حسين سرمك حسن : هل ضروري أن يشاهد السياسيون العراقيون فيلم أمير كوستاريكا هذا ؟

المخرج إمير كوستاريكا

قبيل انتهاء فيلم “underground” الذي اعتبره الناقد”إد غونزالز”أكثر الأفلام أهمية خلال الخمس وعشرين عاما الماضية-وطوله ثلاث ساعات – للمخرج الصربي -الكرواتي البارع “أمير كوستاريكا”قلت للصديق يوسف زاير لقد أفرط المخرج في استخدام موسيقى الأبواق الغجرية -وضعها كوران بريكوفيش،وبعد نهاية الفيلم عُرض لقاء مع المخرج بمناسبة فوزه بجائزة السعفة الذهبية لكان وسأله المذيع:ما سبب إفراطك في استخدام الموسيقى الغجرية؟فأجاب أمير:لكي أعبر عن فرح الناس.وهنا جاءت فرقة أبواق ووقفت خلف المخرج بتلقائية مقصودة وبدأت العزف، فيالروعة المشهد، ويالروعتك يا أمير كوستاريكا فقد بعثت البهجة في نفوسنا من خلال أشد الموضوعات البشرية عدوانية،ألا وهي الحرب الأهلية والمتاجرة بدماء الأخوة وخيانة الذمم والصداقات.إنه فيلم يراهن على الروح الإنسانية العظيمة في صمودها بوجه القمع والطغيان.تجب الإشارة إلى أن هذا الفيلم -الذي كتب قصته أمير أيضا -طويل ويصل حدّ الإملال أحيانا وقسمه إلى ثلاثة أجزاء(الغزو الألماني وحكم تيتو وحرب التطهير العرقي)،ولعله أفضل أفلام كوستاريكا- بعد”زمن الغجر”طبعا-لأن الفيلم الذي شاهدته بعده وهو قط أسود ، قط أبيض كان عاديا ولا يرقى إلى الأول.هذه الدراما الهزلية والكوميديا السوداء -التي يرى أحد النقاد الأمريكيين أن فيلليني لو أراد إخراج فيلم عن الحرب فسيكون مثل فيلم كوستاريكا هذا- تغطي الصراع السياسي في يوغسلافيا من عام 1942وحتى عام 1992.فالصديقان ماركو- ميكي مالونفيتش وهو ممثل أمير المفضل و بلاكي-لازار رستوفسكي كانا يتعاطيان التهريب في قبو سري عندما سيطر النازي على بلغراد.وبينما كان صديقه يعاني من جروح أصيب بها جراء رصاص الغستابو ،سرق ماركو حبيبة صديقه ناتاليا- ميرنا يوكوفيتش التي حين ترفض بلاكي من أجل ضابط ألماني يقوم بلاكي بمحاولة قتل الضابط الذي لا يموت ويقبض عليه ويبدأ بتعذيبه لكن ماركو ينقذه.ماركو قد جعل اللاجئين -من خلال أصوات صفارات الإنذار وغيرها -يعتقدون بأن الحرب مازالت مستمرة ليستغل بيع الأسلحة التي يصنعونها في السوق السوداء،فظل بلاكي ومجموعته يعيشون في القبو لأكثر من عشرين عاما. وهنا لا حاجة لإيحاءات رواية ماركيز مائة عام من العزلة – بعد أن حولوه إلى معمل للذخيرة،منتظرين نداء تيتو للمعركة الاخيرة،ورغم أنهم كانوا يعيشون عيشة الكلاب وأن حياتهم كذبة ،إلا أنهم كانوا يعتقدون أنهم يعيشون حياة جيدة محميين من الشيطان العالمي،وهذا تعبير مجازي عن عزلة المجتمع اليوغسلافي في ظل نظام تيتو وقبضته الخانقة التي أوصلت هذا المجتمع إلى الحرب الأهلية عام 1992. ماركو وناتاليا صارا مناضلين شيوعيين ثريين، ويصبح ماركو صديقا لتيتو وبطلا زائفا في حين أن الأبطال الحقيقيين مازالوا تحت الأرض (يا لها من رسالة رائعة تعبر حتى عن تجارب العالم الثالث الثورية التي أكلت أبناءها). لا يمكن نسيان المشهد الإفتتتاحي المدهش الذي تقصف فيه الطائرات الألمانية حديقة الحيوان وكيف تنطلق الحيوانات من أقفاصها وردة فعل شقيق ماركو البريء، وكيف يسير الأسد والوزة متجاورين بهدوء ولكن سرعان ما يقضم الأسد رقبة الوزة.سيكون هذا المشهد من كلاسيكيات السينما .مفعم الفيلم بالتعبيرات الرمزية ، وليس أقلها صوت دقّات الساعة المنضدية التي تحذرنا والنازي يستعد لغزو يوغسلافيا أن المسألة مسألة وقت،وأعظمها المراهنة على روح الإنسان حيث يضاجع ماركو وسط القصف بغيا ممتلئة يعرض المخرج -ويا لعظمته -الكيفية التي تتحرك زهرة رائعة في عجيزتها .الأهم في فكرة الفيلم أن أمير يعرض كل أطراف الحرب الأهلية كأطراف مذنبة وآثمة وكيف أن العنف جاء كالطوفان من كل جانب بعد انهيار يوغسلافيا ( ومفتتح الفيلم هو عبارة :مرة أخرى كان هناك بلد).وأعظم المشاهد دلالة هو المشهد النهائي الذي أرى أن المخرج كان ينبغي أن ينهي فيلمه به هو حين تنشب الحرب الأهلية ويصبح بلاكي قائدا لجهة ثورية وماركو وناتاليا مهربين للسلاح،يلقي أعوان بلاكي القبض على الأخيرين ويخبرون بلاكي بالأمر فيأمرهم بقتلهما وحرقهما،وحين يتم الأمر يأتي ويقرأ جوازي السفر فيعرف أنه إنما قتل صديقي عمره بشكل أعمى(هذا الدرس للسياسيين العراقيين)بعدها يقتل الأبله إيفان أخاه ماركو ثم ينتحر في كنيسة .لكن أمير يستمر في لعبه السوريالي فيعرض الجميع أحياء وأمواتا وقد جلسوا يأكلون ويشربون على ساحل البحر،وحين يبدأون بالرقص تبدأ قطعة الأرض بالإنفصال وترحل بعيدا في البحر،وأيضا مع أبواق موسيقى الحياة .. الموسيقى الغجرية .الأعظم هو إعلان كوستاريكا “أن لا حربا حقيقية إلا إذا قتل الأخ أخاه”.. وهذا لا يحصل عندنا طبعا .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن المصلوحي : قليل من النقد كثير من المجاملات نموذج: رسائل “وطن على شراع الذاكرة” تأليف: روز اليوسف شعبان وعمر صبري كتمتو .

في هذا المقال سأحكي ما حدث في ندوة اليوم السابع المقدسية الخميس الفارط. كان الموعد …

| طالب عمران المعموري : التلميح والنَفَس الجملي القصير قراءة في “رأسي عشٌ للعصافير” للقاص خلدون السراي .

شكل من أشكال السرد،  لقطات من الحياة أشبه بالتصوير الفوتوغرافي أو بالمشهد السينمائي ..  جنس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.