جاسم عاصي : فراشات آمنــة ــــــ الرؤية الفاحصة لكينونة الآخــر وكينونة الذات

في علاقة الشعر كخطاب مع الآخر ، تتوالى فيه مستلزمات كثيرة مٌعينة على التوصيل ، هي في طبيعتها ذات صلة بذات المنتِج للشعر . بمعنى ثمة صلة خفية بين قطبين يتم الخطاب بينهما عبر انثيالات الشعر وتداعياته  ، لاسيّما الشعر الذي تقوله المرأة ، والذي تحوّط بسبب مؤثرات كثيرة تتجلى في المحذور الاجتماعي  . ولعل شاعرة مثل ( آمنة محمود ) تحاول أن تتجاوز هذه العقبة لتوصل خطابها إلى الآخر الذي يمتد بينها وبينه تاريخ من العلاقة المتسمة بالرؤية الفاحصة لكينونة الآخر وكينونة الذات . ولعل الخطاب الذي ينحو بالهدوء وعدم إثارة غبار الذات التي تحاجج به الآخر ، هو الذي مكـّن خطابها في أن يكون متوازنا ً ، يُرشح معارف ورؤى نقدية وليس انتقاديه ، بمعنى لا يكون صوت المرأة ضعيفا ً من خلال إظهار التشكي والمظلومية الاجتماعية ، بقدر ما يكون الصوت قائم بذاته بإزاء أصوات متعددة ،تجتمع في صوت واحد هو صوت  الرجل ــ الذكورة ــ كسلطة اجتماعية ومعرفية . فالخطاب لاشك أنثوي ، ليس لأن القائل امرأة ، بل لأنه ينحو إلى اختزال المسافة بين قطبين رئيسيين في الوجود وتحقيق المعرفة عند المرأة بما يوازي أو يتجاوز معرفة الرجل ، لأننا ونحن نتلقى خطاب ــ المرأة ــ كأننا نتعامل مع صوت خفي ضمن صوت امرأة في النص ، بعيدا ً عن صوت الرجل الذي يشكـّل سلطة ابتداء ً من سلطة الأب  وصولا ً إلى سلطة المجتمع ، مركزا ً في سلطة الزوج . وهنا نقصد بلورة المعرفي في النص ، وهذا ما يفتح لنا أفق إزاء ناتج بعضهن ، بأنه تكرار لأسئلة الرجل ، بينما يكون التعامل افتراضا ً مع الآخر الرجل ، من باب المعرفي وليس الصراع الحاد الذي يمليه تصور القطيعة معه . وهذا لا يتحقق إلا من خلال رؤى دائمة التصاعد والنمو في التأسيس لمعرفة ذاتية اعتراضية على وفق أنساق جدلية ، توحد الذات الأنثوية في صوت راكز ، سواء معرفي عام ، أو معرفي موظف في النص . لأن النص شعرا ً أو سردا ً يرشح المعرفة ، وبالمعرفة وحدها يمكن تقييم النص ووضعه أمام ظهير الآخر ، سواء كان المنتج الآخر ذكرا ً أو أنثى ، والشاعرة هنا تضيف لبنة في معمارها الشعري ، لتجسد مثل هذا . لذا فقد جاء الخطاب كاشفا ً عن تصورات رؤيوية خالصة ، تستعين بالشعر باعتباره يحمل من نقاء السريرة الإنسانية ، والإيمان لاعتباره أداة جمالية تتعامل بحساسية فائقة الندرة والرهافة . من هذا كانت قراءتنا لمتن الشعر مستدرجة فعالية هذا الخطاب وإيقاعه ، مكتشفين مدى الأثر والتأثير الذي يتركه .
القصائد انضوت تحت عنوان ( فراشات آمنة ) . وهذا العنوان يمنح متلقيه مستويين من الإشارة ، الأولى ؛ معاينة مضاف ومضاف إليه ، في كون الفراشات هي فراشات آمنة وليس غيرها ، أي تحقيق الذات في العلاقة بين الجمال وحراك الذات الشعرية ــ المرأة ــ . وبهذا تكون العلاقة بين الشعر عبر الشعرية التي من شأنها الكشف عن البعد الرومانسي الذي تضفيه الفراشات باعتبارها حيوات تـُزيّن الحياة ، وتوحي بأجواء نقية مشحونة بالشعر ، فهي ملهمة للشاعر ، بما تمنح المشهد من بُعد بصري مثير ، لأنها ترتبط حياتيا ووجودا ً بالأزهار والتخصيب  . فالمشهد هنا يكتمل من خلال الجمع بين زخرفة الطبيعة التي تضفيها الأزهار ، ورومانسية التأثير التي تمنحها الفراشات . من هذا نكون أمام فراشات آمنة التي هي قصائد الديوان وهي كناية بليغة أرادت بها الشاعرة أن تـُزيّن واجهة كتابها الشعري هذا . وفي المستوى الثاني ؛ تكون لإظهار حالة تكمن في حال الفراشات وصيرورة وجودها ، فهي آمنة مستقرة لا ظلال عليها ، ولا استلاب لوجودها . وهنا يكون المعنى غير بعيد عن معنى المستوى الأول ، ذلك لأن الفراشات التي دلالتها الشعر ، هي نفسها ، سواء كانت فراشات آمنة ــ من أمان  ــ  أو فراشات (آمنة ) اللاحقة بشخصية الشاعرة المرهفة . والديوان مقسّم إلى متون تحمل عنوانات مختلفة ، غير أنها تتخذ من الفراشات إشارة لها في كل متن . ومن الملاحظ أن المتون تختلف عن بعضها في تناولها للظواهر . لذا ستكون قراءتنا لها على وفق ما أتت عليه التقسيمات من رؤى ومعاني :
الآخـــر فــي فراشات الشبكة /
هي مجموعة خطابات موجهة للآخر ، ولكن بإيقاع هادئ ، لا ترمي الشاعرة من خلاله إثارة ما لا يتوجب إثارته ، لأنه دليل على ضعف الذات ، فقط تأتي على الأشياء بذات مستقرة ، غير مستفزة . لذا نلمس في القصائد قوة الصوت ووضوح إمكانية المواجهة . ففي قصيدة (أنتَ محبَّة )  يتدرج الخطاب لكشف ما تصبو إليه في التعبير عن إشكالية الوجود :
{ حبيب الكلمات الودودة
حبيب النجمة البعيدة
حبيب الشهيدة والأميرة ..  الموؤدة }
ونلحظ هنا نوع من تجسير اللغة وتوالي جملها الشعرية للوصول إلى المرمى في ( الموؤدة ) وهو خطاب نقدي حول ظاهرة تاريخية تنم عن العُقر الأنثوي في المجتمع، لكنها هنا تصبو إلى صورة أخرى معاصرة لوجود المرأة وسط كون حضاري ، هو الآخر يستلب وجود المرأة فيتكرر الوأد ولكن بصور متعددة. وتتجلى الصورة لتكشف عن مشهد تأملي آخر ، يؤكد ما أشار إليه الشعر . إذ نلحظ ثمة صور في مفارقات يولج صوته للآخر عبر كشف الوأد الجديد ــ كما ذكرنا ــ ليضعنا أمام حالات استلاب :
{ تعيسة وغافلة
مثل غابة عذراء أصيبت للتو بحريق كبير : أنا : حزنٌ شقَّ
طريقه في بحر غريب .. وحين التفت كان قد اختفى .. طريق العودة :
يائسة ومستسلمة لذلك
وذلك : نبتة مدَّت أذرعها في رأسي
لكنها ستموت
حتما ً .. معي }
غير أن الصوت هذا سرعان ما يخضع لجدلية شعرية ، تتقاسمها المرأة بروح الحوار والتراجع المحفوف بالمحبة لا الضعف في الأنثى . وهو ترميم للعلاقة بين الاثنين . ويبدو الخطاب هذا أقرب إلى الفلسفة منه إلى البعد الرومانسي :
{ أنت أنا .. حتى نلتقي
أعود لنفسي كي أراك
أنت محبة
زرعها الله قلبي ..
