سلام ابراهيم : الإرسي (رواية في حلقات) (1)

إشارة : إعتبارا من هذا العدد تقوم أسرة موقع الناقد العراقي بنشر رواية القاص والروائي العراقي “سلام ابراهيم” : “الإرسي” على حلقات .. تعقبها مجموعة من الدراسات والمقالات التي نشرت عنها بعد “إرسي الخراب العراقي” الدراسة الطويلة التي نشرتها للناقد “حسين سرمك حسن” عنها ، والملاحظات التي وصلتها من القراء الكرام بصدد عدم اطلاعهم على نص الرواية . وستكون “الإرسي” مفتتحا لنهج جديد تتيعه أسرة الموقع مع الروايات العراقية المهمة .  

إلى ..         
    .. ناهدة القزمري..
       همسة
       كفاح
       صلاح       

في برزخ الإرسي *
ـــــــــــــ
* غرفة علية تبنى فوق المطبخ والحمام، واطئة السقف تستخدم كمخزن في البيوت العراقية القديمة، ولها سلم مستقل من الباحة الداخلية وسلم قصير يصلها بالسطح .   

المخبأ
تب.. تب، فاصلة صمت،.. تب.. تب، اصطدام مكتوم أشبه بوقع رذاذ خفيف. تب.. تب.. تسقط الكتلة المفتتة من السقف الخفيض. تسقط في بئر العتمة منفصلة عن عقادة الآجر المنخور.. تب.. واهنة تستقر على صدره، قدميه، بطنه، عنقه، جبهته منتشرة بنثارها الرطب. تب.. ترن في قعر الإبريق النحاسي، في حوض طاسة الماء المعدنية، على الكتب المكدسة جواره في الحيز الضيق بين فراشه والجدار. في استلقائه الساكن في حلكة المستطيل العريض جهة الرأس، والضيق جهة الأطراف والباب، يستقبل بعينيه الشاردتين، كائنات الغبار النشطة في عراكها المحتدم، وهي تدخل وتخرج من مسارات النور المتسرب من أربع كوى تطل على باحة البيت القديم. يندمل في حركتها العشوائية، الضاجة بصمتٍ، في حبال الضوء التي لا تنجح في إضاءة شيء من دكنة غرفة الإرسي العلية، بل تزيد الزوايا والجوانب حلكةً في عز النهار. يلاصق الجدار الرطب المتآكل جهة الباحة، ساكناً ينصت بشرود كلما خلى البيت وران الصمت، ينصت إلى وقع الجص المتساقط في خواء وحشته، فقد تشابهت النهارات والأيام والليالي، وهو في جحره الضيق المهجور هذا، لا يستطيع النزول إلى الباحة وغرف البيت إلا لفترات قصيرة، وقت خروج عمته الأرملة الجميلة معلمة  الابتدائي إلى مدرستها، أو حينما تزور أحداً. في تلك الأوقات يتمدد فضاء حريته كوناً، يصير فضاء البيت بكل غرفه وبلا قوانين وقواعد. في تلك الأوقات يدور بين الغرف. يتمدد على بلاط الباحة.. يتعرى فيها قبيل دخول الحمام. يظل عارياً بعد السباحة.. خفيفاً وهو يخوض في مناحي البيت. لذة لم يجدها في دار أهله المكتظ بإخوته العشرة. يحتدم بعالمه الذي اتسع من مستطيل ضيق كتابوتٍ، إلى فساحة غرف خالية، لكنها محتشدة بأنفاس أحباب غياب، بعبق طفولته، فساحة تتيح له حرية التلصص على نهر الحياة المنحدر خلف نوافذ غرفة الضيوف المطلة على مجرى الزقاق. يتلصصُ عبر زجاج النافذة العالية وسيمها المغبر. بكل شوق المستوحش، المضطر إلى الاختباء يمعن في وجوه المارة المضببة بغبار النافذة. يعتنق في شجنه حيوات الشارع المضببة. نسوة وأطفال. شيوخ وشبان. بغايا