عبد الزهرة لازم شباري : إيحاءات حب الوطن في مجموعة رياح الجنوب

عند الكتابة عن المنجز الشعري الذي قدمه الأستاذ الدكتور أمين عبدا لجبار السلمي يحتاج من القارئ أن يتمعن في سطوره التي يسَير بها مفردات النصوص التي أمامه ، والتي تشكل زاوية انطلاق الشاعر لرسم صوره المبدعة على حافة الطريق الذي قد يراه لابد وأن ينتهي مهما كان ذلك الدرب طويلاً !
فالخطوط التي يقاطعها السلمي في متشابكته الشعرية التي يقدمها لنا كقراء ونقاد ذات دلالة واضحة لتبيان ما في هذه الحياة من مبهمات قد يتجاهلها الإنسان وهو في عنفوان الصبا !
ولو أمعن القارئ حقاً في قراءة مقطوعات الشاعر ودرسها حق دراستها لأدرك أن هذه التجربة ثرية بالمعلومات الحياتية والاجتماعية ، لأن مثل هكذا نصوص شعرية تدلنا على بساطة الحياة بتراتبية منطقية متعالية وواضحة لما فيها من استعراض سيميائي للحياة وما يحمله من تأويلات واضحة ودلالات ذات خيال مترع بالإيحاء الذاتي لا الخيالي الذي يرسم الدرب لسالكيه ، حيث يبحث في  كوامن العمق الدلالي في مظاهر الحياة التي نعيشها جميعاً !
وهذا التعامل المحسوس الذي يرسَي فيه الشاعر زورقه على ساحله !المعطاء، والذي يوصلنا بالنهاية إلى بر الآمان فيما لو أمعنا النظر فيه وأدركنا ماذا يريد منا كقراء !!
فالصور الشعرية التي ضمتها هذه المجموعة التي أسماها الشاعر ب (( رياح الجنوب)) والتي سارت على نسق سابقاتها من المجاميع الثلاثة الأخرى ، ( ديوان آخر الأشعار) ( قصائد بصرية) و ( أزهار ذابلة ) والتي لم يغفل بعض الكتاب عن تجاهلها والكتابة عنها أو إرساء بعض التصويبات عليها ، تحمل إلى حد ما جمالية الصورة ودلالات الحدث الذي يؤطر دائماً الانسان وهو في صراعه مع الحياة المتشابكة والأحداث في عقول الشعراء التي تجليها إلى إيحاءات ذات دلالات واضحة وجلية ، وبرسوم  وصور مبدعة تعبر عن تلك الانفعالات بصورها المتعددة ، وتأطيرها بأشكال ذات جمال وبساطة في تراكيبها المنطقية العالية .
ففي مقطوعته (ساعة) التي يبدأها :
(( لم تبق إلاَ ساعة قبل الرحيل      فاجمع ربيع العمر كله ))

تأويل ودلالة واضحة على إشارة الشاعر إلى ما تطرقنا له وهو يشير إلينا بأن الحياة مهما كانت طويلة وسعيدة لا بد لها من الأفول ، وعلينا أن نتمعن في الحياة وأن نرسي زوارقنا على الخير والسلام مبتعدين كل البعد عن كل ما يعكر صفو هذه الحياة بالمبهمات الخاطئة والخطوط الحمراء التي تجعل منها جحيماً !
ومهما بلغ الإنسان من قوة لا بد له من أن تضعف ومن ثم الأفول ، حيث يرسم خطوطه المتوالية بالصور الشعرية :

(( ما نحن فيها معجزين     أمن الغرابة أن نزول ))

نعم أيها المبدع ، لا بد من هذا وعلينا كقراء أن نؤمن ونطيع ، ويستمر الشاعر في دبلجة مفرداته بالحلة الذهبية التي يراها تصل إلى ذهنية القارئ بدلالات عالية في رسم الحياة مع مجتمعه وشعبه وأمته فيقول :

(( عبثاً يطول بك المقام ،
من دون أن تزرع في الأرض السلام ،
وأن تجود بما تشاء من العطاء ،
فالود يعمر بالوفاء ! ))

وهكذا يجول الشاعر بفكره الخصب نحو وطنه ويرسم على صفحات خدوده أزهار الود والحب والحنان ، فيقول في قصيدته ( غشاوة) :
(( يا طيف عينيك بالأوطان ذكرني     وبالأماني كباراً إذ تغشاني ))

لأنه يراه حتى في نومه وغشوته ، ويراه حتى في ساعة الهجر له والبعد عنه ، وما يرافقه من ألم وشوق ولظى ً فيقول :

(( بكيت وحدي فما نفع البكاء لضى     وليت طيفك بعد الهجر حياني
فقد بليت بأوجاع تنوء بهـــــــــا        أبث حزنك للقاصي وللداني )) ً (1)

فها هو يتألم وبقوة لما يصيب هذا الوطن من ويلات وآلام ، تنعكس بالتالي عليه ، فيهيم شوقاً وصبابة به ، وينطلق برسم هذه الآهات وهذه الآلام ذات دلالات واضحة للقراء !
ففي قصيدته ( أمل ) التي يكرر فيها مفردة وطن ويذكر المحن التي مرَت عليه فيقول :

(( وطن .. وطن .. وطن
تدور فيك محنة المحن ،
فمنذ إنكيدو ولا زالت تئن ))

فهو يتمنى لو ينزع منه هذا الرداء الذي يجلببه بالمحن والويلات والقتل والدمار فيقول :

((  فانزع ثياب الحزن ،
وامسح الدموع ..
وأسرج الخيل وسابق الزمن ))

وفي قصيدة (أسارير) التي يؤكد فيها لوطنه ما يثبته على أن الزمان يستطيع أن يمحو كل شيء عزيز على الإنسان ، من أمكنة وأحباء وأهل وكل شيء ، لكنه لا يستطيع أن يمحو كلمة وطن من خيال الانسان ، مهما بعد وتغرب ، ونفى وسجن ، فيقول:

(( يمحو الزمان أحباء وأمكنــــــة     وتســـــــــتظل بأيام لياليها
تظل ذكراك لا تمحى بأزمنــــــة     ولا يغيب مكان كان يؤويها
أردت هجرك بالأحلام يا وطنـي    فلم أجد بدلاً للنفس يرويهــا ))

وهكذا يستمر الشاعر المبدع برسم صوره التي يؤطرها بحبه للوطن والأمة ، ففي كل مقطوعاته في هذه المجموعة الجميلة نراه يهيم حباً بوطنه وشعبه ، فيناغيه كمحبوبة له لا يستطيع فراقها ، ففي (( خراب ، صور ، ظلال ، التوأم ، ذكر  ، كنوز غيرها )) يؤكد هذا الحب الذي يترع به فؤاده ، لأنه يريد أن يرى وطنه يغرد بالسعادة والنصر والعيش الرغيد ، وينفض عنه غبار الظلم الذي أضناه لعقود مرَت عليه !!
وأخيراً أرى في هذه المجموعة الصغيرة ثراء ثميناً يجب إطلاع القراء عليه والاستفادة من مكنوناته الذاتية ، كما أرى أن لا يغيب عن آراء النقاد وملاحظاتهم ، لما يحمله من مساس بالحياة الاجتماعية والوطنية !!

(1) هكذا وجدناها في الأصل (( لأنها خارجة عن البحر)) !!!

في البصــ1/6/2012ــــــــــــــــــــرة

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *