كريم هاشم العبودي : في الذكرى (88) لانطلاقتها ثورة العشرين.. شرارتها الرميثة وحاضنتها العراق

البطل العراقي العظيم الشيخ شعلان أبو الجون

تمر هذه الايام الذكرى (88) لثورة العراق الكبرى ثورة العشرين التحررية المجيدة هذه الثورة التي تعد واحدة من اهم الاحداث الثورية التي قوضت الوجود البريطاني في العراق وجعلته يعيد سياسته الرامية لحكم العراق مباشرة وتوظيف موارده لخدمة بريطانيا فاتجهت السلطات البريطانية نحو تغيير سياستها
فاستبدلت حكمها له بحكم غير مباشر بعد ان تعالت الاصوات في مجلس العموم البريطاني بضرورة احداث تغيير في الادارة البريطانية وايجاد نظام متعاون مع بريطانيا من دون اي اخلال بمصالحها في هذا البلد.
يتحدث الدكتور غانم نجيب عباس استاذ التاريخ في جامعة السماوة، بان السلطات البريطانية اخذت تعتمد على اضاعة الوقت من دون ان تحدد جوابها الرسمي على مطاليب العراقيين الداعية الى الاستقلال، وفي الوقت نفسه بدأت تمارس ضغوطها على رجال المعارضة وتلاحق الشخصيات البارزة في التحرك السياسي.
يضيف: لقد كان واضحا ان الانكليز لايريدون الاستجابة لمطالب الشعب العراقي وانهم يحاولون فرض سلطتهم السياسية والعسكرية على العراق من خلال الانتداب فكانت الاسباب الرئيسة التي ساهمت في اتساع المقاومة وتطورها خلال ربيع وبداية صيف (1920) هي الافتضاح المستمر لمراوغة الانكليز ومماطلتهم في تنفيذ الوعود والتعهدات التي اطلقوها غداة احتلالهم بغداد سنة 1917، وكذلك نقمة الاهالي الشديدة، لاسيما سكان مدن وعشائر الفرات الاوسط جراء سياسة القمع والارهاب التي كان يمارسها الحكام السياسيون ضدهم، فضلا عن الاضرار الناجمة عن الاجراءات الادارية والاقتصادية التي كانت تتخذها ادارة الاحتلال، اما السبب المهم الاخر فهو دور العلماء في توسيع نطاق المقاومة وتوجيهها وفي تعبئة وتحريض الاهالي وخلق حالة من العداء الشديد ضد الانكليز، هو دور اقلق ادارة الاحتلال التي عجزت عن انهائه او احتوائه حيث كان للمرجعية الدينية في النجف الاشرف الدور الاساس في اندلاع الثورة اثراصدار الفتاوى التي حرضت على مقاتلة المحتلين البريطانيين ورفع السلاح بوجههم وكان للعامل الديني دور مهم في دفع العراقيين للتوجه نحو ميادين القتال ولعل ما ورد على لسان الثوار دليل على دور المرجعية الدينية فقد كان للشعار المدوي (حل قرض الخامس كوموله) دور تحريضي مباشر في اختيار اسلوب الواجهة المسلحة ضد السلطات البريطانية وكان لعلماء الدين الدور الاساس في توجيه العراقيين وشد هممهم باتجاه الثورة وتحديد اهدافها وابعادها.
ويتابع: لقد اظهرت الشهور الاربعة التي سبقت قيام الثورة الدور القيادي الحاسم للعلماء في الدعوة والتحضير لها اما بعد قيام الثورة فقد تمثل هذا الدور في الاشراف العام الديني والسياسي على الشؤون العسكرية والسياسية والادارية عبر قيادة وتوجيه الهيئات والمؤسسات التي انشئت ابان الثورة بشكل مباشر واذ تبوأ المرجع الاعلى الامام الشيرازي موقع ودور الزعامة الدينية والسياسية العامة للثورة ثم تولى هذه المكانة من بعده وحتى نهاية الثورة الامام شيخ الشريعة الاصفهاني فقد استند كل منهما للقيام بهذا الدور على عدد كبير من العلماء الاقل مرتبة علمية دينية وعلى عدد اخر من رؤساء عشائر وزعماء الفرات الاوسط كمستشارين او مساعدين او وكلاء لهما في المناطق المختلفة حيث كان اغلبهم يقوم بدور القيادة المباشرة (الميدانية) للثورة.
اعلان الثورة المسلحة
واشار نجيب الى ان عدم تحقيق الوسائل السلمية كان يعني ان خيار الثورة اصبح وحده امام رجال الامة وزعمائها ووفق هذا الواقع الذي سيطر على الجو العام في الحياة السياسية العراقية قررت المرجعية الدينية متمثلة بالميرزا الشيرازي اعلان الثورة المسلحة ضد سلطة الاستعمار البريطاني فاصدر فثواه التاريخية التي كانت بمثابة اعلان الثورة وهذا هو نصها.
(مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين ويجب عليهم في ضمن مطالباتهم، رعاية السلم والامن ويجوز لهم استعمال القوة الدفاعية اذا امتنع الانكليز من قبول مطالبهم).
غادر الشيخ رحوم النجف الاشرف على صهوة جواده وكان يواصل ليله بنهاره حتى وصل الى الرميثة فجمع الرؤساء والشيوخ واطلعهم على صور المضابط والاحتجاجات والانذارات التي قدمها رؤساء وعشائر الشامية والنجف الاشرف ثم سلمهم نسخة من فتوى آية الله الشيرازي وبعد ذلك سلمت الى شعلان ابي الجون وهذا نصها:
(السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته، اما بعد فان اخوانكم المسلمين في بغداد والكاظمية والنجف وكربلاء وغيرها من انحاء العراق قد اتفقوا فيما بينهم على الاحتجاج بمظاهرات سلمية، وقد قامت جماعة كثيرة بتلك المظاهرات مع المحافظة على الوضعية بوجه واحد طالبين حقوقهم المشروعة لاستقلال العراق ان شاء الله تعالى بحكومة اسلامية، وقد بلغنا احساساتكم الاسلامية وتنهاتكم الوطنية، فالواجب عليكم بل على جميع المسلمين الاتفاق مع اخوانكم بهذا المقصد الشريف، وان يرسل كل قطر وناحية بمقصده الى عاصمة العراق بغداد واياكم والاخلال بالامن والتخالف والتشاجر.. بعضكم مع بعض فان ذلك مضر بمقاصدكم الاسلامية ومضيع لحقوقكم التي صار الان اوان حصولها بايديكم واوصيكم بالمحافظة على جميع اموالكم واعراضكم ولاتنالوا واحدا منهم بسوء ابدا.. وفقكم الله تعالى لمراضيه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)..
ويسترسل د.غانم بانه بعد ان اتضح لديلي اعمال شيخ رحوم الظالمي في الرميثة وذهاب الشيخ سعدون الرسن الى الزعماء والرؤساء فيها واجتماعه معهم واتفاق الكلمة على توكيل مندوبي النجف وكربلاء وبعد ان سمع يوم 25 حزيران ان عشيرة الظوالم هي من بني حجيم رفعت راياتها مظهرة انها في حرب مع الحكومة، تأهب حينذاك للانتقام من رؤساء عشائر الرميثة فاخبر حاكم الرميثة (اللفتت هيات) ان يرسل له رؤساء عشائر الرميثة اجمعين بمن فيهم المرحوم شعلان ابو الجون وغثيث الحرجان لينتقم منهم اشد الانتقام، وعندما وصل الامر الى حاكم الرميثة ارسل عليهم بطلب حضورهم وكان البعض منهم عند غثيت الحرجان بمناسبة بناء مضيفه كما هي العادة عند العشائر، ولما تسلموا الرسالة عرفوا غاية الحاكم وهي ارسالهم الى المستر ديلي لينتقم منهم بعد ان سمع انهم قد اشتركوا في المطالبة بالاستقلال، فقال شعلان ابو الجون: ارى ان يذهب احدنا فقط حتى اذا تاكد لدينا ان نية القوم سيئة يتمكن من خلاصه الاخرون فوافق الجميع ووقع الاختيار على ان يذهب شعلان ابو الجون نفسه وقال لهم قبل ان يذهب بانه اذا احس بالانكليز يضمرون سوءا له فسيخبرهم بانه يحتاج الى عشر ليرات المانية، وعليكم عند ذاك ان ترسلوا لي عشرة رجال من خيرة رجالكم يتمكنون من اخراجي من السجن وكان برفقة شعلان مشعل الحاجم عم غثيث.