وأشراف. عشاق يسرقون القبلات في همس يشبه تساقط حبات الجص. يحدق عبر الزجاج المغبر. يرحل في شؤون القسمات، أشكال الأنوف، ألوان البشرات، عالم العيون الزاخر بالظنون. يذوب في تكور المؤخرات الضائقة بالعباءات. بالظهور المنتصبة، الهزيلة. تخدره الحركة المتقاطعة المتقابلة المتوازية الدائمة لأجساد المارة الحميمة، السادرة في شئونها. هذه صباحات الله التي ضاقت عليه، وتعسرت. وصار مجرد السير فيها حلماً عصياً، قد يكلفه العمر
تتعبهُ النافذة القديمة العالية، الارتكاز على أطراف أصابع قدميه والميلان المحسوب كي لا يُلْحَظْ من الخارج. يتهالك على الأريكة القريبة. فتظهر أشياء الغرفة من ظلالها الكثيفة رويداً.. رويداً.. المكتبة الصغيرة، المنضدة بخشبها الصاج العتيق وقوائمها القصيرة. لوحة محتشدة بالصور الفوتوغرافية. وجوه أقارب وأغراب تطل على جلسته من ظلال عالمها الساكن، شديدة الحياد في بسمتها الأبدية أو غضبها وضيقها. السجادة المعلقة بالجدار المقابل للنافذتين المطلتين على الزقاق الضيق، يتربع وسطها رجل جميل القسمات محاط رأسه المعمم بهالة ضوء. يحضن سيفه المشروخ، ويربض جواره أسدٌ وديع. الأرائك المتربة. سجادة الأرض القديمة. الرفوف المليئة بالمنحوتات الصغيرة، ديكة منتصبة تشرع بالصياح، ذئاب برأسين وثلاثة قوائم، وعول مطأطئة الرقاب، أبقار وقطط، نماذج مصغرة لقباب الأولياء معمولة من النحاس الرخيص والمعدن دأبت عمته على شرائها عند زيارتها المراقد المقدسة. الباب المفتوح على المدخل والمتصل إطارها الأعلى بدرفتي نافذة زجاجية عالية تشغل المسافة بين إطار الباب والسقف. ريشات المروحة السقفية الميتة. يمسح الأشياء بعينيه الذابلتين. يتخيل في استراحته الوجيزة امتداد الزقاق غير المرئي من النافذة، والمتصل بسوق المدينة المسقوف بالصفيح المثقب. يستعيد إيقاع الزحام، اكتظاظ المقاهي، لعبة انتظاراته اليومية على ناصية المقهى، ولهفته لرؤية وجه بهي وآخر.. وآخر حتى حلول الخدر والفتنة. يظل أحياناً حتى نزول المساء تائهاً في المخيلة، مخدراً بالضجة خلف النافذة، تعصف به الأشواق المبرحة إلى أن يجمد مرعوباً من طرق على الباب، رنة جرس يحطم سكون البيت، أو على صوت مفتاح ينحشر بثقب الباب، فيقفز باضطراب سائراً على أطراف قدميه، متحاشياً إصدار أي ضجة، يدلف إلى المدخل. يقطعه بقفزتين. ينحرف يساراً بحذاء جدار الباحة. ينحني والجاً من تحت منضدة مبردة الهواء العالية التي تسدّ السلم القصير المؤدي إلى الأرسي. يرتقي السلالم المتآكلة. يسد الباب الواطئ خلفه متهالكاً على فراشه المترب حيث يستلقي الآن. فمن شروط عمته، أن يلبث في عليته طوال النهار، ولا ينزل إلا لقضاء الحاجة أو للأكل إلى أن يجّن الليل. وعليه تحاشي الغرف المطلة على الزقاق إلا في حالة إطفاء النور. حرص أشد الحرص على الالتزام بذلك، ولكن حينما يخلو البيت وتعوي في صمته الوحشة، يتسلل إلى نافذة الدنيا وصباح الأزقة المشمس وبشرها ليعب من الضوء والضجيج والوجوه ما يصبره على انتظاره المجهول.
* * *
أتتبع روح الفتات الهابط من سماء سقفي المنخور.. تب.. تب. وقع وجدته لعبةً أزجي بها الوقت. أرهف السمع وأحاول تخمين أمكنة السقوط التي تخطئ جسدي المظاهر للجدار الأعرض، البعيد عن الباب، لعبة ممتعة حقاً أقضي بها النهار الذي يكتظ بالنساء اللواتي تخيط لهن عمتي الأردية. أحياناً تجذبني ضجتهنَّ. لم أجد الرغبة في التقدم بجذعي الأعلى مسافة ذراع لإلقاء نظرة من خلال أقرب طاقة، فباستطاعتي تخيل المشهد بشكلٍ تفصيلي. يتحلقنَّ في طرف الباحة حول ماكينة عمتي المنهمكة في الخياطة، والتي تخطف بصرها خلسةً بين الفينة والأخرى إلى الطاقات الأربع. بمقدوري رؤية اضطراب عينيها الزرقاوين في إنصاتها المشتت لما تقوله النسوة اللواتي يتحدثن في الوقت نفسه فيضيع الكلام مندغماً بصوت تشغيل الماكينة المتقطع. أمهات وزوجات، أخوات وعاشقات، أرامل رجالهن قتلوا أو فقدوا في جبهات الحرب أو المعتقلات. أركز أحياناً على أسماء معارف جلبت جثثهم قبل أيام، أو أعدموا في الساحات العامة بسبب هروبهم من الجبهات، عن حملات تفتيش وتمشيط تجري في أحياء المدينة. أتجمد رعباً متخيلاً لحظة القبض علي.
ـ سيحل دوري عاجلا أم أجلاً.
أقول لنفسي، وضجة النسوة تتخافت مبتعدة، لتتلاشى خلف صوت انطباق الباب. أسقط في الصمت منتظراً وقع التساقط الحميم.. تب.. تب ألاحق الأصداء المخنوقة لروح الفتات. فتترسخ محتلةً فسحة كينونتي. أقتفي أثر الصدى قاطعاً فواصل صمته الأخرس الدوار، أركب جنح الموجة الصوتية المكتومة الآتية من أزمنة سحيقة والذاهبة إلى آماد لا متناهية. أبحر في الحالك الممتد من لحظتي.. لنغمة اصطدام الفتات بالأشياء الغاطة في العتمة، نفس وقع ذلك التساقط الرتيب لنتف الثلج وأنا أسير في ذيل قافلة الرجال والبغال الخائضة في حلكة ليل الجبل الأخرس، أوصاني الدليل الكردي بالصمت والصمت إلى حين وصولي إلى قاعدة الثوار البعيدة، فالرجال خليط غير متجانس، من مقاتلين، وجنود هاربين من الجبهات يبغون اللجوء إلى إيران، عائلات مسيحية متجهة سراً إلى الحدود تحلم بالوصول إلى أمريكا، مهربو بضائع من المدن إلى القرى المحاصرة، خارجين عن القانون، قتلة، رجال مخابرات متنكرين، سياسيون شرفاء وأنذال.. ليس أمامي سوى الصمت وإطاعة أوامر قائد القافلة الذي لم أستطع تشخيص ملامحه بسبب الظلام. كنت أحدق بريبةٍ في الوجوه الملتحية، بحواجبها الكثة المضفية على الملامح المتصخرة مزيداً من القسوة. قسمات أراها على لهب القداحات المتراقص وهم يشعلون سجائرهم في الدروب البعيدة عن ربايا الجيش. يداخلني الشك كلما عبرنا جادة مبلطة، أو مضيقاً خطراً يمر من تحت مواقع الجنود، ومما زاد قلقي سقوط السائر أمامي ونحن نسير على حافة وادٍ إلى عمقه السحيق ولم يصدر منه سوى شهقة فزع تلاشت في الهوة، ورغم إخبار قائد القافلة فقد أمر بعدم التوقف لخطورة المكان، وعندما ألححت في السؤال عن مصيره، إلتفت نحوي هامساً ببرودة أعصاب:
ـ إنه جوار ربه الآن.
ـ …
تلكأت في خطوي ذهولا.
ربت على ظهري قائلا بخفوت:
ـ امش ..امش، لم تر شيئاً بعد !
قلت لنفسي وأنا أحث الخطى:
ـ إلى أين أمضي في المجاهل هذه بصحبة بشر لا أفهم لغتهم؟.
أي مجهول يتربص بي بين الجبال الوعرة التي أشار صوبها شيخ وسيم، أشيب الشعر. كنا نقف في حديقة بيته الفسيح، بمدينة ـ كفري ـ بساحاتها المقصوصة العشب، المرتبة على شكل مستطيلات، تفصل بينهما دوائر مزروعة بشجيرات الروز والقرنفل وأقفاص حديدية كبيرة فيها غزلان زاهية بعيونها الواسعة المحدقة نحو وقفتنا باطمئنان. كان يشير محدداً مسار القافلة التي ستأخذني بعد ثلاثة أيام. وقتها كنت لا أستطيع الربط بين ثراء الرجل وثوار الجبل، لكنه في اليوم التالي ونحن نخوض في حوارٍ متشعب حول كردستان والثورة الكردية التي اشتعلت في 1961 في عهد عبد الكريم قاسم، و اتفاقية ـ 11 آذار 1970 ـ أراني صوراً تعود إلى الستينات يظهر فيها فتياً، بملابس البشمرگه بصحبة ملا مصطفى البرزاني، وجلال الطالباني، وصوراً كثيرة مع جموع من المقاتلين ببنادقهم البرنو والسمينوف القديمة، وقاماتهم الناحلة، وضحكاتهم الجامدة على الورق الصقيل القديم، أطلت التحديق في الصور مفكراً بمصائر بشرها الشاخصين أمامي بهيئاتهم قبل عشرين عاماً. وعندما رفعت رأسي، وجدته يبتسم:
ـ تتساءل عن مصائرهم؟
أومأت بالإيجاب.
ـ منهم من قتل بعد أيام من التقاط الصور في المعارك، ومنهم من مات لاحقاً ومنهم من أصبح وزيراً، أو مهاجراً، أو تاجراً، أو سكيراً، أو متسولاً، أو جلاداً يقود مفارز خاصة لاصطياد الثوار، أو أساتذة جامعات، أو كتابًا وشعراء، ومنهم من قضى معدوماً، أو تحت التعذيب في الزنزانات. هكذا يا ولدي هي الحياة !!!
عرفتُ لاحقاً أن ذلك الشيخ هو ـ عطا الطالباني ـ. كانت زوجته صامتة ترمقنا بعطف، وتعد لنا أطيب الوجبات. سمعت لاحقاً أنها قتلت أيضاً برصاصة طائشة وهي فوق سطح البيت تستطلع معركة بين الثوار وقوات الجيش داخل المدينة.
ـ سترى العجب من أقرب الناس، ستطل على البشر وتتعرف عليهم بعمق. ستنذهل مراراً ورفيقك يضم قطعة خبز في ظرف عصيب، أو يجبن في لحظة حاسمة أو يزاحمك في الأكل واللبس والشراب. دع عنك أحلام الثورة النقية وشرف مقاتليها فهم ليسوا أنبياء.
سأتذكره طوال أيام الجبل، وما قاله يتكرر بالضبط، وأنا أصلاً غير مؤمن بالثورة والسلاح، لكنها الحرب وتلك الليلة المهولة التي قضيتها في ملجأ شقي والقذائف الإيرانية تتساقط حولي حتى انبلاج صباح المذبحة. زحفت في الغبش  بين الأجساد المجزرة والمذبوحة والصارخة بأيديها المقطوعة وأقدامها المهروسة. عدت ليلاً في القطار الصاعد من البصرة وقلت لزوجتي:
ـ جئتك من الموت.. ولن أعود.
ولم يكن لدي سوى حل واحد هو الالتحاق بثوار الجبل.
أخوض في ذيل القافلة قادما من المجهول وسائراً نحوه. ألزم صمتاً قبرياً، متتبعاً الكتلة الدامسة المتحركة أمامي. تجتاحني رغبة عارمة في البكاء، أحرزها بعناء، فتحتدم في نفسي بارح الأشواق وتلقيني إلى مسافات حزن قاتم، ووجه محبوبتي السمراء مضيئاً ينبثق من أغوار الظلام، من صلادة الصخور، من وحشتي، من وقع الثلج الخافت، وهسهسة احتكاك بنادق المسلحين بالملابس الفضفاضة. قسماتها الشاحبة، المأخوذة بصرخة يأسٍ خرساء تجول في أرجائها لحظة وداعها وهي تقف خلف باب البيت نصف الموارب، ووجه ابني ـ كفاح ـ الضاحك يمد رأسه ملاحقاً خطوي المبتعد باتجاه ضجيج سوق الخضرة القريب.

أشـــــــواق

ـ هل سأراك مرةً أخرى؟.
ـ هل سألمس طفلنا.. أحضنه.. أحضنك.. هل؟!.
تأخذني يا حبي الهواجس والمخاوف. قد يعتقلونك رهينة.. قد أموت غريباً في الجبل.. هاهي ثلاثة أشهر مرت بلياليها الباردة، آلامها، كوابيسها. مرت ثقيلة، ودفعتني إلى فضاء فارغٍ مفتوحٍ. سكنتني أشواق لا براء منها. صاحبتْ لحظتي وأنا أتجول بين الجبال والقرى النائية، منفصلاً عن المقاتلين، ساهياً، حزيناً. تتخايلين جواري وحولي في الوديان والكهوف، في صباح الغابة الضاج بالعصافير، وفي ليل الجوامع وأحلامها. أستيقظ على ترديد المصلين الرتيب.. الله حي.. الله حي.. لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله..  أجلس متربعاً على السجادة البالية ملتفعاً ببطانيتي، نائداً معهم في غمرة سكرة الورع، أنود مشرفاً على حافة النحيب، إلى أن يبدأ الصبيب الساخن، فيختلط مشهد صفوف الرجال الورعين المتشبحين بضباب نور الفانوس الخافت ودمعي الدافق ولغط الأدعية والفجر المتسلل من النوافذ المطلة على الوادي وغابة البلوط. أتوسل مع هذه الأرواح المنسية بين الجبال إلى جلالة القادر كي يدعني أراكما مرة واحدة وحيدة. أدمنت هذا الطقس الذي وجدتْ به روحي السلام. وفي مرة وجدني الحرس المناوب أردد وأنا أنود اللازمة المنقذة، مما جعلني في اليوم التالي موضع سخرية المقاتلين:
ـ لم لا تلتحق بحزب الله!
ـ يمكن يصّلي بَسكوتْ!
أين لهم أن يفهموا ما بيّ؟. وحدك يا حياتي من يفهم حيرتي إزاء الأشياء والبشر والدنيا. أصبحت شارداً نَسْاء. تصوري مقاتلاً ينسى بندقيته.. صف رصاصه.. غطاء رأسه، في الجوامع.. في بيوت الفلاحين وخيم الرعاة. وََلكِ أن تتخيلي ما أضاف ذلك النسيان من سخرية أراها بعيون المقاتلين الشبان الأكراد النابضين قوة وحيوية، وهم يتغامزون ضاحكين كلما وقع نظرهم على هيئتي المبعثرة بملابس الفلاحين الأكراد التي لم أتعود عليها بعدُ، مما دفعني للمطالبة بحمل أثقل قطعة سلاح بندقية ـ عفاروف ـ قضمت ظهري، لكنها خففت قليلا من صورتي المخربطة. كنتُ أنوء بحملها أثناء تسلق القمم الشاهقة، لا بل أحتضر، فأستمد العزم من حلم رؤيتك متخيلاً لحظة إقبالي عليك واحتواء رمانتي كتفيك براحتي، فوران الرغبة في عينيك وأنتِ بين ذراعي. سأحضنك.. سأعجنك من أخمص قدميك الصغيرتين حتى قمة رأسك. سأدفن وجهي اليائس في شعرك الطويل. سأهبط إلى قدميك الطفليتين.. سأ.. سأ.. اسمعي يا حلوتي.. أسعد لحظاتي تكون في خلوة الاستحمام في غرفٍ طينية ملحقةٍ بالجوامع حيث تجري في أحواضها مياه الينابيع. كنت تنبثقين مضيئة من ظلال مكتظة بأبخرة الماء الفائر، المتصاعدة من قدرٍ كبير موضوع على صخرتين متباعدتين، يشتعل بينهما الحطب، تقفين إزائي عارية بنهديك الصلبين النافرين، وسرتك الملتفة مثل حلزون، ومتانة فخذيك الزلقين. تقتربين سائرة على صف الخشب المرصوف نحو دائرة التحمم، تلتحمين بيّ.. فأغور في تيهك اللذيذ، ثم أستيقظ على بللٍ وخيبة.. أترمد. أتضاءل. أسقط في يأسٍ موحلٍ. أرتجف.. أرتجف.. أرتجف من البرد وخوفي من ضياعكِ. أتسلل إلى باحة الجامع خفيض السقف. أندس تحت بطانية رثة جوار المحراب. وقبل أن أخفي رأسي، أرمق أجساد المقاتلين المبعثرين بأرجاء الجامع، على ضوء فانوس شحيح، موضوع على رفٍ حجري، ينتأ من الجدار البعيد. أتأمل أجسادهم المكورة، التي تبدو كأسمالٍ بالية مرمية في هذه الأركان المنسية، أسمال حية حزينة، تحلم في غفوتها الخفيفة بالأحباب البعاد، وأزقة الطفولة، وصبح المدارس والجامعات، بالبساتين والأنهار، بدفء البيت، تحلم.. وتحلم لتقتل غداً في كمين، معركة، أو تصطادها الطائرات المروحية التي تأخذ منا بين الحين والحين وجبة.. واحد.. أو اثنين. أو أكثر. ففي قرية “بولقامش” أخذت برصاصها ثلاثين مقاتلاً إلى الرفيق الأعلى الرابض في السماوات البعيدة فأراحتهم من مشاق التجوال والمخاوف ودبيب القمل والجوع وتباريح أشواقهم المضنية. من ناصية وحشتي القاحلة في عتم باحات الجوامع الراجفة بنور فانوس راقص له لون الجمر الذاوي، أتأمل يا حبي مصيري. ليس بفزعٍ لكن بإشفاق.. يا ملاكي بإشفاق..