فأضاء
أنت ضوء
استعدت أخيرا ً حق أ،نأحلم .. برؤياك
أنت رؤية
حضرت
من أجل أن تمضي
أنت محبة
كبيرة وواسعة /
( كادت )
أن تقتل أحزاني .}
إن الشاعرة من الدقة وهي تتعامل مع الأشياء والظواهر والمرئيات ، يبرز ثمة خيط شفاف يُزيل ما قد يضفيه كلام الشعر من كبوة ذات الآخر . فالذي يتوفر عليه الشعر هو بناء جسر ، حتى لو كان خيط توصيل تحف به المحبة والود . بمعنى أن ذات الشاعرة منفتحة على الآخر بشفافية مرجعها الاستقرار الذهني المعرفي في ما يخص الظواهر . وهذه الصفة المعرفية تدفع بالشعر باتجاه الاستقرار لأنه متأت من استقرار الذات ، بعيدا ً عن الغضب والاحتجاج العنيف . مساحة الشعر لا تضفي غير البياض الذي هو  الشاعر من خلال الشعر . لذا نجدها تتعامل مع الآخر في قصيدة ( الملاك ) بروية /
{ على عجل
وبارتباك ..
يُطفئ السيجارة
حين أدخل
ويفتح الشباك
كأنني أمه
التي يحب
أن لا تغضب
أو تثور
وبينما ينكبُّ على الكتب
ودونما شعور
ينبتُ من
ظهره
جناحا ملاك .}
إن هذا التعامل ينطوي على علاقة لا تمسها العدوانية أو يكللها الغضب ، فتأتي جرّاء ذلك حالة من الصراع . فذات الأنثى أكثر رسوخا ً وهي تـُدير مثل هذا الحوار الذاتي . فـ ( على عجل ) فيه نوع من ارتخاء الوصف ، يصل حد التعاطف مع هذا الآخر . وما يؤكد هذا عبارة ( وبارتباك .. ) النامـّة عن حالة الخجل . بعد ذلك يكون التعامل بمستوى إنساني ، لاسيّما التشبيه والفعل المؤدى في إطفاء السيجارة . كل هذا يصب في مستوى الحب الذي يمتد خيطه الشفاف بينهما في أعلى مستوى من العلاقة ، مجسدا ً بعاطفة الأم ، التي تنعكس من خلال سلوكه في ( كأنني أمه / التي يُحب ) على الرغم من أني أرى لو اكتفت القصيدة بالبيت الأول ، لكانت بلاغة الوصف أعمق ، ذلك لأن عاطفة الأم لا تفوقها بلاغة الكلام الواصفة  ، قولا ً شفاها ً أو مدونا ً . لقد انطوت القصيدة على جملة أحاسيس موصوفة بدقة ، مجسدة العلاقة بين الذات الأنثى ، وبين الآخر الرجل . فالشاعرة لا تعمد إلى توتر الموقف ، إذ ــ وكما يظهر من القصائد ــ أن لا إشكالية جنسانية بينها وبين الرجل .
وتبقى العلاقة هذه أسيرة الحس الشعري ، دون الإعلان عنها سوى بما  ينطوي على معان مضمرة ، لكنها تترشح من ذات الشعر . فمرة تخاطب الآخر هكذا :
{ لماذا هجتك
أنت لست حقيقيا ً
أي إنسان يسير على
قدمين فقط / ويمتلك
عينين مدهشتين فقط
لماذا هجرتك ؟
ولماذا أحبك ..
وأُغلِّق الدفاتر ..
وألجّم الأقلام ؟!! /
يا حارس مقبرة الأحلام . }
بينما تلخص رؤيتها إزاءه بـ :
{ أيها الأنيق الذابل الشريد
عدّ بسلام لدفيئتك المضيئة
قد ماتت الفرحة التي /
كان حضورك صنعها . }
مثل هذا الحس باتجاه الآخر ، يمثل ذاتا ً مستقرة ، محبة ، تمتلك قوة الأنوثة ولا تبددها بالغضب وإيتاء الموقف الحاد الرومانسي الذي يحفر في المظلومية الاجتماعية ، إذ يعمد  إلى الحفر في المساوئ لإثبات الذات ــ أي أنثى بإزاء رجل ــ كما اعتدنا ملاحظته . أي أن الموقف يخلق توترا ً ، يؤدي إلى صراع ، وكأنه يساير صراع قوى خفية بين مرحلتين من الصراع بين السلطة الذكورية والأنثوية عبر التاريخ ، من أجل بسط المعرفة وإجراءاتها  ، والتي ترشح أيضا ً من امتدادها الصراعات الصغيرة في العمق الاجتماعي والأسري . إننا بإزاء تدوير صراع يتخذ من الشعر سلـّما ً يضفي عليه الهدوء والثقة بالنفس كيانا ً ومعرفة .
في قصيدة ( خيّبتُ أملك ) تطالعنا من العنوان بقلب المعادلة ، بما يؤكد العلاقة بين الذات والآخر على نحو مغاير كما اعتدنا رؤيتها . فالعنوان يُشير إلى نقد الذات الأنثوية في ( خيّبتُ ) قولا ً أمام الغائب الرجل . والقصيدة توحي بغير ذلك من خلال فعل الهجر . إن المعادلة التي تعيد ترتيبها الشاعرة ، موشومة بالموازنة بين الذاتين ، فلا الأنثى تـُكيل تُسقط الخطأ على الرجل ، ولا الرجل حاضرا ً في الشعر في صورة متسلطة من خلال الوصف ، أو مكلل بخيبة الإحباط . إن الصور الشعرية تـُظهر الرجل ــ الآخر ــ بأحسن صورة ، دون تـُهم ٍ ولا رزايا ، لأن الانفعال الذي عليه الأنثى أكثر نقاء وهدوءا ً ، وبما يُشير إلى نوع الاستقرار الذي تتحلى به الذات . فعبارة ( أفتح الباب .. أدحرج الضجة التي تبلورت .. من شدة الصمت ) فيها نوع من التعامل البلاغي في ( أدحرج الضجة ) أي إحالة المرئي بالإحساس إلى ملموس يصل حد الدحرجة ، أي أداء فعل التغيير وليس الاستنكار . بينما تتوازن المعادلة في ( أنا لا أحبك / أنا لا أحبني / فقط أحاول .. ألاّ أكون غيري ) . في هذا تتجسد جدلية الحس الرومانسي المستفيد من العقل الشعري ، أكثر من الاستفادة من العقل المجرد الكوني . وللربط بين العام والخاص نجد القصيدة تنحى منحا ً نقديا ً للذات ، وهي خاصية أجدها جديدة في ذات أنثوية تـُعيد النظر في جدلية علاقتها مع الآخر :
{ أنا بلا قلب .. ليس لأن قلبي معك
ليس لأن قلبي قد مات .. أو أميت
ليس لأني
بلا وطن منذ أن استحال وطني إلى شلال ضوء منطفئ
ليس لأني هجرتك
أنا بلا قلب .. وحسب } .
ما نريد أن نتوصل إليه هو أننا  إزاء ذات أنثوية تتعامل مع ذات  أخرى ــ رجل ــ برؤى واسعة ومتوازنة ، وبلغة عالية ومستقرة العواطف ، يحضر العقل فيها من منطلق الفهم والمعرفة فقط ، دون اللجوء إلى تفعيل الصراع الذي يقود إلى سوء الفهم ، أو التداخل في وعي العلاقة ، التي ليس بالضرورة أن تكون مفارقة أو متعارضة .

