغيرها من منغصات الواقع العراقي، ويأتيك الآخر وهو يقبض الإعانات ورواتب ممن يسمون أنفسهم معارضة، ومن هذه الدولة وتلك المعادية للعراق والتي تريد النيل منه، ليقول لك ( أنت كنت تعمل مع النظام الدكتاتوري ، أو كتاباتك مكرسه للنظام الدكتاتوري ) ، بلحظة يشطب على كل الضيم والقهر والحرمان، حتى يظهر نفسه المتفوق، وانه كان يناضل في حانات الشرق والغرب مع الشقراوات والسمراوات، من اجل تحرير الوطن من الدكتاتورية، وعندما انتهت الدكتاتورية يقول لك ( آسف يصعب علي العيش في مثل هذه الحياة التي تعيشونها لقد تعودت وعائلتي الحياة الأخرى ). انتم تعودتم على رداءة الخدمات، وألان أصبحتم متآلفين مع المفخخات والتفجيرات والمليشيات والقتل بالجملة، أما أنا فيصعب علي ذلك وعلى عائلتي وأولادي.
ما بين الذي كتب في الكتب السابقة والهومسيك
إذن وهنا لسنا في معرض الدفاع عما كتبه نجم عبد الله، بقدر ما ننقل واقعا نعيشه، إن المشكلات التي تحدث عنها في كتابيه السابقين يتوضح الكثير مما جاء فيهما في كتاب ( هومسيك )، إي ان الانتكاسات الفكرية التي صاحبت العملية الإبداعية والسياسية، هي جزء من الإشكالية في شخصية الفرد العراقي، وخصوصا ً إذا كان مبدعا ً وله امتياز نقل مشاعر الآخرين عبر الكلمة واللون والصوت، وهذا ما لم يناقشه المؤلف، فقد تناول العملية الاغترابية، من نرجسية الذات المبدعة وتضخمها، وهو وان ناقش حالة عشق الوطن لدى الكثير من المبدعين العالميين والعرب، ولكنه لم يتناول الحالة العراقية بالتفريق، وعدها جزء مما هو موجود في العالم الآخر، وفي الرجوع لمسالة مهمة أستشهد فيها المؤلف ولم يناقشها : ” إن سلوك الفرد يختلف باختلاف المكان المحيط به. فالفرد – الفرد نفسه – في المدينة قد تختلف استجاباته عما لو كان في قرية، أو في منطقة جبلية .. ” ص6.هومسيك. وحتى في هذا التعميم لابد من التخصيص، فان الإنسان المتحضر، والذي يقع مكانه ضمن دائرة التحضر هو غير الإنسان في بلد متخلف حضاريا ً، مما يعني أن ما ينطبق على المبدع في البلدان المتحضرة ، لا ينطبق على المبدعين في البلدان المتخلفة، وهذا هو ما حصل فإننا لو أحصينا المبدعين في الوطن العربي والعراق بالذات، فسنجد ان الأكثرية أو الغالبية العظمى هم من أبناء الأرياف والقصبات والبوادي، وطبيعيا ً ليس هناك ما يحمل هؤلاء على التعلق لطبيعة الحياة المتخلفة والقاسية والخالية من تحقيق إي حلم حتى في ابعد صوره، وفي الكتاب يعترف د. نجم عبد الله بهذه الفوارق، ويوعزها إلى سببين، الأول الموروث،.. ولكن من الطبيعي، ومع كل المشتركات ما بين الإنسان والإنسان، أن نجد الفوارق بين الواحد والآخر، وفقا ً للفروق الفردية والجنس، والعنصر، والبلد، والمرحلة التاريخية ..الخ ص25.مصدر سابق. وجعلها نقطة غير معني بها، والثانية المكتسبة،.. ونعني به الفروق التي تفرضها الظروف التي يتعرض لها أو يمر بها الفرد الواحد من بيئة، وتربية، وحيوانات، وضغوطات، وتحولات المجتمع والمكان…ص26.مصدر سابق ، ويوعز عدم الارتباط لبعض الفئات بالوطن، ومنهم الفنانين إلى ..حب الذات الذي كثيرا ً ما يصل حد النرجسية..، دون االسابق.ي الاعتبار، الحالة الاجتماعية والفكرية والاقتصادية، التي هي الأساس في تحديد هذه العلاقة، فكما سبق القول أن أغلبية مبدعي العراق هم من المتحدرين من الأرياف والبوادي والمناطق الصحراوية، وبالتالي طبيعة المنشأ بعدم وجود المغريات لا تجعل للآخر ذلك الارتباط ألحميمي، أما الادعاء والمبالغة بحب الوطن والتغني به، فهذه من صلب شخصية الفرد العراقي ان كان مبدعا أو غير مبدع، فدراسات علم الاجتماع والنفس، تتحدث عن صيغة المبالغة والادعاء في الشخصية العراقية، ولا نريد ان نذهب إلى ما ذهب إليه العلامة علي الوردي، ب ( ازدواجية الشخصية ) ولكن المبالغة والادعاء توصلنا إلى الازدواجية، وهو التحليل الذي سيورده في فصل ( أحب الوطن )، والنقاط التي أوردها والأمثلة عن الشخصيات تدلنا على الفوارق، بين الأشخاص من أصول مدنية، الذين ظل سعيهم مرتبط بالوطن ككيان مادي يعيشه يوميا ً،  وبين الأشخاص الذين أصبح الوطن لديهم مجرد أغنية أو قصيدة أو استذكار، وهم من صنف، ” نحب الوطن ونغنيه، ولكن دعونا بعيدين عنه ” ص57.