كم هي حزينة ذواتنا التائهة في شعاب الجبال والأودية؟
نطوف والموت يطوف معنا. نسخر من الطلقة المارقة ظاهراً ونرتجف هولاً في أعماقنا الدفينة، ولكثرة ما رجفنا تجلدت الروح هاربةً من مشاعر الفزع، فالموت أصبح حقيقة صلبة، ونحن نراه يخطف واحداً منا بين الحين والحين. اسمعي يا روحي.. اسمعي عما أحيا فزعي. كنا نحاول عبور شارع مبلط من تحت ربايا الجيش. وفيما كنا نكمن قبيل العبور سمعت أحدهم يهمس للواقف جواره:
ـ كما اتفقنا تصوب نحوي ما إن أصاب ويتعذر سحبي!.
ـ مجنون!.
ـ لست مجنوناً، لو تمتنع أو تخطئ طلقتك.. سوف تجرم بحقي!.
ـ مالك كلما نعبر شارعاً تعيد نفس الكلام المخيف؟.
ـ لم تزر أقبية الجحيم.. فأين لك أن تستوعب مبلغ رعبي!.
لم أهتم للأمر. فطالما سمعت مثل هذا الحوار، في استراحات المفرزة جوار ينابيع المياه، قبيل النوم وبعد سرد مفصل عما جرى للسارد أثناء اعتقاله. كان السرد اللاهث المصور لحظات الرعب والألم الجسدي يحيل نومنا إلى كوابيس تتمحور حول لحظة الإطباق علينا، كما حدث لمفرزة صغيرة كبست قبيل الفجر وهي نائمة في جامع قرية قريبة من معسكرٍ للجيش. لكن ما أن وطئت أقدامنا إسفلت الشارع حتى انهال علينا الرصاص. انبطحتُ سامعاً خلفي صوتًا:
ـ رفاق أصبت.. لا أستطيع السير.
في ضجة الرصاص، وعلى ضوء طلقات التنوير رأيته مُلقىً على مبعدة أمتار دون سلاحه. كان يدعوني كي أطلق عليه رصاصةً:
ـ ارحمني يا رفيق.. ارحموني!.
صوبت نحوه في لحظة خاطفة متذكراً تفاصيل سرده المرعوب، لكن إصبعي تيبستْ.. لم تقوَ الضغط على الزناد. ومن خلفي.. من ظلام الجهة التي من المفترض أن ننسحب صوبها جاءت صلية أهمدت جسده. في الصبيحة التالية كنت أتفحص الوجوه وجها وجهاً، أحاول الوقوع على من أطلق الرصاص، لكن الوجوه الصلبة جامدة جمود الصخور لا تبيح بشيء. لزمت الصمت.. فمن يصدقني؟. وظللت أهجس بالقاتل الرحيم في كل الليالي التالية، يشاركني ضحكي وخبزي ومنامي، متخيلاً فوهة بندقيته المشفقة وهي تفضي بيّ إلى بوابة العالم الآخر.