القناع الأسطوري في فراشات النار /
من الوهلة الأولى ، يُشير العنوان إلى علاقة قادمة وقائمة في هذا المتن الشعري . وهي علاقة الرموز الأسطورية ، التي هي بمثابة أقنعة يلجأ إليها المنتج لتعزيز متنه الأدبي . وفي اشتغال  الشاعرة على هذا النهج نجد  ابتداءً يكون من اتخاذ الرمز الأسطوري كإشارة إلى تعيين خصائص ما هو حادث في الواقع والنظر إليه عبر المؤشر الأسطوري ، لكي يُحسب الجمالي المعرفي من خلاله . بمعنى تترك القناع يفضي بمعناه وثوابته في الذاكرة الأسطورية ، مؤشرا ً المعنى المراد تسليط الضوء عليه . وبهذا نحث قراءتنا على أن تتوسم المعاني التي تنتجها هذه الأقنعة ، التي هي مجموعة من الرموز للآلهة أو لسرديات تاريخية أسطورية تنطوي على متن حكائي له فاعلية تأثيرات واسعة ، وقد حاولت الشاعرة حلحلت تأثيرات معانيها بما أضفته من إشارات تفسّر الخصائص والوظائف لهذا الرمز أو المسمى أو ذاك ،  وهي إلى حد ما تـُفيد القارئ ذي المحصلة المحدودة بهذه الرموز ، بينما المطلوب حث المتلقي على أن يؤاخي بين الفواصل ــ الفراغات ــ التعبيرية التي تشغل الحيّز خارج الرمز ، للوصول إلى المعنى المراد تلقيه من النص  . لكننا هنا معنيين بما تكون عليه البنية الشعرية نسقا ً بحدود هذه الرموز . أي ما تثيره من أسئلة . فالنار مثلا ً ، حيث زاوجت الشاعرة بينها وبين الفراشات . وهذا فعل أراد للرمز  ــ النار ــ أن يقترب من رمز الفراشة من حيث العطاء والتخصيب ، بعيدا ً أن التأثر والتأثير بين الاثنين ، لأن الخلاصة في العنوان أن يوصلنا إلى قطبين شاغلهما العطاء أو ناتج هذه العلاقة ، فالنار في الأساطير هي رمز للعطاء لأنها تبث الضوء والدفء والتسريع . لذا فأمر إلحاقها بالرمز الأول الذي هو رمز دائم لقصائد الديوان ، قد عمل على استكمال دائرة الرمز والمرموز له . ومن هذه الثنائية استطاعت الشاعرة أن توزع وظائف هي خلاصة لمثل هذا الاتحاد الرمزي بين الأساطير . أي أنها غير معنية بأسطورة معينة ، بقدر ما تعمل على تراكم رموز الأساطير لخلق الأسطورة التي تحاكي الواقع ، وتضعه في ميزان التحكم بدلالاته من خلال علاقة الإنسان من مكونات الطبيعة ، ومن متشكلات وجوده المادي والمعنوي.
ففي قصيدة ( أساطير الربيع )  ثمة مؤشر إلى أن الأساطير تؤدي وظيفتها في كشف الجمالي ، لأنها اعتمدت على نوع من الأساطير ، وهي أساطير الخصب والنماء . وللإشارة إلى مدينة الذهب الأسود ، عمدت إلى خلق اتحاد بين أسطورتين ، تماما ً كما هي نظرية الاتحاد بين ( تيامات والآبسو ) في ملحمة ( أنوماليش ) . ومن هذا الخلق تتوالى المزامير وظائفها . فاللعبة الفنية هنا أن لا تسمي المقاطع مزامير ، لكنها تؤشر عبر مقطع المرموز الأخير إلى ذلك . إن ما أتت عليه وبه القصيدة هو سِفرٌ في تفاصيل البلاد ( أرانجا ) ومحاولة استنهاض ما لحقها من محن ، برؤية صافية ، وبلغة سلسة وموحية شعريا ً . حيث تختم القصيدة بالمقطع التالي الذي يرشح مدى الحب الذي تكنه الذات إلى المدينة وبالتالي إلى الوطن ، فالوطن الصغير ــ المدينة ــ مؤشر لحب أوسع ــ  الوطن ــ :
{ أيتها الخرائط .. يا خطابات الحب الخفية
سأرحّل أحلامي لحديقة الموت إخلالا ً
بالوصية
وأركض بين دجلة والفرات
بحثا ً عن سراب يشربني
آه يا وطني   }
وواضح اتكاء الشاعرة على  التاريخ ، لكي تستلهم منه العبرة والصورة التي تستند عليها .
إن ما نعنيه بالتنوع في شعر ( آمنة محمود ) في العتبة الأولى للدراسة ، إنما لنؤكد على التنوع في المعاني ، ومحاولة توسيع فرشة الشعر ، لكي تكون أكثر قدرة على استيعاب الممكن . وهو نوع من الإصرار من قبل المراة ــ المنتجة للخطاب ــ على أن يتوازى صوتها معرفيا ً مع الرجل في معالجة المكونات ، والمشغوليات الكونية ، سواء كانت اجتماعية أو سياسية . والتاريخ واحد من المحركات المعرفية التي تتطلب دراية وهضم للمعاني التي تفرزها الواقعة أو الكارزمة في التاريخ ، بعيدا ً عن نمطية التوظيف من جهة ، والابتعاد عن نمطية النظرة إلى التاريخ ورموزه البشرية والجغرافية من جهة أخرى . وبهذا تتحقق صورة تعدد القراءة للتاريخ من خلال الشعر أو الإبداع عموما ً . ذلك لأن عقل المنتِج للجمالي يعمد على استنهاض كل حواسه ، وممكنات المُعينات الأخرى ، لأنه بإزاء خلق جديد للتاريخ ، مهما كان حجمه في سياق الماضي أو الماضي القريب. إن درجة قربه وبُعده مرهون بالرؤى الخالقة للاستثناء ، وهذا ما لاحظناه ونحن ندرس نصوص المسرح  الشعري . إذ كيف يتم  التزاوج بين الموروث ورؤية الحاضر ؟ هذا السؤال قادتني النصوص للإجابة عليه ( ينظر في هذا كتابي ــ مرايا الشعرــ  الصادر عن مؤسسة كلاويز الثقافية ــ السليمانية 2009 ) .
تعمد الشاعرة إلى أن تنحى منحى ملحميا ً في الشعر ، لكي تحقق مشاهد في مشهد . ولعل حسها الشعري ينأى بها عن المباشر والإمساك بشفافية النظرة بالرغم من قسوة ووحشية الواقع ، ذلك وكما أرى أن الشاعرة تجاهد لكي تـُمسك بجمرة وحرارة الشعر وليس دونه . لذا فتعاملها مع مثل هذه المكونات يدفعها إلى الإبقاء على الشعر مع فيوض معانية بالدلالة والإشارة . كما في قصيدة ( دموع جوفية ) . ولعل البلاغة الشعرية تنبع من جملة العنوان ، كذلك من مقطع الإهداء ( إلى جليل القيسي ) وهو وفاء أبوي موجه إلى معرفة منتجة ، وذاكرة محصنة بالرؤى الخلاقة للقيسي ، وبذلك يكون الخطاب باتجاه الأب ، هو نوع من الشكوى مما آل بنا الزمن من تردي تلخصه بجمل شعرية تحرص على أن لا  تتذرع إلا بالشعر ، والانتماء إلى ملكوته . والقصيدة هي محاورة بين ( آبهر وصحوة ) صاعدة بها بخط درامي رصين وبتناوب حواري مثير . قال أبهر :
{ ستنبت السنبلة
لا تمسكي قلبك بعد اللحظة
أودعوا فيه القنبلة }
هذا الملخص أو العتبة الشعرية تقود إلى مشاهد وصور ، تحاول الشاعرة أن تراكمها لإنتاج مشهد يؤشر الاحتلال ونتائجه كما ذكر أبهر :
{ السنة الكبيسة / أنجبت مقصلة للورد }
في حين يؤكد صوت ( صحوة ) :
{ لا شيء يكفْ
الألوان عن ارتداد الحداد
القنابل عن عشقها لأرض السواد
الطنين في رؤوس المجانين
السكون الذي سيلف ما دون ذلك
كلنا دون الجنون .. لا نكفّ
أن نكون ، نسخا ًعن بعض . }
بينما أبهر يؤشر صلب الواقعة :
{ العامرية من أمامكم
والطــّفُ من ورائكم
فطيروا بلا أجنحة يصفُ لكم وجه ثبر }
وفي هذه الخلاصة الشعرية ، توجز الشاعرة تاريخ الحُقب ، سواء كانت في الماضي البعيد واقعة ــ الطف ــ أو القريب واقعة ــ ملجأ العامرية ــ . فهما مؤشرات على قسوة الزمن ، وجبروت التسلط والمتعة الواحدية على حساب الجميع . إن الشاعرة في قصيدتها هذه منحتنا حسا ً دراميا ً باتكائها على التاريخ ، وفي معالجتها الوقائع بإشارات شعرية تنأى عن المباشرة والتفصيل في ما هو واقع . فقط وظفت الذاكرة الشعرية بسمو الشعر .