ويتابع: في يوم الجمعة الموافق 13 شوال 1338هـ والموافق 30 حزيران 1920 سار الشيخ شعلان، وهو البطل المغوار الى الرميثة وحين وصوله الى الحاكم (هيات) استقبله بالعنف والتهديد والتوبيخ واسمعه كلاما لايمكن ان يسمعه مهما كانت العاقبة سيئة فقابله شعلان بفراسة وصلابة اشد من صلابته اذ قال له:
ان هذه السياسة التي تسير عليها انت وحكومتك ستجر الدولة البريطانية الى عاقبة سيئة لاسيما ان العراقيين تتغلغل النيران بين قلوبهم وتنبه عواطفهم فاعلم بانك في العراق لا في هندستان وان العراقيين غير الهنود اما الحاكم فلم يكن فيه الاستعداد لسماع هذه النصائح فامر بتوقيفه ومن ثم تسويقه الى الديوانية مخفورا بالقطار الذي سيأتي من البصرة اجابة لامر الميجر ديلي فسجن ابو الجون في سجن الرميثة ووكل لخفارته خمسة وعشرون شرطيا اما المرحوم شعلان فانه لما آمن بتسفيره الى الديوانية وانه لا يعرف ما اضمره له ديلي هناك بعث بالوصية المتفق عليها مع مشعل الحاجم الى غثيث الحرجان وحينما بلغت الوصية الى الشيخ غثيث في اليوم نفسه ارسل اليه الابطال العشرة وهم: حبشان الحاج كاطع جنحيت الحاج كاطع عبدآل كنكون، نجم العبدالله، عواد البو عليه، عاجل الحاج راضي، خضير العواد عبدآل عبار، عبدالصاحب السوادي، مشنون آل طلبه، واعطيت قيادة هؤلاء الى حبشان الحاج كاطع..
يا ابن الحر ممشاك ابراضه
فتوجه هؤلاء العشرة من عشيرة الظوالم الى الرميثة لينقذوا ابو الجون من السجن والنفي بل من الموت المحتم وقد كان في مركز الحكومة (120) جنديا مسلحا وفي السجن الذي هو داخل المركز خمسة وعشرون شرطيا مسلحا وضعوا لحراسة شعلان فكان مجموعهم مائة وخمسة واربعين مسلحا بين شرطي وجندي وكان في محطة قطار الرميثة التي تبعد عن مركز الرميثة اربعمائة متر ثلاثمائة جندي بين بريطاني وهندي في كامل سلاحهم..
وصل الابطال العشرة الى الرميثة وهجموا على السراي مباشرة ودخلوا في قاعته بعد ان قتلوا الحارس وشرطيا اخر وجرحوا اثنين اخرين واخرجوا ابو الجون من السجن وعادوا به الى غثيث الحرجان وهم يهوسون الهوسات الحماسية ومن جملتها (يا ابن الحر ممشاك ابراضه) وهكذا اطلقت اول رصاصة في اعلان الثورة العراقية في الثلاثين من حزيران.