هل يسمى هذا فزعاً يا حبيبتي؟.. أم أن الأمر قُدّرَ علينا من قوى علوية، تخلت عن البشر. قوى عاقلة أصابها اليأس من شر الإنسان، فتركته يعمل ما يشاء بأبناء جنسه؟. الأمر سيان يا حبي. وجدت نفسي تزداد ضعفاً أكتمه في سري، وأفضي به في أغباش بيوت الله المبعثرة تبعثر قرى الجبال البعيدة. أبوح به نائداً مردداً ديمومته الراسخة في الأعلى، ناشجاً بصمت. قد تضحكين عليّ يا زهرتي الملحدة، المتوقدة المدلهة بحلم ماركس، الذي دفعك صبية يافعة إلى أحضاني. اضحكي كما تشائين. ففي لحظة ما سوف تتذكرين كلامي، لكن متى؟ وشبح مقتلي يحوم حولي في كل خطوة أخطوها في هذه المَجاهل الشاسعة الوعرة. اسمعي يا من تمكثين في لب قلبي.. اسمعي.. الموت ليس صعباً بالمرة عندما يحل، لكن شبحه الحائم، وما يبعث من أخيلةٍ موحشة هو المضني.. أتدرين ما كان يكمد أوقات خلوتي.. ويذرني رماداً مع مطلع كل فجرٍ ؟!!! . كنت أتخيل جسدي البارد مهجوراً في مغارة موحشة، قرب طريق إسفلتي، في قعر وادٍ سحيق، أتخيل اللحظة تلك دونك ودون طفلنا الحبيب. وحشة جسدٍ تلظت روحه بأشواقها واندثرت. جسدي الحميم الذي أذاقك الشهد صافياً.. أتتصورينه ذلك الذي يطيب لك أن تلامسيه بأناملك الناعمة كل ليلة، وتبحثي عنه وأنت في عزِّ النوم.. أتتصورينه مُنَخّلاً بالرصاص، غارقاً في بركةٍ من الدماء، متروكاً في العراء في تلك المناحي البعيدة. أغفو من تعبٍ ووحشة.. لأراك جنبي في مدنٍ بعيدة لا يعرفنا فيها أحدٌ. مدنٌ لا حروب فيها ولا خوف. شوارعها خالية.. مهجورة. نجوب فيها مندهشين من غياب البشر والصمت ومحلات مفتوحة مليئة بما لذّ وطاب. نتجول في أزقة وحدائق وبساتين. ندخل بيوتاً وقصوراً وملاهٍ وحدنا، وكأننا في مدينة من مدن ألف ليلة وليلة الخالية. نتذكر ابننا الحبيب وكأنه مُودَع في مكان آخر من أمكنة الليالي العجيبة. ندخل بستاناً ونغفو متعانقين تحت شجرة تين. كنت أحس بجسدك الساخن لصقي متأججاً مثل تنور، فأمعن في شدة التصاقي، وبغتة يضج الصمت بلغطٍ، فأستيقظ على ترديد طقوس صلاة الفجر لأجد نفسي في حومة غبار الفجر والأدعية وسط أجساد المقاتلين المتناثرة في ظلال زوايا المسجد.
ملكتِ كياني وضمرت دونك كل المعاني. صرت أحلم بك فقط. أحلم متجرداً من كل ماعداك. فمنذ الأيام الأولى تبخرت كل أحلام الثورة وكتب اليسار الماركسي، من الدول والثورة إلى تاريخ الثورة الروسية لتروتسكي، مروراً بمذكرات جيفارا. لم يظل شاخصاً في ذاكرتي سوى وجه الشيخ ـ عطا الطالباني ـ الوسيم الذي أصرَّ على إيصالي بسيارة عمله ـ بلدية كفري ـ الرسمية لعبور نقطة التفتيش عند مخرج ـ كفري ـ  باتجاه ـ قادر كرم ـ. وجهه المرتوي وهو يسألني:
ـ ألديك زوجة؟
ـ وطفل عمره ستة أشهر!.
تَمعنَّ في قسماتي طويلاً، وكاد أن يقول شيئاً، لكنه سرعان ما كبح نفسه ناظراً نحو سلسلة تلال ـ كرميان ـ الجرداء المرئية من جلستنا. انتظرت ريثما التفت نحوي ثانية، فبادرت:
ـ أردت أن تقول شيئاً!.
ـ..
ـ تساعدني كثيراً لو قلت أي شيءْ!.
أبحر في وجهي، وكأنه لا يراني ثم قال:
ـ سيكون العناء مضاعفاً عليك!.