فراشات  العود الأبدي /
لقد ذكر( مرسيا إلياد ) في العود الأبدي ، كوننا نستلهم الصورة المثلى ، حين نستجيب إلى الغائر من المعارف والبنيات الجينية . ويعني بها الأساطير ، وهي التشكل الأول للنشأة البشرية. وهنا تحاول الشاعرة في هذا القسم من الديوان العودة إلى متن الأسطورة ، انطلاقا ً من أسم الإلهة ( أنانا ) إلهة الحب والحرب . إذ تستلهم روح الإلهة في رصد مشاعرها إزاء الآخر ، مما يولد مشاهد تقترب من الرؤى الصوفية ، والتي لا تـُبدد المشاعر دفعة واحدة ، بل هي تـُهيم بها ، مما يُبقي السيطرة قائمة في مدار النسق الشعري الذي في جملته عودة لخطاب الآخر. فلكي توازن بين طرفي المعادلة ، تميل إلى الاستقرار في المركز وبقوة :
{ مرة واحدة سمعت ضحكة الدنيا
كان ذلك .. حين رأيتك
لأول مرة . }
ومن هذا ينفتح الضوء على المشاعر ، لتشكـّل خطاب الذات بكل روية :
{ يا ضوء قلبي لا تكترث
خيانات صغيرة لا تقتلني
وإن كانت تؤذيني .
تسل َّ حبيبي كأنك لم ترني
أهكذا تكون مطمئنا ً
هذا كل ما يعميني }
ويبدو أن التداخل في الرؤية ، يمنح الذات نوعا ً من التعاشق الإنساني بين الطرفين ، حد الوله والعشق والحلول الصوفي :
{ ” هلال أحمر ”
يتشاجر اثنان في داخلي
لست أدري أيّا ً منهم أنا
لا أعرف لمن أنحاز . }
ولعل الشعرية تطوف بالشاعرة نحو آفاق أوسع ، بحيث تتوالى الصور لتؤكد تلك العلاقة المبنية على رؤى متبصرة ، وقادرة على الاختيار . لذا نجد في ما يلي نوعا ً من الارتكاز على منطقية الحقائق التي خبرتها الذات مع الآخر ، في درجة من القناعة القوية التي تؤكد طبيعة تلك العلاقة :
{ سأسأل السماء َ كثيرا ً عن سموّك .
سأحاول أن أتخيّل الإجابة
واعلم ألا إجابة
لأنك الملك على الدرهم ..
ولأنني الكتابة . }
وتبدو ( فراشات أنا .. نا ) خطاب موجه إلى الذات للمراجعة ، وإن بدا موجها ً إلى الآخر . لذا نجد فيه خلاصة مؤكـَدة باتجاه نقد التجربة ، بروح قوية ، وبشعرية فائضة وراكزة . وهي صفة وضعتها الشاعرة نصب عينيها وهي تـُدير محور الشعر باتجاه حوار الآخر . حيث تبدو في هذا القسم تتعامل بروية أيضا ً ، وبإدراك من ربح التجربة على صعيد الحس الإنساني ولعل المقطع من القصيدة ما يُلخـّص ذلك :
{ أتعبني التمثيل
وأسمٌ مستعار
حتى ضيّعت نفسي
غيّرني التجميل .. وأقنعة كـُثار
فصرت أبحث عن رأسي
سئمتُ كم نصٍ مكتوب
وحبيب مكذوب
ومن تكرار الحوار
تعبتُ افتعال الهروب
ومن الخشبة .. والتصفيق والستار
وعيون كثيرة ترنو إليّ
نعبت من طول المسرحية . }
فراشات أنثويـــة /
في هذا القسم تكون القصائد قصيرة ، تعتمد الإيجاز ، مقتربة من قصائد الهايكو . إذ تعكس رؤى منفتحة على ظواهر ، ملخصة نظرة الشاعرة والشعر إلى جملة حالات مألوفة ، لكن الشعر من يضعها في مصاف الندرة . وهي في تأثيرها النفسي ، تبدو أشد قوة محركة ، تتمكن من إزاحة النمط ، سواء لصالح الذات أو بالضد منها . المهم أنها تكتسب أهميتها من انبثاقها من التجربة الفعلية أو المتخيلة . وبما يصنفها ضمن انبثاق الرؤى الفاحصة . ولنأخذ عيّنات من هذه القائد :
{ ملاكي الكبير
أحبك كثيرا ً جدا ً
شرط أن تبقى .. ملاكا ً }
وفي هذا محاولة لمنح المعنى نوعا ً من التورية  ، لكنها من النوع السهل ، بحيث يكشف المراد من القول .