المصدر السابق.إضافة إلى أن طبيعة العراقي حسية، والحسي مصلحته الذاتية تأتي في المقام الأول، وهو يشير إلى هذه النقطة، ” فان هذا الخروج لم ينطلق بالضرورة من ظلم نظام أو قمعه، بل لم ينطلق أحيانا ً من معاناة أو مشكل أو صعوبات حياة فردية” ص131.مصدر سابق. وهو يرى أن هذه النقطة تتبع إلى ما سماه  (الحمى الجماعية )، كما حدث في قضية سامكو وغيره من الأفاقين الذين ظهروا بفترات على الساحة العراقية، ليسرقوا أموال العراقيين بالحيلة، وركض ورائهم الجميع، ويلخصها في أربعة دوافع، ” إسقاط الفرض، وكسب الجمهور وحمى التنافس، والتغطية على حب الذات، وتأنيب الضمير ” ص134، المصدر السابق.
إن كتاب الهومسيك بغض النظر ان كنا مع ما جاء فيه، أو ضد بعض أو كل، فهو يمثل احد المنعطفات النقدية المهمة في الثقافة العراقية، خصوصا وهو يناقش طلائع الشعب من المبدعين والمثقفين، وكان على المثقفين وبالأخص مثقفي الخارج، ان يناقشوه بروية وموضوعية لا بتشنج وغلبة العاطفة على العقل للدفاع فقط، وقد قرأت اغلب الردود وكانت أكثرها انفعالية ودفاعية، حتى كتابة مبدعنا خضير اللامي، على الرغم من موضوعية ما كتب الا أنها كانت كتابة فيها الانفعالية والدفاعية، ومن هنا كان على المثقفين أن يقفوا على الحقائق بتجرد من خلال مصارحة ذواتهم، لتكون تجربة رائعة فيها إخلاص للذات وتطهير لها، وإلا لماذا نعتبر آراء د. علي الوردي النقدية مهمة وان السلطات السابقة أهملتها، ولا نأخذ بآراء حديثة لمشكلاتنا الحياتية والفكرية، لا أريد ان ادخل في استعراضي للكتب الثلاث في الجدل، حتى لا يقال جاء كتاب هومسيك على الجرح لأنه لم يترك العراق في ذلك الزمن وهذا الزمن مع ما موجود له من ظروف في الخارج هي أفضل من الذين خرجوا، ولكن تجربتنا في الداخل علمتنا الكثير، وواحدة من هذه أن الإخوة والرفاق والأصدقاء الذين غادرونا، جاء قسم منهم وهو في حالة تعالي وكأنه حط من القمر ليفرض آرائه على أدباء  ومثقفي الداخل، لاعتقادهم أنهم يحملون حضارة الغرب إلى مجتمع بدائي، ونسوا أنهم تثقفوا في هذا البلد، وبنوا مجدهم على ارض الوطن وحملوه ليبارزوا فيه في الخارج، وعندما وجدوا ان الذين في الداخل لديهم من المحمول الثقافي اكبر مما هو يحمله راح يزايد، انتم كنتم مع النظام، وهذا في الحقيقة ما يوضحه كتاب الهومسيك، لهذا اعتبره جزء من المشروع الذي يشتغل عليه د. نجم عبد الله كاظم في تصويره للأنا والآخر، ويراد له إعادة قراءة من رفاقنا في الخارج، ليرفدوا التجربة بنتاج اعتقد أنها ستكون رائعة، لأنها ستحمل صدق الوقوف أمام الذات بتجرد، والاعتراف بالآخر كرفيق وزميل وند.

المصادر:    
1– هومسيك: الوطن في غبار المبدعين،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2011، ص 14 .
2 – الآخر في الشعر العربي الحديث: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2010. ص14.
3 – ص38، المصدر السابق.
4 – المصدر السابق
5– أيقونات الوهم ( الناقد العربي وأشكاليات النقد الحديث ): دار الشروق للنشر والتوزيع ، نشر بدعم الصندوق العربي للثقافة والفنون لعام 2010. عمان.الأردن 2011
6- عبد الستار إبراهيم : الإنسان وعلم النفس، ص190 ( نقلا من ص 24) . هومسيك. مصدر سابق.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.