لم أعر كلامه اهتماماً، لا بل كنت لا أستوعبه، وقتها كنت سكرانًا بالخلاص من هول جبهة الحرب، ومن فكرة خلاصي بالالتحاق بثوار الجبل. لكنني اكتشفت أنني عالجت الداء بالداءِ. كنت أراه في أوقات شرودي، وكأنه في جلستنا جوار قفص الغزلان كان يقلب ما سيصير إليه حالي خلف التلال حيث شفني وجدكِ وحولني إلى كائنٍ دنفٍ لا يروم من الدنيا سوى لقائك. وفي غمرة التجوال والقتال أصبحتِ مبتغاي.. أن أراك وأحضنك ذلك ما كنت أدفع عمري من أجله، ولم يمض سوى خمسة أشهر حتى كتبت للرفاق عشرات الرسائل، مصوراً حالي أفضل وأشجع من بطل رواية ـ الأم ـ لمكسيم غوركي. ومع كل رسالة أحلم بالأمكنة التي سأراك فيها من جديد. أمعنت في مبالغتي وإلحاحي، ناسجاً لهم عشرات القصص عن خطوط وشبكات تنتظر قدومي شخصياً لأنها لا تثق بغيري، مما جعلهم يسمحون لي بالتسلل في صباح من صباحات شباط الثلجية الباردة.. لأجد حالي محشوراً في فسحة الإرسي الضيقة. ممنوعاً من رؤيتك، ومن الخروج، أتقوت على رسائل تبعثينها مع ابن عمتي، رسائل زاخرة بأحلام الثورة فيستعر قلقي، وأنا أستشف منها مدى تورطك مع التنظيمات الحقيقية مما يزيد من رعبي وبؤس حالي، وعندما طلبت منك أن تسعي كي تحصلي لي على قطعة سلاح، حمله لي ـ حسون ـ بعد أيام ومعه ورقة تذكرين فيها أنك بعتِ سلسلة ابننا الذهبية من أجل ثمنه. فرحت بالقطعة وارتعبت منها، ومن حماسك.
ـ يا خالق الأكوان.. في أي ورطة وضعتني؟!.. وكيف الخلاص؟!
أعيش في صمت مظلمٍ ووحشة أشد إيلاماً من وحشة الجبل. أتسلى بالإنصات لفتات الجص المتساقط من سماوات السقف الدانية الدامسة. أتتبع وقع الندف المرتطمة بخفوت بأشياء المكمن. وأحدق عند خمود البيت من ثقوب بحجم نصف آجرة صغيرة في أرجاء باحة البيت الخالية السابحة في شمس الظهيرة. أنصت لضجيج منتصف النهار، مفكراً في شؤون الخلق والدنيا، لأصل إلى لحظة فراغ الرأس من كل شيء، فأتمنى من أعماقي أن أكون في غير هذا الإرسي المعتم عتمه سرداب، زنزانة، قبر، جندياً في الجبهات وسط الجنود في الخنادق..
أن أكون سائراً في ذيل قافلة البغال، ألاحق كائنات غامضة تمخر عباب ليل الجبل الأخرس..
من جديد.. وجدتني أمسح عناء تلك الأيام الصعبة،
من جديد وأنا في هذا الجب المظلم والصمت والهواجس.. أحلم بالمقاتلين القساة.
لرنة حوافر البغال في اصطدامها بصخور المسلك..
لكسرة خبز جاف واستكان شاي وصحن لبنٍ صغير في غرفة طينية ضائعة في سفحٍ منسي..
لاسترخاء كسول بزاوية جامع قديم
للبرد بكهوف الجبل.. للهاث تسلق القمم الشاهقة..
للخوض بالثلج حد الحزام..
للمسير الطويل المضني.. للجوع.. لليأس الجميل
لاحتمالات مقتلٍ موحشٍ، لكنه مختلف، مقتلِ رجلٍ قائمٍ على قدميه وسلاحه بيده..
لطعم ماء الينابيع..
لجنون الأحلام المستحيلة.. ولذة تذكر الأحباب البعاد..
لكل هذه الأشياء مجتمعة مذاق فريد، لم أكن أشعر بطعمه.. وقيمة أن يكون الإنسان غير مهددٍ بجحيم أقبية، استحالت في المخيلة، إلى قماشة ناصعة من الرعب الخالص، غير مهددٍ بموتٍ ذليل يسبقه عذاب ولا عذاب السعير.
يا ملاكي الغائب..
تمنيت لو ينبت لي جناحان، أحملك وأحلق في الأعالي.. في عمق الليالي.. أقطع سهوب الجنوب الشاسعة.. وأهبط بك على قمة جبلٍ..
أقسم.. أنني سوف أقبل أول صخرة أجد خلفها معك يا حبي الأمان..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

| عبداللطيف الحسيني : نخلة الله حسب الشيخ جعفر .

إلى الشاعرين محمد نور الحسيني و محمد عفيف الحسيني. الشعراءُ فقط جعلوا الحياةَ بهيةً لتُعاش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.