{ مجانين الحب
شهداء الغضب }
ويبدو فيه جمع بين نقيضين .
{ من أين لي أن أعرف أنك نقي ؟
كثيرة هي الأشياء التي تلمع . }
وواضح ما هو موجه من كشف لصورة الآخر.
{ لو أنَّ الضوء لا ينكسر في الزجاج
لو أن الزجاج يلتئم بعد الكسر
لعدت ُ إليك بكامل ضوئي }
وهنا تتجلى صورة الذات ، والقدرة على النظر إليها بقوة ، دون أن يترشح الضعف من بين تراتب الجمل .
وهذه المقاطع القصيرة توحي بخلاصة التجربة ، وصفاء الرؤى اتجاه مثل هذه التجربة . ذلك لأننا نقف على قوة الذات الأنثوية المرشحة من الشعر دون تبديد أو تسويف أو مظلومية . فالذات هنا خير من يكشف التجربة ، وأفضل من ينقدها . في حين نرى في القصائد الأخرى انتمااء إلى الحكمة . وهي أيضا ً متأتية من التجربة الإنسانية ذاتها ولنورد بعضا ً منها :
{ حبك لؤلؤة حمراء
تقطن بوابات عيوني
وأرى العالم .. من عينيها
أحمر .. أحمر }
وفي هذا يُعطي الشعر خلاصا ً للفعل البشري السلبي ، الذي لا يهمه وجه الحقيقة ، ولا مستقبل الإنسان . فالأحمر هنا ليس لون الخصب ، وإنما لون الموت .

{ وحين افترقنا
انطلقت من أفواهنا القصائد
كفراشات مسننة الأجنحة
لا تكفّ عن الخروج
لا نكفّ عن ( النزيف )
ولا يكفّ  الآخرون
عن التصفيق }
وقد كشف الشعر هنا عن الذات والآخر ، وجملة الآخرين الذين يطربون لمأساة  غيرهم  . إنه كشف للتناقض في الوجود وفي الظواهر الاجتماعية . فالشعر هنا  المختبر الذي تمر في حاضنته كل الحالات ، فله رؤيته في هذا وذاك  . والشاعرة تضع ذاتها مختبرا ً لتجربتها مع الآخرين ، الذين قد يتوزعون إلى ذوات ، لكنهم في النهاية يصطفون إلى ذات ، تعالج الذات الأنثوية علاقتها مع التشكـّل الجديد للذوات في ــ الآخر ــ . وهذا ما يتيح الفرصة أكثر للتأكيد على هذه النظرة الراكزة في قسم ( فراشات الأعياد ) الموزعة بين (الأنا )والـ (نحن ) على التوالي في حوار دائم من مثل :
{ كل عيد وأنت أنا
كل أنت
وأنت عيدي }
وعلى نمط أيضا ً : ( الأعياد نحن / الأعياد رجل / الأعياد هي أنت / الأعياد هي أنت وأنا في :
{ حين تجمعنا الكلمات
الكلمات فقط
وتفرقنا البقية }

إشارة /

آمنة محمود / فراشات آمنة / دار الينابيع ــ دمشق  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نـجـيب طــلال : صرخة بين الجرح والمجروح  في عضو رجــل !! .

قبــل القول: تأكيدا بأن: المبدع والمسرحي: أحمد أمل ؛ لم يأت من فراغ إبداعي وفكري؛ …

| احمد عواد الخزاعي : تجليات الحرب في “خوذة لرجل نصف ميت” للقاص احمد خلف .

شكل أدب الحرب رافداً أدبياً مهماً للسرد العالمي الحديث، وأخذ حيزاً في الذاكرة الجمعية للإنسانية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.