خسائر باهظة
لقد كبدت ثورة العشرين بريطانيا الكثير من الخسائر المادية والبشرية وقد قدر الجنرال (هالدن) الخسائر البشرية بـ(2269) اصابة اماالخسائر المادية فقدرت بين (20-40) مليونا من الجنيهات الاسترلينية ما دفع الرأي العام البريطاني والصحافة البريطانية الى المطالبة بالانسحاب من العراق فاضطرت الى سياسة تمشية الانتداب عن طريق المعاهدة والوصول بالعراق الى مرحلة الدخول في عصبة الامم باسرع مما كانت حكومة بريطانيا قد ازعمت ان تفعله في بادئ الامر عندما اخذت مهمة الانتداب على عاتقها.. لقد استطاع الوطنيون بفصائلهم الثائرة المجهزة بابسط الاسلحة بقيادة لا تملك خبرة في قواعد الحرب الحديثة ان يقارعوا جيشا نظاميا مدججا بالسلاح حتى اخمص قدميه لاقوى دولة استعمارية في ذلك الحين وكانت ثرواتها من الضخامة بحيث لا يمكن مقارنتها بالامكانيات المتوفرة لدى الثوار في جميع المجالات.. الدغارة.. الرميثة.. الرارنجية.. القطار.. كلها اسماء لا تمحى من ذاكرة العراقيين النجباء.. يتذكرونها بفخر واعتزاز يقول الباحث حسين الشامي. احد ابناء الدغارة.. بان عشائر العراق شكلت قوة لا يستعان بها وتمكنت من التقدم نحو الديوانية.. وهاجمت القوات البريطانية التي اضطرت الى سحب قواتها الى مدينة الحلة بواسطة القطار قدرات معارك ابلى فيها الثوار بلاء حسنا. دونتها المصادر والوثائق العراقية والبريطانية كما نظم الشاعر المرحوم احمد الصافي قصيدة مطلعها:
سل القطار الذي للجيش جاء به
هل استطاع نجاة في صحاريها
وينابع:
عند خروج القوات البريطانية يوم 30/ حزيران/ 1920 بقطار بلغ طوله ميلا واحدا مؤلفا من ست قاطرات بالسير نحو الحلة تمكن الثوار من قطع سكة الحديد عند منطقة الجدول التي تبعد (16) كم عن الديوانية ما حدا بقائد الجيش البريطاني (كونتكهام) الى التعسكر في المنطقة لاصلاح السكة يسندهم تشكيل من الطائرات البريطانية وبعد اصلاحها تقدم الجيش نحو منطقة الجربوعية ثم حدثت معركة كان النصر فيها حليف الثوار سجلوا فيها ملحمة خالدة وهكذا في قوجان والهاشميات والزرقية وقد اعترف العسكريون البريطانيون بهذا النصر ومنهم (المستر هالدين) في كتابه ثورة العراق العام 1920.
ماذا يقول الاحفاد؟
الشيخ محمد عبدالامير الشعلان نجل الشيخ شعلان العطية احد ابرز قادة ثورة العشرين تحدث عن ثورة العشرين وعن جده الشيخ شعلان ابو الجون فقال:
من المواقف المتميزة التي ذكرتها كتب وتقارير بريطانية وسجلها التاريخ عن ثوار العراق وقادتهم من علماء وشيوخ وفلاحين وباقي الطبقات الاخرى موقف جدي الشيخ شعلان الذي احضره الحاكم العسكري في الديوانية والذي عرف بغطرسته وعجرفته حيث شن عدة حملات ارهابية ضد الزعماء البارزين من رؤساء العشائر لاجهاض الثورة في بدايتها متحديا مشاعرهم في اكثر من مناسبة وقد حاصره الثوار وقواته المهزومة بعد ذلك في الديوانية لمدة (12) يوما ليهرب بعدها الى الحلة بالقطار ويضيف: قام (ديلي) باطلاق سراح الشيخ المرحوم شعلان بعد ان سلم اخاه جبل وابنه الشيخ موجد رهينة لدى الانكليز شرط ان يتعهد بالمحافظة على الجنود البريطانيين اثناء الانسحاب من هجمات العشائر حتى تجتاز القوة حدود قبيلة الاكرع لكنه خرج من السجن واخذ يؤلب العشائر لقتال الانكليز.
وعندما قالوا له ان هذه الاعمال تدفع الانكليز لقتل ابنك واخيك فاجابهم : (لا يهمني احد تجاه مصلحة وطني) .

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

تعليق واحد

  1. الكاتب حسين الشباني

    لقد ورد اسم الباحث حسين الشامي والصحيح هو الكاتب والباحث حسين الشباني هو عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق فرع الديوانية اما بخصوص ماذكر بصددالشيخ محمد عبد الامير الشعلان فهو حفيد الشيخ شعلان ال عطية وليس حفيد الشيخ شعلان ابو الجون لذا اقتضى التنويه عن ذلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *