إحتفاء بـ “أسعد الجبوري”.. د. خزعل الماجدي : الشعرُ الشرس من أجل استفاقة الكائن الرصين

إشارة : اعتبارا من هذا العدد تحتفي أسرة موقع الناقد العراقي بالشاعر العراقي المبدع “اسعد الجبوري” الذي طبع بصمته المميزة والباهرة على جسد الشعرية العراقية ، ومازال وبمثابرة عزوم يغذ الخطى على طريق العذاب الآسر هذا .. فتحية له .

كيف يمكننا التعامل مع هذا المقطع الأول من قصيدة الشاعر أسعد الجبوري:
” الرأسُ بطاريةٌ
والشاعرُ ممتليء بالحليب والتراب والطائرات
يصعد نفسه مزمجراً بمرافقة الخوف
كما الساسكفون
وخلفه النبال والإشعاعات والنساءُ بفرائهنّ
المنزوع من  شدة الاحتكاك”
مثل هذا المقطع هناك المئات مما هو أقسى خيالاً وعنفاً صوريّاٍ لا يلين.
ولا شك أن أفضل طريقةٍ هو أن لا نقيس هذا الشعر بغيره فنحنُ أمام عالم خاص لا يجرؤ أحدٌ سوى أسعد الجبوري على كتابته.
هذا الشعرُ الشرس من أجل أن يستفيق الكائن الرصين المهذّب ليفتح، بعدها، نافذته ويجد الكارثة قريبة منه وكان عليه أن لا يطمئن إلى رصانته وكياسته هذه فالحياة أقرب إلى الطبيعة الكاؤسية (العماء والفوضى ) منها الى الطبيعة الكوسموسية (الكون والنظام ) .
تندفعُ الصور والأفكار في غريب الكلمات والجمل الحديثة التي سرعان ما يدجّنها الشاعر ويمضي مؤسساً عالمه، صورٌ حادة المزاج ومدببةُ النهايات ولا تخلو من القسوة والألم.
هل الشاعر يبكي؟
هل هو ينبّه؟
هل يحرِّضُ على مشاهدة كارثة الإنسان بقسوتها البالغة وتراجيديتها المخزية؟
نعم.. هو كذلك يفعل ما لا نريد أن نفهمه نحن .
ولذلك لا نرى أسعد برفقة العادات الشعرية المستهلكة وغير مهادن للقاموس المنتقى للشعر ولا يتصالح مع تيارات الشعر الحديثة في رتابة مشيها الوئيد.
كذلك جرأته التي تظهر في استخدامه الشعرَ معبراً عن رؤاه الفكرية والروحية.. وهي أيضاً حادة مثل صوره الشعرية فهو (يرسم بطبشور من أحمر الشفاه، ومن ثم يتأرجح على خط الاستواء بيضةً اكتملت دورتها في قصيدةٍ. أجسادٌ وراء أجساد) لا يتوانى عن التقاط ما يجده من أحجار ليرجم بها الكليشهات الثابتة وليخلخل ما استقر فهو يرى أن (الأرواح بطارياتٌ مشغولةٌ بنبيذ الجوف والبطارخ المضادة لكنوز أفلاطون . كأننا مع بعض لوتس دراماتيكي، ندخل التيه الحداثوي وعلى أكتافنا أثقال المجهول المفترس عند باب كلّ مغيب).
تسبحُ في شعره المفردات والمصطلحات العلمية من كلّ الحقول دون أن تلتفت لاحتجاجنا ويدربّها أسعد على أن تكون أسماكاً ماهرةً للغوص في مياه الشعر، هذا إنجازٌ لوحده حين يرى أن الأرواح هي (بواخر هائمة بالشغف وبالحرير وباللحم المدخّن بالبخار الكهرومغناطيسي لرفع كفاءة الطوفان).
لا يتوانى عن وصف أحداثٍ علمية بلغةٍ شعرية شرسةٍ هي الأخرى ضارباً عرض الحائط تلك الرصانة المفتعلة في التوصيل الشعري ليفتح لنا توصيلاً شعرياً آخر يليقُ بتحديه، فهو حين يتحدث، في قصيدة، عن غزو الفضاء يقول (تسحبُ –ناسا- رأسها من الغيوم لتضعَ في بريد الفضاء بيضةً تسمى ديسكفوري ، الآلات تشق طريقها بتقنيات عاليةٍ والملائكة في ارتباك عظيم. لا نعرفُ ما الذي يمكن فعله. حتى أن مفاتيح السماوات تكاد تذوب بين أصابعهم المبلّلة بالنار. يحدث ذلك سريعاً لتواصل الحيوانات المعدنية صعودها على سلالم من ألياف الكربون فيما يتخلصُ الخيال من الهواء الجيولوجيّ القديم).
ما يخافُ منه شعراء الحداثة يلجُهُ أسعد الجبوري بقوةٍ وتحدٍ فهو لا يرى أن هناك مفردات شعرية وأخرى غير شعرية ولذلك يستعمل كلّ هذه المفردات دون أدنى انحياز لبعضها ليجعلنا أمام مشاهد متتابعةٍ  حيّةٍ، وكلما توغلنا في شعره أدركنا أنه لا يفتعل انتخاب المفردات العلمية والحديثة على القاموس العربي ليصدمنا أو ليلفت انتباهنا بل هو يسترسلُ في ذلك دائماً وأبداً حتى أصبحت هذه من بديهيات شعره، وبذلك يكون قد كسرَ تابو المعجم الشعري الحديث وأغناه بمفردات وصور كثيرة لا عهد لنا بها.
جملهُ تتراسلُ مع الأضداد في وقت واحد (الشياطين والملائكة، الأعلى والأسفل، اليمين واليسار، السماء والأرض…إلخ) ويجبرنا على استلام هذه الجمل في منطقة تتناسب مع راداراته التي تبثُّ في كل الاتجاهات ما لا يمكن تصنيفه أو وضعه في وصفٍ ثابت.
يشكِّل الجنسُ جوهر شعره الشرس فهو يكمن هناك قصيّاً خلف كلّ صورةٍ أو استعارة أو جملة محتدمةٍ، وبذلك يتحول الجنس من فعل جسدي إلى فعل لغويّ، ويأخذ مسالك وعرةً جداً في تجربة أسعد فهو يكمن خفيّاً موارباً في كلّ انتباهاته الخاصة لكنه، أحياناً، ينكشف بعريه على مصراعيه، وكأن شعره باطنٌ جنسيّ لغوي في أغلبه وظاهر جنسيّ جسديّ في بعضه. ومن هنا يمكننا، أيضاً، تفسير الحدة والقسوة في شعره انطلاقاً من فهمه الخاص للعلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة.
عندما نحاولُ إرجاع أسعد الجبوري إلى أي مرجع شعريٍّ عربيٍّ معاصر فإننا نفشل تماماً، فهو كيان قائمٌ بذاته يفترس ما يريد من شهوات الحداثة دون قوانين أو ضوابط موصوفة سلفاً.
نلمحُ في شعره سوريالية سرعان ما تحيلنا إلى خارجها وإلى نوعٍ من التجريد الحسيّ الذي ينفرد بصناعته، وأحياناً يتلاقى مع الشعر الإيماجي الأميركي المهووس بالصورة.
في تعريفاته الشعرية، وهي قصائد أسماها (غبار الساعات) يعمل على إعادة تعريفات الأشياء والظواهر بطريقة شعرية، نلمحُ اختزالاً مدهشاً ولسعاً حاداً وغرابةً آسرة.. فهي تمنحنا نوافذ تكسر المألوف وتوسّع العالم وتشحن اللغة بطاقة جديدة. وهي تجربةٌ تستحقُ الوقوف والتأمل، ففيها لونٌ جديدٌ من ألوان الشعر يعبر على النوع المألوف ويتجاوزه .
ومثل هذه تجربة الرسائل الشعرية القصيرة (sms) في (قاموس العاشقين)  والتي تأخذ منحىً آخر.
وإذا ما أضفنا لكل هذا وذاك رواياته الخاصة والنادرة المضامين فسنكون أمام مبدعٍ حقيقي استطاع أن يؤسس بيته الإبداعي بصدق رؤيته هو ومشاعره هو بعيداً عن ما ظل يسود الأدب العربي من اتجاهات، وربما يصحب هذا أن أسعد الجبوري صعبٌ على التجييل (في الأدب العراقي مثلاً) فرغم ظهوره الإبداعي في حقبة السبعينات إلاّ أنه خارجٌ على الأنماط السبعينية الشعرية والروائية فنياً، فهو نسيجٌ قائم بذاته يستجيب بإخلاصٍ لنشاطه الروحي واللغوي ويجد في مخيلته المرجع الأول له.. أما عكازات الآخرين فمرميةٌ على طريقه هنا وهناك لا يبالي بها

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.