د. محمّد الأسدي : ما قاله الماء ـ طقوس الماء في ” مخيم المواركة ” *

يتخذ الماء في رواية ( مخيم المواركة ) لجابر خليفة جابر تموقعا نصيا يشكل أحد المهيمنات الدلالية في المسار السردي للرواية بما يتخطى كينونته المادية إلى مديات واسعة من المحمولات السيميائية لهذا العنصر الفعال في الخيال المادي للأدب ، على نحو يمنحه مركزيته وهيمنته في حوار الدلالات .
ولعل المحمول الأبرز  للماء في عوالم الرواية تمثل في جدل المقدس والمدنس ، أو ـ بتعبير آخر ـ المحمول التطهيري للماء ـ الذي بسط هيمنته على مساحات كبيرة منها ، فمنذ الصفحات الأولى تطالع المتلقي مشهدية المدنس :
( القذارة على جسر قرطبة ، وحمامات الموريسك التسعمائة أغلقت ، ثبتي شمعك الأحمر جيدا يا قشتالة .. نساؤك وحدهن لن يغير الإغلاق في أجسادهن حالاً ) ص 20 .
( في قشتالة وغيرها من المالك الأيبيرية لا أحد يبني الحمامات العمومية أو يرتادها غير الموريسكيين / 28 ) .
إن رحيل المواركة القسري / النبذ / المحو / التهميش يبدو للراوي زحفا للمدنس على نقيضه الأزلي ، يتوئم الراوي كلا من الغزاة والقذارة ، ليشتبك في الجهاز الصوري للرواية ملامح الغزاة بكل ما هو مجدب ممسوخ ، فسوأة الغزاة البرابرة هؤلاء تظهر علانية وتزداد وضوحا بتعالي طوفان أمواجهم البشرية الغضبى وانحسار ماء الأرض المطهر ممثلا بالموريسك وحماماتهم الدلالية التي تنعش الكلمات والأنساق والأزمنة والأمكنة بطقوس الماء المطهر ، الماء الموريسكي / الماء القرآني : (( وجعلنا من الماء كل شئ حي )) ، وحين يرحل سدنة الماء الموريسكيون يُمسخ الماء نفسه ويستحيل عنصرا مغايرا في دلالته للماء القديم الممتزج بأحاديث سدنته وظلالهم السيميائية ، لتبقى وتتفاقم فقط ( القذارة على جسر قرطبة ) ، لقد اكتمل التماهي لدى الرواي بين الموريسك والماء فأصبحوا هم الماء ، أو أحد ظهوراته المادية والدلالية ، يمنحنا الراوي أحد مفاتيح هذه الشفرة السيميائية المهيمنة بقوله على لسان أحد أقنعته السردية ممثلا هنا بالشاعر خوليو سوريس : ( إن الأقفال ـ وهو عنوان القصاصة السردية ـ تثير عند القارئ انثيالات شتى منها السجن والمطاردة ومصادرة الحريات وتكميم الأفواه ، ومنها أنها تعني ـ هنا ـ القبض على الحمامات وإلقائها في السجن ، تخيل حمامات بأبنيتها ومغاطسها ملقاة داخل الزنازين ، تخيل ذلك ، هذه قراءتي كشاعر / ص 22 ) .
وانسجاما مع هذه المهيمنة السردية يوظف الراوي كل ما أتيح له من ظهورات الماء المعادي ممثلا بعلامة سيميائية لها تعالقها الوثيق بمخيلة الضراوة والعداء والخوف من المجهول بوصفها أحد النماذج العليا للخوف في اللاشعور الجمعي البشري ممثلة بالبحر ، الذي يمكن الاستعاضة عنه جدليا في الرواية بعلامات مسكوت عنها كامنة في طبقاته الدلالية مثل الرحيل / المنفى / الزوال ، وغير ذلك من توائمه الدلالية : ( المطرودون إلى البحر تسحلهم إليها شمس فالنسيا ، بما تبقى من ثيابهم سيتماوج البحر .. ثمة وهران في الأفق ، والطريق إليها سيغرق أيضا خلفهم في نهر الوادي الكبير ، ربما ستغرق الأندلس / 17 ) .
أحد أجمل توظيفات الراوي لمحمولات الماء السابقة وتموقعاته في الرواية يتراءى لنا في محاولة المقدس ـ أو الماء المؤنسن هذا ـ التماهي مع المدنس ، عبر قناعي الذكورة ـ ( الماء مذكر فلسفيا ) ـ والأنوثة ( الطين مؤنث فلسفيا أيضا ) ، عبر علامتي ( مارتينو الموريسكي المتخفي ) و ( الشقراء القشتالية ) ، سيسعى مارتينو الذي أراد ( أن يجيد التقشتل / ص 23 ) ليخفي كينونته المائية خلف أقنعة قشتالية قوامها الحديث بالقشتالية وازدراء الموريسكيين والمواظبة على ارتياد الكنيسة ونقش الصليب وما إلى ذلك من الأقنعة الاجتماعية التي تفصح عن جانب مما أوكل إلى الذات الموريسكية المبادة من مهمة شاقة تمثلت في مواصلة الحياة في زمان ومكان معاديين ، لكن هذا كله سقط تحت وطأة اصطراع المقدس والمدنس في تلك الذات ، عبر فشلها في الالتحام مع المدنس ممثلا بعلامة الشقراء القشتالية ذلك أن ( سليلة الفايكنغ تلك لا يرى الماء جسدها ، لم يطق رائحتها  / 24 ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مخيم المواركة ( رواية ) ـ جابر خليفة جابر ـ دار فضاءات ـ عمان ـ 2011 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن المصلوحي : قليل من النقد كثير من المجاملات نموذج: رسائل “وطن على شراع الذاكرة” تأليف: روز اليوسف شعبان وعمر صبري كتمتو .

في هذا المقال سأحكي ما حدث في ندوة اليوم السابع المقدسية الخميس الفارط. كان الموعد …

| طالب عمران المعموري : التلميح والنَفَس الجملي القصير قراءة في “رأسي عشٌ للعصافير” للقاص خلدون السراي .

شكل من أشكال السرد،  لقطات من الحياة أشبه بالتصوير الفوتوغرافي أو بالمشهد السينمائي ..  جنس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.